الخطبة : 0340 - رمضان3 ( دعاء ليلة القدر ) - متى تدعو؟. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0340 - رمضان3 ( دعاء ليلة القدر ) - متى تدعو؟.


1991-04-05

الخطبة الأولى:
 الحمد لله ثمّ الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنّا لِنَهْتَدِيَ لولا أن هدانا الله ، وما توفيقي ولا اعتصامي ولا توكّلي إلا على الله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقرارًا لرُبوبيَّته ، وإرغامًا لمن جحد به وكفر ، وأشهد أنّ سيّدنا محمّدًا صلى الله عليه وسلّم رسول الله سيّد الخلق والبشر ما اتَّصَلَت عين بنظر ، أو سمعت أذنٌ بِخَبر ، اللَّهمّ صلّ وسلّم وبارك على سيّدنا محمّد ، وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريّته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدّين، اللَّهمّ ارْحمنا فإنّك بنا راحِم ، ولا تعذّبنا فإنّك علينا قادر ، والْطُف بنا فيما جرَتْ به المقادير ، إنَّك على كلّ شيءٍ قدير ، اللّهمّ علّمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علّمتنا ، وزدْنا علمًا ، وأرنا الحقّ حقًّا وارزقنا اتّباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممَّن يستمعون القول فيتّبعون أحْسنه ، وأدْخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

الدعاء مخ العبادة :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ تَحَدَّثْنا قُبَيل رمضان عن رمضان ، وتحدّثنا بعدها عن القرآن ، وبعدها عن موقعة بدر ، وبعدها عن الإنفاق ، وبقِيَتْ ليلة القَدْر ، وفي ليلة القدْر يتَّجِهُ الإنسان إلى الله عز وجل ، والدُّعاء هو جَوْهرُ هذا الإقبال ، وسِرّ هذا الاتِّجاه ، فقد روى الإمام أحمدُ في مسنده :

(( لَيْسَ شَيْءٌ أَكْرَم عَلَى اللَّه تَعَالَى مِنَ الدُّعَاءِ ))

[أحمد عن أبي هريرة ]

 إنَّك إذا دَعَوْت الله عز وجل فأنت في أعلى درجات العبوديّة ، لا ترقى عند الله تعالى إلا إذا كنت عبْدًا ، كلّما تحقّقْت من عبوديّتِكَ ارْتَقَيْت في سُلّمك عند الله عز وجل ، وأنت إذا دَعَوْت الله عز وجل ، وعبَّرْت عن افْتقارك إليه ، وعن حاجاتك إليه ، وعن أنَّ قِيامَكَ به ، وعن أنّ الله سبحانه وتعالى أنْعَمَ عليك بِنِعمة الإيجاد ، ونِعمة الإمداد ، ونِعمة الإرشاد ، إنْ كنْتَ أنتَ شاعرًا بأنَّ كلّ ما عندك من فضْل الله عز وجل فأنت في مقام العبوديّة ، فإذا توجَّهْت إلى الله عز وجل بالدّعاء فأنت في درجةٍ عاليَة مـن درجات العبوديّة ، لذلك روى الإمام أحمــد في مسنده :

(( لَيْسَ شَيْءٌ أَكْرَم عَلَى اللَّه تَعَالَى مِنَ الدُّعَاءِ ))

[أحمد عن أبي هريرة]

 وقد جاء في مصابيح السنّة أنّ النبي عليه الصلاة والسلام يقول فيما رواه أنس رضي الله عنه :

(( الدعاء مخ العبادة ))

[الترمذي عن أنس ]

 الدعاء مخ العبادة
إنّك تُصلّي من أجل أن تتّصل بالله عز وجل ، وإنّك تصومُ من أجل أن تتَّصل بالله عز وجل ، وإنّك تزكِّي من أجل أن تتَّصل بالله عز وجل ، وإنّك تحجّ البيت من أجل أن تتَّصل بالله عز وجل ، وإنّك تغضّ بصرك ، وتأمر بالمعروف ، وتنهى عن المنكر ، وتأتَمِرُ بما أمر ، وتنتهي عمَّا عنه نهى وزجر من أجل حُسن العلاقة بينك وبين الله عز وجل ، وأنت إذا دَعَوْت الله عز وجل فأنت في أشدّ حالات الاتِّصال مع الله تعالى ، أنت في أشدّ حالات الاتّصال مع الله ، والدُّعاء سِلاحُ المؤمن ، إنّك إنْ دَعَوْت الله عز وجل خالقُ الكون المُسيِّرُ العظيم ، والربّ الرحيم ، يُعينُك ، ويُسدِّدُ خُطاك ، وينْصُرُكَ ، ويُدافعُ عنك ، ويُعْطيكَ سُؤْلك ، ألَمْ تسْتَمِع إلى الحديث القدسي ، إلى الحديث النبويّ الشريف الذي يقول :

(( إذا كان ثلث الليل الأخير نزل ربكم إلي السماء الدنيا فيقول : هل من تائب فأتوب عليه ؟ هل من سائل فأعطيه ؟ هل من مستغفر فأغفر له ؟ هل من طالب حاجة فأقضيها له ؟ حتى يطلع الفجر))

[أحمد عن أبي هريرة]

 أليْسَ لك عند الله حاجة ؟ أليْسَت لك عند الله قائِمَةُ مطالِب ؟ اُدعُ الله عز وجل، اُدعُ الله من أجل أن تزداد معرفةً وحُبًّا لله عز وجل .

 

الله تعالى يحول بين المرء و قلبه :

 إذًا جاء في مصابيح السنّة أنّ الدعاءَ مُخّ العبادة ، ولكنْ يا أيها الأخوة الأكارم لِنَرْجِعَ إلى القرآن الكريم ، ماذا يقول الله عز وجل ؟ يقول تعالى :

﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ﴾

[ سورة البقرة: 176 ]

 أقْربُ من نفسك إلى نفسك ، يحول الله بين المرء وقلبه ، قال تعالى :

﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ﴾

[ سورة البقرة: 176 ]

 هل تراه قريبًا أم تراه بعيدًا ؟ هل تراه في السماء ؟ مع أنّ الله سبحانه وتعالى يقول :

﴿ وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ ﴾

[ سورة الزخرف: 84 ]

 هل تتذوَّق معنى قوله تعالى :

﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾

[ سورة الحديد: 4 ]

 قال تعالى :

﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾

[ سورة المجادلة : 7]

 هو معكم أينما كنتم ، لذلك قال تعالى :

﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ﴾

[ سورة البقرة: 176 ]

 يجبُ أن تشعرَ بِقُربِهِ ، وما مرتبةُ الإحسان إلا أن تعبدَ الله كأنّك تراه ، فإن لمْ تكن تراه فإنّه يراك ، يا موسى أتُحِبُّ أن أكون جليسَك ؟ قال : كيف ذاك يا ربّ ، وأنت ربُّ العالمين ؟! قال : أما علِمْت أنَّني جليسُ مَن ذكرني ، وحيثما الْتَمَسني عبدي وجَدَني ، إذا أردْت أنْ تحدِّث ربّك فصلّ ، واتَّصِل به ، قُم إلى الصلاة ، وقل : الحمد لله ربّ العالمين ، وإذا أردْت أن يحدّثك ربّك فاقرأ القرآن .

 

الإخلاص في الدعاء :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ قال تعالى :

﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾

[ سورة البقرة: 176 ]

 الإنسانُ أحيانا يُصبحُ الدعاءُ عندهُ عادةً ، هو في الحقيقة يعتمِدُ على زَيْد أو عُبَيْد، يعْقِدُ رجاءَهُ على فلان ، يعلّقُ آمالهُ على عِلاّن ، ولكنّه يدعو بِحُكم العادة ، بِحُكم أنَّه وُلِدَ مسلمًا ، ونشأ مسلمًا ، وارْتاد المساجد ، وتعلّم أوامر الله عز وجل فهو يدعو ، ولكنْ في حقيقة الأمْر هو متَّكئ على فلان ، ومعتمِدٌ على علاّن ، يُعَلّق آماله على زيد ، ويبني صرْح مجْدِهِ على عُبَيْد ، قال تعالى :

﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ﴾

[ سورة البقرة: 176 ]

 هل تراه قريبًا ؟ قال تعالى :

﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾

[ سورة البقرة: 176 ]

 أي إذا دعاني فِعْلاً ، إذا توجَّهَ إليّ ، وإذا عقدَ الآمال عليّ ، إذا قطَعَ آمالهُ من البشر ، إذا توجَّه إلى الله وهو واثقٌ من أنّ الله يسْمعهُ ، واثِقٌ من أنّ الله قديرٌ على أن يُجيبهُ، واثقٌ من أنّ الله معهُ ، واثقٌ من أنّ الله يحبُّه ، واثقٌ من أنّ الله خلقه من أجل أن يرحمهُ ، قال تعالى :

﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾

[ سورة البقرة: 176 ]

 كلّما ظهرَتْ لك حاجة ، وكلّما لاح لك شيءٌ تخشاهُ ، كلّما تاقَت نفسك إلى مرتبةٍ تطْمحُ إليها ، ادع الله عز وجل ، واسْألْهُ حاجتك كلّها ، إنّ الله يحبّ من عبْده أن يسألهُ شسع نعلهِ إذا انْقطَعَ . سيّدنا زكريا ، كما قال تعالى :

﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيّاً﴾

[ سورة مريم : 3]

 خَشِيَ على إخوانه من بعده الضّياع ، فطلبَ من الله غلامًا ، وقد تجاوَزَ سِنّ الإنْجاب هو وامرأتهُ ، قال تعالى :

﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾

[ سورة البقرة: 176 ]

 ولكنْ يجبُ أن تراهُ قريبًا ، ويجبُ أن تكون مخلصًا في دُعائِك ، لا أنْ تدْعُو الله بِلِسانِكَ ، وقلبكَ يتَّجِهُ إلى زيدٍ أو عُبيد ، قال تعالى :

﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾

  من أجل أن أستجيبَ لهم ، من أجل أن أُنيلهم مطلبهم ، فلْيستجيبوا لي قال تعالى :

﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾

[ سورة الأعراف : 55]

 هذا الذي يعتدي الله سبحانه وتعالى لا يستجيبُ له ، وبالتالي لا يحبُّه ، وبالتالي لا يستجيبُ له ، قال تعالى :

﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾

[ سورة الأعراف : 55]

 يا سعْدُ أطِبْ مطْعَمَكَ تكن مستجاب الدَّعْوَة ، إنَّك إن لمْ تُطِبْ مطْعَمَكَ فأنتَ مُعْتدٍ ، اعْتَدَيْتَ على أموال الناس بالغِشّ ، بالاحتكار ، بالكذب ، بالتدليس بِوَصْفٍ غير صحيح بالبِضاعة ، أيُّ كذبٍ ، أو أيُّ تدليسٍ ، أو أيُّ وصْفٍ ، أو أيُّ غشّ ، أو أيّ زيادةٍ في السِّعْر ، أو أيُّ إمدادٍ في الأجَل ، هذا كلُّه عُدوانٌ على حُقوق الناس ، فإن كنتَ معْتَدِيًا على حُقوق الناس فالله لا يحبّك ، وبالتالي لا يستجيبُ لك ، قال تعالى :

﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾

[ سورة الأعراف : 55]

 قال تعالى :

﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾

[ سورة البقرة: 176 ]

 لِيُطَبِّقوا أمْري ، لِيَقِفُوا عند الحلال والحرام ، لِيَكونوا وقّافين عند حُدود الله عز وجل، لِيَلْتزموا أمْر الله عز وجل ، وهذا هو معنى قوله تعالى فلْيسْتجيبوا لي .

 

الاتجاه إلى غير الله شرك لا يغفر :

 ولكن السؤال الكبير ، لماذا لا يستجيبُ الناسُ لأوامر الله عز وجل ؟ الجواب البسيط : لأنّهم لا يعرفونه ، لو عرفوا أنّ الله بيَدِهِ كلّ شيء ، وأنّ كلّ مقدَّراتهم ، وأنّ كلّ أعضائهم ، وأنّ كلّ حاجاتهم ، وأنّ كلّ ما حولهم ، وكلّ من حولهم بيَدِ الله عز وجل لاستجابوا له ، الإنسان لماذا يتوجَّه إلى غير الله عز وجل ؟ لِتَوَهُّمِهِ أنَّ هذه الجِهة بيَدِها أن تنْفَعَ أو أن تضرّ ، بيَدِها أن تُعطي ، وأن تمْنَعَ ، بيَدِها أن ترفعَ ، أو أن تخْفض ، بيَدِها أن تقدّم لك شيئًا ، أما إذا عرفْت الحقيقة التي تؤكّد أنَّه لا إله إلا الله ، لا رافع ، ولا خافض ، ولا معطيَ ، ولا مانِع، ولا معِزّ ، ولا مُذِلّ ، ولا قابض ، ولا باسِط إلا الله عز وجل ، لذلك إذا انْقَطَعَتْ آمالُكَ توجَّهْت بِشَكلٍ ضروريّ وحُكمي وحَتْميّ إلى الله عز وجل ، لذلك ما تعلَّمَت العبيد أفْضَلَ من التوحيد ، نهاية العلم التوحيد ، فَحْوى رِسالات الأنبياء كلّهم كما قال تعالى :

﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾

[ سورة الأنبياء: 25 ]

 لِمُجَرّد أن تتَّجِهَ لِغَير الله تعالى ، ولِمُجرّد أن تعْقِدَ الأمَل على غير الله تعالى ، ولِمُجرّد أن تخشى غير الله فأنت لا تعرف الله عز وجل ، وفي إيمانك ثُلْمةٌ كبيرة ، وفي إيمانك خللٌ خطير ، ما دُمْتَ ترى مع الله آلهةً سمَّيْتها أو لمْ تُسمِّها ، ما دُمْت ترى ما سوى الله له تأثيرٌ في حياتك فهذا من الشّرْك الخفيّ ، ونعوذ بالله من الشِّرْك الخفيّ ، والشِّرْك الجليّ .
 قبل يومين ضربْتُ مثلاً ، وأنا أُفسِّرُ آيةً قرآنيّة بِفَضْل الله وعوْنِهِ :

﴿اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾

[ سورة النّساء : 84]

 من توجه لغير الله فقد أشرك
إنَّك إذا كنْت مضطرًّا أن تكون في مدينةٍ بعد ساعات معدودة ، وتوجَّهْت إلى محطّة القطارات ، يمكن أن ترتكِبَ عشرات الأغلاط ، يمكن أن تقف ، وكان بإمكانك أن تجلس، يمكن أن تجلسَ بِحَركة اتّجاه القِطار ، ويمكن أن تجلس بِعَكس حركة القِطار ، تُصاب بالدُّوار ، وكان بإمكانك أن تجلسَ باتّجاه حركة القطار ، يمكن أن تقطَع تَذْكرةً بالدرجة الأولى ، وتدخُل إلى مقطورةٍ من الدّرجة الثانيَة خطأً ، هذه كلّها أغلاط ، ولكنّ الخطأَ الذي لا يُغتفر أنْ تتوجَّه إلى مقطورةٍ لا علاقة لها بالقِطار ، أن تتوجَّه إلى مقطورةٍ واقفةٍ ، غير متحرّكة ، أخطاؤُك وأنت في القطار المتحرّك تمضي ، ويأتي وُصولك فَيُنهيها كلّها ، أخطاؤك وأنت في القطار المتحرّك باتّجاه هدفك مغفورة ، كنتَ واقفًا تجلس ، كنتَ في هذا الاتّجاه فتقف في الاتّجاه الآخر، كنتَ في مركبةٍ من الدّرجة الثانيَة ، وتَذكرتك من الدرجة الأولى تنتقلُ إلى الأولى ، هذا كلُّه يُصَحَّح ، أما أن تتَّجِهَ إلى مقطورة لا علاقة لها بهذه القاطرة ، ولا علاقة لها بهذه الرّحْلة ، وهي واقفةٌ مَقطوعةٌ عن كلّ حركة ، فهذا الغلَط الذي لا يُغْتفر ، أي إذا اِتَّجَهْتَ لِغَير الله فهذا هو الشّرْك ، وهو الذي لا يُغْفرُ ، أما إذا اتَّجَهْت إلى الله عز وجل فالله تعالى يقْبلُكَ ، ويتوبُ عليك ، ويغفرُ لك ، ويُعالِجُك ، ويرْحمُكَ ، قال تعالى :

﴿اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾

[ سورة النّساء : 84]

 قال تعالى :

﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾

[ سورة البقرة: 176 ]

 لِيُطَبِّقوا أمْري ، ولكنّكم لن تستطيعوا ذلك إلا إذا عرفْتُموه .

 

ارتباط الاستجابة لله بالإيمان به :

 من أخلص لله الدعاء جعل له من كل ضيق مخرجا
النّقطة الدقيقة جدًّا هي أنّك إذا عرفْت الآمِر نفَّذْت الأمْر ، لأنّ تنفيذ الأمْر يحتاجُ إلى دافعٍ نفسي ، ولن تنْدفِعَ إلى تنفيذ الأمْر إلا إذا كان الآمِرُ عظيمًا ، كنتُ أضربُ هذا المثَل دائمًا ، لو جاءك أمرٌ ، وأنت في قِطعة عَسْكريّة من عريف ، هذا الأمْر لا شأْن له ، كلّما ارْتفعَت الرّتبة التي توقّع الأمْر ، عَظُمَ عندك الأمْر ، فإذا كان هذا الأمْر من أعلى رُتبةٍ في الجيش بادَرْت إلى تطبيقهِ فَوْرًا ، فإذا عرفْت الله عز وجل ، وعرفْت عظمتهُ ، وعرفْت كِبْرياءهُ ، وعرفْت قُدرتهُ ، وغِناهُ ، عرفْت أنَّه هو الخالق ، وهو المُربّي ، وهو المسيّر ، وهو الواحِد ، وهو الكامل ، والأمر كلّه بيَدِهِ ، وإليه يرجع الأمر كلّه ، وملكوت السموات والأرض كلّها بيَدِهِ توجَّهْتَ إليه حُكْمًا ، فلْيستجيبوا لي . من أجل أن يستجيبوا لي ، وليؤمنوا بي ، لا بدّ من أن تؤمن ، ولابدّ من أن تستجيبَ ، وبعدها أنت وربُّك ، اُدْعهُ كيفما شئْت ، وادْعهُ متى شئْت ، اُدْعه بأيّ موضوعٍ شئْت ، اُطلبني تَجِدني ، فإذا وَجَدْتني وجَدْت كلّ شيءٍ ، وإن فتُّكَ فاتَكَ كلّ شيءٍ ، وأنا أحبُّ إليك من كلّ شيء ، قال تعالى :

﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾

[ سورة البقرة: 176 ]

 وردَ في بعض الأحاديث القدسيّة أنّ الله سبحانه وتعالى يقول : " ما من مخلوقٍ يعتصم بمخلوقٍ دوني أعرف ذلك من نيَّتِهِ فتكيدُه أهل السموات والأرض إلا جعلتُ له من بين ذلك مخرجًا ، ما من مخلوقٍ يعتصم بمخلوقٍ دوني أعرف ذلك من نيَّتِهِ إلا قطَّعْتُ أسباب السماء بين يديه ، وأهْوَيْتُ الأرض مِن تحت قدَمَيه ".
 أيها الأخوة الأكارم ؛ إذا كان الله معك فَمَن عليك ؟ وإذا كان عليك فمَن معك ؟ ليس معك أحد ، وإذا كان الله معك عدُوُّك معك ، وهو لا يدري ، وهو لا يُريد ، يقدّم لك كلّ خِدْمةٍ ، وهو لا يريدها ، ولا يتمنّاها ، لكنّ الله سخّرهُ لك ، إذا كان الله معك فَمَن عليك ؟ وإذا كان عليك فمَن معك؟

كُن مع الله تــر الله معك  و اتْرك الكلّ وحاذر طمَعَــك
وإذا أعطاك من يمــنعــــهُ ثمّ  من يعطي إذا ما منعَـك؟
ثمّ ضَعْ نفسكَ بالذلّ لـــه قبل  أنّ النّفْس قهراً تـضَعَك
***

 أيها الأخوة الأكارم ؛ يقول الله عز وجل في حديثٍ قدسي : قال الله تعالى :

(( أنا أغْنى الشُّركاء عن الشِّركِ ، مَنْ عَمِل عَمَلا أشرك فيه مَعي غيري تركتهُ وشِرْكَهُ ))

[مسلم عن أبي هريرة ]

 أي إذا دَعَوْت الله تعالى ، ونفْسُك تعْقدُ الأمَل على غيره فالله غنيّ عنك ، وعن دُعائِك ، لا يستجيبُ لك إلا إذا عقّدت عليه الآمال ، لا يستجيبُ لك إلا إذا قطَّعْتَ علاقاتك الأرضيّة والشِّرْكِيَّة ، وتوجّهْت إلى الله عز وجل .

 

من أراد أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ جاء في صحيح مسلم ، عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم :

((إنَّ اللَّهَ تَعالى طَيِّبٌ لا يَقْبَلُ إِلاَّ طَيِّباً ، وَإنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِمَا أمَرَ بِهِ المُرْسَلِينَ ، فَقالَ تَعالى : يا أيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ وَقالَ تعالى : يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ [البقرة :172]ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أشْعث أغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إلى السَّماءِ : يا رَبّ يا رَبّ ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ ، وَغُذِي بالحَرَامِ ، فأنّى يُسْتَجابُ لِذَلِكَ؟ ))

[مسلم عن أبي هريرة]

 من حُجب عن ربه فقد أثمن ما في حياته
هل تعلمُ أيّها الأخُ المؤمن إنَّك بالدُّعاء أقْوى الناس قاطبةً ، لماذا ؟ لأنّ الله معك، وأنت بالمعصيَة أضْعفُ الناس ، لماذا ؟ لأنّ الله ليس معك ، أنت بالطاعة لله عز وجل أقْوى الناس ، إذا أردْت أن تكون أقوى الناس فتوكَّل على الله ، وإذا أردْت أن تكون أغنى الناس فكُن بما في يد الله أوْثقُ منك بما في يديك ، وإذا أردْت أن تكون أكْرمَ الناس فاتَّق الله تعالى . رُوِيَ عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم :

((لا يقل أحدكم : اللهم اغفر لي إن شئت ، اللهم ارحمني إن شئت ، ليعزم المسألة فإنه لا مكره له ))

[ متفق عليه عن أبي هريرة ]

 أحيانًا يدعو الإنسان دعاءً ، يخاف الكبير لا ينفّذ ، هذا غلَط ، هذا جهْلٌ بالله عز وجل ، اللّهم اغفر لي وارحمني ، وآتني سُؤلي كلّه ، هنا الطَّمع ، هنا الثّقة بفَضْل الله عز وجل ، ما لَم تكن بينك وبين الله تعالى صِلَةٌ متينة ، ما لم يكن بينك وبين الله إقبالٌ عليه ، ما لم يكن بينك وبين الله سُؤالٌ وجواب ، يرْوى أنّ بعض الصالحين وقعَ في مخالفةٍ أقْلقتْهُ ، هذه المخالفة حجبتْهُ عن ربّه فضاقت نفسهُ ، واسْودَّت الدنيا في عينه ، فَحَجبتْهُ عن ربّه ، لقد جفاه ربّه فقال : يا ربّ ، هو ينتظر العقاب ، وينتظر التأديب ، ينتظرُ أن يأتي جوابُ هذه المخالفة، فقال : يا ربّ ، لقد عصَيْتُك فلم تعاقبني ؟ وقعَ في قلبه أنْ يا عبدي قد عاقبْتُك ولمْ تدر ، ألَمْ أحْرِمك لذَّة مناجاتي ؟ أثْمنُ ما في حياة المؤمن هذا الاتّصال بالله عز وجل :

فلو شاهَدَت عيناك من حُسـننــا  الذي رأوهُ لما ولّيْت عنّا لغيرنــــــا
ولو سمِعَتْ أذناك حُسن خطابنا  خلعْت عنك ثِياب العُجْب وجئـتنا
ولو ذُقْت من طعْم المحبّــــة ذرّة  عذرْت الذي أضحى قتيلاً بِحُبّـنــا
ولو نسمَتْ لك من قُرْبِنا نسْمةٌ  لَمُــــــــــــتَّ غريبًا واشْتِياقًا لِقُربـــنـا
ولو لاحَ لك من أنوارنا لائـــــحٌ  تركْت جميع الكائنات لأجـــلنـــــــا
***

أَطْيَب ما في الدنيا الاتّصال بالله عز وجل :

 أن تحِبّ الله عز وجل أنت أرقى إنسان ، أن تختار من بين المخلوقات الخالق ، أن تختارَ من بين مَن حولكَ الله سبحانه وتعالى ، أن تتَّجِه إليه ، ماذا قال عليه الصلاة والسلام؟ " لو كنتُ مُتَّخِذًا من العباد خليلاً لكان أبو بكرٌ خليلي ، ولكنْ أخٌ وصاحبٌ في الله " الله هو الخليل ، الله هو النّصير ، الله هو الودود ، الله هو الرحيم ، من عرف الله زهِدَ فيمَن سِواه ، ابْن آدَم اُطلبني تَجِدني ، فإذا وجدْتني وجدْت كلّ شيءٍ ، وإن فتُّك فاتَكَ كلّ شيء ، وأنا أحبُّ إليك من كلّ شيء ، خلقتُ لك ما في السموات والأرض فلا تتْعَب ، وخلقْتك من أجلي فلا تلعَب ، فَبِحَقِّي عليك لا تتشاغَل بِما ضَمِنْتهُ لك عمَّا افْترضْتُه عليك ، خلقْتُ لك السموات والأرض ، ولم أعيَ بِخَلقِهِنّ ، أفَيُعْييني رغيفٌ أسوقُه لك كلّ حين ؟ لي عليك فريضة ، ولك عليّ رزْق ، فإذا خالفتني في فريضتي ، لم أُخالفْك في رزقك ، وعِزَّتي وجلالي ، إن لم ترضَ بما قسمْتهُ لك فلأُسلِّطنّ عليك الدّنيا تركض فيها ركض الوحش في البريّة ، ثمّ لا ينالكَ منها إلا ما قسمْتهُ لك ، ولا أُبالي ، وكنت عندي مذمومًا ، أنت تريد ، وأنا أريد ، فإذا سلّمت لي فيما أريد كفيْتُكَ ما تريد ، وإن لمْ تُسلّم لي فيما أريد أتْعبْتُكَ فيما تريد ، ثمّ لا يكون إلا ما أريد .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ مساكين أهل الدنيا ، الذين جاؤوا إلى الدنيا ، وغادروها، وما ذاقوا أطْيبَ ما فيها ، إنّ أَطْيَبَ ما في الدنيا الاتّصال بالله عز وجل ، أن تشْعرَ أنّ الله يحبّك ، وأن تشعر أنّ الله معك ، وأن تشعر أنّك بِرِعاية الله وحِفظه ، أن تشعر أنّك على الصّراط المستقيم ، وأن تشعرَ أنّك على المنهج القويم ، أن تشعر أنّ هذه الدّنيا ممرّ ، وليست مقرًّا ، أن تشعرَ أنّ هذه الدّنيا ستُفضي إلى آخرةٍ لا ينفذُ نعيمها .

 

وجوب الإيمان بحكمة الله و أن كل شيء بيده :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ عندنا سؤال يردُ على كلّ مؤمن ، يقول لك أحدهم : أنا دعوْت الله فلم يسْتجِب لي ! فسِّر لي هذه الظاهرة ؟ أَلَمْ يقل الله عز وجل :

﴿ وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾

[ سورة غافر: 60 ]

 دَعَوْتُه فلم يستجب لي .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ جاء في الحديث الشريف :

((إِنَّ رَبَّكــُمْ حَيِيٌ كَرِيمٌ . يَسْتَحْي مـِنْ عَبْدِهِ أنْ يَرْفَعَ إِلَيْهِ يَدَيْهِ ، فَيَرُدَّهُمَا صِفْراً -أَوْ قَالَ- خَائِبَتَيْنِ ))

[ابن ماجه عن سلمان ]

 من دعا الله عز وجل عليه أن يؤمن بتَقديره
الله رحيم ، وقدير ، ويحبّك ، والدليل : " أهلُ ذِكري أهلُ مودَّتي ، أهلُ شُكري أهلُ زيادتي ، أهلُ معصِيَتي لا أُقنّطهم من رحمتي ، إن تابوا فأنا حبيبهم ، وإن لمْ يتوبوا فأنا طبيبهم ، أبْتليهم بالمصائب لأُطهّرهم من الذُّنوب والمعايِب ، الحسنة عندي بِعَشرة أمثالها وأزيد ، والسيّئة بِمِثلها وأعفو ، وأنا أرأف بِعَبدي من الأمّ بِولدها ".
 إن لمْ يستجب الله لك فاعْلم عِلْم اليقين أنّ الذي سألْتَهُ إيّاه ليس في صالِحِك هو رحيم ، وهو على كلّ شيءٍ قدير ، ويحبّك ، ولكنْ إن دَعَوْتهُ فلم يستجب لك فاعْلَم عِلْم اليقين أنّه لو كُشف الغطاء لاخْترْت الواقع ، إنّه رحيم عليم ، هذا الذي سألتهُ لا يُناسبُك ، وليس من الحكمة أن يُعْطِيَك إيّاه ، إنّ من عبادي مَن لا يصلحُ له إلا الفقر ، فإذا أغْنيْتُه أفْسدْتُ عليه دينهُ، هذا مستقيم على هذا الحجم المالي ، فإذا زاد حجمه المالي وقع في المعاصي والفسق فأنا أعلمُ به ، ولذلك يدعوني فلا أستجيبُ له ، وإنّ من عبادي من لا يصلحُ له إلا الغنى فإن أفقرته أفسدْت عليه دينهُ ، قال تعالى :

﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾

[ سورة البقرة : 216]

 ألا تُسلّم ؟ خالـق الكون أليس حكيمًا ؟ ألَم تؤمن أنَّ كلّ شيءٍ وقع أراده الله وكلّ شيءٍ أراده الله وقع ، وأنّ إرادة الله متعلّقة بالحِكمة المطلقة ، وأنّ الحكمة المطلقة متعلّقة بالخير المطلق ؟ قال تعالى :

﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾

[ سورة آل عمران : 26]

 فإذا دَعَوْت الله عز وجل ولمْ يستجب لك ، فاعْلم أن عدم الاستجابة لِمَصلحتك ، ولو كُشف الغِطاء لاخْترْت الواقع :

((إِنَّ رَبَّكــُمْ حَيِيٌ كَرِيمٌ . يَسْتَحْي مـِنْ عَبْدِهِ أنْ يَرْفَعَ إِلَيْهِ يَدَيْهِ ، فَيَرُدَّهُمَا صِفْراً -أَوْ قَالَ- خَائِبَتَيْنِ ))

[ابن ماجه عن سلمان ]

 وفي حديث آخر ، يقول عليه الصلاة والسلام فيما رواه ابن مسعود قال :

((ما هو آت قريب إلا أن البعيد ما ليس بآت ، لا يعجل الله لعجلة أحد ، ولا يخف لأمر الناس ، ما شاء الله لا ما شاء الناس ، يريد الله أمرا ، ويريد الناس أمرا ، ما شاء الله كان ، ولو باعده الناس ، ولا مقرب لما باعده الله ، ولا مبعد لما قرب الله ، ولا يكون شيء إلا بإذن الله ))

[ شعب الإيمان عن ابن مسعود]

 واسمعوا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلّم :

((إنّ الله ليحمي صفيّهُ من الدنيا كما يحمي أحدكم مريضه من الطعــام))

 وفي روايةٍ أخرى :

((إنّ الله يحمي صفيَّهُ من الدنيا كما يحمي الراعي الشفيق غنَمَهُ من مراتع الهلكة))

[البيهقي عن حذيفة ]

 يجبُ أن تؤمن بِرَحمته ، يجبُ أن تؤمن بحِكمته ، يجبُ أن تؤمن بِتَقديره ، يجبُ أن تؤمن أنّ بيَدِهِ كلّ شيء .

 

الدعاء من أجل التضرّع والتذلّل والتوبة والاستقامة :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ سؤال آخر يخطرُ على البال ، إذا كان الله عليمًا ، بصيرًا ، سميعًا ، ورأى عبْدهُ بِحاجةٍ إلى شيء ، لماذا لا يُلبِّيه من دون سؤال ؟ هنا قضيّة ، الله سبحانه وتعالى إذا رأى من عبده ازْوِرارًا ، الْتفاتًا إلى ما سواه ، غفلةً ، تساهلاً ، تسيُّبًا ، مخالفةً لأوامره، لابدّ من أن يعالِجَهُ ، يسوق له بعض الشدائد ، ويقول له : اُدْعني ، فإذا دعا العبدُ ربّه ، ثمّ انْزاحَت هذه الشدائد ، بماذا يشعرُ العبْد ؟ يشعرُ العبد أنّ الله سمعهُ ، وأنّ الله استجاب له ، ما الذي يُضاف إلى هذا العبد بعد الدّعاء والإجابة ؟ يُضاف له محبّة إضافيّة ، وعِلْمٌ إضافي ، تزداد معرفته بالله ، ويزداد حبّه لله ، كلّما كنتَ في مرتبةٍ ، وأراد الله عز وجل أن ينقلك إلى أخرى قال لك : اُدْعُني ، هناك مشكلة ، تدعوهُ فَتُزاحُ هذه المشكلة ، تزدادُ معرفةً بأنّه سميعٌ بصيرٌ ، قديرٌ غنيّ ، وتزدادُ حبًّا له ، تبارك اسم ربّك ذي الجلال والإكرام ، والدليل قال تعالى:

﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾

[ سورة السجدة: 21]

 صار هناك انحراف ، وتقصير ، ومعاص ، ساق الله بعض الشدائد ، ويقول لك: اُدْعني ، تابَ من كلّ المعاصي ، ودعا ربّه ، فأزال عنه هذا الهمّ ، فشعَرَ بالقُرْب ، وشعر بالحبّ ، وشعر أنّه يعرفُ الله أكثر ، دليلٌ آخر ، ربّنا عز وجل يقول :

﴿فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ﴾

[ سورة الأنعام : 42]

 معناه أنّ الدعاء من أجل التضرّع ، ومن أجل التذلّل ، ومن أجل التوبة ، والاستقامة ، ومن أجل المعرفة ، ومن أجل الحبّ .

((اغتنموا الدعاء عند الرقة فإنها رحمة ))

[الدّيلمي عن أبي بن كعب ]

أهمية الدعاء :

 الموضوع الأخير ، يقول عليه الصلاة والسلام :

((لن ينفع حذر من قدر ، ولكن الدعاء ينفع مما نزل ، ومما لم ينزل ، فعليكم بالدعاء عباد الله ))

[أبو يعلى عن معاذ بن جبل ]

 لن ينفع حذر من قدر ولكن الدعاء ينفع مما نزل
إنسان مختصّ بأمراض المعِدة ، لو أنّه طبّق كلّ علمه في غِذائِهِ ، وأراد الله أن يؤدِّبه بمعِدَته ، على الرّغم من اختصاصه الرفيع ، واهتمامه الدقيق ، قد يُصاب بِمَرضٍ في معدته ، ولا ينفع ذا الجدّ منك الجدّ ، أي ذكاء الإنسان لا يحميه من قضاء الله تعالى ، ذكاؤُه ، خبرته ، علمهُ ، معلوماته ، احتياطاته ، خطَطُه ، هذه كلّها لا تنفع مع الله عز وجل ، لكن ماذا ينفعك مع الله ؟ أن تكون معه ، فإن لم تكن معه ، وأخذْت كلّ الاحتياطات ، وفعلْت كلّ الأسباب ، وفعلت كل المبرِّرات ، وساهمْت في إيجاد كلّ الموجبات ، لا بدّ من أن يأتي قضاء الله ، ولابدّ من التأديب ، وإذا أراد ربّك إنفاذ أمْرٍ أخذ من كلّ ذي لبّ لبه ، أين عقلك ؟ أن خبرتك ؟ أين ذكاؤك ؟ فربّنا عز وجل لا يحميك منه ذكاؤُك ، ولا خبرتك ، ولا احتياطك ، ولا أن تأخذ بالأسباب ، وتنسى الله عز وجل ، لا ، يؤتى الحذر من مأْمنِهِ ، لا ينفع حذر من قدر ، ولكن ينفعك أن تكون معه بالدّعاء ، ولكن الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل ، فعليكم بالدعاء عباد الله . أنْ تستغني عن الله في خِبرتك ، وفي علْمك ، باختصاصك ، وبِمالك ، وبصِحّتك ، وبقدرتك ، وبقوّتك ، وتنسى الله عز وجل ، تؤتى من مأمنك ، أما إذا دَعَوْت الله فأنت عبْدٌ له :

ومالي سوى فقري إليك وسيلــة  فبالافتقار إليك فقري أدْفعُ
وما لي سوى قرعي بابك حيلة  فإذا رددْت فأيّ بابٍ أقرعُ؟
***

 قال تعالى :

﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً* إِلَّا الْمُصَلِّينَ﴾

[ سورة المعارج : 19-22]

((لن ينفع حذر من قدر ، ولكن الدعاء ينفع مما نزل ، ومما لم ينزل ، فعليكم بالدعاء عباد الله ))

[أبو يعلى عن معاذ بن جبل ]

التضرع إلى الله في الرخاء و الشدة :

 ويقول عليه الصلاة والسلام :

((تضرعوا إلـى الله في الرخاء ، فإن الله تعالى قال : من دعاني في الرخاء وفي الشدّة أجبتهُ ، ومن سألني أعْطيْتهُ ، ومن تواضعَ إليّ رفعته ، ومن تواضع رحمته ، ومن استغفرني غفرت لــه))

 في الرّخاء أنت تعرفهُ ، وإن دعوتهُ في الشدّة فأنت مضطرّ إليه ، لكنّ معرفتك به قليلة ، إن دعوْته في الرّخاء فهذه علامة معرفتك بالله عز وجل ، إن دعوْته في الشدّة فأنت مضطرّ إليه ، وعلى كلّ هذا مقبول ، النبي عليه الصلاة والسلام يقول :

(( ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها حتى يسأله شسع نعله إذا انقطع ))

[ابن حبان عن أنس ]

الإلحاح في الدعاء :

 ويقول عليه الصلاة والسلام :

(( إن الله تعالى يحب الملحين في الدعاء ))

[رواه الحكيم ابن عدي في الكامل والبيهقي في شعب الإيمان عن عائشة]

 أتيْت باب صديقٍ تحبّه ، طرقْت الباب طرقةً واحدة ، لم يُستجب لك فانْصرفْت ‍! لا ، أوّل طرْقة ، وثاني طرقة ، لعلّه يصلّي ، لعلّه في قضاء حاجة ، لعلّه في المطبخ :

(( إن الله تعالى يحب الملحين في الدعاء ))

[رواه الحكيم ابن عدي في الكامل والبيهقي في شعب الإيمان عن عائشة]

أخْلِق بذي الصبر أن يحظى بحاجته  ومُدمِنِ القرع للأبواب أن يلجا
***

(( إن الله تعالى يحب الملحين في الدعاء ))

[رواه الحكيم ابن عدي في الكامل والبيهقي في شعب الإيمان عن عائشة]

 وقد قيل : يا رسول الله أيّ الدعاء أسمع ؟ فقال : جوف الليل ، قال تعالى :

﴿كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾

[ سورة الذاريات : 17-18]

 وقد مرّ عليه الصلاة والسلام على عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه وهو يدعو ويقول : اللهمّ ارحمني ، فضربَ بيده بين كتِفَيه ، وقال : يا عليّ أعِمّ ولا تخصّ ، فإن بين الخصوص والعموم كما بين السماء والأرض .
 وعن الزُهري قال : أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن : أن أبا هريرة قال :

((قام رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة وقمنا معه ، فقال أعرابي وهو في الصلاة : اللهم ارحمني ومحمداً ، ولا ترحم معنا أحداً ، فلما سلم النبي صلى الله عليه وسلم قال للأعرابي : لقد حجرت واسعاً - يريد رحمة الله- ))

[البخاري عن أبي هريرة]

 قال : يا عليّ أعِمّ ولا تخصّ ، فإن بين الخصوص والعموم كما بين السماء والأرض .

 

تجنب الدعاء على النفس و المال و الأولاد :

 وقد روى مسلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم :

(( لا تدعوا على أنفسكم ))

[مسلم عن أم سلمة]

 كلام العوام : الله يقطع عمري !! لماذا هذا الكلام ؟ لا تدعوا على أنفسكم ، ولا تدعوا على أولادكم ، ولا تدعوا على أموالكم . قد يدعو أن ينقطع عنه هذا الرّزق ، فإذا انقطَعَ ذاق الأمرَّيْن ، ولا تدعوا على أولادكم ، ولا على أنفسكم ، ولا على أموالكم ، ولا على خدمكم ، وفي نهاية المطاف ، من لم يدعني أغضبُ عليه ، خلقَكَ من أجل أن يرحمَكَ ، ويرحمك إذا دعوتهُ فادْعهُ .

 

استثناء المضطر من كل شروط الدعاء :

 آخر فكرة بالخطبة ، المضْطرّ مستثنى من كلّ شروط الدعاء ، إذا كنت مضطرًا؛ مستقيم ، أو غير مستقيم ، موحّد أو غير موحّد ، إذا وقعْت في ضائقة ، وفي ورطة كبيرة ، وفي مشكلة ليس لها حلّ ، وقلت : يا ربّ ليس هناك أحدٌ إلا أنت ينقذني ، ما خيّب الله لك ظنك ، والدليل قوله تعالى :

﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾

[ سورة النمل : 62]

 أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ
فالمضطرّ بأيّ وضع مقبول ، وهذه حالة استثنائيّة ، قال تعالى :

﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴾

[ سورة البقرة : 186]

 أما إذا كنت مضطرًّا فاطْرق بابه في أيّة حالة يقبلُك ، فإذا قبِلَك أحببتهُ وأطعتهُ، قال تعالى :

﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾

[ سورة النمل : 62]

 حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزِنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أنّ ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا ، وسيتخطّى غيرنا إلينا فلْنَتَّخِذ حذرنا ، الكيّس من دان نفسه ، وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتْبعَ نفسه هواها ، وتمنّى على الله الأماني ، والحمد لله رب العالمين .

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

مصير الإنسان يُحدَّد بِمَدى فهمه لهذا الدّين :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ النبي عليه الصلاة والسلام استعاذ من قلبٍ لا يخشع ، وعينٍ لا تدمع ، ونفسٍ لا تشبع ، ودعوةٍ لا يُستجابُ لهـا ، إذا كنت مستقيمًا علـى أمر الله تعالى، ولم تُستجَب دعوتك فهذا في صالحك ، أما إذا كان هناك مخالفات ، ومأكل حرام ، ومَشرب حرام ، والإنسان غذّي بالحرام ، فهذا موضوع آخر .
 على المسلم أن يصلح حياته قبل أن يدعو الله عز وجل
أيها الأخوة الأكارم ؛ لو أنّ إنسانًا يركبُ مركبةً ، وتوقّفت هذه المركبة في الطريق ، وخرج منها ، ورفع يديه إلى السماء ، يا ربّ ، أنا مقطوع ، يا ربّ سيأتي الليل ، أليس الموقف الذكيّ العلمي الواقعي أن يفتح هذا السائل غطاء المحرّك ، وأن ينظر أين الخلل ؟ إذا كانت هناك معاص ومخالفات ، فقبل الضجيج ، والصّخب ، والدعاء ، وارتفاع الصّوت ، ما دام هناك معاصٍ ، ومادام مقيماً على معصيَة ، وعلى مخالفة ، وما دام بالدّخْل حرمة ، وشبهة، وما دام بالعلاقات الإنسانية هناك معاص ، وبعلاقاتك مع النّساء هناك تجاوُزات ، هنا خلل كبير ، والدّعاء معطّل ، الآن قبل أن ترفع صوتك بالدّعاء ، وقبل أن تصرخ ، وقبل أن تقول : يا رب ليس هناك إلا أنت ، هل هناك خلل في حياتك ؟ هل هناك مخالفات ؟ إن لم يستجب الله لك ، وكنت مستقيمًا فهذا في مصلحتك ، وإن لم يستجب الله لك ، ولم تكن مستقيماً فاعلم أنّ في حياتك خللا كبيرًا ؛ إن في عقيدتك ، وإن في سُلوكك ، هذا الكلام يُترجمه العارف بالله إبراهيم بن الأدهم ، مرّ بِسُوق البصرة ، فقيل له : " يا أبا إسحاق ، إنّ الله تعالى يقول : ادعوني أستجب لكم ، ونحن ندعوه فلا يستجيبُ لنا ، فقال إبراهيم بن الأدهم : لأنّ قلوبكم ماتت بعشرة أشياء ، عرفتم الله فلم تؤدوا حقّه ، وقرأتم القرآن فلم تعملوا به ، وادَّعَيْتم حبّ رسوله فلم تعملوا بسُنّته ، وقلتم : إن الشيطان لكم عدوّ فاتَّخَذتموه وليًّا ، قلتُم : إنّكم مشتاقون إلى الجنّة فلم تعملوا لها ، قلتم : إنّكم تخافون من النار فلم تتَّقوها ، قلتم : إن الموت حق فلم تسْتعدوا له ، اشْتغلتم بِعُيوب الناس ، وتركتم عيوبكم ، تقلّبتم في نعم الله فلم تشكروه عليها ، ودفنْتم موتاكم فلم تعتبِروا ، فكيف يُستجابُ لكم ؟ " أليس هذا واقعاً ؟ فإذا دعا الإنسان دعوةً إسلاميّة ، ولم يكن في مستواها ، الله لا يستجيب له ، الإسلام شجرةٌ عظيمة ، وارفة الظّلال ، يانعة الثّمار ، لن تستطيع أن تتفيّأ بِظِلالها ، ولا أن تقطف ثمارها إلا إذا أتيْتَها ، إلا إذا جئت الإسلام طائعًا مستقيمًا منيبًا تائبًا خاضعًا ، أما أن تقول للظلّ : تعال إليّ كي أستظلّ بك ، أما أن تقول لهذه الثمار : تعالي إليّ !! لن يأتي إليك لا الثمرة ولا الظلّ ، لن تستظلّ بظلّ الإسلام إلا إذا طبّقت أوامر الإسلام ، هذه نقطة مهمة جدًّا .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ القضيّة مصيرية ، مصير الإنسان يُحدَّد بِمَدى فهمه لهذا الدّين ، ابن عمر دينك دينَك إنّه لحمك ودمك ، خُذ عن الذين استقاموا ، ولا تأخذ عن الذين مالوا ، الإمام مالك يروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم قوله : " إنّ هذا العلم دين فانظروا عمَّن تأخذوا دينكم " القضيّة إما سعادة أبديّة ، وإما شقاء أبدي ، فو الذي نفسُ محمّد بيَدِه ، ما بعد الدنيا من دار إلا الجنة أو النار .

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولَنا فيمن تولَيت ، وبارك اللهم لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت ، فإنك تقضي ولا يقضى عليك ، اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك ، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا ، ومتعنا اللهم بأسماعنا ، وأبصارنا ، وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا ، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا ، مولانا رب العالمين ، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك ، اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً وسائر بلاد المسلمين ، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين ، ولا تهلكنا بالسنين ، ولا تعاملنا بفعل المسيئين يا رب العالمين ، اللهم بفضلك ورحمتك أعلِ كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين ، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018