الخطبة : 1123 - الإنفاق - زكاة المال والفطر . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 1123 - الإنفاق - زكاة المال والفطر .


2009-09-11

الخــطــبـة الأولــى :

الحمد لله نحمده، ونستعين به، ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته، وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عين بنظر أو سمعت أذن بخبر، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه، وآل بيته الطيبين الطاهرين، أمناء دعوته، وقادة ألويته، وارضَ عنا وعنهم يا رب العالمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم، إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

إنفاق المال في سبيل الله في مقدمة الأعمال الصالحة والإنفاق أحد أكبر خصائص المؤمن :

أيها الأخوة الكرام، شهر رمضان شهر القرب من الله، شهر العبادات، شهر التسامح، شهر القرآن، شهر الإنفاق، والحديث اليوم عن الإنفاق، وفي القرآن الكريم ما يزيد عن خمسين آية في الإنفاق، الآية الأولى قال تعالى في أول سورة البقرة:

إنفاق المال في سبيل الله في مقدمة الأعمال الصالحة

 

﴿ الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) ﴾

 

( سورة البقرة)

أحد أكبر خصائص المؤمن الإنفاق، والإنفاق هنا عام، آتاك الله علماً تنفق منه، آتاك مالاً تنفق منه، آتاك جاهاً تنفق منه، آتاك خبرة:

﴿ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴾

لأن الله جاء بالإنسان إلى الدنيا ليدفع ثمن الآخرة، وثمن الآخرة هو العمل الصالح، والعمل الصالح ثمن الجنة، لذلك حينما يأتيه ملك الموت لا يندم إلا على عمل فاته:

 

﴿ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ ﴾

(سورة المؤمنون)

وفي مقدمة الأعمال الصالحة إنفاق المال في سبيل الله، فالمؤمن يعطي، أساس حياته العطاء، وغير المؤمن أساس حياته الأخذ، المؤمن أساس حياته أنه يسعى لجنة عرضها السماوات والأرض، وغير المؤمن أساس حياته أن يسعى لدنيا عريضة.

 

إنفاق المال من الوسائل التي تقرب الإنسان إلى الله عز وجل :

أيها الأخوة،

﴿ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴾

أحد أكبر خصائص المؤمن:

﴿ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴾

الناحية العقدية يؤمنون بالغيب، والناحية الجمالية ويقيمون الصلاة، والناحية العملية ومما رزقناهم ينفقون، ثلاث خصائص كبرى للمؤمن.
أيها الأخوة، المؤمن حينما لا يجد ما ينفق قال تعالى:

 

﴿ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ (92) ﴾

( سورة التوبة)

ومن علامة المؤمن أنه يتمنى أن ينفق، فإن لم يتح له أن ينفق كان ألمه شديداً، هذه علامة إيجابية من علامات المؤمن، والإنفاق أحد أكبر الوسائل على باب الله:

 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ (35) ﴾

( سورة المائدة)

من الوسائل التي تقربك إلى الله عز وجل إنفاق المال:

 

﴿ وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ (99) ﴾

( سورة التوبة)

إن أردت وسيلة فعالة للقرب من الله إنها الإنفاق.

 

الطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق :

أيها الأخوة الكرام، لكن الإنفاق بالمعنى الواسع أي عمل، أي موقف، أي كلمة، أي عطاء، أي منع، أي غضب، أي رضا، أي ذهاب، أي إياب، إذا كان في سبيل الله فهو من العمل الصالح، والآن الآية سوف توسع مفهوم الإنفاق إلى درجة غير معقولة:

﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ (120) ﴾

( سورة التوبة)

المؤمن في كل حركاته وسكناته هو في عبادة
لذلك قالوا: عادات المؤمن عبادات، كل حركاته وسكناته إن جلس مع أهله هو في عباده، إن أكرم أولاده الصغار فهو في عبادة، إن لاعبهم في البيت فهو في عبادة، إن أخذهم إلى نزهة فهو في عبادة، إذا اشترى ثياباً تليق بمكانته فهو في عبادة، هذه الآية توسع معنى العمل الصالح، أنت حينما تحاول أن تتقرب إلى الله بوسائل لا تعد ولا تحصى قال عنها الإمام ابن القيم: "الطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق ".
أيها الأخوة، شاب صغير معه خمس ليرات ما قولكم أن الله أشار إلى هذه الحالة قال تعالى:

 

﴿ وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (121) ﴾

( سورة التوبة)

رب درهم سبق ألف درهم، وفي رواية: رب درهم سبق مئة ألف درهم.
إنسان يملك عشرة آلاف أنفق منها خمسة آلاف، أنفق نصف ماله، إنسان معه ملايين مملينة أنفق مليوناً لم ينفق نصف ماله، رب درهم سبق ألف درهم، رب درهم سبق مئة ألف درهم.

 

أدب الإسلام في الإنفاق :

أحياناً تقتضي الحكمة أن تنفق جهراً، إذا كان الإنفاق لا يتعلق بإنسان، بمشروع، بميتم، بجمعية:

﴿ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ ﴾

( سورة المطففين )

الإنفاق يكون سراً وعلانيةً
أما إذا كان الإنفاق لإنسان ينبغي ألا تذكر اسمه، هذا هو أدب الإسلام قال تعالى:

 

﴿ وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً (22) ﴾

( سورة الرعد)

هناك موطن يقتضي أن تعلن إنفاقك، أنا أذكر أنني لسنوات عدة كنت أدعى لإلقاء كلمة لجمع التبرعات لصالح ميتم كبير في دمشق، بعد كلمتي، وبعد المنافسة في الدفع، المبلغ كان يصل إلى بضعة ملايين، مرة ارتأى الإداريون أن يكون الدفع سراً ببطاقة، فالمبلغ كان ستمئة ألف، نزل المبلغ إلى العشر، عندما كان الإنفاق معلناً صار هناك تنافس، صار هناك غيرة في العمل الصالح، عندما كان كتابة، كان رقماً على دفتر، فنزل للعشر، لذلك إذا كان المشروع مشروعاً خيرياً فذكر الإنفاق له إيجابية كبيرة، وإذا كان الموضوع متعلق بأسرة معينة ينبغي ألا تذكر إطلاقاً.

 

أكبر شرف للإنسان أن الله نسبه إليه :

أيها الأخوة، الله عز وجل يقول:

﴿ قُلْ لِعِبَادِيَ (31) ﴾

( سورة إبراهيم)

وهذا أكبر شرف لنا أن الله نسبنا إليه، ﴿ قُلْ لِعِبَادِيَ ﴾ والعباد جمع عبد الشكر، العبد الذي عرفه، والعبد الذي أطاعه، والعبد الذي تقرب إليه:

 

﴿ قُلْ لِعِبَادِي الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ(31) ﴾

( سورة إبراهيم)

بطولة الإنسان أن ينفق و يصطلح مع الله قبل فوات الأوان :

 

أيها الأخوة الكرام، ما دام القلب ينبض فالأعمال الصالحة متاحة، التكفير، أن تكفر عن ذنب سابق بصدقة، التوبة متاحة، كل شيء متاح لك أيها المؤمن ما دام في العمر بقية، فإذا جاء الأجل ختم العمل:

﴿ حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ (90) ﴾.

( سورة يونس الآية: 90 )

بطولة الإنسان أن يصطلح مع الله قبل فوات الأوان
فرعون قال:

 

﴿ آَلْآَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ ﴾

( سورة يونس الآية: 91 )

لذلك البطولة أن تنفق قبل فوات الأوان، أن تتوب إلى الله قبل فوات الأوان، أن تصطلح مع الله قبل فوات الأوان:

 

﴿ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا (158) ﴾

( سورة الأنعام )

﴿ وَيُنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ(31) ﴾

( سورة إبراهيم)

عبادة الهوية :

أيها الأخوة، يقول الله عز وجل:

﴿ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ (75) ﴾

( سورة النحل)

أتصور أن الله عز وجل ما جعل زيداً غنياً إلا ليتقرب إلى الله بإنفاق المال، وكأن العبادة الأولى للغني إنفاق المال، وما جعل القوي قوياً إلا ليتقرب بقوته إلى الله، فبجرة قلم يحق حقاً ويبطل باطلاً، ويقر معروفاً ويزيل منكراً، وما جعل العالم عالماً إلا ليتقرب بعمله إلى الله:

 

﴿ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ (39) ﴾

( سورة الأحزاب )

وما جعل المرأة امرأةً إلا لتعبد الله فيما أقامها:

(( انصرفي أيتها المرأة، وأعلمي من وراءك من النساء أن حسن تبعل إحداكن لزوجها وطلبها مرضاته واتباعها موافقته يعدل ذلك كله ـ أي يعدل الجهاد في سبيل الله ))

[أخرجه ابن عساكر وأخرجه البيهقى في شعب الإيمان عن أسماء بنت يزيد الأنصارية].

هذه عبادة تسمى عبادة الهوية أنت من ؟ أنت غني عبادتك الأولى إنفاق المال، أنت قوي ؟ عبادتك الأولى إحقاق الحق، وإبطال الباطل، ونصرة المظلوم، أنت عالم العبادة الأولى أن تبلغ رسالات الله، وألا تخشى في الله لومة لائم، أنتِ امرأة العبادة الأولى رعاية الزوج والأولاد.

 

الله عز وجل يشجع الإنسان على الإنفاق و يعطيه أضعافاً مضاعفة :

أيها الأخوة الكرام، الإنسان هلوع معنى هلوعاً إذا مسه الشر جزوعاً، وإذا مسه الخير منوعاً يمسك، لكن الله عز وجل يقول:

الله عز وجل يشجع الإنسان على الإنفاق ويعطيه أضعافاً مضاعفة

 

﴿ قُلْ لَوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنفَاقِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا(100)﴾

 

( سورة الإسراء )

(( أَنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ ))

[ متفق عليه عن أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]

(( أنفق بلالاً، ولا تخشَ من ذي العرش إقلالا )).

[ رواه الطبراني عن ابن مسعود ]

مرة أخ كريم معه ابن صغير، أراد أن يدربه على الإنفاق، أعطاه مئة ليرة، وقال له: ادفعها لهذا الفقير يا بني، والله عز وجل يكافئك على هذه الصدقة بعشرة أمثالها، طفل صغير أعطى المئة ليرة لهذا الفقير، قال له: أين الألف ؟ قال له: المال مالي يا بني لو أنك أنفقت من مالك، قال له: أما قلت لي المئة بألف ؟ وهو يمشي في الطريق التقى بصديق له، فأمسك ابنه وحمله، وقبله، وأعطاه ألف ليرة، وكأن الله أراد أن يربي هذا الصغير المئة بألف، والله عندي قصص لا تعد ولا تحصى حول أن الله عز وجل يشجعنا إذا أنفقنا، يعطينا أضعافاً مضاعفة.

 

الحل الوسط فضيلة بين الإسراف و الإقتار :

أيها الأخوة الكرام، إنفاق الناس على الدنيا، تأتي على الإنسان ساعة يتحسرون على ما أنفقوا من أجل الدنيا:

﴿ وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا(42)﴾

( سورة الكهف )

﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ ﴾

( سورة الأنفال الآية: 36 )

الاعتدال والحل الوسط فضيلة بين طرفين
لكن الميزان الدقيق قال تعالى:

 

﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (67) ﴾

( سورة الفرقان)

(( ليس منا من وسع الله عليه ثم قتر على عياله ))

[ الجامع الصغير عن جبير بن مطعم بسند فيه ضعف ]

(( ليس منا من وسع الله عليه ثم قتر على عياله ))

[ الديلمي عن عائشة]

﴿ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا ﴾

المبذر من أخوان الشياطين، والتبذير في المعاصي والإسراف في المباحات، أنت حينما تسرف في المباحات فأنت مسرف، والله عز وجل قال:

 

﴿ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (31) ﴾

(سورة الأعراف)

في كل شيء، كن معتدلاً:

 

﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (67) ﴾

( سورة الفرقان)

اعتدال، الحل الوسط فضيلة بين طرفين.

 

الإنفاق صفة من صفات المؤمن :

الآن أول نقطة إذا قال الله عز وجل وهو أصدق القائلين، إذا قال الله رب العالمين، إذا قال من بيده خزائن كل شيء، إذا قال الله عز وجل:

﴿ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ (39) ﴾

( سورة سبأ)

ما قولك ؟

﴿ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ ﴾

الإنفاق صفةٌ من صفات المؤمنين
من شيء، من تفيد استغراق جزئيات النوع، ما أنفقتم شيئاً قد يكون ألف ليرة، ما أنفقتم من شيء خمسة قروش، ليرة سورية واحدة، من شيء، من تفيد استغراق جزئيات النوع:

 

﴿ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (39) ﴾

( سورة سبأ)

لذلك:

(( أنفق بلالاً، ولا تخشَ من ذي العرش إقلالا ))

[ رواه الطبراني عن ابن مسعود ]

(( أَنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ ))

[ متفق عليه عن أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]

أعتقد هذه الآية تكفي:

 

﴿ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (39) ﴾

( سورة سبأ)

لكن هناك موقف ذمه القرآن الكريم ذماً شديداً، يا أخي فلان فقير أعطه من مالك، الله كافي العباد، نحن لا علاقة لنا، لا تعترض على قضاء الله وقدره، هذا كلام فيه كذب، هذا كلام فيه بعد عن الله عز وجل:

 

﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (47) ﴾

( سورة يس)

هو فقير والله قادر أن يغنيه عن غير طريقك، لكنه عرضك لعمل صالح ترفضه؟

 

من عاش هموم الأمة كان كبيراً عند الله و من عاش همومه الشخصية كان صغيراً :

أيها الأخوة:

﴿ هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ (38) ﴾

( سورة محمد)

﴿ هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ ﴾

من عاش هموم الأمة كان كبيراً عند الله، ومن عاش همومه الشخصية كان صغيراً
قبل يومين كنت في اجتماع لمنظمة القدس الدولية، وأنا عضو فيها، جاءنا خبر مؤلم جداً أن عشرات المئات من البيوت المحيطة بالمسجد الأقصى دفع لأصحابها في المتر الواحد مليون دولار ليبيعوها لليهود، فأبوا خوفاً من الله عز وجل، هي الآن قد هدمت، وأصبح أهلها في العراء، والله بذل هؤلاء الذين وقفوا موقفاً إسلامياً لا يعلمه إلا الله.
أيها الأخوة الكرام، حينما تعيش هموم الأمة تكون كبيراً عند الله، أما حينما تعيش همومك الشخصية تكون صغيراً:

 

(( أنفق بلالاً، ولا تخشَ من ذي العرش إقلالا ))

 

[ رواه الطبراني عن ابن مسعود ]

أحد البيوت مساحته تقدر بمئة وسبعة وثلاثين متراً مربعاً، دفع اليهود فيه مئة وسبعة وثلاثين مليون دولار، فرفض صاحبه بيعه فهدموا البيت، وأصبح صاحبه بالعراء، ألا يحتاج هذا إلى مساعدة ؟

 

المال موقوف على طريقة إنفاقه :

أيها الأخوة الكرام، الله عز وجل يقول:

﴿ آَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ ﴾

( سورة الحديد الآية: 7 )

المال موقوفٌ على طريقة إنفاقه، فقد يكون نعمة أو نقمة
الله عز وجل جعل هذا المال بيدك، يدك عليه يد الأمانة ليس يد الملكية، أنت مستخلف في هذا المال، والله عز وجل سينظر ماذا ستفعل ؟ أتنفقه في حل مشكلات المسلمين؟ أتنفقه في التخفيف من متاعبهم أم تنفقه على ملذاتك المحرمة ؟ فالمال امتحان، هل المال نعمة ؟ الجواب لا ‍، هل هو نقمة ؟ الجواب لا، المال موقوف على طريقة إنفاقه، فإن جمعته من حلال، وأنفقته في حلال، كان أكبر نعمة، لأنه أوصلك إلى الله، أما إذا جمعته من حرام، وأنفقته في حرام، كان هذا المال نقمة وأية نقمة، الله عز وجل يقول:

 

﴿ لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنْ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ(10) ﴾

( سورة الحديد)

في الأوقات العصيبة الإنفاق له أجر كبير جداً، في الأوقات الرخية الإنفاق له أجر، أما أجره الكبير في الأوقات العصيبة:

 

﴿ وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنْ الصَّالِحِينَ(10) ﴾

( سورة المنافقون)

 

الشح مرض يصيب النفس و هو ليس أقل وبالاً على الإنسان من الورم الخبيث :

أيها الأخوة، كيف بالإنسان إذا أصيب بمرض خبيث ؟ هذا الورم الخبيث مرض عضال، مرض قاتل، مرض ينهي الحياة، صدقوا ولا أبالغ، هناك مرض يصيب النفس ليس أقل وبالاً على الإنسان من الورم الخبيث إنه الشح، قال تعالى:

﴿ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (9) ﴾

( سورة الحشر)

الشح مرضٌ يصيب النفس، ليس أقل وبالاً على الإنسان من المرض الخبيث
الفلاح والنجاح أن توقى من مرض خطير إنه مرض الشح، وهل تصدق أن الله عز وجل يدعوك لتقرضه، وهو رب العالمين، يدعوك لتعاون مخلوقاً من مخلوقاته وهذا عند الله قرض لله، قال تعالى:

﴿ إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ ﴾

( سورة التغابن )

 

﴿ لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ ﴾

( سورة الطلاق الآية: 7 )

أي يقول لك: كم صدقة الفطر وهو يملك ملايين ؟ تقول له: مئة ليرة، يقول : ممتاز، عنده ثمانية أشخاص ثمانمئة ليرة، هذه المئة ليس لك، هذه للفقير، يجب أن تنفق بقدر وسعك:

﴿ لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ ﴾

( سورة الطلاق الآية: 7 )

 

الله عز وجل إذا أعطى أدهش وإذا حاسب أدهش :

أيها الأخوة، المكافأة:

الله عز وجل إذا أعطى أدهش وإذا حاسب أدهش

 

0﴿ مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (261) ﴾

 

( سورة البقرة)

مثل سبع سنابل في كل سنبلة مئة حبة، أيها الأخوة، إذا أعطى أدهش، وإذا حاسب أدهش:

 

﴿ وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ(265) ﴾

( سورة البقرة)

 

أي شيء تنفقه يعلمه الله وسيخلفه عليك :

هذه كلها آيات تحثنا على الإنفاق:

﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنْ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ (267)﴾

(سورة البقرة)

هل تصدقون إنساناً يدفع زكاة ماله من بضاعته، بائع أحذية يعطي الفقير حذاء كل واحدة نمرة، هذه لا تباع معه وضعها في الزكاة، عنده ثياب لا تباع إطلاقاً دفعها زكاة، هذه الآية دقيقة:

 

﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنْ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ (267)﴾

(سورة البقرة)

مرة قدم لي ألبسة مهترئة لأوزعها، فقال لي صاحبها: إن شاء الله وزعتها، قلت لها: وضعتها في المكان المناسب في الحاوية:

 

﴿ تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (267)﴾

(سورة البقرة)

أول آية:

﴿ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ (39) ﴾

( سورة سبأ)

الآية الثانية:

﴿ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ (270) ﴾

( سورة البقرة)

لا تحتاج مع الله إلى إيصال، أي شيء تنفقه يعلمه الله وسيخلفه عليك، والله لو لم يكن في هذا الخطاب إلا هاتان الآيتان لكفيتا

﴿ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ (39) ﴾

﴿ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ (270) ﴾

يعلم ويخلف، انتهى الأمر.

 

على الإنسان أن يبحث عن الفقير المتعفف لإعطائه مال الزكاة :

من هذا الذي ينبغي أن تعطيه مال الزكاة، قال الله عز وجل:

﴿ يَحْسَبُهُمْ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنْ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا (273)﴾

( سورة البقرة)

ينبغي على الإنسان أن يبحث عن الفقير المتعفف لإعطائه مال الزكاة
ابحث عن هذا، الذي يلح عليك، يثقل عليك، يقسو عليك بالكلام، ابحث عن إنسان يخجل أن يسألك، ابحث عن إنسان مظهره مقبول، تظنه غنياً وهو فقير، هذا الذي يستحق الزكاة والصدقة، لا يسألك ماذا يبنى على هذا الحكم ؟ أن تبحث عنه أنت، الذي يستحق الزكاة يحسبه الجاهل غنياً من التعفف، ما الموقف الذي ينبغي أن تقفه حيال هذه الآية هو لا يسألك ؟

 

﴿ وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ(19) ﴾

( سورة الذاريات )

من هو المحروم ؟ الذي لا يسأل فيحرم، يخجل، عنده عزة، عنده كرامة، أنيق بثيابه، فقير لكنه أنيق، ثيابه نظيفة، هذا الذي لا يسألك هو الذي يستحق العطاء، هو لا يسألك إذاً ابحث عنه أنت، قد يتوهم متوهم أنه لمجرد أنه أخرج هذا المال ودفعه لأي إنسان أدى الواجب، لا، لا تؤدي الواجب إلا إذا وضعت هذا المال عند من يستحقه، والذي يستحقه لا يسألك، الذي يستحقه يتعفف عن السؤال، الذي يستحقه يتجمل، لا تظنه فقيراً، هذا الذي يستحق الزكاة:

﴿ يَحْسَبُهُمْ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنْ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا (273)﴾

العاقل من ينفق ماله على الأعمال الصالحة في السراء و الضراء :

أيها الأخوة:

﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ والأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ(133) ﴾

( سورة آل عمران )

الذين معنى جديد:

﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ ﴾

( سورة آل عمران الآية: 133 )

الإنسان في البحبوحة ينفق لكن هناك أبطال من المؤمنين وهو في ضائقة ينفق:

﴿ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾

( سورة آل عمران الآية: 134 )

وهناك من ينفق رئاء الناس، إذا كان هناك حفل كبير و إعلان يدفع، أما له قريب يموت من الجوع إن أعطاه لا يعلم به أحد، يحجم عن عمل صالح غير معلن، ويعمل أعمالاً صالحة معلناً بها عن إحسانه، وعن سخائه:

﴿ وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا (38) ﴾

( سورة النساء)

 

الابتعاد عن إنفاق المال في طريق لا يرضي الله عز وجل :

أما الذين كفروا:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ (36) ﴾

( سورة الأنفال)

أيها الأخوة:

﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآَخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (60) ﴾

( سورة الأنفال)

ما نقص مال عبدٍ من صدقة
لذلك:

 

(( مَا نَقَصَ مَالُ عَبْدٍ مِنْ صَدَقَةٍ ))

 

[حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ عن أبي كبشة الأنماري]

والله القصص الذي سمعتها حول هذا الحديث لا تعد ولا تحصى.
أيها الإخوة الكرام، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وسيتخطى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا، الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني، والحمد لله رب العالمين.

 

* * *

الخطبة الثانية :

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله بيته الطيبين الطاهرين، وصحبه أجمعين.

وجوب صدقة الفطر على أي مسلم صام رمضان :

أيها الأخوة، نشرة أصدرتها إدارة الإفتاء العام في بلدنا الطيب تقول: نصاب الذهب اليوم مئة ألف ليرة، أي تجب عليك الزكاة بنصاب الذهب بدءاً من مئة ألف ليرة، وأما نصاب الفضة فهو سبع عشرة ألف ليرة، والعلماء يرجحون أن تعتمد أحد النقدين الذهب والفضة، واختر النقد الذي يعد لصالح الفقير، إذا اعتمدت الذهب فمقبول، وإذا اعتمدت الفضة جيد جداً ممتاز، لك أن تعتمد نصاب الذهب، ولك أن تعتمد نصاب الفضة.
صدقة الفطر واجبةٌ على أي مسلم صام رمضان
نصاب الذهب مئة ألف ليرة، و نصاب الفضة سبع عشرة ألف ليرة، أما صدقة الفطر فحدها الأدنى مئة ليرة تجب على أي مسلم صام رمضان، تجب عليه صغيراً وكبيراً، حراً وعبداً، غنياً وفقيراً، هي طعمة للفقير وطهرة للصائم، أراد الله أن يذوق جميع الناس ـ الفقراء و الأغنياء ـ طعم الإنفاق فأوجب زكاة الفطر، ولا يرفع صيام الصائم إلا بأداء زكاة الفطر، وتنتهي مع صلاة العيد، فلذلك يمكن أن تدفع من أول رمضان أو في أي وقت من رمضان مقدارها مئة ليرة هذا حدها الأدنى، أدنى من مئة ليرة لا يوجد صدقة فطر، وحدّها الأقصى لا حدود لها.
فدية الصوم أيضاً مئة ليرة عن كل يوم، كفارة اليمين مئة ليرة عن كل يوم لكل مسكين، هذه الحدود الدنيا، أما القصوى:

﴿ لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ ﴾

( سورة الطلاق الآية: 7 )

زكاة الفطر تطهر المال من تعلق حقّ الغير به :

أيها الأخوة، قال تعالى:

﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ (103) ﴾

( سورة التوبة)

تطهر المال من تعلق حق الغير به، تطهر الغني من الشح، تطهر الفقير من الحقد، تزكي المال، تزكي الغني، تزكي الفقير، الفقير تنمو نفسه، يشعر بقيمته في مجتمعه، والغني يرى أنه رسم البسمة على وجوه من حوله، وصار من حوله حراساً له وليسوا أعداءً، تنمو نفس الغني، وتنمو نفس الفقير، وينمو المال، إما بقوانين طبيعية، أو بالعناية الإلهية المباشرة، تطهر الفقير من الحقد، والغني من الشح، تطهر المال من تعلق حق الغير به، والأولى أن تؤدى الزكاة في رمضان.

 

الدعاء :

اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق، ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك و نتوب إليك، اللهم اهدنا لصالح الأعمال لا يهدي لصالحها إلا أنت، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك، اللهم بفضلك ورحمتك أعلِ كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام، وأعز المسلمين، انصر المسلمين في كل مكان، وفي شتى بقاع الأرض يا رب العالمين، اللهم أرنا قدرتك بأعدائك يا أكرم الأكرمين.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018