الخطبة : 0335 - مشاهد يوم القيامة - التوازن بين الذكور و الإناث. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0335 - مشاهد يوم القيامة - التوازن بين الذكور و الإناث.


1991-02-22

الخطبة الأولى:
 الحمد لله ثم الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا ، و ما كنا لنهتدي لولا أن هدانا ، وما توفيقي ولا اعتصامي ولا توكُّلي إلا على الله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إقرارا بربوبيته ، وإرغاماً لمن جحد به وكفر ، وأشهد أن سيدنا محمداً صلَّى الله عليه وسلم رسولُ الله سِّيدُ الخلق والبشر ، ما اتَّصلت عينٌ بنظر ، أو سمعت أذنٌ بخبر ، اللهم صلِّ وسلِّم وبارك على سيدنا محمد ، وعلى آله وأصحابه وعلى ذرِّيته ، ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين ، اللهمَّ ارحمنا فإنك بنا راحم ، و لا تعذِّبنا فإنك علينا قادر ، والطف بنا فيما جرت به المقادير ، إنك على كل شيء قدير ، اللهم علِّمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علّمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقًّا ، وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً ، و ارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

عمل الجنة حزن بربوة و عمل النار سهل بسهوة :

 أيها الأخوة المؤمنون ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَسْجِدِ وَهُوَ يَقُولُ بِيَدِهِ هَكَذَا فَأَوْمَأَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ بِيَدِهِ إِلَى الْأَرْضِ :

((مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا أَوْ وَضَعَ لــَهُ وَقَاهُ اللَّهُ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ أَلَا إِنَّ عَمَلَ الْجَنَّةِ حَزْنٌ بِرَبْوَةٍ ثَلَاثًا أَلَا إِنَّ عَمَلَ النَّارِ سَهْلٌ بِسَهْوَةٍ وَالسَّعِيدُ مَنْ وُقِيَ الْفِتَنَ ، وَمَا مِنْ جَرْعَةٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِـنْ جَرْعَةِ غَيْظٍ يَكْظِمُهَا عَبْدٌ مَا كَظَمَهَا عَبْدٌ لِلَّهِ إِلَّا مَلَأَ اللَّهُ جَوْفَهُ إِيمَانًا))

[أحمد عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ]

 كلمة حزن تعني الأرض الوعرة ، فالحُزن و الحَزن شيء واحد ، أما كلمة الحَزْن فتعني الأرض الوعرة :

((مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا أَوْ وَضَعَ لــَهُ وَقَاهُ اللَّهُ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ أَلَا إِنَّ عَمَلَ الْجَنَّةِ حَزْنٌ بِرَبْوَةٍ ثَلَاثًا أَلَا إِنَّ عَمَلَ النَّارِ سَهْلٌ بِسَهْوَةٍ وَالسَّعِيدُ مَنْ وُقِيَ الْفِتَنَ ، وَمَا مِنْ جَرْعَةٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِـنْ جَرْعَةِ غَيْظٍ يَكْظِمُهَا عَبْدٌ مَا كَظَمَهَا عَبْدٌ لِلَّهِ إِلَّا مَلَأَ اللَّهُ جَوْفَهُ إِيمَانًا))

[أحمد عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ]

 يكفي أن ينساق الإنسان مع رغباته من دون أن يضبطها ، يكفي أن يستجيب إلى ميوله ، من دون أن يقيِّمها ، يكفي أن يتَّجه نحو مصالحه من دون أن يضبطها ، إذا هو بين عشيَّة وأخرى في طريق جهنم ، لأن عمل الجنة سهل بربوة ، كأنك في طريق هابطة ، الأشجار تحفُّها من كل جانب ، النسمات العليلة تستمتع بها ، ولكنَّ هذه الطريق الهابطة تنتهي إلى حفرة سحيقة ، ما لها من قرار ، و يكفي أن تسلك طريقاً صاعدة وعرةً فيها جهد و مشقة، ولكن تنتهي بك هذه الطريق إلى قصر منيف .
 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ درج العلماءُ على أن يتَّخذوا المنهج التاريخي طريقاً لفهم الواقع ، أيُّ شيء واقع ، أيُّ شيء راهن إذا ألقيتَ على تاريخه ضوءًا ، لعل هذه النظرة التاريخية تسهِم في تقييم هذا الواقع ، ولكن المنهج القرآني له أسلوب آخر ، هذا الشيء الواقع يكفي أن تتَّجه إلى مستقبله ، وإلى نهايته كي تقيِّمه ، فالنبي عليه الصلاة والسلام تأسِّياً بالقرآن الكريم نظر إلى الشيء لا إلى تاريخه ، ولا إلى ماضيه ، بل إلى مستقبله ، يمكن أن يلقي التاريخ ضوءاً على الحاضر ، و يمكن أن يلقي المستقبلُ ضوءاً على الحاضر ، فهذه الطريق الهابطة الواسعة المعبَّدة التي تحفُّها الأزهارُ ، والأشجار ، والظلال ، قد تنتهي إلى حفرة سحيقة ما لها من قرار ، إذًا يجب أن تقيِّمها لا في واقعها الراهن ، بل في مستقبلها ، و هذه الطريق الصاعدة إن كانت متعبة في السير ، و إن كانت الشمسُ تلفح سالكيها ، و إن كان الوعرُ يزعج من فيها ، إذا انتهت إلى قصر منيف فإن هذه النتيجة تخفِّف هذه المتاعب .

 

طريق النار لا يحتاج إلى جهد واسترخاء بل استجابة للشهوات :

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ النبيُّ عليه الصلاة و السلام فيما وصفه الواصفون ، بل لقد وصف نفسه ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

((فُضِّلْتُ عَلَـى الْأَنْبِيَاءِ بِسِتٍّ ؛ أُعْطِيتُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ ، وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ ، وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ ، وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ طَهُورًا وَمَسْجِدًا ، وَأُرْسِلْتُ إِلَى الْخَلْقِ كَافَّةً ، وَخُتِمَ بِيَ النَّبِيُّونَ))

[مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

 بشكل بسيط طريق النار لا يحتاج إلى جهد ، يحتاج إلى استرخاء ، يحتاج إلى انسياق ، يحتاج إلى استجابة للشهوات والرغبات والميول ، يحتاج أن تدع النفسَ على طبيعتها، أن تدع الشهوات على سجيَّتها ، أن تدع الأمور تجري هكذا من دون جهد ، من دون تبصُّر ، من دون وقفة ، من دون تأمُّل ، من دون تفكير ؛ إن عمل النار سهل بسهوة ، لهذا كُلِّف الإنسان ، و معنى كُلِّف الإنسان أي أن الأوامر والنواهي التي أُمِر أن يفعلها ، وأُمر أن ينتهي عنها مكلِفة ، تحتاج إلى جهد ، تحتاج إلى إرادة ، تحتاج إلى صدق ، تحتاج إلى ثبات ، تكلِّفه أن يخالف هوى نفسه ، تكلفه أن يضبط مشاعره ، تكلفه أن يضبط جوراحه ، تكلفه أن يضع مصلحته تحت قدمه ، تكلفه أن يتقصَّى رضى الله واليوم الآخر ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَسْجِدِ وَهُوَ يَقُولُ بِيَدِهِ هَكَذَا فَأَوْمَأَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ بِيَدِهِ إِلَى الْأَرْضِ :

((مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا أَوْ وَضَعَ لــَهُ وَقَاهُ اللَّهُ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ أَلَا إِنَّ عَمَلَ الْجَنَّةِ حَزْنٌ بِرَبْوَةٍ ثَلَاثًا أَلَا إِنَّ عَمَلَ النَّارِ سَهْلٌ بِسَهْوَةٍ وَالسَّعِيدُ مَنْ وُقِيَ الْفِتَنَ وَمَا مِنْ جَرْعَةٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِـنْ جَرْعَةِ غَيْظٍ يَكْظِمُهَا عَبْدٌ مَا كَظَمَهَا عَبْدٌ لِلَّهِ إِلَّا مَلَأَ اللَّهُ جَوْفَهُ إِيمَانًا))

[أحمد عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ]

معرفة الله هو الموضوع الأهم الذي يجب أن يستحوذ على اهتمام كل إنسان :

 لا شكَّ أن النبي عليه الصلاة و السلام استقى من كتاب الله الكريم ، وهو الإنسان الأول الذي فهم كلام الله أعلى فهم في الأرض ، ماذا قال الله عز وجل في سورة الصافات ؟ قال تعالى :

﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾

[سورة الصافات: 12]

 أمرٌ جلل ، دعوة كبيرة ، دعوة مهمَّة ، دعوة خطيرة ، موضوع مصيري ، موضوع يحدِّد مصير الإنسان ، أنت عجبت له وهم يسخرون ، موضوع الإيمان ، موضوع الدين، موضوع اليوم الآخر ، موضوع القرآن ، موضوع الحلال و الحرام ، موضوع أن تأتمر بما أمر ، وتنتهي عما عنه نهى ، وزجر ، موضوع أن تعرف الله عز وجل ، موضوع أن تعرف مهمتك في الدنيا ، موضوع أن تسير على المنهج الصحيح ، هذا الذي يجب أن يقلقك ، هذا الذي يجب أن تبحث عنه ، هذا الذي يجب أن يستحوذ على كل اهتمامك ، على كل ساحة نفسك ، على كل طاقاتك ، على كل مشاعرك ، قال تعالى :

﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾

[سورة الصافات: 12]

 هم يسخرون ، يقولون : هذه أساطير الأولين ، هذا كلام إنشائي ، هذا كلام خطابي ، هذه مغيَّبات ، أنت لست واقعياً ، لا يعنيك الواقع ، أنت تبحث عن حياة بعد الموت ، عش وقتك ، عش لذَّتك ، اقتنص الفرص التي سنحت لك ، هذا كلام أهل الدنيا ، قال تعالى :

﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ * وَإِذَا ذُكِّرُوا لَا يَذْكُرُونَ﴾

[سورة الصافات: 12-13]

من أراد أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله :

 لذلك ربُّنا سبحانه و تعالى يقول :

﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾

[سورة الأنعام: 44]

 أبٌ عنده ثلاثة أولاد ، ولد ذكي مجتهد ، وولد ذكي مقصِّر ، وولد أبله ، ماذا يفعل هذا الأب ؟ إن هذا الذكيَّ المجتهد يحقق هدف الأب ، إذًا يدعه و شأنه ، و يبالغ في إكرامه ، وهذا الولد الأبله ماذا يجدي معه النصحُ ؟ وماذا يجدي معه التأديب ؟ وماذا يجدي معه التضييق ؟ وماذا يجدي معه العلاج ؟ يدعه ، قال تعالى :

﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾

[سورة الأنعام: 44]

 سيدنا إبراهيم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام قال :

﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آَمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾

[سورة البقرة: 35]

 قيَّده ، قَّيد هذا الدعاء ، قال تعالى :

﴿مَنْ آَمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾

[سورة البقرة:126]

 قال تعالى :

﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾

[سورة الأنعام: 44]

 و قال تعالى :

﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ * وَإِذَا ذُكِّرُوا لَا يَذْكُرُونَ * وَإِذَا رَأَوْا آَيَةً يَسْتَسْخِرُونَ﴾

[سورة الصافات: 12-14]

 قال رجـل قبل شهر : أيُعقل أن يهطل ماءُ السماء بالدعاء ؟ ما هذا السخف ؟ ما هذه الأساطير ؟ ما هذه الغيبيات ؟ ومن أدراك أن الدعاء هو أقوى سلاح ، إذا كان هناك شخصان يتخاصمان و شخص ثالث بإمكانه أن يوقفهما ، وأحد الطرفين دعا هذا الشخص الثالث ، ألا يكون واقعياً ؟ الدعاء ليس سلاح الضعفاء ، و لكنه أقوى سلاح ، على أن تكون في المستوى الذي أراده الله منك ، قال تعالى :

﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾

[سورة غافر: 60]

 و قال تعالى :

﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾

[سورة البقرة: 186]

 إذا آمنت بالله خالقاً و إلهاً واحداً ومربِّياً و مسيِّراً ، آمنت بأسمائه الحسنى ، آمنت أنه معك في كل لحظة ، آمنت أنه على كل شيء قدير ، آمنت أن الكون كله بيده ، و أن القوى كلها بيده ، و أمرك أن تدعوه ، أنت إذا دعوته فأنت أقوى الناس ، إذا أردت أن تكون أقوى الناس فتوكَّل على الله ، و لكن لا بد من دفع الثمن ، كما قلت من قبل : الإسلام شجرة وارفة الظلال ، يانعة الثمار لن تستطيع أن تستظل بظلها ، ولن تستطيع أن تجني ثمارها إلا إذا أتيت إليها ، أي : إلا إذا استقمت على أمر الله ، إلا إذا كنت عبداً له ، إلا إذا خضعت له ، إلا إذا اصطلحت معه ، إلا إذا أنبت إليه .

 

المؤمن أعماله كلُّها محطُّ رحاله :

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ قال تعالى :

﴿ وَإِذَا ذُكِّرُوا لَا يَذْكُرُونَ * وَإِذَا رَأَوْا آَيَةً يَسْتَسْخِرُونَ * وَقَالُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾

[سورة الصافات: 12-15]

 غيبيـات ، ما وراء الطبيعة ، أنت حالم و لست واقعياً ، هذا كلام أهل الدنيا لأهل الدين ، منذ أن خلق اللهُ الأرض وإلى يوم القيامة ، قال تعالى :

﴿أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ ﴾

[سورة الصافات: 16]

 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ المؤمن أعماله كلُّها محطُّ رحاله ، اهتمامه اليومُ الآخر، لذلك تراه في الدنيا يهيِّئ لكل موقف جواباً لله عز وجل ، هذا من علامات التوفيق ، كل شيء تعمله ، كل موقف تقفه ، مواقفك ، عطاؤك ، منعك ، صلتك ، جفوتك ، رضاك ، غضبك ، مناصرتك ، معاداتك ، توزن بميزان دقيق دقيق ، وهو أن الله سبحانه و تعالى سيسألك : يا عبدي لم فعلت هذا ؟ يقول الله عز وجل قياساً على ذلك : عبدي أعطيتك مالاً فماذا صنعت فيه ؟ يقول : يا رب لم أنفق منه شيئاً على أحد مخافة الفقر على أولادي من بعدي ، يقول الله عز وجل : ألم تعلم بأني أنا الرزاق ذو القوة المتين ، إن الذي خشيته على أولادك من بعدك قد أنزلته بهم ، و يقول الله لعبد آخر : أعطيتك مالاً فماذا صنعت فيه ؟ يقول : يا ربي أنفقته على كل محتاج ومسكين ، لثقتي بأنك خير حافظاً ، وأنت أرحم الراحمين ، فيقول الله عز وجل : أنا الحافظ لأولادك من بعدك ، المؤمن كل موقف يقفه يزينه بميزان اليوم الآخر ، هل يرضي الله ؟ هل يغضبه ؟ هل يحاسبني عن ذلك ؟ قال تعالى :

﴿أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ * أَوَآَبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ * قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ * فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ * وَقَالُوا يَا وَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ﴾

[سورة الصافات: 16-20]

 في هذا اليوم يُصعق أهلُ الدنيا ، يفاجؤون ، في هذا اليوم يستيقظون ، في هذا اليوم تذهب عنهم الغشاوة ، يكشف عنهم الغطاءُ ، يرون الحقيقة ، يندمون على ما فات ، و لات ساعة مندم ، يعضُّون أصابعهم ، قال تعالى :

﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَاناً خَلِيلاً * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولاً﴾

[سورة الفرقان: 27-29]

تقييم كل شيء بنهايته :

 قال تعالى :

﴿وَقَالُوا يَا وَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ * هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ * احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾

[سورة الصافات: 20-22]

 ظلموا من ؟ ظلموا أنفسهم ، أبعدوها عن الله ، حرموها من مهمتها في الحياة ، حرموها من معرفة الله ، حرموها من العمل الصالح ، النقد المتداول يوم القيامة ، حرموها من الخيرات ، حرموها من سعادة القرب من رب الأرض و السموات ، أبقوها جاهلة ، غمسوها في وحول الدنيا ، في وحول الشهوات ، مرغوها بالمادة ، أوهموها بأنه لا حياة بعد هذه الحياة ، قال تعالى :

﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ * مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ * وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾

[سورة الصافات: 22-24]

 ألا تكفينا هذه الآية ؟ سوف تُسأل عن زوجتك ، سوف تسأل عن أولادك ، سوف تُسأل عن دخلك ، عن زياراتك ، عن لقاءاتك ، عن ندواتك ، عن لهوك ، عن جِدِّك ، عن عملك ، عن نوع عملك ، عن طريقة عملك ، عن كل شيء أمرك الله به ، قال تعالى :

﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ * مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ﴾

[سورة الصافات: 24-25]

 في الدنيا الناسُ يتناصرون على الباطل ، يجتمعون ، يتفقون ، يأتمرون ، قال تعالى :

﴿ مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ﴾

[سورة الصافات: 25]

 لينصر بعضُكم بعضاً ، ليقف بعضكم إلى جانب بعض ، قال تعالى :

﴿مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ * بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾

[سورة الصافات: 25-26]

 يجب أن تفهم الحاضر في ضوء المستقبل ، هذا منهج قرآني ، يجب أن تقيِّم هذه الطريق لا بجمالها ، ولا باتِّساعها ، ولا بورودها ، ولا بأشجارها الباسقة ، ولا بظلالها الوارفة ، ولكن يجب أن تقيِّمها بنهايتهـا ، و هذه الطريق الوعرة لا ينبغي أن تنفر منها ، و لا أن تستصعب صعودَها ، ولا وعورتها ، ولا غبارها ، ولا مشقة السير فيها ، يجب أن تقيِّمها بنهايتها، قال تعالى :

﴿مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ * بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾

[سورة الصافات: 25-26]

من رحمة الله بنا تزويدنا بمشاهد عن أهل الجنة و أهل النار :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ من رحمة الله بنا ومن نعمته علينا أنه زوَّدنا بمشاهد لم تقع بعد ، زوَّدنا في قرآنه الكريم بمشاهد عن أهل الجنة ، وعن أهل النار ، إليكم هذا المشهد ، قال تعالى :

﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾

[سورة الصافات: 27]

 هؤلاء أهل الدنيا الذين انغمسوا في وحولها ، الذين تمتَّعوا بمالهم و شهواتهم ، قال تعالى :

﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾

[سورة الصافات: 27]

 يوم القيامة ، قال تعالى :

﴿قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ﴾

[سورة الصافات: 28]

 في رأي بعض المفسِّرين أنكم كنتم تضغطون علينا ، أو تقنعوننا بأنكم على حق، إما ضغط فكري ، أو ضغط مادي ، قال تعالى :

﴿قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ﴾

[سورة الصافات: 28]

 أي تقولون : هكذا الأفضل ، هكذا الأصلح ، هكذا الخير ، قال تعالى :

﴿قَالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾

[سورة الصافات: 29]

 لو عرفتم ربكم لاستجبتم له ، لو وحَّدتم ربَّكم لما أشركتم به ، لو عرفتم الحقيقة لما ضللتم ، قال تعالى :

﴿قَالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾

[سورة الصافات: 29]

 هذه شماتة المتبوعين لمن تبعهم ، كلام دقيق ، قال تعالى :

﴿قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ﴾

[سورة الصافات: 28]

 تضغطون علينا قهراً ، وتقولون إنكم على حق ، وأن هذا السبيل لا بد منه ، قال هؤلاء الذين اتُّبعوا :

﴿قَالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾

[سورة الصافات: 29]

الآية التالية مناط التكليف :

 هذه الآية يا أيها الأخوة التي سأتلوها عليكم هي مناطُ التكليف ، قال تعالى :

﴿وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْماً طَاغِينَ﴾

[سورة الصافات: 30]

 لا سلطان لأحد على أحد ، حتى ما يتوهَّمه الناسُ من أن الشيطان له على الناس سلطان ، قال تعالى :

﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ﴾

[سورة إبراهيم: 22]

 كيف يحاسبك الله عز وجل ؟ كيف يؤاخذك ؟ لأنه لم يجعل لأحد على أحد سلطاناً ، قال تعالى :

﴿قَالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ * وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْماً طَاغِينَ * فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ * فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ﴾

[سورة الصافات:29-32]

 نحن كنا غاوين ، وأغويناكم كما كنا ، قال تعالى :

﴿فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾

[سورة الصافات:33]

 هذا مشهد من مشاهد جهنم ، العتاب ، الحوار بين أهل النار ، أنتم السبب ، لا، لم تكونوا أنتم مؤمنين ، لو آمنتم بالله ، وعرفتموه لما اتبعتمونا ، و لما خضعتم لضغوطنا ، قال تعالى :

﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ * إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾

[سورة الصافات: 34-35]

 أيَّة قضية ، أيَّة مشكلة ، أية مصيبة إذا فسِّرتها تفسيراً دينياً يرفضون هذا التفسير، يرون أن هذا التفسير ساذج ، يرون أن هذا التفسير غيبيًّا ، أيُعقل أن تحبس أمطارُ السماء من معاصي العباد ؟ انظر إلى بلاد الغرب ، إن أمطارهم غزيرة وبلادهم خضراء ، ما هذا التعليل ؟ كلما طرحت التفسير الديني ، قال تعالى :

﴿ قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْتَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾

[سورة الأنعام: 65]

 قال تعالى :

﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾

[سورة النحل: 112]

 كلما فسَّرت الأمور تفسيراً قرآنياً كانوا يستكبرون ، قال تعالى :

﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ * وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آَلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ * بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ * إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الْأَلِيمِ * وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾

[سورة الصافات: 35-40]

مشهد من مشاهد أهل الجنة :

 انتقلنا إلى مشهد آخر من مشاهد الجنة ، قال تعالى :

﴿أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ * فَوَاكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ * عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ * يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ * بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ * لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ * وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ * كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ * فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ * قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ﴾

[سورة الصافات: 41-51]

 هذا مشهد ، و ذاك مشهد ، إذًا أوضاع الإنسان في الدنيا يحب أن تُقيَّم في مستقبلها ، في مصيرها ، في نهايتها ، إذا كنت من أهل الدنيا ، و كان المالُ وفيراً ، و الصحة طيبة ، و تسعى في الأرض فساداً ، قيِّم وضعك لا في ضوء إمكاناتك ، بل في ضوء مصيرك، وإذا كنت مستقيماً على أمر الهن و لو كنت تعاني بعض المشكلات ، قيِّم وضعك لا في ضوء واقعك ، ولكن في ضوء مصيرك .

 

تداخل مشهد أهل النار مع أهل الجنة :

 الآن تداخل المشهدان ، قال تعالى :

﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ﴾

[سورة الصافات: 51]

 من أهل الجنة الذي هو في الجنة .

﴿أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ * فَوَاكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ * عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ * يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ * بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ * لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ * وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ * كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ * فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ * قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ﴾

[سورة الصافات: 41-51]

 كان لي صديق ، قال تعالى :

﴿ يَقولُ أَئِنَّكَ لَمِنَ اُلْمُصَدِّقِينَ﴾

[سورة الصافات: 52]

 أأحمق أنـت ؟! أتعمل لما بعد الموت ؟ أتعزف عن هذه الشهوات ؟ عن هذه المباهج ؟ أتنزوي في زوايا المساجد و تذكر الله ؟ أمجنون أنت ؟ قال تعالى :

﴿أَئِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ * أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَئِنَّا لَمَدِينُونَ﴾

[سورة الصافات: 52-53]

 هذه هي الدنيا و ليس بعد الدنيا شيء ، الجنة هي الدنيا لأصحاب الأموال ، والنار هي الدنيا للفقراء ، إلى أين أنت ذاهب ؟ قال تعالى :

﴿قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾

 لقاء وديٌّ بين أهل الجنة ، يحبون أن يروا مصير هذا الذي كان يقول كذا وكذا في الدنيا ، قال تعالى :

﴿فَاطَّلَعَ فَرَآَهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾

 يوم الدين ، يوم العدل ، يوم الحق ، يوم الجزاء، يوم الدينونة ، يوم أن تُجزى كل نفس بما كسبت ، يوم الحق ، قال تعالى :

﴿فَاطَّلَعَ فَرَآَهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ * قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾

[سورة الصافات:55-56]

 لو أنني أصغيت إليك ، لو أنني أرهفت السمع إليك ، لو أنني صدَّقتك ، لو أنني اتَّبعتك لكنت معك ، ماذا قال الله عز وجل ؟

﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾

[سورة لقمان: 15]

 اتبع سبيل المؤمنين ، اتبع سبيل أهل الحق ، اتبع سبيل أهل الآخرة ، اتبع سبيل الناصحين :

(( ابـن عمر دينك دينك ، إنه لحمك ودمك ، خذ عن الذين استقاموا لا تأخذ عن الذين مالوا ))

[ورد في الأثر]

 إن هذا العلم دين ، فانظروا عمن تأخذون دينكم ، قال تعالى :

﴿قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ * وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾

[سورة الصافات:56-57]

 كنت معك ، قال تعالى :

﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ﴾

 ما قولك ؟ كنت تقول لي : الدنيا هي كل شيء ، ليس بعد الدنيا شيء ، ما قولك ؟ قال تعالى :

﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ﴾

 استفهام إنكاري ، قال تعالى :

﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ * إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾

[سورة الصافات:58-60]

 هذا هو الفلاح ، هذا هو النجاح ، هذا هو التفوُّق ، هذا هو الفوز ، هذا هو الذكاء ، هذا هو العقل ، إن هذا كلام خالق الكون ، عمارة كلُّ بيت فيها ثمنُه عشرةُ ملايين ، الجواب على هذا الكلام ، قال تعالى :

﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾

 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

((بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ سَبْعًا هَلْ تَنْتَظِرُونَ إِلَّا فَقْرًا مُنْسِيًا أَوْ غِنًى مُطْغِيًا أَوْ مَرَضًا مُفْسِدًا أَوْ هَرَمًا مُفَنِّدًا أَوْ مَوْتًا مُجْهِزًا أَوْ الدَّجَّالَ فَشَرُّ غَائِبٍ يُنْتَظَرُ أَوْ السَّاعَةَ فَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ ))

[الترمذي عن أبي هريرة]

 فجأة من الغنى الفاحش إلى الجوع ، إلى الموت جوعاً ، هل تنتظرون إلا فقراً منسياً ، أو غنى مطغياً ، أو مرضاً مفسداً ، أو هرماً مفنداً ، أو موتاً مجهزاً ، أو الدجال ، فشر غائب ينتظر ، أو الساعة ، والساعة أدهى وأمر ، قال تعالى :

﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾

[سورة الصافات: 60-61]

 اتبع سبيل من أناب إلي ، تفكَّر ، تأمَّل ، تروَّى ، قف عند أحكام الله ، لا تنساق مع الناس ، لا تكن إمَّعة إن أحسن الناسُ أحسنت ، وإن أساؤوا أسأت .

ما أنا إلا من غزيَّة إن غوت  غويت و إن ترشد غزيَّةُ أرشدِ
***

 هذه جاهلية جهلاء ، كن مستبصراً ، قال تعالى :

﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ * الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ * وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾

[سورة الشعراء : 75-82]

 قال تعالى :

﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ * أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلاً أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ * إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ﴾

[سورة الصافات: 60-63]

العبرة بخواتيم الأعمال :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ المشهد الأول مشهد أهل النار ، والمشهد الثاني مشهد أهل الجنة ، و المشهد الثالث المتداخل ، هذه المشاهد الثلاثة في صورة الصافات ، عودوا إليها واقرؤوا ، وتأمَّلوا آياتها ، واتَّعظوا بها ، وإن كان في هذه الخطبة من محور أساسي ، وهو أن تقيِّم الشيء بمستقبله ، أن تقيِّم نفسك بمصيرك ، أن تقيِّم هذا المال بنهايته ، أن تقيِّم هذه العلاقة بانتهائها ، أن تقيِّم الشيء بآخرتك ، لذلك ربُّنا سبحانه و تعالى يقول :

﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً * وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً * وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَاناً نَصِيراً * وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً﴾

[سورة الإسراء: 78-81]

 العبرة بخواتيم الأعمال ، العبرة بوقفتك أمام الواحد الديَّان ، العبرة بهذا القبر ، إما روضة من رياض الجنة ، وإما حفرة من حفر النيران ، العبرة كما قال سيدنا علي : الغنى والفقر بعد العرض على الله .
 إن هذه الدنيا عرَض حاضر ، يأكل منه البَرُّ و الفاجر ، والآخرة وعدٌ صادق يحكم فيه ملِك عادلٌ .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، و زنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا ، و سيتخطَّى غيرنا إلينا ، فلنتَّخذ حذرنا ، الكيَّس من دان نفسه و عمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها ، وتمنى على الله الأماني ، و الحمد لله رب العالمين .

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

التوازن بين الذكور و الإناث :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ لفت نظري كلمة قرأتها في بعض الكتب ، من أنه في أعقاب الحرب العالمية الثانية أصبحت نسبُ النساء إلى الرجال أربعة إلى واحد ، أي كلُّ أربع نساء مقابل رجل واحد ، ما هي إلا أعوام قليلة حتى عادت النسبة إلى تلك التي صمَّمها الله عز وجل ، مئة و خمسة بالمئة ذكور ، وخمس وتسعون بالمئة إناث ، هذه النسبة ثابتة ، في كل البلاد ، في كل الأمصار ، في كل القارات ، في كل الأزمان ، أما الشيء الذي يلفت النظر فهو أن هذا الرجل عنده ثماني بنات ، وأن هذا الرجل عنده أربع بنات ، وأربعة ذكور ، وهذا رجل عقيم ، و هذا عنده سبعة عشر ذكراً ، أعرف شخصاً هكذا ، هذه النسب المتفاوتة في النهاية ، في أيّة بلدة ، في أيِّ مصر ، وفي أي عصر ، في أي إقليم ، في أي بلد ، في أي مكان ، في أي زمان ، هناك نسب نظامية يعرفها علماء الجغرافيا البشرية ، في الجغرافيا فرعٌ من فروعها يُسمَّى الجغرافيا البشرية ، هؤلاء يعرفون هذه النسب ، وزارة المالية ماذا تفعل من أجل أن يكون الإنفاقُ وفق المقرَّر ؟ كلُّ قرار نفقة يجب أن يذهب إلى الشطب ، فإذا انتهى الاعتمادُ يتوقفون عن الصرف ، لا بد من سجلٍّ ، هذا عنده سبعة ذكور ، هذا عنده ثماني إناث، لا بد من سجل ، بحيث أن مجموع هذه النسب تكون وفق النسبة المقرَّرة .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ هذا موضوع يقتضي التفكُّر ، ما هي إلا سنوات مع أن النسبة كانت خمسة و عشرين بالمئة ذكوراً ، وخمساً و سبعين بالمئة إناثاً ، بعد سنوات الأرحامُ كلُّها كانت تنجب ذكوراً ، إلى أن عُدِّلت النسبة إلى أن أصبحت على ما عليه الآن ، أليس هناك يدٌ إلهية تعمل في الخفاء ؟ أليس هناك سجلَّات دقيقة تحكم هذه النسب ؟ أليست هناك تصميمات دقيقة ؟
 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ هذه الآية مبذولة بين أيديكم ، آية مبذولة .
 أيها الأخوة مرة ثانية وثالثة : لا يمكن أن تسعد إلا إذا عبدت الله ، و لن تستطيع أن تعبده إلا إذا عرفته ، و لن تعرفه إلا إذا فكَّرت في آياته ، و آياته أنواع ثلاثة ؛ آيات في قرآنه الكريم ، و آيات في كونه العظيم ، و آيات في أفعاله ، فإذا تتبَّعت أفعال الله عز وجل رأيت يدًا عليمة حكيمة رحيمة قديرة عادلة ، بيدها كل شيء ، وإذا تتبَّعت خلقه رأيت الإعجاز والكمال والقدرة والغنى والعلم واللطف والرحمة ، وما إلى ذلك ، و إذا قرأت قرآنه أيضاً تتعرَّف إلى صفاته المثلى ، وإلى أسمائه الحسنى . فيا أيها الأخوة المؤمنون ، يكاد التفكُّر في آيات الله عز وجل يكون عبادةً ، بل هو من أرقى أنواع العبادات .

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولَنا فيمن تولَيت ، وبارك اللهم لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت ، فإنك تقضي ولا يقضى عليك ، اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك ، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا ، ومتعنا اللهم بأسماعنا ، وأبصارنا ، وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا ، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا ، مولانا رب العالمين ، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك ، اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً وسائر بلاد المسلمين ، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين ، ولا تهلكنا بالسنين ، ولا تعاملنا بفعل المسيئين يا رب العالمين ، اللهم بفضلك ورحمتك أعلِ كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين ، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018