الدرس : 69 - سورة النساء - تفسير الآيات 174-176 ، البرهان والاستفتاء وإرث الكلالة - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 69 - سورة النساء - تفسير الآيات 174-176 ، البرهان والاستفتاء وإرث الكلالة


2003-07-18

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا بما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

الكمال في الخلق يدل على الكمال في التصرف :

 أيها الأخوة المؤمنون، مع الدرس التاسع والستين والأخير إن شاء الله تعالى من دروس سورة النساء، ومع الآية الرابعة والسبعين بعد المئة، وهي قوله تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً ﴾

 برهان ونور، الله عز وجل خلق هذه الأكوان، وخلق الإنسان، في خلق الأكوان إتقان ما بعده إتقان.

 

﴿ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ﴾

[ سورة النمل: 88 ]

 الكمال في الخلق يدل على الكمال في التصرف، فما دام هناك إتقان في خلق الأكوان لا بد من أن يكون مع هذا الإتقان وهذا الكمال تصرف كامل مع الخلق.
 إذاً من مسلمات المنطق أن كمال الله عز وجل يقتضي ألا يدع عباده من دون منهج يسيرون عليه، شيء طبيعي.
 أيها الأخوة الكرام، هل تجد أباً في الأرض يرى ابنه يقترب من مدفأة مشتعلة ويبقى ساكتاً، يبقى جالساً، لا يتكلم، لا يتحرك، مستحيل، تقتضي رحمة الأب أن يسارع إلى إرشاد ابنه، أو إلى دفعه عن المدفأة، إما إرشاد، أو أن يمسكه وأن يبعده عن المدفأة، هذا مما تقتضيه رحمة الأب.

 

يقتضي الكمال والإتقان أن الله عز وجل يرسل لعباده منهجاً يسيرون عليه :

 ما دام في الكون كمال ما بعده كمال وإتقان ما بعده إتقان يقتضي هذا الكمال وذاك الإتقان أن الله عز وجل يرسل لعباده منهجاً يسيرون عليه، يرسل لعباده كتاباً ينبئهم لماذا خلقهم؟ وماذا بعد الموت؟ وماذا عليهم أن يفعلوا؟ هذا الكتاب هو القرآن الكريم، لكن في قوله تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً ﴾

 بالمناسبة أيها الأخوة، التدين فطري، الإنسان خلق ضعيف، فلما خلق ضعيفاً يحتاج إلى قوة يحتمي بها، يحتاج إلى قوة تدافع عنه، يحتاج إلى قوة يطمئن لها، يحتاج إلى قوة تحميه، هذا أصل التدين، لذلك من لم يهتدِ إلى إله عظيم يعبده قد يتجه إلى شمس، أو إلى قمر، أو إلى حجر، أو إلى وهم يعبده من دون الله، حتى الذين يعبدون الأصنام هم يحققون حاجة خلقوا فيها، وهي حاجة الضعف، والضعف يقتضي أن تلجأ إلى قوي وأن تحتمي بقوي، لذلك الديانات الأرضية لأن فيها الولاء فقط، وفيها الطقوس، الطقوس حركات وسكنات وتمتمات لا معنى لها، ولاء فقط من غير منهج، لكن الدين الإلهي، لكن دين السماء يقتضي منهجاً، يقتضي أمراً ونهياً، الإنسان أودعت فيه الشهوات:

 

﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآَبِ ﴾

 برهان هذه الشهوات حيادية، ويمكن أن تتحرك بدافع من هذه الشهوات مئة وثمانين درجة، إن من حيث النساء، إن من حيث كسب المال، إن من حيث العلو في الأرض، لكن منهج الله سمح لك بزاوية معينة، إذاً ما من شهوة أودعها الله في الإنسان إلا وجعل لها قناة نظيفة.

 

المعجزات براهين من الله عز وجل على أن هؤلاء الأنبياء والرسل هم أنبياؤه ورسله:

 ليس في الإسلام حرمان، ولكن فيه تنظيم، فحينما يأتي نبي من قبل الله عز وجل، ومعه منهج، وهذا المنهج يلزم أتباعه أن يتقيدوا به، ففي المنهج حرام وحلال، ومكروه ومستحب وأمر، من أمر واجب، إلى مستحب، إلى إباحة، إلى كراهة، إلى حرام، فهؤلاء الذين ألفوا أن يتحركوا بلا قيد ولا شرط حينما يأتيهم منهج السماء يحد من حريتهم، يحد من حركتهم، فطبيعي جداً أن يتهموا هذا الرسول بالكذب.

﴿ وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَسْتَ مُرْسَلاً ﴾

[ سورة الرعد: 43 ]

﴿ قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ ﴾

[ سورة الذاريات: 52 ]

 وقالوا:

 

﴿ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ ﴾

[ سورة الأنبياء: 5 ]

 إذاً لا بد من تكذيب الأنبياء والمرسلين، فكيف يعطيهم الله البرهان على أنهم أنبياؤه؟ بالمعجزات، المعجزات براهين من الله عز وجل على أن هؤلاء الأنبياء والرسل هم أنبياؤه ورسله.

 

تتميز معجزة النبي الكريم أنها عقلية

 

 فمنهجه القرآن ومعجزته القرآن :

 سيدنا موسى جعل العصا ثعباناً مبيناً.

﴿ وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاء لِلنَّاظِرِينَ ﴾

[ سورة الأعراف: 33]

 ضرب البحر فصار طريقاً يبساً، برهانه على أنه نبي؛ العصا، ويده البيضاء، وجعل البحر طريقاً يبساً، منهجه التوراة.
 سيدنا عيسى برهانه إحياء الميت، منهجه الإنجيل، لاحظوا البرهان غير المنهج، البرهان شيء، والمنهج شيء آخر.
 هؤلاء الأنبياء والمرسلون بعثوا إلى أقوامهم فقط، إذاً لكل قوم هاد، ومعجزاتهم حسية، أي شيء حدث وانتهى، فأصبح خبراً يصدقه من يصدقه ويكذبه من يكذبه، انتهى، أما النبي عليه الصلاة والسلام فلأنه خاتم الأنبياء والمرسلين، ولأن رسالته خاتمة الرسالات تقتضي أن تكون معجزته مستمرة إلى نهاية الدوران، إذاً تتميز معجزة النبي عليه الصلاة والسلام أنها عقلية، إذا كان النبي الكريم موسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام معجزته العصا، ومنهجه التوراة، إذا كان سيدنا عيسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام معجزته إحياء الميت ومنهجه الإنجيل، فإن النبي عليه الصلاة والسلام معجزته عين منهجه، منهجه القرآن ومعجزته القرآن، إذاً القرآن الكريم كتاب معجز إلى نهاية الدوران، فكلما تقدم العلم كشف عن جانب من إعجاز القرآن الكريم، أقوى دليل على أن هذا القرآن كلام الله هو إعجازه.
 هناك إشارات كثيرة جداً تصل إلى الألفين تقريباً، إشارات إلى حقائق علمية لم تكن معروفة في عصر النبي عليه الصلاة والسلام ثم كشفت تدريجياً، ففي كل عصر كشوف علمية تؤكد أن الذي جاء به النبي عليه الصلاة والسلام من وحي هو من عند الله عز وجل:

 

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً ﴾

 البرهان أي الذي يثبت أن هذا الإنسان رسول الله، البرهان أي المعجزة.

 

كل ما يتعلق بحركة الإنسان في الحياة فيهمنهج :

 

 قال تعالى:

﴿ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً ﴾

 النور هو المنهج، البرهان هو المعجزة والنور هو المنهج، كيف المنهج؟ أنت تمشي بالطريق، وجدت فرعين، في أي فرع تتجه؟ قيل لك: اذهب إلى بلدك من هذا الطريق، هذا نور، كأن الأمور أظلمت عليك، وهذا التوجيه كأنه نور كشف الظلمة، العلم نور، ماذا أفعل؟ تزوج، إذا تزوجت وأصبحت الحياة لا تطاق، طلق، كيف أطلق؟ ثلاث مرات، في تفاصيل حياتك، تفاصيل كسب المال، تفاصيل إنفاق المال، تفاصيل الزواج؛ الخطبة، والزواج، والطلاق، والنفقة، وتربية الأولاد، وما إلى ذلك، العمل، الشراكة، الكفالة، الحوالة، كل ما يتعلق بحركة الإنسان في الحياة فيه منهج.
 أيها الأخوة، ما من حركة يتحركها الإنسان مهما تكن ضئيلةً إلا ويغطيها حكم شرعي، نبدأ من الفرض، ثم الواجب، ثم المستحب، ثم المباح، ثم المكروه كراهة تنزيهية، ثم المكروه كراهة تحريمية، ثم الحرام، ما من حركة ولا سكنة ولا موقف إلا وينبغي أن يغطى بأحد هذه الأحكام الستة فرض، واجب، مستحب، مباح، مكروه تنزيهاً، مكروه تحريماً، حرام:

 

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً ﴾

 إلا أن النبي عليه الصلاة والسلام لأنه خاتم الأنبياء، ولأن رسالته خاتمة الرسالات، ولأنه للعالمين جميعاً، فكانت معجزته عين منهجه، منهجه القرآن ومعجزته القرآن، معجزات الأنبياء السابقين حسية، بينما معجزة النبي عليه الصلاة والسلام عقلية علمية.

 

النبي عليه الصلاة والسلام معجزته في القرآن الكريم وفي أحاديثه الصحيحة

 حينما أنزل هذا القرآن ورد في بعض آياته أن الإنسان كما قال الله عز وجل:

﴿ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ ﴾

[سورة النساء: 125 ]

 الآن بعد أن ركب الإنسان الطائرة، في أعالي الجو يقل الضغط الجوي، وإذا قلّ الضغط الجوي ظهرت أعراض خطيرة، وقد تكون مميتة، لذلك هذه الطائرات التي نركبها يضخ هواؤها ثمانية أمثال الهواء الذي على سطح الأرض من أجل أن تركب الطائرة دون أن تشعر، فلو تعرض جهاز ضخ الهواء إلى خطر وجب أن يهبط الطيار هبوطاً اضطرارياً، وإلا يموت الركاب، فمن أنبأ النبي عليه الصلاة والسلام أن الصعود إلى الجو إلى أعالي الجو يصيب الإنسان بضيق شديد في صدره؟ إنه القرآن الكريم. الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الصحيحة التي تحدثت عن الجنين جاءت مطابقة لأدق البحوث العلمية في علم الجنين، من أنبأ النبي عليه الصلاة والسلام؟
أضرب مثلاً، النبي عليه الصلاة والسلام أمر أن تذبح الدابة من أوداجها دون أن يقطع رأسها، لم يوجد في عهد النبي عليه الصلاة والسلام أي مركز علمي في الأرض، ولا بعد عهد النبي بمئة عام، ولا بمئتي عام، ولا بألف عام، ولا بألف وأربعمئة عام، هناك في الأرض كلها جهة علمية يمكن أن تفسر هذا التوجيه النبوي، اذبح الدابة من أوداجها دون أن تقطع رأسها، إلى أن اكتشف أن القلب فيه مركز كهربائي يأمر القلب بالنبض ذاتياً، لأن القلب أخطر جهاز في الإنسان، أخطر عضو، لا يتعلق بالكهرباء العامة كهرباء الشبكة، له مولدة خاصة، له ثلاث مولدات؛ مولدة رئيسية، ومولدة احتياط، ومولدة احتياط للاحتياط، أرأيت إلى إتقان صنعة الله عز وجل، لكن هذا الأمر الذاتي الداخلي يعطي أمراً بالنبض النظامي ـ ثمانون نبضة في الدقيقة ـ أما إذا احتاج الإنسان إلى أن يرفع النبض؛ خائف يركض يجري لا بد من أن يأتي أمر نبض استثنائي من الكظر عن طريق الدماغ، أو يبدأ من الدماغ إلى الكظر إلى القلب، مهمة القلب بعد الذبح إفراغ الدم من جسم الدابة، لأن الدم بؤرة صالحة للجراثيم والأوبئة، النبض الطبيعي لقلب الدابة لا يخرج إلا ربع الدم، فإذا بقي الرأس متصلاً بجسم الدابة يأتي الأمر الاستثنائي، يأتي من الدماغ عن طريق الكليتين إلى القلب فيرتفع النبض إلى مئتين وثمانين، عندئذٍ يخرج الدم كله من جسم الدابة، فيغدو اللحم وردي اللون شهياً.

 

﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى* إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ﴾

[ سورة النجم: 3-4]

 إذاً النبي عليه الصلاة والسلام معجزته في القرآن الكريم وفي أحاديثه الصحيحة.

 

الرحمة مطلق عطاء الله عز وجل :

 قال تعالى:

﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً﴾

 وقع أحدهم في حفرة، وجدران هذه الحفرة ملساء، موته محقق، فإذا أدليت له بحبل فتمسك به وأنقذته من هذه الورطة الإنسان معنى ذلك أنه اعتصم بهذا الحبل، أي اعتصم بشيء ينقذه. إنسان كاد يغرق، أرسل له شيء يعينه على أن ينجو من الغرق، هذا اعتصام، فأصل تعبير الاعتصام أن تتعلق بشيء، أن تتمسك بشيء ينجيك من بلاء كبير، فهذا المؤمن فضلاً عن أنه آمن بالله اعتصم به، أي أن الله عز وجل نجاه من الشقاء، نجاه من الشقاء النفسي، نجاه من حياة لا معنى لها، نجاه من ضيق، نجاه من كرب، نجاه من سوداوية، نجاه من إحباط، اعتصموا به لأنهم طبقوا تعليمات الصانع، إذاً نجاهم الله بهذا.

 

﴿ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ ﴾

 الرحمة مطلق عطاء الله عز وجل، مطلق عطاء الله رحمته، فالصحة من الرحمة، وراحة الله من الرحمة، طمأنينة النفس من الرحمة، والتوفيق في الحياة من الرحمة، والبيت السعيد من الرحمة، والأولاد الأبرار من الرحمة، والسكينة التي تلقى على قلب المؤمن من الرحمة:

 

﴿ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ ﴾

سلعة الله غالية ومن السذاجة بمكان أن نطلبها بعمل يسير :

 إنسان يكون ضيفاً على مضيف من أعلى مستوى، تجد الإكرام فنوناً، الاستقبال، والغرفة، والطعام، والمقبلات، والعصير، والفواكه، والحلويات، والقهوة، والشاي، والترحيب والتكريم، والمجلس المريح، ألوان ملونة، وأنواع منوعة من الإكرام، هذا للتقريب، كلمة فلان في رحمة الله أي في حفظه، في تأييده، في توفيقه، في إسعاده، أي ملأ قلبه غنى، أي ألقى الأمن في قلبه، وأنزل السكينة على قلبه، ويسير شؤونه في كسب رزقه، في إنفاق ماله، في علاقاته الإيجابية، رحمة الله واسعة جداً، إذا منحك الله رحمته سعدت بها ولو فقدت كل شيء، وإذا حجب عنك رحمته شقيت بحجب هذه الرحمة ولو ملكت كل شيء:

﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ ﴾

 ولعل البدايات تحتاج إلى جهد، جاءت سين الاستقبال:

 

﴿ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ ﴾

 أي نجد في البدايات صعوبة، لأن سلعة الله غالية، يقول لك: فلان يحمل دكتوراه فرضاً، أنت هل تعلم هذا اللقب العلمي الذي يتميز به هل تعلم كم كتاباً قرأ؟ وكم فحصاً أجرى؟ وكم أزمة نفسية أصابته؟ وكم ليلاً سهر؟ وكم أستاذاً صعباً صبر عليه؟ وكم كتاباً صعباً فهمه واستعان على فهمه بأشياء كثيرة؟ ما وصل إلى هذا اللقب إلا كاد يموت من التعب، ومن الهم، ومن القلق والخوف والامتحانات، فسلعة الله غالية، من السذاجة بمكان أن تطلبها بعمل يسير، ما من إنسان بالأرض يقدم طلباً لا يقرأ ولا يكتب، يقدم طلباً للحكومة للتعليم العالي، يرجى منحي دكتوراه، فقط التوقيع فلان، هو لا يقرأ ولا يكتب، هذا طلب يستحق الابتسامة الساخرة، لا بد من عمل دؤوب لا من أجل الآخرة، من أجل الدنيا، من أجل أن يضاف لاسمك حرف الدال ونقطة فقط.

 

طلب الجنة من غير عمل ذنب من الذنوب واستخفاف بالجنة :

 هكذا الحياة، من أجل أن يقال لك دكتور تبذل هذا الجهد، من أجل أن تدخل الجنة تطمع أن تكون بلا عمل، وطلب الجنة من غير عمل ذنب من الذنوب، استخفاف بالجنة، ألا إن سلعة الله غالية.

﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ﴾

[ سورة العنكبوت: 2]

 هكذا تقول: آمنت، إغراءات، في امتحانات، المؤمن لا يتأثر أنه آمن بالله واعتصم به، وأصر على نيل رضوانه، لا يتأثر لا بسياط الجلادين اللاذعة، ولا بسبائك الذهب اللامعة، لا يؤثر فيه إغراء ولا تهديد، إنه مع الله عز وجل:

 

﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ ﴾

 رحمة، سعادة، فضل، يجري على يديك عمل صالح، إنسان بلا عمل هذا ليس مؤمناً، فقط إيمان سكوني، أخي دين عظيم، الإسلام دين الفطرة، الإسلام، وبعد ذلك ماذا؟!
 مثلاً لو أن إنساناً عنده مرض جلدي لا يشفى إلا أن يتعرض لأشعة الشمس، هذا الإنسان جالس في غرفة مظلمة، وفي الخارج شمس ساطعة، لو قعد في هذه الغرفة المظلمة، وقال: يا لها من شمس ساطعة، إنها شمس مشرقة، إنها شمس منيرة، يا لها من شمس في كبد السماء، يا لها من شمس مشرقة في رابعة النهار، لو أتى بكل ألفاظ الأدب في الحديث عن الشمس وهو لم يتعرض لها لا ينتفع بكل هذه العبارات الطنانة، لا بد من أن يعرض جلده لأشعة الشمس.

 

﴿ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً ﴾

[ سورة الكهف: 110]

الله عز وجل إذا أحبك أنطقك بالحق وأجرى الهدى على يديك :

 قال تعالى:

﴿ وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا ﴾

[سورة الإسراء: 19]

 أي إسلام سكوني، إسلام تأملي، هكذا معظم الناس، مرتاح، يتابع الأخبار، يوزع تهماً على الناس، لا يقدم شيئاً، أعجبني قول أحدهم، قال لي: أنا أُعَظِّم شخصاً إلى درجة أنني لا أرى إنساناً في الأرض فوقه، إنه رسول الله، لا يخطئ، معصوم، قال لي: وأحتقر إنساناً لا يخطئ أيضاً، هو الذي لا يعمل، الذي لا يعمل لا يخطأ، ما قدم شيئاً لا عمل ولا محاولة، ما ضحى بشيء، ما غامر إطلاقاً، ما تحرك، ما فعل شيئاً، من لا يعمل لا يخطئ، لكن من يعمل يخطئ:

(( كُلُّ بَني آدَمَ خَطَّاءٌ، وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ ))

[ الترمذي عن أنس ]

 فيدخلهم برحمة منه، هذا العطاء النفسي، الشعور بالأمن، الشعور بالسكينة، الثقة بالمستقبل، التوازن.

 

﴿ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا ﴾

[ سورة التوبة: 51 ]

 فضلاً عن ذلك عمل صالح، لعل الله عز وجل إذا أحبك أنطقك بالحق، أجرى الهدى على يديك، وظفك جندياً تدافع عن هذا الحق العظيم، في رحمة، وفي فضل، الفضل عمل صالح:

 

﴿ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً ﴾

 أي كإنسان يمشي على طريق واضح، أحياناً تجد سائقاً على خط، يحفظ الطريق متراً متراً، وفي أماكن في اليمين فيها حفر، انتقل إلى اليسار، وتلافى الحفرة، حفظها عن غيب، كيف أن هذا السائق لشدة مراسه في هذا الطريق تجنب كل الحفر، كذلك المؤمن، طريقه واضح تماماً، الحلال واضح، والحرام واضح، والأعمال الصالحة واضحة، والوسائل أمامه واضحة، والأهداف واضحة.

 

لا يمكن للإنسان أن يستوعب الباطللأنه متعدد :

 قال تعالى:

﴿ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً ﴾

 بعد ذلك مستقيم، أقرب خط بين نقطتين الخط المستقيم، استيعاب الباطل فوق طاقة البشر، لو أردت أن تستوعب فرقة ضالة، تحتاج إلى عشر سنوات، تقرأ الكتب كلها، والخلفيات، والملابسات، والوقائع، والأحداث، والمعارك، والحروب، والنتائج، وما قيل، وما كتب، والمعلقين، والمؤرخين، إذا كانت فرقة ضالة تحتاج إلى عشر سنوات تستوعب، يقول لك دكتوراه بالفرقة الفلانية، أي خمس أو ست سنوات تأليفاً، وتصحيحاً، وتعقيباً، وتنقيحاً، لذلك لا يمكن للإنسان أن يستوعب الباطل، لأنه متعدد.

 

﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ﴾

[ سورة الأنعام: 153 ]

 بين نقطتين لا يمكن أن أمرر إلا خطاً مستقيماً واحداً، الثاني يأتي فوقه، الثالث ارسم نقطتين، وائت بالمسطرة، ضع المسطرة على جانب النقطتين، ارسم خطاً، الثاني فوق الأول، والثالث فوق الثاني، بين نقطتين لا يمر إلا خط واحد، هذا الحق، الحق لا يتعدد، لكن الباطل يمر بين نقطتين مليون خط منحني، ومليون خط منكسر، ومليار خط يمر انحناء صغير، انحناء أشد، انحناء أشد، انحناء أشد، انحناء أشد، انكسار قليل، انكسار كبير، لذلك الباطل لا يستوعب، والطريق مسدود، استوعب الحق والحق مقياس، وفرت وقتك، ووفرت جهدك:

 

﴿ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً ﴾

الفرق بين السؤال والاستفتاء :

 آخر آية في هذه السورة المباركة:

﴿ يَسْتَفْتُونَكَ قُلْ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنْ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالاً وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾

 يستفتونك، الاستفتاء أن تطلب الحكم الشرعي لحالة لا تعرف فيها الحكم، أما السؤال يقتضي أي شيء، السؤال أوسع من الاستفتاء، الله عز وجل قال: يسألونك عن الميسر، يسألونك عن المحيض، يسألونك عن الجبال، يسألونك عن الخمر، هناك أسئلة، وهناك استفتاء، الاستفتاء أن تطلب الحكم الشرعي لحالة أو لواقعة لا تعلم أنت ما حكم الشرع في هذا، هذا الاستفتاء.
 حسناً ماذا يُفهم من هذه الآية؟ يُفهم أن الذي يستفتي، وأن الذي يسأل أراد أن يبني حياته على منهج الله، من هو الذي لا يسأل؟ لأنه لا يسأل لا يعبأ بهذا الدين، وبالتعبير العامي يقول لك: حط بالخرج، لا، المؤمن يسأل، لأنه يتمنى رضاء الله عز وجل، لأنه أخذ قراراً مصيرياً أن تكون حياته وفق متهج الله إذاً يسأل، فهذا الذي يسأل إنسان له عند الله مكانة كبيرة جداً، والذي لا يسأل إما أنه يعرف الحكم لا يسأل، وإما أنه لا يعبأ بهذا الموضوع كله، الذي لا يسأل إما أن يكون عالماً، أو أن يكون شارداً عن الله كلياً، أما الذي يسأل فإنسان ورع، والسؤال مفتاح العلم، وأنت حينما تستشير الرجال تستعير عقولهم، أنت لا تستطيع أن تدخل إلى عيادة طبيب، وليس في جيبك الأجرة، لا تستطيع أن تدخل مكتب محام، وليس في جيبك مقدم الأتعاب، لا تستطيع أن تدخل إلى أي بائع إلا وفي جيبك الثمن، لكنك تستطيع أن تسأل كل داعية إلى الله بلا ثمن، تسأله: ما حكم الشرع في هذا؟ هو يتقرب إلى الله بتوضيح الحق، وأنت تتقرب إلى الله بهذا السؤال، تبحث عن حكم الله عز وجل، وهو يقدم لك هذا الحكم، لذلك السؤال علامة الورع.

 

الأصل في الأشياء الإباحة ولا يحرم شيء إلا بالنص :

 اسألوا قال تعالى:

﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾

[ سورة النحل: 43 ]

 أهل الذكر هم أهل القرآن والسنة، يا أخي حكم الله في هذا حرام، قال لي إنسان اليوم: هل يجوز أن أؤجر بيتي لبنك؟ قلت له: لا يجوز، قال لي: ما الدليل، قلت: قال تعالى:

 

﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ﴾

[ سورة المائدة: 2 ]

 ألا يجري في هذا البنك معاملات ربوية، أنت ماذا فعلت؟ قدمت له البيت، قدمت له المكان، هل بإمكانك أن تخيط مثلاً ثياباً فاضحة ترتديها النساء في الطرقات مثلاً؟ فيها إشكال، هل بإمكانك أن تزود ملهى بأجهزة صوت من أعلى مستوى؟ عمل متقن، أين؟ بالملهى، الله يعطيك العافية:

 

﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ﴾

[ سورة المائدة: 2 ]

 أيها الأخوة، يقول عليه الصلاة والسلام:

(( ذروني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه))

[ أخرجه أحمد في مسنده وصحيح مسلم والنسائي وابن ماجة عن أبي هريرة ]

 هناك حكمة بالغةٌ بالغة من الأمر الإلهي، وهناك حكمة بالغةٌ بالغة من النهي الإلهي، وهناك حكمة بالغة بالغةٌ بالغة من الذي سكت عنه الشرع.
 قال لي واحد: جاءتني بذلة صنعت في بريطانيا، يجوز أن ألبسها؟ قلت له: يجوز، أليست من عمل الكفار؟ قلت له: لا تلبسها، انتهى، كما ما تريد.
 الأصل في الأشياء الإباحة، ولا يحرم شيء إلا بالنص، والأصل في العبادات الحظر، ولا تشرع عبادة إلا بالدليل.

 

الأصل في العبادات الحظر فلا تشرع عبادة إلا بالدليل :

 العبادات الأصل فيها الحظر، لا يجرؤ إنسان في الأرض أن يحدث عبادة إلا بالدليل، أما الأشياء الأصل فيها الحظر مادام ليس فيها نص، ما حكم ـ فرضاً ـ أكل الخضار مع الحلويات معاً؟ هذه ليس فيها حكم شرعي، الأصل في الأشياء الإباحة، أما الحظر في العبادات، فالذي أمر الله به ائتِ منه ما استطعت، أمرك بالصدقة، أما الذي نهاك عنه يجب أن تدعه كلياً، كلام دقيق جداً، أنت هيأت مستودعاً للوقود السائل هذا المستودع فيه عمليتان، إحكام وإملاء، املأه ما استطعت، يسع ألفي لتر، لا تملك ثمن الألفين، املأه مئة لتر، أما الإحكام ليس فيه حل وسط، الإحكام حدي، أما الإملاء فنسبي، ليس هناك مستودع محكم نوعاً ما، ما في نوعاً ما، محكم أو غير محكم، محكم بين بيْن، ليس هناك محكم بين بيْن، ولا نوعاً ما، ولا إلى حد، محكم، أما إملاؤه فبقدر ما تستطيع، فإذا أمرت بالصدقات فبقدر ما تستطيع.

﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها﴾

[سورة البقرة: 286]

 أما إذا الله نهاك عن أكل الربا فهذا النهي حدي، فالنهي حدي، والأمر نسبي، والذي سكت الله عنه الأصل في الأشياء الإباحة، أنا لا أبحث عن شيء سكت الله عنه، الأصل الأشياء مباحة، لا يحرم شيء إلا بالدليل، الأصل في العبادات الحظر لا تشرع عبادة إلا بالدليل:

(( ذروني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه))

[ أخرجه أحمد في مسنده وصحيح مسلم والنسائي وابن ماجة عن أبي هريرة ]

 دعوه كلياً.

 

حكم الله في الكلالة :

 الآن:

﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلْ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنْ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالاً وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾

 الْكَلَالَةِ، أي إنسان ليس له ولد، وليس له أب، العادة أن الأب يرعى الابن، والإنسان إذا كبر في السن رعاه ابنه، أنت بين رعاية أب ورعاية ابن، إنسان توفي ليس له ابن، وليس له أب، كيف يرثه من حوله؟!

 

﴿ يَسْتَفْتُونَكَ قُلْ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنْ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالاً وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾

 بالمقابل:

 

﴿وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ ﴾

 ليس له أولاد، وليس له أب، ترك أختين فلهما الثلثان:

 

﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالاً وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ ﴾

 رجال ونساء، للذكر مثل حظ الأنثيين، ترك أختين فلهما الثلثان، ترك أختاً واحدة لها النصف.

 

بقدر طاعتك لله تنفذ أمر الله في الميراث :

 قال تعالى:

﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾

 أي يبين الله لكم لئلا تضلوا المعنى:

 

﴿ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾

 بالمناسبة أيها الأخوة، الله عز وجل ما سمح لسيد الخلق وحبيب الحق أن يوزع الميراث، تولاه بذاته، الفرائض من قبل الله بالذات، لماذا؟ الإنسان أحياناً يجتهد، هذا غني ليس بحاجة، احرمه، هذا فقير ضاعف له، تدخل الأهواء، والمنازعات، والخصومات، لا، هذا الشرع أحق أن يتبع، فلذلك إن الرجل يعبد الله ستين عاماً ثم يضار في الوصية فتجب له النار، البنات لا نورثهم، لماذا؟ راح المال من بيت فلان للأصهار، هذا كلام الشيطان، البنت لها الحق في الإرث بالتمام والكمال، فبقدر طاعتك لله تنفذ أمر الله في الميراث، هذا حكم الله في الكلالة، إنسان توفي ليس له أولاد، وليس له أب، الأب كان يرعاه، والابن يرعاه في شيخوخته، فماله يذهب إلى أخته النصف، إلى الأختين الثلثان، إن كانوا ذكوراً وإناثاً:

 

﴿ فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ ﴾

 أيها الأخوة الكرام: بفضل الله تعالى تم تفسير سورة النساء في تسعة وستين درساً، وفي تسعة وستين شريطاً، وهذا من فضل الله علينا، وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا جميعاً لمدارسة هذا الكتاب.

((ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده))

[ أخرجه أبو داود عن أبي هريرة ]

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018