الدرس : 66 - سورة النساء - تفسير الآيات 155-162 ، قصة السيد المسيح مع قومه - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 66 - سورة النساء - تفسير الآيات 155-162 ، قصة السيد المسيح مع قومه


2003-06-27

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا بما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

من فضل الله عز وجل أنه يبين لعباده الأسباب التي وراء أفعاله :

 أيها الأخوة المؤمنون، مع الدرس السادس والستين من دروس سورة النساء، ومع الآية الخامسة والخمسين بعد المئة، وهي قوله تعالى:

﴿ فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمْ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلاً﴾

 أيها الأخوة الكرام، من فضل الله عز وجل أنه يبين لعباده الأسباب التي وراء أفعاله؛ إن إكراماً أو عقاباً، هذا فضل من الله عز وجل، فلو أن أباً ضرب ابنه ضرباً مبرحاً، ولم يذكر له لماذا ضربه، هل يعد الأب مربياً؟ الضرب ليس له معنى، أما حينما يقول له: يا بني فعلت كذا وكذا وكذا، ونبهتك مراراً، وأنذرتك، وشجعتك، وحذرتك فلم تنتبه، فهذا عقابك.
 فالله عز وجل يبين في هذه الآية لماذا غضب على هؤلاء قال:

﴿ فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ ﴾

 بنقضهم ميثاقهم أي بسبب نقضهم ميثاقهم، ما استفهامية، أي كل أنواع المواثيق نقضوها:

﴿ فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ ﴾

 والميثاق هو العهد، وأوضح مثل الإنسان حينما يؤدي عمرة، أو يؤدي فريضة الحج، ويقف أمام الحجر الأسود يعاهد الله على طاعته، يا رب عهداً على طاعتك، عهداً أن أطبق سنة نبيك، عهداً أن أتوب إليك.

 

وسائل القربى من الله عز وجل :

 ما من إنسان إلا وله عهد مع الله عز وجل، فالمؤمن يحافظ على عهده، والله عز وجل يقول:

﴿ وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ ﴾

[ سورة الأعراف: 102]

 من خصائص إيمانك أنك إذا عاهدت الله عز وجل تحافظ على هذا العهد، وكل إنسان في ساعة صفاء عقد توبة مع الله عز وجل، عاهد الله على شيء، نذر شيئاً، إذا كان مؤمناً حقاً يفي بوعده، يقول الله عز وجل عن نبي كريم:

﴿ وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى ﴾

[ سورة النجم: 37]

 يقول عن نبي آخر:

﴿ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً ﴾

[ سورة ص: 44]

 أن تكون صابراً، أن تكون وفياً، أن تكون صادقاً، هذه وسائل القربى من الله عز وجل، هذا الذي يرفعك عند الله عز وجل:

﴿ فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ ﴾

من علامة الإيمان الوفاء بالعهد :

 كم من إنسان وقع في مشكلة وفي ورطة كبيرة في أثناء الشدة عاهد الله أن يتوب، عاهد الله ألا يعود إلى هذه المعصية، فبعد أن يزيل الله عنه هذه الشدة يعود إلى ما كان عليه.
 هذه صفة وجدت في اليهود، بل وفي أهل الكتاب، ويمكن أن توجد في المسلمين، دقق أيها الأخ أنك إذا عاهدت الله عز وجل وقت الشدة والمحنة، عاهدته على الطاعة، عاهدته على العمل الصالح، عاهدته على المحافظة على الصلاة، عاهدته على إنفاق المال، عاهدته على غض البصر، هذا عهد، ومن علامة إيمانك أنك تفي هذا العهد.

﴿ وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى ﴾

[ سورة النجم: 37]

 لكن عامة الناس يقول الله عنهم:

﴿ وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ ﴾

[ سورة الأعراف: 102]

 أي بسبب نقضهم كل عهودهم ومواثيقهم ساق الله لهم ما ساق من شدة، سبب آخر:

﴿ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ ﴾

 هذه الآيات هي الطريق الموصل إلى الله، يقول الله عز وجل:

﴿ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآَيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ ﴾

[سورة الجاثية: 6]

 يريد أن ينال شهادة من دون أن يدخل مدرسة، مستحيل، الله عز وجل جعل لكل شيء طريقاً، فآيات الله طريق الإيمان به، هناك آيات تكوينية، آيات كونية، آيات قرآنية، مجمل آيات الله هي الطريق الموصل إلى الإيمان به، فحينما يستهزئ الإنسان بآية كونية، أو بآية قرآنية، أو بآية تكوينية معنى ذلك أراد أن يسلك طريقاً غير موصل، مشى في طريق مسدود، فكيف يأتيه الله عز وجل؟ أي بشكل أو بآخر الدولة رسمت للإنسان طريقاً لكي يكون طبيباً، يحتاج إلى شهادة ثانوية، إلى مجموع معين، إلى أن ينتسب إلى كلية الطب، أول سنة علوم عامة، السنة الثانية تشريح وصفي، السنة الثالثة فيزيولوجيا، السنة الرابعة علم الأمراض، السنة الخامسة علم الأدوية، أخذ شهادة أولى في اختصاص، لا يستطيع إنسان أن يفتح عيادة، ويضع لافتة، ويسمي نفسه طبيباً، إن لم يسلك هذا الطريق.

 

المصيبة رسالة من الله :

 الله عز وجل رسم للإيمان به طريق الآيات، فمن كفر بها فقد مشى في طريق مسدود:

﴿ فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ ﴾

 الشيء الذي ترونه أحياناً أنك كلما فسرت زلزالاً أحياناً، أو فقراً، أو اجتياحاً، أو حرباً أهليةً، أو جفافاً، أو قحطاً، أو صاعقةً، أو بركاناً، فقراً فسرته تفسيراً توحيدياً يشير إلى أن الله عز وجل غني عن تعذيبنا، ولكن إذا عذبنا فهذه رسالة لنا، الله عز وجل حينما قال:

﴿ رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى ﴾

[ سورة طه: 134]

 معنى ذلك أن المصيبة رسالة من الله عز وجل، سمعت بالأخبار أن عملاً موجهاً ضد مؤسسة، فصاحب المؤسسة جاء واطلع على التخريب، قال: وصلتني الرسالة، عدها رسالة.
 الله عز وجل حينما يسوق مصيبةً، حينما يسوق جفافاً، حينما يسوق قحطاً، حينما يسلط عدواً يأخذ ما في أيدي المسلمين، حينما تؤخذ ثرواتهم، حينما يحكمون، حينما تجتاح أراضيهم هذه رسالة من الله عز وجل، لكن نحن لا نقبل بهذا، نقاومه، لكن بالأساس رسالة، الإنسان كلما كان قريباً من الله عز وجل بالتعبير الدارج يفهم على الله، يفهم أن هذا الذي ساقه الله إليه رسالة منه، وينبغي أن يعي الرسالة، وأن يأخذ الموقف الكامل منها، لأنه من لم تحدث المصيبة في نفسه موعظة فمصيبته في نفسه أكبر.

﴿ رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى ﴾

[ سورة طه: 134]

لا ينبغي أن نفهم الحوادث فهماً أرضياً شركياً بل فهماً توحيدياً علوياً :

 لذلك حينما قال بعض المفسرين في قوله تعالى:

﴿ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ ﴾

[ سورة فاطر: 37]

 فقالوا: النذير هو القرآن، والنذير هو النبي العدنان، والنذير سن الأربعين، والنذير الشيب، والنذير المصائب، المصيبة رسالة من الله، أن يا عبدي أنت في طريق غير صحيح، أنت في طريق لا يؤدي بك إلى السعادة، هذه رسالة:

﴿ فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ ﴾

 المصيبة من آيات الله، والشمس والقمر من آيات الله، وما يسوق الله لعباده من مصائب من آيات الله، فينبغي أن نفهم الحوادث لا فهماً أرضياً شركياً، ينبغي أن نفهمها فهماً توحيدياً علوياً، والبطولة لا في أن ينتهي إلى علمك ما حدث، هذا يستطيعه كل إنسان على وجه الأرض، أحداث الحادي عشر من أيلول هل بقي في الأرض كلها إنسان واحد لم ينته إلى علمه هذا الحدث؟ لكن أين يتفاوت الناس؟ في تحليل هذا الحدث، في تفسيره، فلذلك قد تكون الآيات التكوينية، أي أفعال الله التي تعد شدةً في حق البشر هي رسالة من الله، قد تعد هذه آية من آيات الله الدالة على ألوهيته، وعلى تربيته، وعلى رحمته والدليل:

﴿ فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ ﴾

[ سورة الأنعام: 147 ]

 تقتضي رحمته الواسعة ألا يرد بأسه عن القوم المجرمين.

 

ما نزل بلاء إلا بذنب ولا يرفع إلا بتوبة :

 أخواننا الكرام، أضع بين أيديكم هذا المثل: أب يمشي في الطريق، رأى ابنه، وابن أخيه، وصديق ابنه يدخنون، يغلي على من؟ على ابنه، وقد يضربه، ويقول لابن أخيه: سأقول لأبيك، أما الثالث فيقول له: اذهب، الغليان على من؟ على ابنه، كلما كان هناك علاقة رحمة وعلاقة محبة وعلاقة قريبة جداً يكون الدواء، ويكون العلاج، وتكون التربية، فحينما تكون ضمن العناية المشددة يسوق الله لك من المصائب لا سمح الله ولا قدر ما يحملك على طاعة الله، ما معنى تاب عليهم ليتوبوا؟ أي ساق لهم من الشدة ما يحملهم على التوبة.
 لذلك من هو الإنسان الذي لا يعي على الله أفعاله؟ هو الذي يفسر آيات الله تفسيراً أرضياً، كم من مصيبة نزلت بمن حولنا هل تغير الأمر؟ هل عادوا إلى الله عز وجل؟ هل انضبطوا؟ ونحن كذلك، المصائب من آيات الله التكوينية، والمصائب رسالة من الله عز وجل، وكلما أهملنا هذه الرسائل ساق الله لنا رسائل أشد، ونحن في محنة كبيرة، ويسوق الله للمسلمين اليوم رسائل لا تعد ولا تحصى، شدة ما بعدها شدة، الطرف الآخر يفقرنا، ويضلنا، ويفسدنا، ويذلنا، لأننا تركنا ديننا، ما نزل بلاء إلا بذنب ولا يرفع إلا بتوبة:

﴿ فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ ﴾

 قد تعتدي على إنسان، لكن حينما تعلم علم اليقين أن هذا الإنسان مبعوث من قبل الله عز وجل، العدوان عليه بمليون ضعف، وقتلهم الأنبياء بغير حق، طبعاً ليس هناك قتل أنبياء بحق، لكن هذا قيد وصفي وليس قيداً احترازياً، فشأن من يقتل الأنبياء أنه يقتلهم بغير حق، يعدد الله أمراض هؤلاء:

﴿ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ ﴾

 وهذه عقيدة الجبر يتمسك بها كل منحرف، الله مقدر علينا، مقدر علي أن أعصيه، الأمر ليس بيدي، هكذا شاءت مشيئة الله عز وجل، عقيدة الجبر كفر.

 

عقيدة الجبر كفر :

 أن تقول: إن الله أجبرك على أن تعصيه، ثم يحاسبك على هذه المعصية، ثم تدخل النار، ألم يقل الله عز وجل:

﴿ سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ ﴾

[ سورة الأنعام: 148 ]

 هذا الذي يقول: لو شاء الله ما أشركت، لو شاء الله ما عصيت، لو شاء الله لصليت، لو شاء الله لما فعلت كذا وكذا، هذا الذي يعزو معصيته إلى مشيئة الله جبراً إيمانه ضعيف جداً، بل هناك ما ينقض إيمانه:

﴿ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ ﴾

 الباطل لا يخرج منها مصفحاً، والحق لا يدخل إليها، هكذا خلقنا، وهذه عقيدة عوام المسلمين، بل عقيدة بعض من يعمل بحقل الدعوة، كله فعل الله، طبعاً هذه كلمة حق، كله فعله، لكن بسبب المدير يرسب طالب وينجح طالب! لكن لماذا رسَّب فلاناً؟ بسبب، ولماذا أنجحه؟ بسبب.

ألقاه في اليم مكتوفاً وقال له  إياك إِياك أن تبتل بالماء
* * *

مجرد الأمر والنهي يقتضي أننا مخيرون :

 لذلك أيها الأخوة: أن تقول: أنا خلقت هكذا، شاءت مشيئة الله أن أكون كذا، شاءت مشيئة الله أن أفعل كذا، هذا بالتعبير الفصيح، أما بالمعنى العامي طاسات معدودة بأماكن محدودة، الله مقدر عليك، لا تعترض، قضاء وقدر، انتهى الإنسان، قضية سهلة جداً أن تعزو كل المعاصي والآثام إلى الله، أنت ما فعلت شيئاً، تنفذ مشيئة الله فقط، فلماذا يحاسبك؟! أين قوله تعالى:

﴿ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ ﴾

[ سورة الزلزلة: 8]

 بشكل بسيط بسيطٍ جداً، هذا ذكرته كثيراً، لو بنينا حائطين بينهما فراغ مثل عرض كتفيك، وسرت بهذا الطريق، الحائط الأيمن يمس يدك اليمنى، والحائط الأيسر يمس يدك اليسرى، ثم قلنا لك: اذهب إلى اليمين، هل هناك يمين؟ لذلك العلماء قالوا: مجرد الأمر والنهي يقتضي أنك مخير، مادام هناك أمر في القرآن ونهي معنى ذلك أنك مخير، لو كنت مكرهاً أو مسيراً فلا داعي أن يكون في القرآن أمر واحد ولا نهي واحد، لمجرد وجود الأمر والنهي فأنت مخير. فهؤلاء يعزون معاصيهم وجرائمهم إلى الله عز وجل، والآن أكثر كلمة متداولة بين عوام المسلمين: ترتيب سيدك، هذا يشرب الخمر، هكذا كتب الله عليه، هذا لا يصلي حتى يريد الله، هذا سارق، هكذا جعله الله، شيء مريح جداً، فأنت لا تعرف شيئاً، الله قدر عليك السرقة أو المعصية أو الزنا، وأنت نفذت مشيئة الله، لماذا يحاسبك؟!!
 قال رجل لسيدنا علي: أكان مسيرنا إلى الشام بقضاء من الله وقدر؟ قصده قضاء الجبر، قال: ويحك لو كان قضاءً لازماً وقدراً حاتماً إذاً لبطل الوعد والوعيد، وانتهى الثواب والعقاب، إن الله أمر عباده تخييراً، ونهاهم تحذيراً، وكلف يسيراً، ولم يكلف عسيراً، وأعطى على القليل كثيراً.
 إذاً آيات الله أحياناً هي المصائب، وينبغي أن تفهمها لا فهماً جبرياً بل فهماً توحيدياً، فهماً تفضلياً، سيقت هذه المصيبة كرسالة من الله عز وجل، علي أن أنتبه.
 سمعت قصة أيضاً ذكرتها كثيراً عن إنسان ببلد من بلاد المسلمين، بدوي له أرض بعيدة عن مدينة مشهورة جداً، فلما توسعت المدينة اقتربت أرضه من ظاهر المدينة، فارتفع سعرها، نزل إلى السوق، وباع الأرض، واشترى الأرض منه مكتب خبيث جداً، اشتراها بربع قيمتها، وبنى بناء ـ والقصة واقعية ـ يزيد على عشرة طوابق، هم شركاء ثلاث، الشريك الأول وقع من أعلى البناء، فنزل ميتاً، والثاني دهسته سيارة، فانتبه الثالث، عدّ هذين الحادثين رسالة من الله، بحث عن صاحب الأرض أكثر من ستة أشهر حتى عثر عليه، ونقده ثلاثة أضعاف حصته، فقال له هذا البدوي: ترى أنت لحقت حالك.

 

إذا ساق الله لنا في الدنيا شدةً معنى ذلك أننا مؤهلون أن نتوب :

 الإنسان أحياناً تأتيه رسالة من الله ينتبه، لا تفهمها فهماً أرضياً، لا تفهمها حياة معقدة، لا تفهمها صعوبات في الحياة، افهمها أن الله عز وجل ساقها إليك، فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك.
 نحن نرتاح عندما نقول: ماسونية، واستعمار، وشارون، وبوش، ونحن ما فعلنا شيئاً، هؤلاء الطغاة، هم طغاة، لكن العلة موجودة عندنا حتى سلطوا علينا، لذلك المؤمن لا تنهار معنوياته، لا يحس بالقهر، لكن يؤمن بالتسليط، أن الله يسلط قوياً على مؤمن كرسالة من الله، انتبه، لأن القضية سهلة الآن، كل شيء يمكن أن يحل، يمكن أن تتوب مادام القلب ينبض، يمكن أن ترجع إلى الله، يمكن أن تدع هذا الدخل المشبوه، يمكن أن تدع هذه المعصية، كل شيء يحل ما دام القلب ينبض، إذا ساق الله لك في الدنيا شدةً معنى ذلك أنت مؤهل أن تتوب، أما الذي لا يتوب ذكره الله عز وجل:

﴿ فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً ﴾

[ سورة الأنعام: 44]

 يقول لك إنسان: عند الأجانب الكفر والفجور والشذوذ والمال الحرام، وهم أقوياء، هؤلاء تنطبق عليهم هذه الآية:

﴿ فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً ﴾

[ سورة الأنعام: 44]

الكفر سبب الطبع :

 قال تعالى:

﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ ﴾

[ سورة القصص: 4-5]

 لا تقل طبع الله على قلبي، لا تقل هذا الكلام:

﴿ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ ﴾

 أتمنى أن أوضح الفكرة، إنسان يحمل علم بمستوى رفيع جداً، وإنسان لا يعتد به يقول: هذا ليس فهماً، كيف لهذا الذي يحمل هذا العلم أن يعلمه؟ أأنت كافر به؟ الكفر سبب الطبع، طبيب اختصاصه متعلق بمرض مريض، والمريض لا يقنع بهذا الطبيب، هل يستطيع هذا الطبيب أن يقدم لهذا المريض شيئاً؟ لا يستطيع، مستحيل، لأن المريض كفر بهذا الطبيب، حجب المريض عن علم الطبيب، حجب عن خيره وفضله:

﴿ غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ ﴾

 لأنهم كفروا بالله عز وجل.

 

الكفر أنواع :

 إنسان يمشي بطريق فوجد فرعين للطريق والرحلة خطيرة جداً، في الطريق وجد شخصاً يعرف حقيقة الطريقين فقال له: أنت كاذب، لا تفهم شيئاً، هل يعطيه هذا الشخص نصيحة؟ لا، لأنه كفر بعلمه، فكان كفره بعلمه حجاباً بينه وبينه، قال تعالى:

﴿ وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ ﴾

[ سورة البقرة: 88]

 لأنهم كفروا فكان قلبهم مغلفاً فلا يؤمنون إلا قليلاً، وهذه رحمة من الله، هناك أمل، لكن هذا الأمل قليل، هناك أمل حتى لو طبع على قلبه أن يصحو من غفلته.

﴿ وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَاناً عَظِيماً ﴾

 الكفر أنواع، الكفر بالله، هناك كفر بأسمائه الحسنى، هناك كفر ببعض أسمائه، هناك كفر بأنبيائه، هناك كفر ببعض أنبيائه، هناك كفر بكتبه، هناك كفر ببعض كتبه، وهناك كفر دون كفر، ليس في القرآن تكرار، قال تعالى:

﴿ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ ﴾

﴿ وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَاناً عَظِيماً ﴾

 اتهمت أنها جاءت بهذا المولود النبي الكريم من الزنا.

 

للآية التالية عدة تفاسير :

 قال الله عز وجل:

﴿ وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَاناً عَظِيماً* وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ ﴾

 هناك عدة تفاسير:

 

1 ـإما أن كلمة (رسول الله) من كلامهم وهذا يضاعف جريمتهم :

 إما أن كلمة (رسول الله) من كلامهم وهذا يضاعف جريمتهم، قال:

﴿ قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ ﴾

 تعرفه موظفاً، وتعرفه تابعاً لجهة قوية جداً، وقتلته، هذا تحدٍّ، هذا معنى.

 

2 ـ أو أنهمقالوها استهزاءً :

 المعنى الثاني: قالوها استهزاءً، هذا رسول قتلناه.

3 ـ أو أن كلمة (رسول الله) ليست من كلامهم إنها من كلام الله عز وجل :

 وهناك تفسير آخر: أن كلام رسول الله ليس من كلامهم، إنه من كلام الله عز وجل، على كلٍ قال تعالى:

﴿ وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَاناً عَظِيماً* وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ ﴾

نفي الله أن السيد المسيح قُتِل ثم صُلِب ولكن شُبِّه لهم ورفعه الله إليه :

 يقول الله عز وجل:

﴿ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً ﴾

 نفى الله أنهم قتلوه ثم صلبوه، لكن الذي قتلوه ثم صلبوه شُبِّه لهم بالسيد المسيح، بل رفعه الله إليه، قال تعالى:

﴿ إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ﴾

[ سورة آل عمران: 55]

 كيف أن النبي عليه الصلاة والسلام رُفِع إلى سدرة المنتهى، ثم عاد، لكن إقامة السيد المسيح عند الله إقامة مديدة إلى آخر الزمان، وعودته علم بالساعة، من علامات قيام الساعة الكبرى نزول السيد المسيح، يقول عليه الصلاة والسلام:

(( تمتلئ الأرض ظلماً وعدواناً حتى يأتي أخي عيسى فيملؤها قسطاً وعدلاً ))

[ ابن ماجه عن عبد الله بلفظ قريب منه ]

ما من أهل الكتاب واحد إلا وسيؤمن بالسيد المسيح قبل موته :

 قال تعالى:

﴿ وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً*بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً ﴾

 وقال:

﴿ وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ﴾

 وإن نافية، أي ما من أهل الكتاب واحد إلا يؤمن به قبل موته، سيعود السيد المسيح إلى الأرض، وسيتلو صحفاً مطهرة، وسوف يؤمن به أهل الكتاب على أنه رسول من عند الله عز وجل، قال تعالى:

﴿ وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ﴾

معظم أخطاء الذين كانوا قبلنا متفشية بين المسلمين اليوم :

 ثم يقول الله عز وجل:

﴿ فَبِظُلْمٍ مِنْ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ ﴾

 بظلم، أي بسبب ظلم، هذه الباء للسبب بسبب:

﴿ فَبِظُلْمٍ مِنْ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيراً* وَأَخْذِهِمْ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾

 هذه أسباب مطولة، ساق الله لهؤلاء من الشدة نقضهم ميثاقهم، كفرهم بآيات الله، قتلهم الأنبياء بغير الحق، إنكارهم أن الإنسان مخير، قولهم قلوبنا غلف، قولهم على مريم بهتاناً عظيماً، قولهم قتلنا المسيح عيسى بن مريم، بظلم من الذين هادوا كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا:

((أَنَّ قُرَيْشاً أَهَمَّهُمْ شَأْنُ الْمَرْأَةِ الْمَخْزُومِيَّةِ الَّتِي سَرَقَتْ فَقَالُوا: وَمَنْ يُكَلِّمُ فِيهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَقَالُوا: وَمَنْ يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ إِلَّا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَكَلَّمَهُ أُسَامَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ؟ ثُمَّ قَامَ فَاخْتَطَبَ ثُمَّ قَالَ: إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ، وَأيْمُ اللَّهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا))

[ متفق عليه عن عائشة]

 بصدهم عن سبيل الله، أخذهم الربا وقد نهوا عنه، أكلهم أموال الناس بالباطل، وأعتدنا للكافرين منهم عذاباً أليما، هذه أخطاؤهم، بربكم أليست معظم هذه الأخطاء متفشية بين المسلمين؟ ألم يقل الله عز وجل:

﴿ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ﴾

[ سورة المائدة: 79]

 أليست هذه المعصية التي هي عند الله سبب هلاكهم؟ أليست متفشية بين المؤمنين؟ أليس قول النبي عليه الصلاة والسلام:

((إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ وأيمُ اللَّهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا))

[ متفق عليه عن عائشة]

 أليست هذه المعصية متفشية بين المؤمنين؟!!

 

الإيمان وحدة لا تتجزأ لذلك ينبغي أن تؤمن بكل أنبياء الله :

 قال تعالى:

﴿ لَكِنْ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُوْلَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً﴾

 الإيمان وحدة لا تتجزأ، ينبغي أن تؤمن بكل أنبياء الله، لا أن تختار ما يعجبك، لا أن تؤمن ببعضهم وتكفر ببعضهم الآخر.
 لكن الراسخون في العلم منهم من أهل الكتاب، والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك، النبي عليه الصلاة والسلام لا يظنه الطرف الآخر نبياً، يظنونه عبقرياً، يظنونه مصلحاً اجتماعياً، يظنونه إنساناً ذكياً، هو رسول الله، هو نبي الله، كما أن لهؤلاء الذين ينكرون أنبياء، هو نبينا عليه الصلاة والسلام، لكن نبينا عليه الصلاة والسلام هو لكل الخلق، للناس كافة رحمة للعالمين.

 

الجاهل حينما يقبل أن يتعلم يصبح أحد أركان الدنيا :

 قال تعالى:

﴿ لَكِنْ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ﴾

 مع ذلك أخطر شيء نصف العالِم، نصف العالِم لا هو عالم فينتفع بعلمه، ولا هو جاهل فيتعلم، ألم يقل الإمام علي رضي الله عنه: قوام الدنيا والدين أربعة رجال: عالم مستعمل علمه، وجاهل لا يستنكف أن يتعلم، وغني لا يبخل بماله، وفقير لا يبيع آخرته بدنياه، فإذا ضيع العالم علمه استنكف الجاهل أن يتعلم، وإذا بخل الغني بماله باع الفقير آخرته بدنيا غيره. فالجاهل حينما يقبل أن يتعلم أحد أركان الدنيا. قال تعالى:

﴿ لَكِنْ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ ﴾

 كعبد الله بن سلام رضي الله عنه، كان من أحبارهم، وقصته مشهورة، آمن بما أنزل على سيدنا محمد، وطلب من النبي أن يخبئه في مكان من حجراته، وأتى بقومه اليهود، ما تقولون في عبد الله بن سلام؟ قالوا: هو سيدنا، وابن سيدنا، وعالمنا، وابن عالمنا، ومدحوه مدحاً يفوق حد الخيال، قال: أفرأيتم إن أسلم؟ قالوا: لا نصدق، خرج عليهم وقال: أنا أسلمت، قالوا: هو شرنا، وابن شرنا، وجاهلنا، وابن جاهلنا، هذا تعنت، قال الله عز وجل:

﴿ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُوْلَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً ﴾

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018