الخطبة : 0919 - فوائد المرض - لا يخافن العبد إلا ذنبه - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0919 - فوائد المرض - لا يخافن العبد إلا ذنبه


2004-03-12

الخطبة الأولى:

 الحمد لله ثم الحمد لله، الحمد لله الذي هدانا لهذا، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، وما توفيقي ولا اعتصامي ولا توكلي إلا على الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته، وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله، سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عين بنظر، أو سمعت أذن بخبر، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه، وعلى ذريته ومن والاه، ومن تبعه إلى يوم الدين.
 اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمتنا، إنك أنت العليم الحكيم.
 اللهم علِّمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

فوائد المرض :

 أيها الإخوة الكرام: من أجل كثرة المحن التي تمرُّ بها الأمة الإسلامية، لابد من الحديث عن الحكمة التي أرادها الله من هذه المحن وتلك المصائب؟
 أيها الإخوة الكرام: هناك مسلَّمات في العقيدة، منها: أن الشر المطلق لا وجود له في الكون، بل إن الشر المطلق يتناقض مع وجود الله، هناك شر نسبي، بالنسبة إلينا يبدو شراً، لكن مضمون هذا الذي بدا لنا شراً هو في حقيقته خير على المدى البعيد، هذا فهم المؤمن للمصائب.

المصائب رسائل من الله :

 أيها الإخوة الكرام: مثل بسيط، هذه المركبة صنعت لتسير، علة صنعها السير، لكن فيها مكابح، والمكبح يتناقض مع علة صنعها، هي صنعت لتسير، والمكبح يوقفها، لكنَّ المكبح ضروري جداً لسلامتها.
 وأنت خلقت للسعادة في الدنيا والآخرة:

 

﴿ إلا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ﴾

( سورة هود : 119)

 وتأتي المصائب ضماناً لهذه السعادة، فقد تزل قدم الإنسان، وقد ينحرف عن الهدف، وقد يقع في خطأ، وقد ينسى الله، وقد يغفل عنه، وقد يأكل المال الحرام، وقد يعتدي على أعراض الأنام، فتأتي المصيبة كرسالة من الله، وما من آية تتوضح فيها المصيبة كرسالة من الله كهذه الآية:

﴿ وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ﴾

( سورة القصص : 47)

 والباء باء السبب، أي: بسبب ما قدمت أيديهم، لقالوا يوم القيامة:

﴿ رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

( سورة القصص : 47)

 فينبغي أن نعلم علم اليقين أن الشيء الذي يؤلمنا هو في حقيقته رسالة من الله.
 الرسائل، أيها الإخوة، ليست كلامية في أغلب الأحيان، فالمصيبة التي تصيب الإنسان هي في الأعم الأغلب رسالة من الواحد الديان، مفادها: انتبه يا عبدي، عندك خلل، إما في عقيدتك، هناك شرك خفي، وإما في سلوكك، وإما في كسب مالك، وإما في إنفاق مالك، وإما في علاقاتك مع من حولك، رسالة من الله عز وجل.

لكل مصيبة حكمة :

 أيها الإخوة الكرام: هذه الخطبة، ما من عنوان أصدق على مضمونها من قوله تعالى:

 

﴿ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ﴾

( سورة البقرة : 216)

 إن الله ليحمي عبده المؤمن من الدنيا كما يحمي الراعي الشفيق غنمه من مراتع الهلكة.
 أنت حينما تعرف حكمة الله عز وجل يغدو المنع عطاءً:
 ربما أعطاك فحرمك، وربما حرمك فأعطاك.
 بطولتك كمؤمن أن تفهم الحكمة، إن فهمت الحكمة رضيت عن الله عز وجل.

مصيبة المرض وفوائدها :

 أيها الإخوة الكرام: لعل من أكثر ما يؤلم الإنسان ضعف صحته أو المرض الذي يصيبه.
 أيها الإخوة: المؤمن دائماً يتلو هذه الآية:

﴿ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً ﴾

( سورة الشرح : 6)

 ولحكمة أرادها الله جعل العسر في الآية مع اليسر، و لم يقل إن بعد العسر يسر:

﴿ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً ﴾

( سورة الشرح : 6)

 وعذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة:

﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الأدنى دُونَ الْعَذَابِ الأكبرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾

( سورة السجدة : 21)

 عن أنس بن مالك رضي الله عنه:

(( أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم دَخَلَ عَلَى شَابٍّ وَهُوَ فِي المَوتِ، فقال: كَيفَ تَجِدُكَ؟ قال: أرجُو الله يا رسولَ الله، وَإِنِّي أَخَافُ ذُنُوبي، فقال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: لا يَجْتَمِعَانِ فِي قَلْبِ عَبْدٍ فِي مِثلِ هذا الموطِنِ، إِلا أَعْطَاهُ اللَّهُ مَا يَرْجُو مِنْه، وَآمَنَه مِمَّا يَخَافُ ))

[ حديث أخرجه الترمذي بإسناد حسن ]

 لذلك، أيها الإخوة، إن الله يخلق النعم، ويخلق المصائب: ورد في الأثر:
 ذكرهم بآلائي، أي: بآياتي الباهرة، الدالة على عظمتي، كي يعظموني، وذكرهم بنعمي كي يحبوني، وذكرهم ببلائي كي يخافوني.
 أيها الإخوة الكرام: من حِكم الأضداد ما لا يعد ولا يحصى، لولا الليل ما عرف النهار، ولولا النهار ما عرف الليل، لولا المرض ما عرفت الصحة، ولولا الفقر ما عرفت الكفاية، ولولا الألم ما عرفت اللذة.
 وبضدها تتميز الأشياء.
 أيها الإخوة الكرام: من مسلمات العقيدة ألا تسأل الله البلاء، هذا سوء أدب مع الله.
 النبي عليه الصلاة والسلام وهو في الطائف، بعد أن قطع ثمانين كيلومتراً مشياً على الأقدام، وقد كذبته مكة، ولجأ إلى الطائف، فكذبه أهل الطائف، وسخروا منه، ونالوه بالأذى، قال:
 يارب إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي.
 أي: يا رب، إذا كانت هذه الشدة تعبر عن غضبك فأنا متألم جداً، أما إذا كانت هذه الشدة لا تعني أنك غاضب علي، فلا أبالي.
 ولك العتبى حتى ترضى.
 وما أروع نهاية الدعاء:
 لكن عافيتك أوسع لي.
 سلوا الله العافية أيها الإخوة.

 أيها الإخوة: لو اخترنا من بين أبرز مصائب الدنيا المرض وهو يصيب الناس جميعاً غنيهم وفقيرهم، قويهم وضعيفهم، ذكرهم وأنثاهم.
 المرض، أيها الإخوة، فيه من الحكم ما لا يعد ولا يحصى، وموضوع الخطبة قد يبدو غريباً نوعاً ما، هل يمكن أن يكون للمرض فوائد؟

 أنا أقول لكم في البداية: سلوا الله العافية، وسلوا الله دوام العافية، وسلوا الله الشكر على العافية، ولكن إذا نزل بساحة أحدنا مرض، ماذا ينبغي أن يفعل؟
 لنتعرف على فوائد المرض:

1) المرض يهذب النفس :

 أيها الإخوة: المرض يهذب النفس، ويصفي المشاعر:

﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ﴾

( سورة الشورى : 30)

 ما أصيب عبد إلا بذنب، ولا يرفع المصاب إلا بتوبة، هذه قاعدة.
 عن أبي ذَرّ رضي الله عنه، أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال، فيما روى عن الله تبارك وتعالى:

(( يا عبادي، لو أنَّ أوَّلكم وآخرَكم، وإنسَكم وجِنَّكم، قاموا في صعيد واحد، فسألوني، فأعطيتُ كُلَّ إنسان مسألتَه، ما نقص ذلك مما عندي، إلا كما يَنْقُص المِخْيَطُ إذا أُدِخلَ البحرَ، يا عبادي، إنما هي أعمالُكم أُحصيها لكم، ثم أُوفّيكم إيَّاها، فمن وَجَدَ خيراً فليَحْمَدِ الله، ومن وجد غير ذلك فلا يَلُومَنَّ إلا نَفْسَه ))

[ من حديث صحيح، أخرجه مسلم ]

 أيها الإخوة الكرام: ما يصيب المؤمن من نصب ولا هم ولا حزن، ولا أذىً حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه.

(( ما يُصيب المؤمنَ من وَصَب، ولا نَصَب، ولا سَقَم، ولا حَزَن، حتى الهم يَهُمُّه، إلا كَفَّر الله به سيئاته ))

[ حديث صحيح، أخرجه البخاري ومسلم ]

2) المرض يكفر الخطايا :

 من بعض حكم الأمراض: أنها تكفر الخطايا:

(( ما يَزَالُ البلاء بالمؤمن والمؤْمِنة، في نَفْسِهِ وولده ومالِه، حتى يلقَى الله ومَا عَلَيه من خطيئة ))

[ حديث صحيح، أخرجه الترمذي ]

 المصائب إذاً مطهرات.
 شيء آخر، إذا كان للعبد ذنوب، ولم يكن له ما يكفرها ابتلاه الله بالحزن أو المرض، وهذه بشارة من الله، لأن مرارة ساعة في الدنيا، خير من احتمال عذاب الآخرة إلى الأبد.

 ويقول بعض السلف: لولا المصائب لوردنا الآخرة مفاليس.
 المصائب تسوقك إلى طاعة الله، تدعوك إلى التوبة، تدعوك إلى أن تمرغ جبينك في أعتاب الله، تدعوك إلى الصلح مع الله عز وجل.

3) المرض سرور في الآخرة :

 من فوائد المرض أيضاً: أن ما يعقبه من اللذة والمسرة في الآخرة أضعاف ما يحصل له في الدنيا:

(( الدنيا سِجنُ المؤمن، وجَنَّةُ الكافر ))

[ حديث صحيح، أَخرجه مسلم ]

 والموت تحفة المؤمن.
 ويود الناس يوم القيامة أن جلودهم كانت تقرض بالمقاريض في الدنيا بما يرون من ثواب أهل البلاء، فإذا نزل بالعبد مرض أو مصيبة، فحمد الله عليها، بني له بيت الحمد في الجنة.
 أيها الإخوة الكرام: المرض يزول، ويبقى الصبر نوراً لك في الجنة.
 أيها الإخوة الكرام: من ألطف ما ورد في الحديث القدسي الصحيح:

 

(( يا ابنَ آدمَ مَرِضْتُ فلم تَعُدْني، قال: يارب، كَيْفَ أعُودُكَ وأنتَ ربُّ العالمين؟ قال: أمَا علمتَ أنَّ عبدي فلاناً مَرِضَ فلم تَعُده؟ أما علمتَ أنَّكَ لو عُدْتَه لوجَدتني عنده؟ ))

[ من حديث صحيح، أخرجه مسلم ]

 قد يلقى هذا الحديث مئات المرات، ولا ننتبه إلى كلمتين فيه:

(( أما علمتَ أنَّكَ لو عُدْتَه لوجَدتني عنده؟ ))

 فربنا جل جلاله، حينما يأخذ من مؤمن بعض صحته، يعوضه عليها أضعافاً مضاعفة من القرب منه، وفي الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة، إنها جنة القرب من الله عز وجل، والمرض أحياناً أكبر باعث على القرب من الله.
 أيها الإخوة الكرام: ورد في بعض الآثار: أنا عند المنكسرة قلوبهم.
 والمرض يكسر الإنسان.
 الحزانى في كنف الله، إن الله يحب كل قلب حزين، الحزانى معرضون للرحمة، كن عبداً لله باختيارك، فإن لم تكن باختيارك ساق الله للمؤمن من الشدائد ما يجعله عبداً، ولكن عقب هذه البلية.

4) المرض يظهر حقيقة الصبر :

 أيها الإخوة الكرام: من فوائد المرض أنه يعرف به صبر العبد، فكما قيل: لولا الامتحان لما ظهر فضل الصبر، إذا وجد الصبر وجد معه كل خير، وإذا فقد الصبر فقد معه كل خير.

سبكناه ونحسبه لــجيناً  فأبدى الكير عن خبث الحديد

 لجيناً: يعني فضةً.

 المصائب مِحَكّ الرجال، الإنسان لا يمتحن بالرخاء، تسعة وتسعون بالمئة من الناس إذا امتحنوا بالرخاء شكروا، ولكن الإنسان يمتحن بالشدة لذلك:

 عن أنس رضي الله عنه، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال:

(( إنَّ عِظَم الجزاءِ مع عِظَم البلاء، وإنَّ الله تعالى إذا أحبَّ قوماً ابتلاهم، فَمَن رَضيَ فله الرِّضى، ومن سَخِطَ فله السَّخَطُ ))

[ حديث أخرجه الترمذي بإسناد حسن ]

 وإذا أبغض الله عبداً وسَّع عليه دنياه، وخصوصاً إذا ضيع دينه، فإذا صبر العبد إيماناً وثباتاً كتب في ديوان الصابرين، وإن أحدث له المرض رضىً كتب في ديوان الراضين، وإن أحدث له المرض الحمد والشكر، كان جميع ما يقضي الله له من القضاء خيراً له.
 وقد أخرج مسلم في صحيحه:

 عن صهيب رضي الله عنه، أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال:

(( عَجَباً لأمر المؤمن، إنَّ أمْرَه كُلَّه له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابتْه سَرَّاءُ شكر، فكان خيراً له، وإن أصابتْه ضرَّاءُ صَبَر، فكان خيراً له ))

[ حديث صحيح، أخرجه مسلم ]

 أيها الإخوة الكرام: ينبغي أن ندعو، ونقول: اللهم اجعلنا ممن إذا أُعطوا شكروا، وإذا أذنبوا استغفروا، وإذا ابتلوا صبروا.

5) المرض يسوق إلى التوحيد :

 أيها الإخوة الكرام: من حكم المصائب والأمراض: أنه إذا نزل بالعبد الضر ألجأه الله إلى الخوف، والخوف يلجئه إلى التوحيد، يسوق الله المبتلى إلى التوحيد، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد، والدليل:

﴿ وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ ﴾

( سورة فصلت : 51)

 أنا أقسم لكم أنه لو ركب مشرك في سفينة أو في طائرة، وكان على وشك الهلاك لدعا الله وحده، المصيبة بشكل عام والمرض بشكل خاص يدفعك إلى التوحيد، يدفعك إلى أن تلجأ إلى الله، ويدفعك إلى أن تقف عند أعتابه.

6) المرض يسوق إلى التوبة :

 المرض يدفعك إلى التوبة، وفي الآية ملمح لطيف:

﴿ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا ﴾

( سورة التوبة : 118)

 أي: ساق لهم من الشدائد ما حملهم بها على التوبة، ففي المرض أحياناً يحدث للعبد من التضرع والتوكل وإخلاص الدعاء ما يزداد إيماناً على إيمانه، ويحصل له من الإنابة وحلاوة الإيمان وذوق طعمه ما هو أعظم مما يحدث بزوال المرض، وقد يكون المرض أحياناً رسولَ خير، يأتي فيكون سبباً في صلحك مع الله، ثم يشفيك الله به.
 ما من آية أروع من قوله تعالى:

﴿ وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ﴾

( سورة الأنبياء : 83)

 المصاب أحياناً يجعل الدعاء حاراً ملتهباً، المصاب أحياناً يجعلك تقوم الليل، المصاب أحياناً يدعوك إلى الدعاء المخلص، وأكبر مكافأة لهذا النبي الكريم:

﴿ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ ﴾

( سورة ص : 44)

 أيها الإخوة الكرام: لي صديق أصيب بمرض خبيث في أمعائه، وبقي يعاني من آلام هذا المرض سنتين، وتقسم زوجته بالله أنها ما سمعته في السنتين إلا وهو يلهج بالحمد والشكر لله عز وجل، أليس هذا امتحاناً صعباً؟ ولكنه نجح في الامتحان.
 أيها الإخوة الكرام: هناك عبودية في السراء، وهناك عبودية في الضراء، وعبودية الضراء الصبر والإنابة والتوبة، وقد قال الإمام علي رضي الله عنه:
 الرضى بمكروه القضاء أرفع درجات اليقين.
 يروى أن تابعياً، هو عروة بن الزبير، أصيب بالأكلة في رجله وتوفي ابنه قال:
 اللهم لي بنون سبعة، فأخذت واحداً، وأبقيت لي ستة، وكان لي أطرافاً أربعة، فأخذت طرفاً، وأبقيت لي ثلاثة، ولئن ابتليت فقد عافيت، ولئن أخذت فقد أبقيت، ثم نظر إلى رجله في الطشت بعد أن قطعت فقال: إن الله يعلم أنني ما مشيت بك إلى معصية قط، وأنا أعلم.

7) المرض سبب للتواضع والانكسار :

 أيها الإخوة الكرام: من فوائد المرض أنه يحجم العبد، فلو أنه بقي صحيحاً قوياً غنياً يأمر فينفذ أمره، يأمر فيطاع، كل شيء يحصل عليه، لوقع في مزلة قدم كبيرة، لذلك في المرض أحياناً يخرج العبد من مرض الكبر، والعجب، والفخر، ولو دام للعبد جميع أحواله لطغى، ولبغى، ونسي المبتدى والمنتهى، لكن الله سلط على بعض المؤمنين الذين ينتابهم الضعف من حين إلى آخر، سلط عليهم بعض الأسقام والآفات ليعرف أنه عبد لله، أي أن الإنسان لا يعرف حقيقة العبودية إلا إذا شعر بضعفه.
 الله عز وجل، كان من الممكن أن يجعلك قوياً صحيحاً طوال حياتك، لكن لو جعلك قوياً صحيحاً طوال حياتك، لاستغنيت بقوتك عن الله، ولشقيت باستغنائك، لكنه جعلك ضعيفاً كي تفتقر في ضعفك فتسعد بافتقارك.
أيها الإخوة الكرام: المؤمن حينما يمرض يعرف حجمه، ويعرف افتقاره إلى الله عز وجل، ورد في الأثر القدسي:
 أنا عند المنكسرة قلوبهم.
 فإذا أراد الله بعبد خيراً سقاه دواءً من الابتلاء يستفرغ به من الأمراض المهلكة.

8) المرض يكسبك قلباً سليماً :

 حقيقة دقيقة جداً، أن أمراض الدنيا تنتهي بالموت، لكن أمراض القلب تبدأ بعد الموت، وتهلك صاحبها إلى أبد الآبدين.
 ورد في الأثر القدسي، أن العبد إذا دعا لأخيه المبتلى فقال: يا رب ارحمه، يقول الله: كيف أرحمه مما أنا به أرحمه، وعزتي وجلالي إن أردت أن أرحم عبداً ابتليته بكل سيئة كان عملها سقماً في جسده، أو إقتاراً في رزقه، أو مصيبة في ماله، أو ولده، حتى أبلغ منه مثل الذر، فإذا بقي عليه شيء شددت عليه سكرات الموت حتى يلقاني كيوم ولدته أمه.

 أكبر عطاء على الإطلاق أن تلقى الله بقلب سليم، والدليل قال تعالى:

﴿ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾

( سورة الشعراء : 89)

 فإذا اجتمعت هذه الشدائد على الإنسان، وانتهت به إلى قلب سليم قبل أن يلقى الله عز وجل فهو الفائز الأكبر، إذا اجتمع بلاء الدنيا على عبد، وانتهى به الأمر إلى قلب سليم لا يشتهي شهوة لا ترضي الله، ولا يعبد غير الله، ولا يحتكم لغير شرع الله، ولا يقبل خبراً يتناقض مع وحي الله، فإذا انتهى بك المطاف إلى قلب سليم فأنت الفائز الأكبر، قال تعالى:

﴿ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾

( سورة آل عمران : 185)

 أما أهل الشرك والكفر، فقال تعالى عنهم:

﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾

( سورة الأنعام : 44)

 لم يفتح عليهم باباً، بل فتح عليهم أبواباً.
 لم يفتح عليهم أبواب شيء، بل فتح عليهم أبواب كل شيء: الغنى، والقوة، وجمال الطبيعة، والازدهار، والثروات، والاستمتاع بالحياة، قال تعالى:

﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ﴾

( سورة الأنعام : 44)

 أما حينما يعالجك الله عز وجل، ويتابعك، ويؤدبك، فأنت في العناية الإلهية المشددة، ومن أعظم النعم أن تكون في العناية الإلهية المشددة، من أعظم النعم أن تكون ضمن معالجة الله عز وجل.
 أرأيت إلى مريض أصيب بالتهاب في المعدة حاد، يقيم عليه الطبيب الدنيا ولا يقعدها إذا أكل مادة مؤذية، يحميه حمية مطلقة، أما إذا كان مصاباً بورم خبيث منتشر في كل جسمه، وسأله: ماذا آكل؟ يقول له: كُلْ كل شيء، قال تعالى:

 

﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ﴾

(سورة الأنعام : 44)

 أيها الإخوة الكرام: خيارنا مع الإيمان خيار وقت لا خيار قبول أو رفض، لأن أكفر كفار الأرض الذي قال:

﴿ أَنَا رَبكُمُ الْأَعلى ﴾

( سورة النازعات : 24)

 والذي قال:

﴿ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي ﴾

(سورة القصص : الآية 38)

 هذه ماشطة بنت فرعون، رويت قصتها في الحديث عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(( لما أسري بي مرت بي رائحة طيبة، فقلت: ما هذه الرائحة؟ فقالوا: هذه رائحة ماشطة ابنة فرعون وأولادها، كانت تمشطها فوقع المشط من يدها، فقالت: بسم الله، فقالت ابنته: أبي؟ فقالت: لا، بل ربي وربك ورب أبيك، فقالت: أخبر بذلك أبي؟ قالت: نعم، فأخبرته فدعا بها وبولدها، فقالت: لي إليك حاجة، فقال: ما هي؟ قالت: تجمع عظامي وعظام ولدي فتدفنه جميعاً، فقال: ذلك لك علينا من الحق، فأتى بأولادها فألقى واحداً واحداً، حتى إذا كان آخر ولدها وكان صبياً مرضعاً، فقال: اصبري يا أماه فإنك على الحق، ثم ألقيت مع ولدها ))

[ من حديث صحيح، أخرجه الحاكم في مستدركه ]

 هذا فرعون حينما أدركه الغرق، ماذا قال؟

﴿ قَالَ آَمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إلا الَّذِي آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ ﴾

( سورة يونس : الآية 90)

 وأنا أؤكد لكم أن الستة آلاف مليون الآن على اختلاف مللهم ونحلهم واعتقاداتهم وانتماءاتهم ومذاهبهم وطوائفهم وجنسياتهم، منهم من يعبد الحجر، ومنهم من يعبد الشجر، ومنهم من يعبد الشمس والقمر، ومنهم من يعبد البقر، ومنهم من يعبد الجرذان، ومنهم من يعبد نفسه، عندما يأتيهم ملك الموت سوف يؤمنون بفحوى رسالات الأنبياء، فالخيار مع الإيمان خيار وقت، وليس خيار قبول أو رد.

9) المرض يقوّي الأمل بالله :

 أيها الإخوة الكرام: من فوائد المرض أن انتظار الفرج عبادة، والمريض حينما ييأس من أهل الأرض يتوجه إلى رب السماء، يقول: يا رب ليس لي غيرك.
 والله حدثني أخ في هذا الأسبوع عن قصة زوجته التي أصيبت بمرض عضال في العقد الليمفاوية، وهذا من أسوأ الأورام الخبيثة، واحتمال نجاح العملية واحد بالعشرة، حينما أبلغوه أنه لا جدوى من العملية، وينبغي أن تعود بها من لندن إلى الشام وهي في صندوق، لئلا تدفع عشرة أضعاف الثمن، دخل إلى الفندق، وقد انهارت قواه، وجيء بالطعام، فرفض أن يأكل، قالت زوجته: كل فأنا لم أذنب مع ربي أبداً، وهو سيشفيني، حدثني بهذه القصة أخ قبل أيام، قال لي: مضى على هذه الحادثة أربع وعشرون سنة، وقد عافاها الله تماماً.
 قال تعالى:

﴿ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ﴾

( سورة الشعراء : الآية 80)

 المؤمن لا ييأس، وهناك حالات في الطب تحير الأطباء سموها الشفاء الذاتي، تشفى بلا سبب، قال تعالى:

﴿ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ﴾

( سورة الشعراء : الآية 80)

10) المرض خير من عند الله :

 أيها الإخوة الكرام: من فوائد المرض أنه علامة على أن الله أراد صاحبه بالخير،
 عن أبي هريرة رضي الله عنه، أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال:

(( مَنْ يُرِدِ الله به خيراً يُصِبْ منه ))

[ حديث صحيح، أخرجه البخاري ]

 والمعنى المعاكس: والذي لم يرد به خيراً لا يصب منه.

11) المرض حسنات ودرجات :

 أيها الإخوة الكرام: من فوائد المرض: أنك إذا كنت في الصحة مستقيماً لك عمل صالح، وجاء المرض كتب لك، وأنت في المرض ما كنت تعمل من أعمال صالحة قبل المرض، لا ينقص من أجرها شيء، ما من أحد من الناس يصاب بالبلاء في جسده، إلا أمر الله عز وجل الملائكة الذين يحفظونه أن يكتبوا ما كان يعمل وهو معافى، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(( ما من مسلم يصاب ببلاء في جسده، إلا أمر الله الحفظة الذين يحفظونه: أن اكتبوا لعبدي في كل يوم وليلة من الخير على ما كان يعمل ما دام محبوساً في وثاقي ))

[ حديث صحيح، أخرجه الحاكم في المستدرك ]

 شيء آخر، إذا كان للعبد منزلة في الجنة، ولم يبلغها في عمله ابتلاه الله في جسده:

(( إن الرجل ليكون له عند الله المنزلة، فما يبلغها بعمل، فما يزال الله يبتليه بما يكره حتى يبلغه إياها ))

[ حديث صحيح، أخرجه الحاكم في المستدرك ]

 لكن أحد العلماء يقول: اللهم إذا كنت بلغت أحداً من عبادك الصالحين درجة ببلاء فبلغنيها بالعافية.
 أيها الإخوة الكرام: لا تعرف نعمة الصحة إلا بالمرض، فإذا ابتلى الله عبداً بمرض، ثم عافاه منه بعد هذا الابتلاء يعرف تماماً قيمة الصحة، يعرف تماماً أنها تأتي بعد الإيمان بالله، وأن أي شيء في الدنيا لا معنى له بعد الإيمان بالله من دون صحة، لذلك كان أكثر دعاء النبي عليه الصلاة والسلام:

(( اللَّهمَّ إني أَسألُكَ العَفو والعَافِيَةَ، في دِيني ودُنيايَ، وأهلي ومَالي ))

[ من حديث أخرجه أبو داود بإسناد صحيح ]

 أحياناً يأتي مرض فيكون سبباً لشفاء من مرض عضال، وهذه الحالات يذكرها بعض الأطباء.

 وفي الحديث عن جابر رضي الله عنه، أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم دخل على أمِّ السائب، أو أمِّ المسيَّب، فقال:

(( ما لَكِ تُزَفْزِفين؟ قالت: الحُمَّى، لا بارك الله فيها، فقال: لا تَسُبِّي الحُمَّى، فإنها تُذْهِبُ خطايا بني آدم، كما يُذْهِبُ الكِيرُ خَبَثَ الحديد ))

[ حديث صحيح، أخرجه مسلم ]

12) المرض تخويف من الله :

 من فوائد المرض أن الله يخوِّف العبد به.
 أعرف رجلاً جمع ثروة جيدة في عام فيه أرباح وفيرة، واتجه إلى بلاد بعيدة لينغمس في الملذات الحرام، هكذا قال لي بالضبط، شعر بألم في ظهره، فأجرى فحصاً، فكان التشخيص الأولي ورم خبيث في النخاع الشوكي، فقطع رحلته، وعاد إلى دمشق، منتقلاً من جامع إلى جامع، وتاب توبة نصوحاً، ثم اكتشف أن التقرير كان فيه خطأ.
 هذا أوهمه الله بالمرض، وأحياناً يلوح لك شبح مصيبة، فالله عز وجل يثنيك عما كنت تجمع عليه من المعصية، قال تعالى:

﴿ وَأَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾

( سورة الزخرف : الآية 48)

13)المرض سبب للشكر :

 

 أيها الإخوة الكرام: ومن فوائد المرض أن الله يستخرج به من عبده شكراً حقيقياً، إذا عافاه من مرضه يصبح العبد من الشاكرين، ادعُ الله عز وجل أن يشفيك من مرضك، ادعُ الله بإلحاح، سله حاجتك كلها.
 عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

(( إِنَّ الله عَزَّ وجَلَّ يُمهِلُ حتى إِذَا ذَهَبَ ثُلُث الليل الأَوَّلُ، نَزَلَ إلى السماء الدنيا، فيقول: هل مِنْ مُستَغْفِرٍ؟ هل مِن تائِبٍ؟ هل من دَاعٍ؟ حتى يَنْفَجِرَ الفَجْرُ ))

[ حديث صحيح، أخرجه مسلم ]

 أيها الإخوة الكرام: أنت بالمرض تعرف حاجتك إلى الله، وقال علماء التوحيد: الله جل جلاله عزيز، لأن كل خلقه يحتاجونه في كل شيء، بل إن كل شيء خلقه الله يحتاجه في كل شيء، لكن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: سلِ الله العفوَ والعافية، فإنه ما أعطي أحد أفضل من العافية بعد اليقين.

14)المرض يشعرك بقيمتك :

 

 من إيجابيات المرض أنك تشعر بقيمتك بين أهلك، حينما يتدافعون إليك لخدمتك، ويقلقون على صحتك، ويخدمونك، تعرف مكانتك بين أهلك.
 ومن لذة المرض أنك إذا أقبلت على الله متضرعاً شعرت بطعم القرب من الله، وكان المرض سبب هذا الشعور، وحينما يشفيك الله عز وجل يمتلئ القلب شكراً لله عز وجل.
 لكن هناك حكمة بالغة أن هذه الأمراض تصيب كل الناس، تصيب الملوك، تصيب الأغنياء، تصيب الأقوياء، تصيب الضعفاء، تصيب الفقراء، معنى ذلك أن هذا المرض يسوي بين الخلق جميعاً، وكل واحد مقهور بالمرض.

وأخيراً :

 أيها الإخوة الكرام: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وسيتخطى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا، الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني، والحمد لله رب العالمين.

* * *

الخطبة الثانية:
 الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أنواع المصائب :

 أيها الإخوة الكرام: ورد في الأثر: لا يخفِ العبد إلا ذنبه، ولا يرجُ إلا ربه.
 ما من شيء يخيف الإنسان كأن يقترف ذنباً فيستحق التأديب من الله عز وجل، وإذا وقع في مشكلة، لا يوجد جهة في الكون يمكن أن تنقذه إلا الله.
 هذا الأثر أيها الإخوة الكرام: على قصره وإيجازه فيه حقيقتان خطيرتان هما:
 ما نزل بلاء إلا بذنب، ولا يرفع إلا بتوبة.
 ولكن أيها الإخوة الكرام: لئلا يتوهم أحدكم أن فحوى هذه الخطبة أن الإنسان إذا مرض فهو مذنب، أقول: هناك مصائب الابتلاء، حقيقة دقيقة، وهناك مصائب التأديب، هناك مصائب الابتلاء، وهناك مصائب التكريم، وحياة المؤمن لا تخلو أبداً من تأديب، ومن ابتلاء، ومن تكريم.
 وقد يكون الابتلاء والتأديب والتكريم متداخلاً، وقد يكون متمايزاً، قد يكون في يوم واحد مصيبة تأديب لخطأ ارتكبته، لكلمة قاسية تلفظت بها، لنظرة مستكبرة نظرتها إلى أحدٍ، لنظرة لا ترضي الله نظرتها، وقد يكون في اليوم نفسه امتحان يكشف معرفتك بالله، وصبرك على قضائه وقدره ورضاك بما يقرر لك، وفي اليوم نفسه مصيبة تكريم لك، وقد تأتي مرحلة هي مرحلة التأديب، وبعدها مرحلة الابتلاء، وبعدها مرحلة التكريم.
 الإمام الشافعي سئل: أندعو الله بالابتلاء أم بالتمكين؟ فقال رضي الله عنه: لن تمكن قبل أن تبتلى، قال تعالى:

﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ﴾

( سورة العنكبوت : الآية 2)

 لنوطن أنفسنا على أن الله سبحانه وتعالى لابد من أن يمتحننا، وأي شيء أنت فيه فهو مادة امتحانك، وأي شيء زوي عنك هو مادة امتحانك، أنت ممتحن فيما آتاك الله، وممتحن فيما سلب منك، وممتحن في الحالتين، فإما أن ننجح، وإما ألا ننجح، ونسأل الله أن ننجح.

 أيها الإخوة الكرام:
 لا يخفِ العبد إلا ذنبه ولا يرجُ إلا ربه.

 لكن كتوسيع للموضوع، مصائب الكفار مصائب ردع وقصم، ومصائب المؤمنين مصائب دفع إلى الله ورفع لمقاماتهم.
 مصائب الأنبياء مصائب كشف لكمالاتهم، ما كل مصيبة مصيبة، قد تجد إنساناً صالحاً مؤمناً تقياً نقياً مقبلاً طاهراً يبتلى.
 عن مصعب بن سعد رحمه الله، عن أبيه رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، أيُّ الناس أشَدُّ بلاءً؟ قال:

(( الأنبياءُ، ثم الأمثلُ فالأمثلُ، يُبْتَلَى الرَّجُلُ على حَسْبِ دِينه، فإن كان دِينُهُ صُلْباً اشتَدَّ بلاؤه، وإن كان في دِينه رِقَّة على حَسبِ دِينه، فما يَبْرَحُ البلاءُ بالعبد حتى يتركَهُ يَمْشِي على الأرض وما عليه خطيئة ))

[ حديث صحيح، أخرجه الترمذي ]

 يبتلى الرجل على قدر إيمانه، هذه مصائب الابتلاء لا علاقة لها بهذه الخطبة إطلاقاً، وهناك مصائب التأديب للمؤمنين، مصائب دفع ورفع، ومصائب الكفار مصائب قصم، ومصائب ردع.

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق، ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك و نتوب إليك.
 اللهم اهدنا لصالح الأعمال لا يهدي لصالحها إلا أنت، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت.
 اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين.
 اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك.
 اللهم لا تؤمنا مكرك، ولا تهتك عنا سترك، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين.
 اللهم بفضلك ورحمتك أعلِ كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام، وأعز المسلمين، وأذل الشرك والمشركين.
 أذل أعداءك أعداء الدين يا رب العالمين، شتت شملهم، فرق جمعهم، خالف فيما بينهم، اجعل الدائرة تدور عليهم، اجعل تدميرهم في تدبيرهم يا رب العالمين، أرنا قدرتك في تدميرهم يا أكرم الأكرمين.
 انصرنا على أنفسنا حتى ننتصر لك، حتى نستحق أن تنصرنا على أعدائنا يا رب العالمين.
 اللهم وفق ولاة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها لما تحب وترضى، واجمع بينهم على خير، إنك على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018