الخطبة : 0918 - دروس الهجرة . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0918 - دروس الهجرة .


2004-03-05

الخطبة الأولى:

 الحمد لله نحمده، ونستعين به، ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته، وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله، سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عين بنظر، أو سمعت أذن بخبر، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله، وأصحابه وعلى ذريته ومن والاه، ومن تبعهم إلى يوم الدين.
 اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمتنا، إنك أنت العليم الحكيم.
 اللهم علِّمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

من معاني الهجرة :

 أيها الإخوة المؤمنون: قبل أيام مرت ذكرى الهجرة، والهجرة تأتي في ترتيبها بعد بدء الدعوة، فالنبي عليه الصلاة والسلام جاءه الوحي، وهذا هو المنهج، ثم هاجر النبي عليه الصلاة والسلام، وهو التجسيد العملي لاتباع المنهج.
 لأن الهجرة، أيها الإخوة، بالمفهوم التاريخي هي انتقال النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه الكرام فراراً بدينهم من مكة إلى المدينة، هذا هو المفهوم التاريخي للهجرة، وحينما فتحت مكة قال عليه الصلاة والسلام كما في حديثِ ابنِ عباس رضي الله عنهما، أَنَّ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قال يوم الفتح:

(( لا هجرة بعد الفتح، ولكن جِهاد ونيّة ))

[ من حديث صحيح، أخرجه البخاري ومسلم ]

 ثم أخذتِ الهجرة معنىً آخر، وهي الانتقال بين كل مدينتين تشبهان مكة والمدينة إلى يوم القيامة.
 ثم أخذت الهجرة معنىً ثالثاً، وهي أن المهاجر من هجر ما نهى الله عنه.
 ثم أصبحت الهجرة لوناً من التفوق، فقد ورد في الحديث الصحيح:

 

 عن معقل بن يسار رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

(( العِبَادَةُ في الهرج كهجرة إليَّ ))

[ حديث صحيح، أخرجه مسلم والترمذي ]

الهجرة شرط للانتماء الصحيح :

 ولكن أيها الإخوة: الهجرة انتقال من مكة إلى المدينة، أي إنها حركة، والمؤمن مالم يتحرك بناءً على عقيدته، وبناءً على تصوراته الإسلامية، وبناءً على ما ترسخ في نفسه من معاني هذا الدين العظيم، ما لم يتحرك بهذا، فلا وزن له عند الله، لأن الله عز وجل يقول:

 

﴿ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا ﴾

( سورة الأنفال : الآية 72)

 فالهجرة حركة، وما لم تتحرك إلى وصلِ جهة، أو إلى قطع جهة، إلى إكرامٍ أو إلى غضب، إلى زيارة أو إلى عدم زيارة، إلى طلب شيء أو العزوف عن شيء، ما لم تجسد عقيدتك وتصورك بسلوك واضح فلا وزن لمثل هذا الإيمان عند الله:

﴿ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا ﴾

( سورة الأنفال : الآية 72)

المعنى الواسع للهجرة :

 وقد تأخذ الهجرة معنىً واسعاً جداً، وهي أن تكون إيجابياً، وأن لا تكون سلبياً.
 فالذي نراه اليوم أن المسلم يصلي، ويؤدي العبادات، ولكن لا يفعل شيئاً، لا يتحرك إلى هدف، ولا يبحث عن عمل يقربه إلى الله، ولا يحمل هم المسلمين، طابعه سلبي إلى درجة مقيتة، هو يأكل، ويشرب، ويؤدي العبادات، ويوزع التهم على من حوله، ولا يقدم بعد ذلك شيئاً.
 أيها الإخوة الكرام: إن الذي لا يعمل لا يخطئ، وإن الذي يعمل هو الذي يخطئ، فما لم يفكر الإنسان في حمل هموم المسلمين، في التخفيف من همومهم، في تقديم شيء لهذه الأمة مهما بدا صغيراً، فهو ليس مما ينطبق عليه مفهوم الهجرة بمعناها الواسع.

 

خلاصة معاني الهجرة :

 المفهوم الأول للهجرة: الانتقال من مكة إلى المدينة.
 بعْدَ هذا المفهوم، يأتي مفهوم الانتقال بين كل مدينتين تشبهان مكة والمدينة.
 ثم ترك ما نهى الله عنه.
 ثم العبادة في الهرج.
 ثم أن تكون إيجابياً، بأن تكون فاعلاً لا منفعلاً، متحركاً لا سكونياً، تقدِّم شيئاً ولو بدا لك صغيراً، لكنك فعلت شيئاً، وقد يقال عنك: فلان جزاه الله خيراً، لقد أدى الذي عليه.

 

أمثلة المعنى الواسع للهجرة :

 وهو أن تكون إيجابياً:

 

1)قصة نعيم بن مسعود :

 

 أيها الإخوة الكرام: نعيم بن مسعود كان من زعماء غطفان، وقد جاء لحرب النبي العدنان صلى الله عليه وسلم، وهو جالس في خيمته قبل الالتحام فكّر، فقال: لماذا أتيتُ إلى هنا؟
 أنا أقول لكم: الإيجابية أن تتحرك، يجب أن تفكر، يجب أن تتأمل، يجب أن تزن نفسك بميزان الشرع، أين أنت من كلام الله؟ أين أنت من سنة رسول الله؟ أين أنت من هؤلاء الرجال الأعلام الذين اصطفاهم الله عز وجل ليكونوا حول النبي عليه الصلاة والسلام؟ ما موقعك؟ ما هويتك؟ إلامَ تنتمي؟ بماذا تفكر؟ بماذا تحلم؟ من تحب؟ من لا تحب؟ راجع حساباتك، رتب أوراقك، قل: من أنا؟ من أين أتيت؟ وإلى أين ذاهب؟ ولماذا؟

 فهذا الصحابي الجليل، نعيم بن مسعود قال: لماذا جئت إلى هنا؟ يا نعيم، أنت عاقل، أجئت لتحارب هذا الإنسان الطيب، ماذا فعل هذا الإنسان حتى تحاربه؟ هل نهب مالاً؟ هل استباح عرضاً؟ هل سفك دماً؟ أين عقلك يا نعيم؟ أيليق بك أن تحارب مثل هذا الإنسان ومثل هؤلاء الذين حوله؟ فوقف وتوجه إلى معسكر النبي، ودخل على رسول الله، ففوجئ النبي عليه الصلاة والسلام به، وقال: نعيم؟ قال: نعم، قال: ما الذي جاء بك إلينا؟ قال: يا رسول الله جئت لأسلم، فسرَّ به النبي عليه الصلاة والسلام، قال: مُرني ماذا أفعل؟ قال: أنت واحد، ولكن خذِّل عنا.
 لهذه القصة تفصيلات في السيرة، كيف جرت هذه المعركة الحاسمة التي كانت على وشك أن تنهي الإسلام كله، حتى إن بعض الذين كانوا مع النبي من المنافقين قال: أيعدنا صاحبكم، ويقصد النبي عليه الصلاة والسلام، أن تفتح علينا بلاد قيصر وكسرى وأحدنا لا يأمن أن يقضي حاجته:

﴿ إذ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (*)هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً ﴾

( سورة الأحزاب 10-11)

 وكيف جعل الله جزءاً كبيراً من أسباب النصر على يد هذا الصحابي الجليل الذي حاور نفسه، الذي سأل نفسه: لماذا أنت هنا؟ فهل سأل أحد منا نفسه: لماذا نحن في الدنيا؟ ماذا قدمت لهذا الدين؟
 أنا ألح على مفهوم واسع جداً للهجرة، أن تكون إيجابياً، ماذا فعلت؟ ماذا حملت من هموم المسلمين؟ ماذا قدمت لهم؟

 

2)قصة سلمان الفارسي :

 

 أيها الإخوة الكرام: سيدنا سلمان الفارسي اقترح على النبي حفْرَ الخندق، وما زاد على أنه اقترح، وقد نفذ النبي عليه الصلاة والسلام اقتراحه، وآتى الخندق ثماره، وتباهى الصحابة بهذا الصحابي الجليل الفارسي، وأراد كل منهم أن يقربه إليه، فقال النبي عليه الصلاة والسلام:

(( سلمان منا أهل البيت ))

[ حديث أخرجه الحاكم بسند ضعيف ]

 فعليك أن تقترح، وكم منا مَن يخشى أن يقترح لئلا توضع عليه إشارة استفهام، حتى مع مشايخه يخشى أن يقترح، يخشى أن يسأل.

 

3)قصة ذي اليدين :

 

 صلى النبي عليه الصلاة والسلام الظهر ركعتين، فسأله عن ذلك أحد أضعف الصحابة، فعن أبي هريرة قال:

(( صلَّى بِنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إحدى صَلاتي العشيِّ، صلَّى ركعتين، ثم سلَّم، فأتى خشبة معروضة في المسجد، فقال بيديه عليها، كأنه غضبان، قال : وخرجت السَّرعانُ من أبواب المسجد، فقالوا: قصرت الصلاة، وفي القوم أبو بكر وعمر، فهاباه أن يكلماه، وفي القوم رجل في يديه طول فكان يسمى ذا اليدين، فقال: يا رسول الله، أنسيت أم قصرت الصلاة؟ فقال: لم أنسَ، ولم تقصر الصلاة، فقال: أَكَما يقول ذو اليدين؟ قالوا: نعم، قال: فجاءَ فصلَّى ما كان ترك، ثم سلَّم، ثم كبَّر فسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأْسه، ثم كبَّر وسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأْسه وكبَّر، قال: فكان ربما قالوا له، ثم سلَّم ))

[ حديث صحيح عند ابن خزيمة ]

 هل لك أن تسأل؟ هل لك أن تستفسر؟ هل لك أن تُقَيّم؟ هل لك أن تعمل؟ هل لك أن تحمل هماً؟
 لماذا السلبية المقيتة؟ لسان حالك يقول: لا شأن لي بهذا، دع هؤلاء يتخبطون، وأنا أطلب السلامة، أهذا هو المسلم؟
 هذا المسلم المنسحب من الحياة، المنسحب من نشر هذا الدين.

 

4)قصة الحباب بن المنذر :

 

 سيدنا الحباب بن المنذر، هذا الصحابي الجليل، رأى الموقع الذي نزل به النبي صلى الله عليه وسلم في بدر غير مناسب، والنبي إنسان يخطئ ويصيب فيما لا وحيَ فيه، الآن سيوجه اقتراحاً لسيد الخلق وحبيب الحق، الذي يوحى إليه، قال الحباب:
 يا رسول الله هذا الموقع وحي أوحاه الله إليك؟ أم هو الرأي والمشورة؟

 لو أن الجواب نعم لسكت الحباب، لكن النبي عليه الصلاة والسلام بكل بساطة وبكل وضوح، وبكل تواضع قال: لا، بل هو الرأي والمشورة.

 قال الحباب: والله يا رسول الله إن هذا ليس بموقع.

 فماذا فعل به النبي عليه الصلاة والسلام؟ هل أهدر كرامته؟ لا، وإنما قال: جزاك الله خيراً، وأمر أصحابه فتحولوا إلى الموقع الذي اقترحه الحباب بن المنذر.

 هل بقي الحباب ساكتاً، وقال: لا شأن لي، أو بالتعبير الدارج: فخّار يكسر بعضه؟
 لا، بل تحرّك، اقترح على سيد الخلق وحبيب الحق الذي يوحى إليه.
 إلى متى نحن في هذه السلبية؟ إلى متى نحن نتفرج ونتابع الأخبار، نقيّم الأشخاص، ونوزّع التهم؟

5)قصة الدرس في هذا المسجد :

 

 أيها الإخوة الكرام: من وقائع هذا المسجد أنّ أخاً توفّاه الله، رحمه الله، اقترح عليّ بعد سنتين من تسلّمي هذا المنبر أن أحدث درساً في المسجد، واللهِ ما كان يخطر في بالي أن أدرِّس، فأُحدِثَ هذا الدرس، وبقي هذا الدرس قائماً قرابة ثمانية وعشرين عاماً، ولا يزال قائماً، والفضل لله باقتراح من أخ كريم.
 وأخ كريم اقترح عليّ أن أقيم درساً في جامع آخر، قلت له: القضية صعبة، تحتاج إلى ترخيص؟ جاءني بالترخيص، وكل دروس أسماء الله الحسنى كانت في ذلك المسجد، وكل دروس مدارج السالكين كانت في ذلك المسجد.
 اقتراح، سؤال، تعليق، حركة، تفكير بحل لقضية.
 تحرك، فكر، تأمل، اقترح، ولا تكن سلبياً.

جولة في واقع المسلمين :

 واللهِ هناك أناس تمضي عليهم عشر سنوات، وعشرون سنة، وثلاثون، وأربعون، ولم يفعل أحد منهم شيئاً، ولم يعلن عن اسمه، يستمع، وكأنه أدمن على الدروس، وهذه الدروس لم تفعل فيه شيئاً، هل هكذا كان الصحابة الكرام؟
أيعقل أن تُستهلَك طاقاتنا في خلافات حول جزئيات بيننا؟
 أيعقل أن يكون المسلمون متخاصمين، متنابذين، متلاعنين، لأسباب تافهة جداً، والطرف الآخر يتربص بنا، ويستهدفنا جميعاً.
 أيها الإخوة الكرام: يمكن أن يقال في هذا الموضوع الشيء الكثير، النبي عليه الصلاة والسلام جاءه الوحي من ربه، والقصة معروفة عندكم، دخل على السيدة خديجة، وقد أُخذ بما رأى، فقالت له: خذ نصيباًً من الراحة؟ قال: انقضى عهد النوم يا خديجة.
 ما بال المسلمين همهم أن يأكلوا، ويشربوا، ويضحكوا، ويترفهوا، ويمرحوا، ويلتقوا ببعضهم بعضاً بالغيبة والنميمة والكلام الفارغ إلى ساعة متأخرة من الليل؟
 ماذا قدمت لهذه الأمة؟ ماذا فعلت؟ إلى متى أنت في حالةٍ من السلبية؟ إلى متى أنت تتلقى؟ عشرين سنة تتلقى فيها، ثلاثين سنة، متى تلقِي؟ إلى متى أنت منفعل؟ متى تكون فاعلاً؟
 أيها الإخوة الكرام: دققوا في هذه الكلمة: عامل واحد من ألف قائل، خير من ألف قول من واحد.
 دعك من الأقوال، دعك من التقييمات، دعك من التصنيفات، دعك من توزيع التهم والألقاب، دعك من الترهات، دعك من الجزئيات، هذا الدين العظيم الذي هو وحي السماء إلى الأرض يمكن أن ينسخ إلى حركات وتمتمات وطرق في أساليب العيش، وانتهى كل شيء؟
 لماذا نُعَدّ ملياراً وثلاثمائة مليون، وليست كلمتنا هي العليا؟ وليس أمرنا بيدنا، وللطرف الآخر علينا ألف سبيل وسبيل؟ ما هذه الخصومات بين المسلمين؟ ما هذه المنازعات بين المسلمين؟ ما هذا الحقد الدفين بين المسلمين؟ أهذا هو الإسلام؟ أهذا الإسلام الذي شرفنا الله به؟ أهذه أمة جعلها الله وسطًا بينه وبين البشر؟
 أيها الإخوة الكرام: في هذه البلدة الطيبة مشاريع خيرية قامت لمجرد اقتراح، وهذه المشاريع تحل مشكلات ألوفٍ من الفقراء والمرضى والمساكين والمحتاجين، أنت ماذا فعلت؟ تشكُّك فقط، تنتقد فقط؟

 

أمثلة من نجاحات الإيجابيين :

 أيها الإخوة الكرام: لا أريد أن أتحدث عن الدنيا، ولكني مضطر أن أقول شيئاً:
 الهند دخلها من برمجيات الكومبيوتر ثلاثة وثمانين ملياراً من العملة الخضراء، لا يحتاجون لا إلى مواد أولية، ولا إلى بترول، ولا إلى حديد صلب، لكنهم تحركوا.
 نحن لا في الدنيا ولا في الآخرة، في الدنيا نستورد كل شيء، وفي الآخرة متخلفون عن روح العصر، وعن تاريخ أمتنا الذهبي، قال عليه الصلاة والسلام:

(( إنما بعثت معلماً ))

[ من حديث أخرجه الحارث بإسناد ضعيف ]

 وقال:

(( إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ))

[ من حديث رواه البزار ورجاله رجال الصحيح إلا واحداً ]

 حدثني أخ قال: الدولة الأولى في تصدير معدن الستانلس، هي دولة لا تملك من فلزاته شيئاً، بَنَت بواخر عملاقة تذهب إلى أستراليا لتأخذ المواد الأولية، ويتم التصنيع في الباخرة إلى أن تصل هذه الباخرة إلى الشرق الأوسط فتباع هذه المادة، هل يتوقع من دولة لا تملك من الموادّ الأولية شيئاً أن تكون أول جهة تصدر هذه المادة للعالم كله؟
 تحرك إذًا، افعل شيئاً، انصح، ربِّ أولادك، عاون إخوانك، نحن لا نفعل شيئاً، بل ننتقد، ونقيّم، ونحقد، ونأخذ على فلان هذه الكلمة، وهذه الكلمة، هل هذا معقول، هل هكذا علّمك النبي؟ أهكذا السنة؟
 الله عز وجل يخاطب سيد الأنبياء فيقول له:

﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ﴾

( سورة آل عمران : الآية 159)

حاجتنا إلى الإيجابية السلوكية :

 أيها الإخوة الكرام: كيف مُسخ الدينُ بين أيدينا إلى حركات وسكنات وتمتمات وثياب ومظهر لا تقدم ولا تؤخر؟ كيف انقلب هذا الدين العظيم الذي هو منهج الله إلى الأرض، الذي صنع أمة وصلت راياتها إلى أطراف الدنيا إلى مثل هذا؟
 أيها الإخوة الكرام: نحن بحاجة إلى تجديد مفاهيمنا، نحن بحاجة إلى أن نتحرك إلى خدمة بعضنا بعضاً، نحو حل مشكلاتنا، نحو تخفيف الهموم عن مجتمع المسلمين.
 الإيجابية، أيها الإخوة، دافع نفسي، اقتناع عقلي، جهد بدني.
 الذي يسمى إيجابياً لا ينفذ ما كلف به فحسب، بل يتجاوز إلى المبادرة.
 الذي يسمى إيجابياً لا يكتفي بالأداء، بل يتجاوز إلى الإتقان.
 الذي يسمى إيجابياً لا يكتفي بالإنجاز، بل يتجاوز إلى تحقيق التفوق.
 من أنت؟ ما موقعك في الأرض؟ ماذا قدمت؟ لو أن كل واحد منا سأل هذا السؤال: ماذا قدمت لهذه الأمة؟ أو ماذا قدمت بين يدي الله ليوم القيامة؟
 لو أن الله سبحانه وتعالى سألك: يا عبدي ماذا فعلت من أجلي؟
 اشتريت بيتاً، استمتعت به، تزوجت امرأة راقت لك؟ أكلت طعاماً طيباً؟ أقمت حفلات إلى منتصف الليل؟ سافرت إلى أمكنة جميلة؟ ماذا فعلت من أجلي؟
 انظر إلى أولئك الذين أوصلوا هذا الدين إلينا، ماذا قال عليه الصلاة والسلام عن نفسِه؟

(( لقد أُخِفْتُ في الله ما لم يُخَفْ أَحد، وأُوذِيت في الله ما لم يُؤذَ أحد، ولقد أتى عليَّ ثلاثون من يوم وليلة، ومالي ولبلال طعامٌ إِلا شيء يُواريه إِبطُ بلال ))

[ حديث حسن، أخرجه الترمذي ]

 تحكَّم في نفسك حتى تستطيع أن تتحكّم في الآخرين.
 الإيجابية، أيها الإخوة، حمل رسالة، وتبليغ أمانة، وتتناقض الإيجابية مع النوم والكسل، الإيجابية ليست كسلاً، ولا نوماً، ولا مشاحنةً، ولا جدالاً.
 أيها الإخوة الكرام: ما هو المستحيل؟
 ليس المستحيل الذي تتوهم أنك لا تستطيع أن تفعله، المستحيل هو الذي لا تريد أن تفعله.
 ما هي السلبيات؟
 السلبيات حجج واهية تضعها عقبات أمام حركتك نحو الآخرين، تتخذها حجة للقعود والكسل.

 

سبب الإنجازات الضخمة :

 أيها الإخوة الكرام: الإنجاز الضخم الذي أكرم الله به بعض عباده لا يتناسب مع قدراتهم المتواضعة، ولكن يتناسب مع صدقهم مع الله عز وجل، الإنجاز الضخم لا يتناسب مع قدرات الإنسان المتواضعة، بل يتناسب مع صدقه مع الله عز وجل.
 أيها الإخوة الكرام: ماذا فعل سيد الأنام في ربع قرن؟
 لقد ربّى صحابة كراماً، رهباناً في الليل، فرساناً في النهار، يقومون الليل إلا قليلاً، ينفقون أموالهم سراً وعلانية، يدرؤون بالحسنة السيئة، في صلاتهم خاشعون، عن اللغو معرضون، للزكاة فاعلون، لفروجهم حافظون، لأماناتهم وعهدهم راعون، يمشون على الأرض هوناً، وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً، يبيتون لربهم سجداً وقياماً، هم تائبون عابدون حامدون سائحون راكعون ساجدون، آمرون بالمعروف، ناهون عن المنكر، حافظون لحدود الله، يجاهدون في سبيل الله، لا يخافون لومة لائم، إذا قال لهم الناس: إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم، زادهم هذا التهديد إيماناً، وقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل، هم رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فمنهم من قضى نحبه، ومنهم من ينتظر، وما بدلوا تبديلاً، يبلغون رسالات الله، ويخشونه، ولا يخشون أحداً إلا الله، يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، إذا ذكر الله وجلت قلوبهم، وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً، وعلى ربهم يتوكلون، ما وهنوا لِما أصابهم في سبيل الله، وما ضعفوا، وما استكانوا، واللهُ يحب الصابرين، كانوا قوامين لله، شهداء بالقسط، أذلة على المؤمنين، أعزة على الكافرين، أحبوا الله وأحبهم، ورضي عنهم، ورضوا عنه، هكذا ربّى النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه.

 

حاجتنا إلى دعاة إيجابيين :

 أيها الإخوة الكرام: نحن في أمسِّ الحاجة إلى دعاة إلى الله، المسلمون من دون دعاة إلى الله جهال، تتخطفهم شياطين الإنس والجن من كل حدب وصوب.
 بدل أن تأخذ أخاً من مسجده، تفسده على شيخه، وتأخذه إلى مسجد آخر، ابحث عن هؤلاء الشاردين التائهين الذين لا يصلّون، الذين ما عرفوا الله عز وجل، الغارقون في شهواتهم.
 كان ثمة شيخ جليل، وأنا أجله كثيراً توفي رحمه الله، كان يقول لإخوانه: لا تأتِ بواحد من مسجد إليّ، ائتِ به من الملهى إليّ.
 لماذا هذا الإفساد؟ من أجل ماذا؟ من أجل الشيطان، ابحث عن المنتفع، من هو المنتفع من خصومات المؤمنين؟ الشيطان وحده.
 أيها الإخوة الكرام: هؤلاء الشياطين من الإنس همّهم الأول التفرقة بين المؤمنين، لأنهم يعملون لصالح الشياطين من الجن.
 أيها الإخوة الكرام: المسلمون من دون دعاة إلى الله تعصف بهم الضلالات، الدعاة إلى الله مصابيح الدجى، أئمة الهدى، حجة الله في الأرض، بهم تمحق الضلالات، بهم تنقشع الغشاوات، هم ركيزة الإيمان وغيظ الشيطان، هم قوام الأمة، وعماد الدين، هم أمناء على دين الله، يدعون الناس إلى الله بلسان صادق، وجنان ثابت، وخُلق كريم، أعمالهم تؤكد أقوالهم، هم أسوة ونبراس، يصلحون ما فسد، ويقوِّمون ما اعوجّ، لا يستخفون من الناس، ولا يخشون أحداً إلا الله، ولا يقولون إلا حسناً.

 

المثل الأعلى للإيجابية :

 أيها الإخوة الكرام: لن يفلح الدعاة إلى الله في دعوتهم إلا إذا اتبعوا النبي عليه الصلاة والسلام، الذي عصمه الله عن الخطأ في الأقوال والأفعال والأحوال، وأوحى إليه وحياً متلواً، ووحياً غير متلو، وألزمنا أن نأخذ منه كل ما أمرنا به، وأن نَدَع كل ما نهانا عنه، وأن نتأسى بمواقفه وسيرته، لأنه القدوة والأسوة الحسنة والمثل الأعلى.
 أيها الإخوة الكرام: هكذا كان النبي عليه الصلاة والسلام، كان صلى الله عليه وسلم عابداً متحمِّساً، قائداً فذاً، شيّد أمة من الفتات المتناثر.
 أما هذا النموذج المعاصر الذي مسخ الدين إلى تمتمات وأقوال وحركات وأشكال لا تقدم ولا تؤخر، ونسي عمق هذا المنهج، ونسي عظمة هذا المنهج، ونسي هذه الرسالة التي أنيطت بالمسلمين فهو نموذج بعيد عن الإسلام.
 كان صلى الله عليه وسلم عابداً متحمِّساً، وقائداً فذاً، شيّد أمةً من الفتات المتناثر، كان رجلَ حربٍ يضع الخطط، ويقود الجيوش، وكان أباً عطوفاً، وزوجاً رحيماً، تحققت به المودة والرحمة والسكن، وكان صديقاً حميماً وقريباً كريماً وجاراً تشغله هموم جيرانه، وحاكماً تملأ نفسه مشاعر محكوميه، يمنحهم من مودته وعطفه، يجعلهم يفدونه بأنفسهم، ومع هذا كله فهو قائم على أعظم دعوة شهدتها الأرض، الدعوة التي حققت للإنسان وجوده الكامل، وتغلغلت في كيانه كله.
 ورأى الناسُ الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم تتمثل فيه هذه الصفات الكريمة كلها، فصدقوا تلك المبادئ التي جاء بها كلها، لأنهم رأوها متمثلة فيه، ولم يقرؤوها في كتاب جامد، بل رأوها في بشر متحرك، تحركت لها نفوسهم، هفت لها مشاعرهم، حاولوا أن يقتبسوا قبسات منه، كلٌّ بقدر ما يطيق، فكان أكبر قدوة للبشرية في تاريخها الطويل، كان هادياً ومربياً بسلوكه الشخصي قبل أن يكون كذلك بالكلم الطيب الذي ينطق به.
 أيها الإخوة الكرام: إنه شيء يخزي، دعوة المترف إلى التقشف دعوة ساقطة، دعوة الكذوب إلى الصدق دعوة مضحكة، دعوة المنحرف إلى الاستقامة دعوة مخجلة.
 لذلك كانت مواقف النبي عليه الصلاة والسلام، وكانت شمائله وفضائله ومكارمه قدوة صالحة، وأسوة حسنة، ومثلاً يُحتذى، وهي ليست للإعجاب السلبي، ولا للتأمل التجريدي، ولكنها وجدت فيه لنحقِّقها في ذواتنا، كلٌّ بقدر ما يستطيع.
 هذا الذي مسخ الدين إلى حركات وسكنات وتمتمات وأشكال لا تقدم ولا تؤخر هل اقتدى برسول الله؟ هل كان رحيماً؟ هل كان منصفاً؟ هل كان عفيفاً؟ أم أنه بذيء اللسان، يمرر على لسانه الطُرَف التي يستحي الإنسان أن يقرأها وحده، وهو لا يفعل شيئاً، ماذا فعل؟ أهكذا ربّى النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه على الفحش والبذاءة والمهاترة والجدل وقضايا لا تقدم ولا تؤخر؟ أم أننا نسينا جوهر الدين؟

 

مسؤولية علماء الدين :

 أيها الإخوة الكرام: بشكل دقيق جداً، أقول لكم: يمكن أن يكون الإنسان عالماً جيداً في الطب، أو في العلوم، أو في الهندسة، من دون أن تتطلب هذه العلوم ممن يتعلمها قيداً سلوكياً، ولا يفسد حقائقها أن يتبع النابغ فيها هوى نفسه في حياته الخاصة، إلا عالم الدين.
 فإنك إن كنت من المتدينين المخلصين، أو من علمائه أو الداعين إليه، فلابد من أن تكون قدوة حسنة لمن تدعوهم إليه، وإلا ما استمع منك أحد ولو كنت أكثر الناس إطلاعاً وعلماً في دين الله، ولن ينظر إليك أحد نظرة احترام جديرة بك، إلا إذا كان سلوكك وفْقَ قواعدِ الدين.
 لذلك كان عليه الصلاة والسلام ملكاً، وكان سياسياً، وكان محارباً، وكان قائداً، وكان مشرعاً، وكان قاضياً، وكان فاتحاً، وكان مهاجراً، فقد مارس بالفعل جميع المبادئ التي كان يلقنها للناس، ولن تجد في القرآن حكماً أو أمراً لم يعمل به النبي عليه الصلاة والسلام.
 فإذاً: كان يمارس بالفعل كل ما كان يدعو إليه بالقول، فالمرء مثلاً لن يكون عفوّاً إلا أن يكون له عدو يلقى منه أشد الإساءة، ثم تدور الدائرة على هذا العدو، فيقع في قبضته، ويصبح تحت رحمته، ثم يملك القدرة على الانتقام منه، ثم يعفو، وهكذا كان عليه الصلاة والسلام.

 

ضرورة قراءة السيرة النبوية :

 أيها الإخوة الكرام: لنتأمل دخول النبي عليه الصلاة والسلام مكة دخول الظافر المنتصر، وقد دانت له الجزيرة من أقصاها إلى أقصاها، وأصبحت مكة التي هي قلعة العدو تحت رحمته، فلو شاء لقطع رؤوس القوم جميعاً الذين كانوا بالأمس ألدَّ أعدائه، الذين اتخذوه هزواً، وأمعنوا في اضطهاده والاستخفاف به، لو أنه عاقبهم بذنبهم لكان محقاً، ولم يكن ملوماً.
 فلم تظهر فضيلة العفو بصورتها الكاملة في تاريخ أيِّ دين من الأديان حتى جاء النبي عليه الصلاة والسلام، ولولاه لظلت هذه الفضيلة معطلة.
 أيها الإخوة الكرام: دعونا من السلبيات، دعونا من الجزئيات، دعونا من المواقف السلبية، دعونا من التفرج على بعضنا بعضاً، دعونا من الانتقاد المخرِّب، دعونا من تقييم الناس، دعونا من هذه الأمراض التي فتكت بنا، دعونا من هذه الانحرافات التي شلت قدرتنا، دعونا من هذه الترهات التي أعمت أبصارنا، دعونا من كل هذا، واقرؤوا سيرة النبي عليه الصلاة والسلام، اقرؤوا سيرته، فسيرته وحدها كتاب وسنة، هكذا كان النبي عليه الصلاة والسلام، هكذا كانت المحبة بين أصحابه؟ فكيف هم المسلمون اليوم؟ ماذا فعلوا؟ لم يقدموا شيئاً، ليست كلمتهم هي العليا، أمرهم ليس بيدهم، للطرف الآخر عليهم ألف سبيل وسبيل، لماذا؟ ألم يقل الله عز وجل:

 

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يشركون بي شيئاً ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون ﴾

( سورة النور : الآية 55)

 لسنا مستخلفين، ولسنا ممكَّنين، ولسنا مطمئنين، وزوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين.
 إذاً: لابد من مراجعة الحسابات، لابد من نقد الذات، لابد من الإصلاح بين المؤمنين، لابد من أن يكون المؤمنون كتلة واحدة، لا يمكن أن تفرقهم هذه الترهات.

 

واقع الدعاة السلبيين :

 أيها الإخوة الكرام: أعيد، وأكرر، مع الشيطان أوراق رابحة، أولها أن يوسوس لك بالكفر، فإن رآك على إيمان وسوس لك بالشرك، فإن رآك على توحيد وسوس لك بالبدعة، وإن رآك على سنة وسوس لك بالكبيرة، وإن رآك على طاعة وسوس لك بالصغيرة، وإن رآك على ورع بقيت معه ورقة، فتراه أغراك بالمباحات حتى تضيع الأيام كلها في المباحات، ويأتي ملك الموت، وأنت صفر اليدين، فإن نجوت من هذا بقيت معه الورقة الأخيرة، وهي التحريش بين المؤمنين، وهذا الذي يتم الآن في معظم بلاد المسلمين.
 خصومات لا تنتهي، أحقاد لا تنتهي، خلافات لا تنتهي، كل يدَّعي وصلاً بليلى، كل يتوهّم أنه على الحق، لا يرى غيره، ويلغي الطرف الآخر، لا يظن بالناس خيراً.
 هذا الذي يدعو، ويتوهم أن الجنة له وحده، وأن الحق معه وحده، وأن الله له وحده، هذا ليس مخلصاً، هذا متطرف، هذا يدعو إلى ذاته بدعوة مغلفة بالدعوة إلى الله.
 من خصائصه أنه يثير الخلافات بين المسلمين، أنه يوهم الناس أنه وحده على حق، أنه يوهم الناس أن الحق ضائع، ويقول: إذا أردتموه فهو عندي.
 أما الذي دعا إلى الله بإخلاص فهذا الذي يتبع ولا يبتدع، هذا الذي يؤلِّف ولا يفرِّق، هذا الذي يقرّب ولا يبعّد، هذا الذي يحسن الظن، ولا يسيء الظن، هذا الذي يقر بوجود الآخرين، هذا الذي تراه متواضعاً يرجو رحمة الله، ويخشى عذابه.

 

وأخيراً :

 أيها الإخوة الكرام: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وسيتخطى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا، الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني، والحمد لله رب العالمين.

 

* * *

الخطبة الثانية:
 الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

 

ذنوبنا سبب فرقتنا :

 أيها الإخوة الكرام: ثمة كلمات تكتب بماء الذهب، تشكل قواعد ذهبية:
 ليس العار أن تخطئ، ولكن العار أن تبقى مخطئاً.
 ليس العار أن تجهل، ولكن العار أن تبقى جاهلاً.
 ليس العار ألا ترى الحقيقة، ولكن العار أن تتعامى عن رؤية الحقيقة.
 لولا أن الإنسان بإمكانه أن يغيّر لما أنزل الله الكتب، ولا بعث الأنبياء، فلأنه أنزل الكتب، وبعث الأنبياء بإمكان الإنسان أن يغيّر، وإن الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيروا.
 هل أنتم مرتاحون لما نحن فيه؟ هل مضى على تاريخ المسلمين حين من الدهر كهذا الوضع؟ شيء لا يصدق.
 كانوا يحاربوننا بالقوة المسلحة ليجبروننا على أن نفعل ما يريدون، الآن يحاربوننا بقوة أخرى، قوة ناعمة، لنريد ما يريدون.
 كانت الحرب من أجل احتلال الأرض، ونهب الثروات، وبقيت، ولكن أضيف إليها محو الهوية وطمس معالم الدين.
 فيا أيها الإخوة الكرام: نحن على خطر كبير، فإن لم نقف، إن لم نتعاون، إن لم نتواصل، إن لم نتحابب، لن نفلح أبداً.
 وكما قال الله عز وجل في الحديث القدسي:
 عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عن ربه تبارك وتعالى:

(( حقت محبتي على المتزاورين فيَّ، وحقت محبتي على المتحابين فيَّ، وحقت محبتي على المتناصحين فيَّ، وحقت محبتي على المتباذلين فيَّ، هم على منابر من نور يغبطهم النبيون والشهداء والصديقون ))

[ من حديث صحيح، أخرجه أحمد والحاكم في مستدركه ]

 نحن في أمسِّ الحاجة إلى أن نحب.

 ويا أيها الإخوة: دققوا في هذا الحديث الجامع المانع الذي يفسّر كل عداوة بين المؤمنين:
 عن ابن عمر رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول:

(( والذي نفسي بيده ما توادَّ اثنان فيفرق بينهما إلا بذنب يحدثه أحدهما ))

[ حديث أخرجه الإمام أحمد بإسناد حسن ]

 أما بين الأمم:

﴿ فَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ﴾

( سورة المائدة : الآية 14)

 وبين المؤمنين:

(( ما تواد اثنان فيفرق بينهما إلا بذنب يحدثه أحدهما ))

[ من حديث أخرجه الإمام أحمد بإسناد حسن ]

 فحينما تبغض أخاك دقق في سلوكك لعلك أصبت ذنباً دخل منه الشيطان، وأغراك بمقاطعته، وأغراك أن ترد عليه الصاع صاعين، كما يقال.
 أيها الإخوة الكرام: إني داع فأمِّنوا.

 

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق، ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك.
 اللهم اهدنا لصالح الأعمال لا يهدي لصالحها إلا أنت، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا أنت.
 اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين.
 اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك.
 اللهم لا تؤمنا مكرك، ولا تهتك عنا سترك، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين.
 اللهم بفضلك ورحمتك أعلِ كلمةَ الحق والدين، وانصر الإسلام، وأعز المسلمين، وأذل الشرك والمشركين، أذل أعداءك أعداء الدين يا رب العالمين، شتت شملهم، فرق جمعهم، خالف فيما بينهم، اجعل الدائرة تدور عليهم، اجعل تدميرهم في تدبيرهم يا رب العالمين، أرنا قدرتك في تدميرهم يا أكرم الأكرمين.
 انصرنا على أنفسنا حتى ننتصر لك، حتى نستحق أن تنصرنا على أعدائنا يا رب العالمين.
 اللهم وفق ولاة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها لما تحب وترضى، واجمع بينهم على خير، إنك على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018