الدرس : 4 - سورة الملك - تفسير الآيات 6 - 10 ، المسارعة للخير - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 4 - سورة الملك - تفسير الآيات 6 - 10 ، المسارعة للخير


1997-12-22

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
أيها الإخوة الكرام، الآية السادسة والآيات التي تليها من سورة المُلك وهي قوله تعالى:

 

﴿وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (6)﴾

 

[ الملك: الآية 6 ]

 فهؤلاء الذين كفروا بِرَبِّهم بالذي خلقهم وبالذي أمدَّهم ورباهم ودلَّهم عليه ومع هذا كفروا بِرَبِّهم هؤلاء سَيَنْدمون أشدّ النَّدم:

 

﴿ وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (6) إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ (7) ﴾

 أي أُلقوا في جهنم " سمعوا لها شهيقاً وهي تفور " جهنم في هذه الآية نفْس "

 

 

﴿ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (8)﴾

 

[ الملك: الآية 8 ]

 أيْ ما الذي أوْصلكم إليه وأين عقْلكم فكُلّ هذا الكون يدلّ على الله وكلّ أفعاله تدل عليه وكلكم مغْمورون بِنِعَمٍ لا تعدّ ولا تُحصى فما الذي جعلكم تكفرون وما الذي جعلكم تأتون إليّ:

 

﴿تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (8)﴾

 

[ الملك: الآية 8 ]

 هناك آية أخرى قال تعالى

 

﴿ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (37)﴾

 

[ فاطر: الآية 37 ]

 ما هو النذير ؟ هذا القرآن الكريم هو النذير في كلِّ شيء ؛ في مشاهد يوم القيامة وفي صُور مُعَبِّرة عن أهل النار ومشاهد مُعَبِّرة عن أهل الجنة وفي تاريخ الأمم السابقة وفي آيات دالة على الله وفي منهج تفصيلي اِفعَل ولا تفْعل فالقرآن الكريم هو النذير والنبي عليه الصلاة والسلام الذي جاء بِسُنَّتِه المطهرة والذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحْيٌ يوحى والنبي عليه الصلاة والسلام بِبَيانِهِ وبِخُلُقِهِ أيضاً نذير ألم يأتِكُم نذير؟ فالقرآن بين أيْدينا وسُنَّة النبي عليه الصلاة والسلام بين أيدينا والنذير أيضاً سِنُّ الأربعين وكلُّ إنسانٍ بلغَ الأربعين فقد جاءه النذير ؛ كان شاباً طائِشاً أكل وشرب وتزوَّج وذاق طعْم كلِّ شيء وعرف كلّ شيء وبلغ سِنَّ النُّضج ونضج عقله وقَوِيَ عودُهُ لذلك من بلغ الأربعين ورد بالأثر: ولم يغْلب خيرهُ شرّه فَلْيَتَجَهَّز إلى النار

 

إلى متى أنت باللذات مشْغولُ  وأنت عن كلِّ ما قدَّمْتَ مسؤولُ

 فالنذير سِنُّ الأربعين وقال بعْضهم النذير: سِنُّ السِّتين، بالسِّتين ولا زِلْتَ تجْلس بالطاولة في القهوة إلى الساعة الواحدة بالليل معْقولٌ هذا ! ماذا بقيَ لك من عُمُرك ؟ وماذا تنتظر ؟ هناك شيء اسمُهُ مُراهقة مُتأخِّرة بالستين تجد أنه يحبُّ أن يُلْبِسَ زوْجَتَهُ لِباساً مُعَيَّناً سبحان الله هذه زوجةٌ مُسِنَّة وأنت قد جاوزْت سِنّ المراهقة وهذا السن هو سِنُّ العبادة والتوبة وتلاوة القرآن وإقبال على الله فالسِّتين هو أيضاً نذير، وهذا سؤال لمن جاوز الأربعين ؛ سؤالٌ مُحْرِج ومُزْعِج: هل بقِيَ بِقَدْر ما مضى ؟ أغلب الظن بقي أقل مما مضى وكيف مضى الذي مضى ؟ كَلَمْحِ البصر وهذا الذي يبقى يمْضي كَلَمْح البصر وهل أعْددْت للموت عُدَّتَهُ فالإنسان إما أن يكون ملء السمع والبصر وبين أن يكون أمام الناس إنساناً مُحْتَرَماً ذا شخْصِيَةٍ ومالٍ وفير ومكانةٍ علِيَّة وبين أن يكون خبراً على الجُدران ؛ عظَّم الله أجره إذا كان هناك سِنّ ذهب يُقيمونه بالبِنْز من فمِهِ ؛ حاجاته وأمواله ومركباته كل شيءٍ يورَث من بعده وكل سَيُشَيَّع كُلٌّ منا إلى مثْواه الأخير فالبيت الذي نسكُنُه بيتٌ مُوَقَّت فالنذير سِنُّ الأربعين والنذير كذلك سِنّ السِّتين والنذير قالوا: الشَّيْب وورد في الأثر: أنْ عبْدي كبِرَتْ سِنُّكَ وانْحنى ظهْرك وضعُف بصرك وشاب شعْرك فاسْتحي مني فأنا أسْتحي منك الذي يرْتكب المعصية بعد الأربعين لا يسْتحي من الله ؛ النذير سِنُّ الأربعين والنذير كذلك سِنّ السِّتين والنذير الشَّيْب ومَوْتُ الأقارب نذير ؛ أغلب الناس إذا تجاوَزوا سِناً مُعَيَّنة أتْرابهم ومن في سِنِّهم أصْدقاؤهم وزُملاؤُهم في العمل يموتون واحداً واحداً فَكُلٌّ منا يُجْري حِساباً مَن هم أصْدقاؤه ؟ الذين هم أتْرابُهم والذين هم في سِنِّه كم واحدٍ منهم قد مات ! قالوا: إذا انتهى أجل الإنسان وانتهى رزقُهُ ألْقى عليه ملَك المَوْت غمَّ الموت فَغَشِيَتْهُ سكراتُهُ فَمِن أهل البيت الصارخة بِوَيْلِها ومن أهل البيت المُمزِّقة ثِيابها والناشِرة شعْرها يقول ملك الموت: فيمَ الفزع ومما الجزع ما أذْهبْتُ لأحدٍ منكم رزقاً ولا قرَّبْتُ له أجَلاً وإنَّ لي فيكم لَعَوْدَةٌ ثمّ عَوْدة حتى لا أُبْقي فيكم أحداً فَوَالذي نفْسُ محمَّدٍ بِيَدِه لو يرَوْن مكانه ويسْمعون كلامه لَذَهِلوا عن ميِّتِهم ولَبَكَوا على أنْفسهم، وقفت مرةً بِسوق الحميديَّة وقلت: كل خمسين سنة هناك طقم جديد لأصحاب المحلات ؛ جعلكم خلائف وهذا بِكل سوق وكذلك بالبيوت كل خمسين أو ستين سنة هناك طقمٌ جديد يكون البيت كبير ويتخانق الورثة مما يجعلهم يبيعون ففي المحلات والبيوت تجد كلّ مرة طقم جديد ؛ رجل تُوُفي وترك ثروة كبيرة جداً فأحد الورثة نصيبهُ تسعين مليون طبعاً أصبح يُتابع قضايا الإرث وبراءات الذمة والمعاملات كلّ يوم من الصبح إلى المساء دخل إلى الحمام مرةً لِيتَوَضأ فَمات ولم يأخذ قِرش فهذه هي الدنيا لا يمْلك أحدنا أن يعيش ساعة فالمغايرة سريعة، دعانا أحد إخواننا إلى بسْتانه وقال لي: اخْتر من الأصدقاء من تُحِبّ فاخْترْتُ من إخْواننا من أتَوَسَّم فيهم الصلاح من هؤلاء المدعُوين صديق يشْغل منصب رفيع في القضاء وشاءت الأقدار أن توفى هذا المدعو بالجمعة وكانت الدعوة بِيَوم السبت دَفَناه ثم أجَبْنا الدعوة وهناك قصص كثيرة من هذا الشكل فالنذير القرآن والنذير النبي والنذير سِنّ الأربعين والنذير سنّ الستين والنذير الشَّيب والنذير موت الأقارب والنذير المصائب فهذه كلها نُذُر قال تعالى

 

 

﴿ تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (8)﴾

 

[ الملك: الآية 8 ]

 والله أيها الإخوة إذا الإنسان ما اسْتجاب وما اسْتفاد مما يُلقى إليه وما تاب وما عمل بما سمِع وبما علِم سَيَأتي عليه وقْتٌ ينْدم عليه ندم لا يوصف فنحن الآن أحْياء وفي بحْبوحة العُمُر فكُلّ شيء يُحل وأنت حيّ تتوب وتتصدّق وتَسْتَسْمِح ؛ لو جِئتني بملء السماوات والأرض خطايا غفرْتها لك ولا أُبالي ولكنَّك أنت لا بد عليك من التوبة قبل الموت وإذا رجع العبد غلى الله نادى مُنادي في أهل السماوات والأرض أنْ هنئوا فلاناً فقد اصْطلح مع الله ؛ ألم يأتكم نذير؟ قالوا بلى، قد جاءنا نذيرٌ فكذَّبْنا، أهل هذا الزمن أهل مادّة يقول لك: لابد من شهادات وذاك يتكلم بما وراء الطبيعة والآخر يقول لك نحن واقِعيين ولا بد من المال والتقدم وكلما ذكَّرْته بالآخرة يُعيدك إلى الدنيا وكلما ذكرته برِسالته يُعيدك إلى الواقع ؛ فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء، تقول له فلان درسهُ جيّد فإذا يقول لك: أنت لا تعرفه ذاك له أغراض ولا يترك أحداً إلا ويطْعن فيه هكذا الناس ؛

 

﴿ وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ (9)﴾

 

[ الملك: الآية 9 ]

 الآن "

 

﴿ وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (10)﴾

 

[ الملك: الآية 10 ]

 أي أنَّ السبب لِشَقاء الإنسان وهلاكه بِجَهَنَّم وعذابهُ إلى أبد الآبدين أنَّهُ ما تأمَّل وما اسْتمع فالتأمُّل أن تطبخ أنت الطعام والسماع أن تأكل طعاماً جاهزاً فإذا حضرت مجْلس علم فأنت تأكل أكْلة جاهزة وإذا قرأت القرآن تأمَّلت من تِلقاء نفْسك وتفكّرت بالكون ممكن أن تصل إلى الكون من خلال التفكر الهادف الجاد وممكن أن تأخذ الحقيقة جاهزة قال تعالى:" لو كنا نسمع أو نعقل " فهم ما سمعوا وما عقلوا ولا تفكَّرنا وما حضرْنا مجْلس علم قال تعالى:

 

﴿ وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (10)﴾

 

[ الملك: الآية 10 ]

 يقول عليه الصلاة والسلام:

((... إِنَّهُمْ مِنِّي فَيُقَالُ إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا بَدَّلُوا بَعْدَكَ فَأَقُولُ سُحْقًا سُحْقًا لِمَنْ بَدَّلَ بَعْدِي "))

[ رواه البخاري ]

 قال تعالى:

 

﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً (59)﴾

 

[ مريم: الآية 59 ]

 وقد لقِيَ المسلمون هذا الغيّ وهل من غيٍّ أشد من الغَيِّ الذي يلْقَوْنه الآن ؟

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018