الحلال والحرام - الدرس : 21 - مداخل الكسب الحلال - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الحلال والحرام - الدرس : 21 - مداخل الكسب الحلال


1995-08-13

كلمة المال لا تعني الدراهم فقط فالمال هو كل شيء له قيمة وله ثمن :

 أيها الأخوة المؤمنون: وصلنا في موضوع الحلال والحرام إلى أصناف الحلال ومداخِلِهِ، فالحرام إما أن يكون حراماً لعينهِ، لصفةٍ في عينِهِ كالخمر، ولحم الخنزير، والدم، والميتة.. هذا مُحرّمٌ لعينِ هذا الشيء.. وهناك تفصيلات في موضوع اللحوم، والأطيار، والأسماك، وجميع الحيوانات، ما ينبغي أن نأكله، وما لا ينبغي، يأتي ذكره مفصّلاً في باب الأطعمة إن شاء الله تعالى.
 وهناك ما يحرم لا لذاته، قد يحرم أن تأكل الخبز لا لأن الخبز حرام بل لأنَّ طريقة كسبه كانت حراماً، هذا شيء محرّم لصفة كسبه أو لطريقة كسبه، أو كما يقول العلماء: لخللٍ في إثبات اليد عليه.
 المال هو كل شيء له قيمة وثمن
فالمال كلمة المال لا تعني الدراهم فقط، المال كل شيء له قيمة وله ثمن، يُقال: له مال، فالقماش مال، والطعام مال. فأخذُ المال إما أن يكون باختيار المالك، وإما أن يكون بغير اختياره، فالذي بغير اختياره كالإرث، نأخذ مال هذا الرجل الذي مات من دون اختيار منه، وإمّا أن يكون من مالكٍ أو من غير مالكٍ، حشائش الأرض، وماء البئر، ومعادن الأرض، هذه تؤخذ من غير مالك، إمّا أن يكون لهذا المال مالكاً أو ليس له مالك.
 الذي ليس له مالك له حُكم، والذي له مالك له حُكم، الذي له مالك إمّا أن يؤخذ باختياره وله تفصيلات، وإما أن يُؤخذ من غير اختياره، والذي يُؤخذ من مالك إمّا أن يُؤخذ قهراً وهو حلال، أو يُؤخذ تراضياً وهو حلال، وهناك تفصيلات، والمأخوذ قهراً إما أن يكون بصكوك عصمة المالك كالغنائم، أو باستحقاق الأخذ في الزكاة ممن يمتنع عن أدائِها والنفقات الواجبة عليهم تُؤخذ قهراً من غير اختيار، والمأخوذ تراضياً إمّا أن يكون بِعِوض كالبيع والشراء والأجرة والصداق، وإمّا أن يُؤخذ بغير عِوض كالهِبة والوصية، هذا الإجمال تفصيلُهُ أنَّ كسبَ المالِ لابُدَّ من أن ينطوي تحت ستة بنود؟

كسبَ المالِ ينطوي تحت ستة بنود :

1 ـ ما يؤخذ من غير مالك :

 البند الأول ما يُؤخذ من غير مالِك: كالمعادن وإحياء الموات، أرضٌ ليسَ لها صاحب، قام بوضع سور لها، وحفرَ لها بئراً، وزرعها فأثمرت... هذا مالٌ مأخوذ من غير مالِك، والمعادن كفلذات المعادن التي تُستخرج من باطن الأرض، والاصطياد، والاحتطاب، والاستسقاء من الأنهر، والاحتشاشُ - قطعُ الحشيش - فهذا كلّه حلالٌ بشرطِ ألا يكون المأخوذ مختصّاً بذي حُرمةٍ من الآدميين، هذا المال الذي لا مالِكَ له كماء النهر، والحشيش الذي ينبُتُ عفواً من غير زرعٍ، والأرض التي تُوضع اليدُ عليها وتستصلح، ويُحيا مواتُها، هذا كله مالٌ يؤخذ من غير مالك في نص الشرع هو حلال ما لم يتعلّق به أحد.

2 ـ المأخوذ قهراً ممن لا حُرمة له :

 وأمّا المأخوذ قهراً ممن لا حُرمة له: فهو كالفيء والغنيمة، المال الذي يُؤخذ قهراً إثرَ الحروب التي تنشِبُ بسببِ نشرِ الدين، ونشر الحق، وإعلاء كلمة الله، هؤلاء الذين يريدون أن يُطفئوا نور الله، يريدون أن يعثوا في الأرض فساداً، هؤلاء إذا أرادوا أن يقفوا في وجه الحق، وانتصر المسلمون عليهم، تُؤخذ أموالُهم قهراً عن غير اختيار منهم، وهو الفيء والغنيمةُ، الغنيمةُ تُؤخذ إثرَ حربٍ، والفيء يُؤخذُ من دونِ حربٍ، وهذا حلالٌ بشرطِ أن يُؤخذ منها الخُمس ويُعطى للمستحقين، وتُقسّمَ بين المحاربين بالعدلِ، ولهذا الموضوع تفصيلٌ طويل في كتاب السيّرِ وكتاب الفيء والغنيمةِ وكتاب الجزية.

3 ـ ما يُؤخذ قهراً باستحقاق :

 ومن هذه الأموال ما يُؤخذ قهراً باستحقاق: عندَ امتناع من وَجَبَ عليه دفعُ هذا المال فيُؤخذ دونَ رِضاهُ، وذلكَ حلالٌ إذا تمَّ سببُ الاستحقاق، مثلاً زوجٌ امتنعَ عن الإنفاقِ على أولادِهِ وزوجتهِ، يحكمُ عليه القاضي بدفع النفقة قهراً من دون رأيٍ أو اختيار، لا يكون هذا المال المأخوذ قهراً من دون إذنِ مالِكِهِ إلا بشروط من هذه الشروط:
 أن يكون سببُ الاستحقاق شرعيّاً، وأن يكون وصفُ المستحقِّ وصفاً صحيحاً، وأن يقتصر على القدر المستحق.
 أن يكون صاحب الحق حقيقةً، وأن يكون سببُ الاستحقاق واقعاً فعلاً، وأن يُؤخذ بالقدر الذي امتنع عن دفعهِ لأصحاب الحقوق، إذا فعلنا ذلك أخذنا هذا المال حلالاً، ويجب أن يُستوفى هذا المال عن طريق السلطان أو القاضي، وهذا يُفصّلُ في كتاب الوقف والنفقات والصدقات والزكاة وما إلى ذلك " هذا كله يأتي معنا بالتفصيل في المستقبل ".

4 ـ ما يُؤخذ تراضياً بمعاوضةٍ :

 ومن هذا المال ما يُؤخذ تراضياً بمعاوضةٍ: - بالتراضي- وذلك حلالٌ إذا روعيَّ شرطُ العِوضين وشرط العاقدين وشرطُ اللفظين.. أي اللفظ صحيح، الإيجاب والقبول، والعِوض مال وليس شيئاً آخر لا قيمة له، وأن يكون البائع والشاري بتمام الأهلية الشرعية والعقلية.
 موضوع البيعِ والسلمِ، والإجارةِ، والحوالةِ، والضمانِ، والقِراضِ، والشركةِ، والمساقاةِ، والشُفعةِ، والصُلحِ، والخلعِ، والكتابةِ، والصداقِ، هذه كُلُها تدخل في باب العِوض " أخذُ المالِ بِعِوضٍ عن طريق التراضي ".

5 ـ ما يُؤخذ عن رِضا من غيرِ عِوضٍ :

 وما يُؤخذ عن رِضا من غيرِ عِوضٍ: وهو حلالٌ إذا روعيَ فيه شرطُ المعقود عليه كالإرثِ والهِبةِ والوصيةِ والصدقةِ.

6 ـ الذي يُؤخذ من غير اختيار المالك :

 وأمّا الذي يُؤخذ من غير اختيار المالك: فهو الإرثُ وهو حلالٌ إذا كانَ المورّثُ قد اكتسب المالَ من بعض الجِهات الخمس من وجهٍ حلال.. أي إذا كانَ مالُ الإرثِ مغتصباً، فالعلماء لهم آراءٌ متباينة في هذا الموضوع، إن كان اكتساب هذا المال من هذه الطُرق الخمس كانَ هذا المالُ المورّث حلالاً مئةً في المئة، أمّا إن كانَ مالاً مغتصباً فللعلماءِ شروط وخِلافاتٌ حولَ هذا الموضوع.
 طبعاً هذا الذي أقوله ليس هو الدرس، إنما هو إطلالةٌ على موضوعات كثيرة سوف نعالجها إن شاء الله في المستقبل.
 الآن: يقول الإمام الغزالي رضي الله عنه: "اعلم أنَّ الحرام كلّهُ خبيث ما قلَّ منه وما كثُر، وما ظهرَ وما اختفى، الحرام كُلّهُ خبيث ولكنَّ بعضهُ أخبث من بعض".
 طبعاً أنا أسرعت في المقدمة لأنها مقدمة، ولأنَّ هناك تفصيلات وافيةً في شروحِها.

مراتب الورع عن الحرام :

 الآن أُفصّل: الحرام كلّه خبيث ولكنَّ بعضه أخبث من بعضٍ، والحلال كُلّهُ طيّب ولكنَّ بعضهُ أطيب من بعضٍ.
 على كُلِّ مادامَ من الحلال ما كان بعضهُ أطيب من بعضٍ، ومادام الحرام كلّه خبيث ولكنَّ بعضهُ أخبث من بعضٍ، فقد صنّف الإمام الغزالي الورع عن الحرام في أربع مراتب، وكل واحد من الحاضرين يتمكّن أن يُصنّف نفسه مع أحد هذه المراتب :

1 ـ ورع العدول :

 أولاً: ورع العدول: العدلُ مأخوذ من الحديث النبوي الشريف:

(( من عاملَ الناس فلم يظلمهم، وحدّثهم فلم يكذبهم، ووعدهم فلم يُخلفهم، فهو من كملُت مروءته، وظهرت عدالته، ووجبت أخوته، وحرُمت غيبته ))

[أخرجه العسكري في الامثال والديلمي في مسنده عن الحسين بن علي]

 المسلم المطبق للإسلام هو مسلم عدل
العدالة: أي المسلم الذي طبّقَ تعاليم الدين لم يُقصّر في واحدة ما دامَ قد طبّقَ أوامر الله سبحانه وتعالى، وطبّقَ تعاليم الدين، فهو مسلمٌ عدلٌ.. أي يتمتع بحقوقه الإسلامية كما يتمتع المواطن اليوم بحقوقه المدنيّة، المسلم العدلُ يتمتّع بحقوقه الإسلامية تُقبل شهادته.
 ورع العدول وهو الذي يوجِبُ الفِسقَ باقتحامه، لو أكلتَ لُقمةً من حرامٍ فقد خرقتَ هذه القاعدة، العدلُ لا يأكلُ ولا لقمةً من حرام، فأيُّ عملٍ يفعله المسلم ويخرق به حدود الشرع فقد دَخَلَ في الفِسقِ:

﴿ كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُون ﴾

[سورة يونس]

 يوجب الفِسقَ باقتحامه، وتسقط العدالة به، لو أخذتَ ما ليسَ لك تسقُطُ عدالتُك، لو ظلمتَ إنساناً في أرضٍ تسقُطُ عدالتُك، لو أكلتَ مالاً من حرامٍ تسقُطُ عدالتُك، لو أخطأ معك البائع ولم ترُدَّ له البقية تسقُطُ عدالتُك، لو بِعتَ بثمنين حالّ ومؤجّل تسقُطُ عدالتُك:

(( أبلغي زيد بن أرقم أنه قد أبطل جهادَه مع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ))

[ أخرجه زيادات رزين عن عائشة أم المؤمنين ]

 لو أخفيتَ عيباً تسقُطُ عدالتُك، أي أكلت أموال الناس بالباطل، لو غيّرت وصف القِماش - قماش وطني وأحضرت لصاقة مكتوب عليها بالأجنبي صنع فرنسا وأحضرت مكواة وألصقت اللصاقة على القماش - ماذا تكون قد فعلتَ بنفسك؟ سقطت عدالتُك، لأنك توهِمُ هذا الشاري أنَّ هذا القِماش أجنبي عن طريق هذه اللُصاقة الأجنبية، سقطت عدالتُك.. أكلت مال الناس بالباطل وأنكَ عندئذٍ تبيعُ هذا القِماش على أنه أجنبي بأربعة أضعاف سعر الوطني تسقُطُ عدالتُك، طبعاً العلماء في موضوع العدالة قاموا بالتوسيع.

 

الفرق بين جرح العدالة و سقوط العدالة :

 طبعاً هناك تسقُطُ عدالتُك، وهناك تُجرحُ عدالتُك، من مشى حافياً في الطريق تُجرحُ عدالتُه أو لا تُقبل شهادته، من بالَ في الطرق تُجرحُ عدالتُه، من علا صياحهُ في البيت تُجرحُ عدالتُه، من طففَ بتمرةٍ واحدة - أي أنَّ عين الميزان لم تأت على العين تماماً - تُجرحُ عدالته، من صَحِبَ الأراذِلَ تُجرحُ عدالته، من تحدّثَ عن النساء - فلانة شكلُها كذا - تُجرحُ عدالته، من لَعِبَ الشطرنج وهو موضعُ خلافي بين الفقهاء تُجرحُ عدالته، من أطلقَ لفرسِهِ العِنان - أي أنه أسرع في قيادة السيارة - تُجرحُ عدالته، من قادَ برذوناً تُجرحُ عدالته، من تنزّه في الطرقات تُجرحُ عدالته، من خَرَجَ بهيئةٍ قميئة وهو مُسلم تُجرحُ عدالته، أحصى الفقهاء ما يزيد عن ثلاثٍ وثلاثين صفةً إذا تلّبسَ بِها المرءُ المسلم جُرِحت عدالتُه، أمّا إذا أكلَ أموال الناس بالباطل سقطت عدالتُه، إبريق قد نُحطمه وقد يُصابُ بكسرٍ ويبقى متماسكاً.. إسقاط العدالة أنَّ هذا المسلم لا عدالة له.
 حدثني أخ عن رجل وقفَ عند بائع خضار، البائع قام بفرز الخضار لنوعين، نوع بست ليرات ونوع بليرتين، فبينما كان البائع مشغولاً في البيع قام هذا الشاري بملء كيس من النوع الجيد ثمَّ وضع فوق هذا النوع الجيد نوعاً رديئاً ليوهم البائع أنه اشترى من النوع الرديء، هذا الذي فعلَ هذا سقطت عدالته، خرجَ من الإسلام لأنه فسق.. دخلَ في الفِسق..
 فورع العدول هو الورع الذي فيما لو خَرَقَ الإنسانُ قواعد الدين دخلَ في الفِسقِ، وسقطت عدالته، وثبت عليه إثم العصيان، وتعرّض للنارِ بسببهِ، وهو الورع عن كل ما تُحرّمه فتاوى الفقهاء. هذا الحد الأدنى من الورع.. ورع العدول.

2 ـ ورع الصالحين :

 هناك ورعٌ أعلى من ذلك وهو ورع الصالحين، وهو الامتناع عمّا يتطرقُ إليه احتمال التحريم، ولكنَّ المُفتي يُرخّص في التناول بناءً على الظاهر، مثلاً إنسان سألك: أنا شريك مُضارب سافرت إلى الجهة الفلانية من أجل الشركة فهل لي أن آكل على حساب الشركة؟ تقول له: نعم وتدفع ثمن المبيت وأجرة الطريق، ولكنَّ الله وحده يعلم ما إذا كان هذا السفرُ مفتعلاً لمصلحةٍ شخصيةٍ وقلتَ أنت: إنَّ هذا السفر لأجل الشركة، المفتي يقول لك: يجوز أن تأكل، لكَ أن تأكل على حِساب الشركة، ولكَ أن تدفعَ ثمن الركوب، وثمن المبيت، ولكن من يعلم أنَّ هذا السفر لِصالح الشركة أم تقتضيه مصلحة شخصية؟ لا يعلم هذا إلاّ الله.
 ورع الصالحين: الامتناع عمّا يتطرق إليه احتمال التحريم، ولكنَّ المُفتي يُرخّص بأخذه بِناءً على الظاهر، فهو من مواقع الشُبُهة، فنسمي التحرّجَ عن ذلك ورع الصالحين وهو من الدرجة الثانية، أي أنّه هناك فتوى، الورع الأول ليسَ فيه فتوى، جميع المفتين يُفتون بأنَّ هذا العمل حرام فمن فعله دَخَلَ في الفِسق، واستوجب الإثم، ووقعَ في المعصية:

﴿ كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ(33) ﴾

[سورة يونس]

 لكنَّ ورع الصالحين هناكَ فتوى تُبيحُهُ، عِنَدَكَ مال أيتام أنت تقول: أنا فقير سألت مفت قلت له: أنا فقير وأُدير مالاً للأيتام فهل لي أن آكل منه بالمعروف؟ يقول لكَ: نعم، كُلْ منه بالمعروف، لكنَّ الله وحده يعلم ما إذا كنتَ فقيراً حقيقةً، أو غنياً، أو مكتفياً، فالورع الأعلى من ذلك أنهُ يخاف ألاّ يكون وصفُهُ صحيحاً، يخاف أن يتوهّم نفسه فقيراً وهو مكتف إذاً يترّفع عن أن مال الأيتام لا لأنَّ الإفتاء حذّرَ عليه ذلك .. لا.. المُفتي سَمَحَ له ولكن هو ليسَ متأكداً ما إذا كانت هذه الفتوى تنطبق عليه أو لا تنطبق، تحرّجاً عن الحرام ترّفعَ عن أكل مال الأيتام وقال: أنا أُرجّح أن أكونَ مكتفياً ولا أُريد أن آخُذَ على عملي شيئاً.. هذا ورع الصالحين..
 ورع الصالحين الفتوى تُحلّهُ ولكنَّ الشُبهةَ تتبعهُ - فيهِ شُبُهة -، ورع العدول الفتوى تُحرّمُهُ وفِعلُهُ يوجِبُ الإثمَ والعصيان، ورع الصالحين الفتوى تُبيحُه ولكنَّ الشبُهة تُداخِلُهُ، لكنَّ ورع المتقين ما لا تُحرّمُهُ الفتوى، ولا شُبُهةَ في حِلِّهِ، ولكن يخافُ منه أن يقودنا إلى حرام. الفتوى تُحلُّهُ، ولا شُبُهة داخلةٌ فيه، ولكن نخاف إذا فعلنا هذا أن يقودنا إلى أكل مالٍ حرام في المستقبل.

 

3 ـ ورع المتقين :

 ثالثاً: ورع المتقين.. وهو كما قال عليه الصلاة والسلام:

(( لا يَبْلُغُ الْعَبْدُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُتَّقِينَ حَتَّى يَدَعَ مَا لا بَأْسَ بِهِ حَذَرًا لِمَا بِهِ الْبَأْسُ))

[ الترمذي و ابن ماجه عن عطية السعدي]

4 ـ ورع الصّدّيقين :

 أمّا الدرجة الرابعة فهذه الدرجة تُسمّى ورع الصديقين؛ ورع العدول، ورع الصالحين، ورع المتقين، الآن ورع الصديقين، ما لابأسَ به أسلم ولا يُخاف منه إلى أن يؤدي إلى ما به بأس ولكنه يُتناول لغير الله.
 شخص من أهل الدنيا أرسل يدعوك إلى وليمة لم تذهب إليها إرضاءً لله، ولم يدعُكَ لله، الأكل حلال ليس فيه شُبُهة، ولا بأس، ولا يؤدي إلى حرام، لكنَّ هذا العمل لم يكن لله عزّ وجل.. هذا ورع الصديقين..، هذه درجات الورع، بالمناسبة:

((ركعتان من ورع خير من ألف ركعة من مخلط))

[الجامع الصغير عن أنس]

 رأسُ الدين الورع.

 

تفصيلات في مراتب الورع :

 هناك تفصيلات: ورع العدول كل ما تقتضي الفتوى تحريمه مما يدخل في المداخل الستة التي ذكرناها من مداخل الحرام لفقدِ شرطٍ من الشروط فهو الحرام المُطلق.. أي.. السرقة هذه حرام مُطلق، أخذُ مالٍ غصباً هذا حرام مُطلق.
 الدرجة الثانية أمثلتُها كل شُبُهةٍ لا توجبُ اجتنابها ولكن يُستحبُ اجتنابها، سألت المُفتي قال لك: ليس هناك مانع، الشرع رخّص لكَ ذلك، ولكن المستحب تركُها لأنَّ مدى انطباقها على الإنسان غير دقيق.
 وهناك تفصيلات: من الشُبُهات ما يجبُ اجتنابها لأنها تُلحق بالحرام، ومنه ما يُكره اجتنابها، ومِنها ما يُستحبُ اجتنابها.. يجبُ ويُكرهُ ويُستحبُ:

(( فعن أَبِي الْحَوْرَاءِ السَّعْدِيِّ قَالَ: قُلْتُ لِلْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ مَا تَحْفَظُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ سَأَلَهُ رَجُلٌ عَنْ مَسْأَلَةٍ لا أَدْرِي مَا هِيَ فَقَالَ: دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لا يَرِيبُكَ ))

[الترمذي عن الحسن بن علي]

 يُحكى عن ابن سيرين أنه تركَ لشريكٍ له أربعة آلاف درهم لأنه حاكَ في قلبهِ شيء مع اتفاق العلماءِ على أنه لا بأسَ به لكنه تركها على أنه حاكَ في قلبهِ شيء.
 سيدنا عمر كان يقول: "كُنا ندع تسعة أعشار الحلال مخافة أن نقع في الحرام".
 أبو الدرداء رضي الله عنه يقول: "إنَّ من تمام التقوى أن يتقي العبدُ في مثقالِ ذرّة" إذا أردت التقوى الصحيحة إذا كان هناك صانع في محل سكاكر، إذا أمسك بقطعة سكر واحدة ووضعها في فمه وقع في الحرام، لأنَّ الأمانة مُطلقة والخيانة نسبية ، الأمانة مُطلقة الأمين أمين على قطعة سمسم أو على مليون قطعة، تقول: مستودع الوقود مُحكم - المُحكم حالة واحدة أي أن تضع فيه ألف ليتر وقوداً سائلاً وتغيب خمس سنوات، فإذا كان مغلقاً من الأعلى تعود تجدهم على حالهم ، هذا معنى مُحكم- الإحكام حالة واحدة، الأمانة مُطلقة والإحكام مُطلق، أما إذا كان في المستودع بعض الخلل مثلاً فيه ثقب فخلال شهرين يفرغ الوقود من المستودع، وهناك ثقب يُفرّغه في أسبوع، وثقب آخر يُفرّغه خلال ساعة، أما إذا كان غير مستقيم فهناك شيء يُعدّل شيئاً هذا يأكل، وهناك غيره يحمل، وغيره يُنظّف المحل.. بين أن يأكل وبين أن يحمل وبين أن يُنظّف درجات.

أمثلة عن ورع المتقين :

 من أمثلة ورع المتقين أن يترك ما يرى أنه حلال خشية أن يكون حراماً، حتى يكون هذا التركُ حِجاباً بين العبد وبين النار، هناك شخص له على إنسان مئة درهم فحملها إليه، فأخذَ منها تسعةً وتسعين وتورّعَ عن استيفاء الكُل خيفة الزيادة، كان للدراهم أوزان مختلفة، أمّا الآن فالأمور مضبوطة، أما الدرهم فكان وزنه يفرق نصف أو ربع غرام، فلو أخذ مئة درهم كما أقرضها لعلَّ هذه المئة يزيد وزنُها عن التي أعطاها فكان يأخذ تسعةً وتسعين من باب الورع.
ومن ذلك ما روى عن علي بن معبد أنه قال: كنت ساكناً في بيت بالأجرة، فكتبت كتاباً وأردت أن آخذ من تراب الحائط لأتربه وأجففه، ثم قلت: الحائط ليس لي، فقالت لي نفسي: وما قدر تراب من حائط، فأخذت من التراب حاجتي، فلما نمت فإذا أنا بشخص واقف يقول: يا علي بن معبد سيعلم غداً الذي يقول وما قدر تراب من حائط، ولعل معنى ذلك أنه يرى كيف يحط من منزلته، فإن للتقوى درجة تفوت بفوات ورع المتقين، و الإنسان إذا ترك ورع المتقين ضاعت منه التقوى.
 سيدنا عمر وصله مِسكُ البحرين فقال: وددتُ لو أنَّ امرأة وزنت حتى أُقسّمهُ بين المسلمين، فقالت امرأته عاتكة: أنا أُجيد الوزن فسكَتَ عنها، ثمَّ قالت: أنا أُجيد الوزن فسكَتَ عنها، فقال: لا أحببتُ أن تضعيهِ بكفِكِ ثمَّ تقولينَ فيها هذا من أثر المِسكِ فتمسحين بها عنُقَكِ فأصيبُ بذلك فضلاً على المسلمين.. هذا ورع المتقين.. كَرِهَ أن تقسِمَ زوجته هذا المِسكَ بين المسلمين ففي يدِها من أثرِ المِسكِ تضعهُ على عُنِقِها فيكون عمر قد أصابه من المِسكِ فوق ما أصابَ من المسلمين الباقين.
 سيدنا عمر بن عبد العزيز حينما كان المِسكُ يُقسم أمامه كان يُغلِقُ أنفهُ فقال أحدهم له: وماذا تفعل رائحته؟ قال: وهل يُنتفع إلا برائحته !؟ - هل هناك غير الرائحة؟ - عندما كان ينتهي الدوام عند سيدنا عمر بن عبد العزيز يُطفئ السِراج لأنَّ ذلك أصبح وقتاً خاصاً.
 سيدنا الحسن رضي الله عنه أخذ تمرةً واحدة من تمر الصدقة وكان صغيراً فرآه النبي عليه الصلاة والسلام فقال: " كخ.. كخ "، هذا الذي تقوله العامة مأخوذٌ عن النبي عليه الصلاة والسلام، " كخ.. كخ " أي دعها لأنه من تمر الصدقة.
 بعضهم كان عند محتضر - أي عند إنسان يُلاقي سكرات الموت - فمات ليلاً فقال: أطفئوا السِراج فقد حَدَثَ للورثة حقٌ بدُهنِ السِراج - أصبح المال للورثة الآن-.

ورع الصّدّيقين أرقى درجة من درجات الورع :

 هناك أمثلة كثيرة جداً قد لا تُصدّق لشدّة الورع، هكذا كانوا، لو نُقِلَ هؤلاء الأطهار الورِعون إلى هذا الزمان لَشابَ شعرُهم.. أي معظم الناس لا يتورّع عن أكل المال الحرام من أيّة طريقة، ويتباهى بالأكل الحرام بل إنَّ الذي لا يأكُل حراماً يُتهم بالجنون.
 أرقى درجات الورع هو ورع الصديقين
الآن ورع المتقين الذي يُفضي إلى شيء غير مُباح هناك فتوى بإباحته وليس فيه شُبُهة، لكن لو فعلته ربما انتهيت إلى شيء حرام، لذلك الدخول إلى بيوت الأغنياء الإنسان يتمنى أن يكون عنده منزل كهذا المنزل، وفخامة كهذه الفخامة.. أي هذا العمل في النهاية قد يُوصِلُ إلى أن يشتهي الإنسان أن يكون له مثل هذا فيأكل مالاً حراماً، فالنظر إلى دور الأغنياء وتجمّلِهم مُباحٌ في نفسِهِ ولكنه يُهيّج الحِرصَ، ويدعو إلى طلبِ مثلِهِ، ويلزمُ منه ارتكاب ما لا يحلُّ في تحصيلِهِ وهكذا المُباحات كُلُّها.
 أما ورع الصديّقين فالحلال عندهم كل ما لا تتقدم في أسبابهِ معصيةٌ، ولا يُستعانُ بهِ على معصية، ولا يُقصدُ منهُ في الحالِ والمآلِ قضاءُ وطرٍ، بل يُتناول للهِ تعالى.. هذا أرقى شيء.. وللتقوي على عبادتِهِ، واستبقاء الحياة لأجلِهِ، وهؤلاءِ هم الذين يرونَ أن كُل ما ليسَ للهِ حرام، وهذه رتبة المتوحدين المتجرديّنَ عن حظوظ أنفِسِهم، المنفردين للهِ تعالى بالقصدِ، ولا شكَ في أن من يتورّع عمّا يوصَلُ إليه أو يُستعانُ عليهِ بمعصيةٍ يتورّعُ عمّا يقترنُ بسببِ اكتسابه معصية أو كراهية.. هذا أرقى درجة تورّع الصديقين.. وسوف نتابع هذا الموضوع في درسٍ قادمٍ إن شاء الله.

 

علامة المؤمن أنه ورِع :

 الذي أريد أن أقوله لكم:

((ركعتان من ورع خير من ألف ركعة من مخلط))

[الجامع الصغير عن أنس]

(( من لم يكن له ورعٌ يصده عن معصية الله إذا خلا لم يعبأ الله تعالى بسائر عمله ))

[ مسند الشهاب عن أنس بن مالك]

 والدين ليس بالصلاة والصيامِ فحسبُ ولكنه بالورع وعلامة المؤمن أنه ورِع.

نبذةٍ قصيرةٍ عن صفات النبي عليه الصلاة والسلام :

 الآن عندنا نصوص جامعة لصفات النبي من شتّى الجوانب، نقرأ بعضها، ونُؤجِلُ بعضها إلى درسٍ آخر.
 كان رسول الله صلى الله عليه وسلم فخماً مُفخّماً- أي يملأ العين - يتلألأُ وجهه تلألؤ القمر ليلةَ البدر.. هكذا قال حسان رضي الله عنه:

وأحسن منك لم ترَ قطُّ عيني  وأجمل منكَ لم تلد النساء
خُلقــتَ مبرّأً من كُلِّ عيبٍ  كأنكَ قد خُلِقتَ كما تشاءُ
***

 - أطول من المربوع - المربوع بين القصير والطويل - كانَ أطول من المربوع وأقصرَ من المشذّب - الطويل البائن -.
 - لا يأس من طولٍ ولا تقتحمهُ عين من قِصَرٍ - لا يُنظر له هكذا ولا هكذا -.
 - عظيم الهامة - رأسه متناسب مع جسمه - وكِبَر الرأس - هكذا جاء في الحاشية - دليل رجاحة العقل.
 - رَجِلَ الشعرٍ -كان شعره جَعِداً -.
 - أزهر اللون - أبيض مُشرب بالحُمرة -.
 - واسع الجبين - جبينه واسعٌ طولاً وعرضاً -.
 - أزجَ الحواجب- حواجبه متصلة - سوابغ في غير قرن، بينهما عِرقُ يدره عندَ الغضب - إذا غَضِب نَبَضَ هذا العِرق - فكان أصحابه الكِرام يعرفونه غضبان من هذا العِرق الذي في جبينِهِ.
 - له نورٌ يعلوه أي وجهه يتلألأ نوراً.
 - كثّ اللحية - شعره غزير -.
 - سهلَ الخدين - ليس ناتئَ الوجنتين -.
 - ضليعَ الفم - فمُهُ يتناسب مع وجهِهِ - وهذا دليل فصاحتِهِ صلى الله عليه وسلم.
 - مُفلّجَ الأسنان - أي بين أسنانِهِ مسافات ليست متراكمة بعضُها فوق بعض -.
 - دقيق المسربة - أي هناك خط من الشعر من أعلى صدرِهِ إلى صُرتِهِ-.
 - كأنَّ عنقه جيدُ دميةٍ في صفاء الفِضّة.
 - معتدلُ الخلقِ – أي تناسب الوزن مع الحجم مع الطول مع الأعضاء -.
 - بادِنٌ - ممتلئ -.
 - متماسِكٌ - أي قوي البُنية -.
 - سواءُ البطنِ والظهرِ.
 - عريضُ الصدرِ، بعيدُ ما بينَ المنكبين.
 - أنور المتجرّد - أي إذا أرادَ الوضوء له أعضاء بيضاء كالثلج-.
 - أشعرُ الذراعين والمنكبين.
 - طويل الزندين رحبُ الراحة - أي يده واسعة -.
 - شَثْنُ الْكَفَّيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ - أي كفاه وقدماه ممتلئتان -.
 - ثائِرُ الأطراف - أطرافه مستقيمة -.
 - خمصان الأخمصين - أي قدمه ليست بطحاء، أخمصه عال - إذا زالَ زالَ قِلعاً - أي مشيتُهُ تَنِمُو عن نشاط-.
 - يمشي هوناً بتؤدة، إذا مشى كأنه ينحطُّ من صبب - من مرتفع -، وإذا التفتَ التفتَ جميعاً.
 - خافِضَ الطرفِ، نظرهُ إلى الأرضِ أطولُ من نظرهُ إلى السماء.
 المؤمن تعرفه من نظراته في الطريق، عينُهُ في الأرض، أمّا غير المؤمن فعلى النوافذ والشرفات، وإذا فُتِحَ باب مباشرةً ينظر.. هذا غير المؤمن، أمّا المؤمن فنظرهُ إلى الأرض.
 - جُلُّ نظرِهِ الملاحظة، يستنبط من كلِّ شيء موعظةً، من كلِّ حادثةٍ درساً، من كُلِّ آيةٍ فهماً، من كُلِّ بارقةٍ حالاً.
 - يبدأُ من لَقِيَ بالسلام.
 لازِلنا في صفات النبي عليه الصلاة والسلام، اليوم انتهت الصفات الجسمية ننتقل غداً إلى آدابِهِ في منطِقِهِ وسكوتِهِ، وإلى آدابِهِ إذا دَخَلَ منزِلَهُ، وإلى آدابه إذا خَرَجَ من منزلَهُ، وإلى آدابِهِ في مجالِسِهِ، وإلى آدابِهِ مع جلسائِهِ، وإلى آدابِهِ في سكوتِهِ، وإلى آدابِهِ العامة في وقارِهِ وتكريمِهِ أهلَ الفضل وما إلى ذلك.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018