الحلال والحرام - الدرس : 20 - أدلة من الكتاب والسنة وأقوال العلماء . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الحلال والحرام - الدرس : 20 - أدلة من الكتاب والسنة وأقوال العلماء .


1995-08-06

على الإنسان أن يأكل الرزقَ الحلال الذي تفيضُ به نفسه وتُستجابُ به دعوته :

﴿ يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴾

[سورة المؤمنون]

 المؤمن كالنحلة لا يأكل إلا طيبا ولا يطعم إلا طيبا
قد يفهم قارئٌ أو رجلٌ أن كلوا من الطيبات أي كلوا الأكل الطيب، هذا فهمُ ساذج، فقد قال عليه الصلاة و السلام:

(( تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ وَعَبْدُ الْقَطِيفَةِ وَعَبْدُ الْخَمِيصَةِ إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ وَإِنْ لَمْ يُعْطَ لَمْ يَفِ))

[ البخاري عن أبي هريرة]

 ليس المقصود من هذه الآية أن تأكل ما لذَّ وطاب، وإن كان المؤمن كالنحلة لا يأكل إلا طيباً، ولا يُطعم إلا طيباً:

 

﴿ وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا ﴾

 

[سورة الكهف]

 مع أنَّ المؤمن كالنحلة يأكل طيباً ويُطعم طيباً، ولكن كلمة الطيبات هنا تعني شيئاً آخر، كلوا من الطيبات أي كلوا الرزقَ الحلال الذي تفيضُ به نفوسكم، وتُستجابُ به دعوتكم.

 

العمل الصالح لا يُسجّل إلا إن بُنيَ على استقامة تامة :

﴿وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾

 أي قلم الحبر لا يؤثر على ورقةٍ فيها شحمٌ، أو دهنٌ، لا يؤثر الحبر إلا على ورقٍ نظيف، القلم لا يخطُّ إلا على ورقٍ نظيف، فالعمل السيئ، والأكل الحرام، والانحراف، يُبطل العمل الصالح، إن أردت بالعمل الصالح المكافأة في الدنيا، فلو خلطت العمل الصالح مع الطالح تأتيك المكافأة في الدنيا، لو إنسان خَلَطَ عملاً صالحاً وآخر سيئاً الله سبحانه وتعالى أكرمُ من أن يُضيّع عليه عمله الصالح مهما كان قليلاً، إلا أنكَ إذا أردت بالعمل الصالح الآخرة، وما عندَ الله من نعيمٍ مُقيم، فإنَّ هذا العمل الصالح لا يُسجّل إلا إن بُنيَ على استقامة تامة، لذلك:

﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ﴾

[سورة الكهف]

ارتباط الاستقامة بالعمل الصالح :

 يجب أن يُبنى العمل الصالح على الاستقامة، كما لو أتيت بمواد البناء وهي بأسعارٍ باهظة، وأقمت بناءً شامخاً لا أساس له، لابُدَّ من أن ينهار، ومعنى ينهار أنَّ هذه المواد الأولية التي دفعت ثمنها ألوف الألوف لا قيمة لها، لابُدَّ من أن تقع وتُهدّم بما أنَّ الأساس غير موجود، الأساس هو العمل الصالح.
 بشكل آخر الاستقامة، الاستقامة طريقٌ معبّد والعمل الصالح سيرٌ على هذا الطريق، فكما أنَّ الاستقامة وحدها لا تكفي، كذلك العمل الصالح وحده لا يكفي، لأنه ما بُنيّ على فسادٍ فهو فاسد، فقوله تعالى في سورة المؤمنون:

﴿ كُلُوا مِنْ الطَّيِّبَاتِ﴾

 أي كلوا رزقاً حلالاً، كلوا الرزق الذي كسبتموه كسباً حلالاً، كلوا طعاماً حلالاً تطيبُ به نفوسكم:

(( إن روح القدس نفثت في روعي أن نفساً لن تموت حتى تستوفي رزقها، فاتقوا الله عباد الله وأجملوا في الطلب ـ وهناك زيادة ببعض الروايات ـ واستجملوا مهنكم ))

[حديث صحيح بشواهده، ابن ماجه وأبو نعيم في الحلية والحاكم وابن حبان عن جابر]

 إذاً: الأمر بالأكل من الطيبات، أي الحلال مقدّمٌ على العمل الصالح، مثلاً إنسان بفوائد أمواله الطائلة يبني مسجداً! لابُدَّ من أن يكون مستقيماً حتى يُقبل منه إشادة هذا المسجد، بفوائد أمواله يتصدّق ليست مقبولة:

((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لا يَقْبَلُ إِلا طَيِّبًا وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ فَقَالَ [ يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ]وَقَالَ [ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ]))

[أخرجه مسلم والترمذي عن أبي هريرة ]

من أكل أموال الناس بالباطل حرمت الجنة عليه :

 الأغنياء يُحشرون أربع فِرقٍ: منهم من كَسِبَ مالاً حلالاً وأنفقه في حرام يُقال خذوه إلى النار، ومنهم من كَسِبَ مالاً حراماً وأنفقه في حلال يُقال خذوه إلى النار، وقوله تعالى:

﴿ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾

[سورة البقرة]

 من أكل أموال الناس بالباطل حرمت عليه الجنة
أي هذه الآية وحدها قد نمضي في شرحِها أسابيع، من غشَّ في البضاعة فكأنما أكلَ أموال الناس بالباطل، أنت بِعته مادةً من نوع كذا، فلما تسلّمها وجدها من نوع آخر، النوع الذي بعته إيّاه رخيص أي أنكَ بِعته بلوراً وطنياً على أنه ياباني، الوطني سعر متره يقدر بستين ليرة، أمّا الياباني فسعر متره ثلاثمئة ليرة، أنتَ تبيع ألمنيوم في المحلات العالية وضعت وطني على أساس أنه أجنبي، بين الستين وبين الثلاثمئة و الخمسين مسافة كبيرة جداً، هذا اسمه أكل أموال الناس بالباطل.
 لو فرضنا قمت بتصليح قطعة ما بشكل غير متقن وأخذت على أنها متقنة.. فهذا أكل أموال الناس بالباطل.. هذا الباب واسع جداً، الغش، كتم العيب، بِعته سجادة فيها عيب ولم ينتبه لها، وعلى أساس أنه اشتراها كاملة، ولو عَرَفَ أنَّ فيها عيباً لَما دفعَ هذا الثمن، فأنت أكلت جزءاً من رِبحِكَ بالباطل.
 أنت صانع عِند معلّم قال لك: افتح الساعة الثامنة وأنت تفتح الساعة العاشرة، فأنت أكلت جزءاً من أجرتك بالباطل، تمَّ تكليفكَ بعمل معيّن فلم تتقنه، وضعت للبلور مسماراً واحداً، وبضربة واحدة انكسر البلور، ثمنه ثمانون ليرة.. أنت أكلت مال الناس بالباطل.. قال عليه الصلاة والسلام:

(( من تزوج امرأة على صداق وهو ينوي ألا يؤديه إليها فهو زان، ومن أدان دينا وهو ينوي ألا يؤديه إلى صاحبه - أحسبه قال - فهو سارق))

[ مسند البزار عن أبي هريرة]

الدين المعاملة :

 في هذا الدرس يتضّح لكم وهذا الذي أتمنى أن يكون واضحاً لكم أنَّ الدين ليس صلاةً وصياماً وحجاً وعُمرةً فحسبُ، ولكن الدين المعاملة، جوهر الدين هذا الانضباط في كسبِ المال، الانضباط في إنفاق المال، الانضباط في علاقتِكَ بالنساء، هذا هو الدين.. إذا كان كذلك صحّت الصلاة، وصحَّ الصوم، وصحَّ الحجُ، وصحّت العمرةُ، وصحّت الزكاةُ، هذه كُلُها تُقبلُ إذا كان في الأخلاقِ استقامة، وفي العملِ طيب، وقوله تعالى:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا ﴾

[سورة النساء]

 طبعاً العلماء قالوا: " إنَّ الغني يجب أن يتعفف عن أخذ الأجرة على إدارة أموال اليتامى ".. الغني:

﴿ وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آَنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾

[سورة النساء]

 والأخذ بالمعروف يعني أن تأخذ أجر المثل أو حاجتكَ أيهما أقل، أجرَ المثلِ أخذت له مئة ألف قُمت بتشغيلهم في صفقة، وأنت تحتاج في الشهر خمسة آلاف، قمت بتشغيلهم شهرين فربحوا خمسين ألفاً، خمسة وعشرون لك وخمسة وعشرون لهم ؟؟ " أنت تحتاج إلى عشرة آلاف فقط، فيجب أن تأخذ العشرة آلاف، هذه حاجتُكَ لأنها أقل، تحتاج إلى عشرة آلاف في الشهرين وربحت الصفقة عشرة آلاف تأخذ لك خمسة وله خمسة، تأخذ الخمسة هذا أجرُ المثل أيهما أقل، هذا هو الأكل بالمعروف، " وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ ".

 

ليس هناك معصية في كتاب الله ورد فيها التحذير إلا معصية الربا :

 وقال تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (278) ﴾

[سورة البقرة]

 إن كنتم مؤمنين تذرون أكلَ الرِبا، " وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا " كلُّ الرِبا بكامله:

﴿ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ ﴾

[سورة البقرة]

 ليس هناك معصية في كتاب الله ورد فيها هذا التحذير إلاَ هذه المعصية، لأنكَ إذا أكلت الرِبا أو أطعمته فإن مجتمعاً بكاملِهِ يُصاب بالعطب والعَطَلْ، ماذا يحدث؟ يُصبح المالُ دولةً بينَ الأغنياء، إنسان يملك مليوناً ومليون لا يملكون واحداً.. هذا الذي يحدث.. والمال إذا كان دولةً بين الأغنياء يقع المجتمع في شرٍ كبير، لأنَّ هذا الغني يقدر على كُلِّ شيء بمالِهِ، والغالبية العُظمى لا تقدرُ على شيء واحدٍ بفقرِها، تنشأ الأحقاد، تنشأ الجرائم، حتى أنَّ هناك بعض البحوث الاجتماعية أنَّ الفقر الشديد حيثما وُجِدْ ارتفعت الجريمة، الأوربيون اخترعوا أجهزة تُغنيهم عن الموظفين، مثلاً معمل نسيج وضعوا على كل نول كاميرا تلفزيونية، وكانوا يحتاجون سابقاً عاملاً لكل نول، الآن لكل مئتي نول خمسة عمال يُراقبون الشاشات، معامل النسيج استغنت عن العمال، ومحلات البيع الكبرى هناك أربع كاميرات تُراقب الزبائن، والحساب على المخرج في الأسفل.. ما الذي حدث؟.. ظهرت بطالة واسعة، واستخدم هؤلاء العاطلون عن العمل أساليب العنف لكسب المال، فانخفضت نفقات الموظفين، وارتفعت نفقات الأمن عندهم.. لم نستفيد أي شيء.. تخطيط خاطئ، لأنَّ المال بهذه الطريقة يُصبح دُولةً بين الأغنياء، لذلك ربنا عزّ وجل قال في موضوع الرِبا:

﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ* فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ* ﴾

[سورة البقرة]

﴿ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾

[سورة البقرة]

طلب العلم بالحلال والحرام فريضةٌ على كل مسلم :

 وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:

((طلب العلم فريضة على كل مسلم ))

[ ابن ماجه عن أنس بن مالك]

((طلب الحلال فريضة على كل مسلم ))

[ الطبراني عن ابن مسعود]

 معرفة الحلال والحرام في الدين فريضة على كل مسلم
أن تعرف الحلال والحرام، حتى إنَّ بعض العلماء وفّق بين الحديثين قال: " طلب العلم بالحلال والحرام فريضةٌ على كل مسلم "، وأنكَ إذا عرفت الحلال والحرام طابَ مطعمُك، وإذا طاب مطعمُك استُجيبت دعوتك.

(( قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لا يَقْبَلُ إِلا طَيِّبًا وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ فَقَالَ [ يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ]وَقَالَ [ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ]ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ يَا رَبِّ يَا رَبِّ وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ ))

[أخرجه مسلم والترمذي عن أبي هريرة ]

((طلب العلم فريضة على كل مسلم ))

[ ابن ماجه عن أنس بن مالك]

((طلب الحلال فريضة على كل مسلم ))

[ الطبراني عن ابن مسعود]

 والتوفيق بينهما: طلب العلم بالحلال والحرام فريضةٌ على كُل مسلم، يا أيها التجار! يا أيها العمال! يا أصحاب الحِرف! تفقّهوا قبل أن تدخلوا السوق، يقول لكَ: وجدنا له عقدة، دخل في شُبهة الرِبا، نقدي سعر وبالتقسيط سعر آخر، إنسان اشترى ربع بيت وأجرّه لآخر، والشرط أن يرد المبلغ بعد خمس سنوات ذاته، أصبح مثل الرِبا كأنّه أجّرَ مبلغاً بفائدة قدرُها كذا شهرياً، لكن هذا الشراء حُر بعد كذا سنة يتم عقد بيعٍ جديد بسعر جديد، قد يكون أعلى وقد يكون أدنى.

 

من يسعى لِرزقِ عيالِهِ من وجهٍ حلال فهو كالمجاهد في سبيل الله :

 هناك حديث آخر:

((من سعى على عيالِهِ من حِلِهِ فهو كالمجاهد في سبيل الله ))

[ الطبراني عن أبي هريرة]

 إنسان يسعى لِرزقِ عيالِهِ من وجهٍ حلال فهو كالمجاهد في سبيل الله، سيدنا ابن مسعود أمسكَ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم مرةً فرأى النبي الكريم يده خشنة، أو رأى بها جرحاً من عمله، فقال عليه الصلاة والسلام: "إن هذه اليد لا تمسُها النار".
 فتاة لمست يد أبيها فرأتها خشنة فقالت:

هذه كــف أبي خشنهـا  ضرب مسحاة ونقل بالزبيـل
***

 فقال لها أبوها:

ويحكِ لا تستنكري كدَّ يدي  ليس من يسعى لِعرضٍ بذليل
إنما الذِلّةُ أن يمشـي الفتى  ساحبَ الذيل إلى وجه البخيل
***

 هذا هو الذُل..، ما الذُل ؟ أن يقف الكريم بباب اللئيم ثمَّ يردّه، هذا هو الذُل، أمّا أن تعملَ عملاً شاقاً فهذا هو العِزّ.

(( لأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ أَحْبُلَهُ فَيَأْتِيَ الْجَبَلَ فَيَجِيء بِحُزْمَةِ حَطَبٍ عَلَى ظَهْرِهِ فَيَبِيعَهَا فَيَسْتَغْنِيَ بِثَمَنِهَا خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ أَعْطَوْهُ أَوْ مَنَعُوهُ ))

[ أحمد عن عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهٍِ]

((من سعى على عيالِهِ من حِلِهِ فهو كالمجاهد في سبيل الله ))

[ الطبراني عن أبي هريرة]

(( من طلب الدنيا في عفافٍ كانَ في درجة الشهداء ))

[ الطبراني عن أبي هريرة]

(( من أكل الحلال أربعين يوماً نوّرَ الله قلبه وأجرى ينابيع الحِكمة من قلبه على لِسانِهِ ))

[أخرجه أبو نعيم في الحلية من حديث أبي أيوب ]

((من أخلص لله أربعين يوما ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه))

[أبو نعيم في الحلية عن أبي أيوب]

من كان طائعاً لله مخلصاً في طلب الحلال فتحت أمامه سبل المعيشة :

 الناس الآن بعيدون عن الحلال، لو أكلوا الحلال لَعَرَفوا كيف أنَّ الله سبحانه وتعالى يتجلّى عليهم، نومهم هنيء، يقظتهم هنيئة، حياتهم مباركة، هناك بركةٌ في مصروفِهم، في إنفاقِهم، يُبارك الله لهم في أهلِهم، في أولادِهم، في زوجاتِهم، في بيوتهم، في أولادهم، في زوجاتهم، في طعامِهم، في شرابِهم، في نومِهم، في يقظتِهم، في حِلِّهم، في ترحالِهم... لأنَّ تسعة أعشار المعصية من كسب الرِزق- تسعة أعشار المعصية- لو جمعنا المعاصي كلها تسعةُ أعشارِها في كسب الرِزق، وقال عليه الصلاة والسلام:

(( أطب مطعمكَ تُستجب دعوتك))

[ الطبراني عن سعد بن أبي وقاص]

 و قال أيضاً :

(( أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لا يَقْبَلُ إِلا طَيِّبًا، وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ.... ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ يَا رَبِّ يَا رَبِّ وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ؟ ))

[مسلم عن أبي هريرة]

 مهما ضاقت سُبُل المعيشة في الدنيا هي مُفتّحةٌ على مصارِعِها لمن كان طائعاً لله عزّ وجل، مخلصاً في طلب الحلال.
 إنَّ لله ملكاً يُنادي كلَّ ليلةٍ: من أكلَ حراماً لم يُقبل منه صرفٌ ولا عدلٌ، الصرف: النافلة، والعدل: الفرض، لا فرض ولا نافلة يُقبل منه لو أكل حراماً، أي إذا إنسان قال في تشديد: إنَّ هذا الكلام ليس كلامي، كلام النبي عليه الصلاة والسلام:

﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى* إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى* ﴾

[سورة النجم]

الحرام طريق الإنسان إلى النار :

 و قال عليه الصلاة والسلام:

((مَنِ اشْتَرَى ثَوْبًا بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ وَفِيهِ دِرْهَمٌ حَرَامٌ لَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ لَهُ صَلَاةً مَادَامَ عَلَيْهِ ))

[ أحمد عن ابن عمر]

 مادامَ هذا الثوب يرتديه لا يقبل الله صلاته، وقال عليه الصلاة والسلام:

(( من لم يُبال من أين اكتسب المال لم يُبال الله من أينَ أدخله النار ))

[أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس من حديث ابن عمر]

 الحرام أسرع طريق إلى النار
يقول لك: " حط بالخرج " لا يسأل، لم يعبأ، لم يكترث، لم يُبال، هناك مرض اسمه عدم المبالاة، لا يسأل، إنسان قال: أنا أجلس مع الصالحين أُصبح صالحاً، ومع الأراذل أصبح مثلهم، يشربون فأشرب... يفتخر بهذا الاتجاه، أينَ عقلُك؟ أينّ تمييزُك؟ هناك بالَ بمعنى اكترث مضارِعهُ يُبالي، وهناك بالَ مضارِعُهَ يَبُولُ، هناك شاعر قال: لا يُبالي وإذا بالَ " من بالَ يبولُ لا من بالَ يُبالي "، هذا الذي لا يُبالي من أين يكتفي برزقهُ لا يُبالي الله من أيُّ بابٍ يُدخله النار، وقال عليه الصلاة والسلام:

((العبادةُ عشرةُ أجزاءٍ تسعةٌ منها في طلبِ الحلال))

[ أبو منصور الديلمي من حديث أنس]

 تسعةُ أجزاء من عشرة أجزاء في طلب الحلال، وقال عليه الصلاة والسلام:

(( من أمسى كالاًّ في طلب الحلال باتَ مغفوراً له وأصبحَ الله عنه راضٍ))

[الطبراني عن ابن عباس]

 ازرع أرضاً، افتح محلاً تجارياً، بِع بضاعة حلالاً، طعام، شراب، قماش، حاجات المسلمين قُم بتوفيرها لهم، بِعها وأحضرها واربح، أنت تأخذ وتُعطي، الأنبياءُ وحدهم أعطوا ولم يأخذوا، والأبالسة والشياطين والمنافقون والفُجّار أخذوا ولم يُعطوا، وعامة الناس يأخذون ويُعطون، وقال عليه الصلاة والسلام:

((من أصابَ مالاً من مأثمٍ فوصل به رحماً، أو تصدقَ به، أو أنفقه في سبيل الله، جمع الله ذلك جميعاً ثم قذفه في النار))

[رواه أبو داود في المراسيل من رواية القاسم بن مخيمرة]

الاستقامة و الورع :

 الآن أكثر الناس يأخذون الفوائد ويعطونها للفقراء، متوازن هذه بتلك، قال عليه الصلاة والسلام:

(( خير دينكم الورع ))

[ شعب الإيمان عن قتادة بن مطرف]

 ما الورع ؟ الاستقامة غير الورع، الاستقامة ألا تقع في الحرام، أما الورع فأن تُبقي بينك وبين الحرام هامش أمان، الورع: أن تضع ما لا بأس به حذراً مما بهِ بأس، الورع:

(( ركعتان من ورع خير من ألف ركعة من مخلط ))

[ الجامع الصغير عن أنس ]

(( من لقي الله ورعاً أعطاه الله ثواب الإسلام كله ))

[ ورد في الأثر]

 يُروى أنَّ الله تعالى قال في بعض كتبه: وأما الورعون فأنا أستحيي أن أُحاسبهم، أي إذا عندك موظف ورع لأقصى الحدود ولو أخطأ تخجل من أن تُحاسبه، لأن له أعمالاً طيبة كثيرة تغطي على كُل أغلاطه " وأما الورعون فأنا أستحيي أن أُحاسبهم " هكذا جاء في بعض الكُتب، وقال عليه الصلاة والسلام:

((درهم ربا أشد عند الله من ثلاثين زنيةً في الإسلام ))

[أحمد والدار قطني من حديث عبد الله بن حنظلة]

النُصح والاستقامة والصدق في القول والعمل أساس الإيمان :

 وقال عليه الصلاة والسلام:

(( إِنَّ اللَّهَ قَسَمَ بَيْنَكُمْ أَخْلاقَكُمْ كَمَا قَسَمَ بَيْنَكُمْ أَرْزَاقَكُمْ وَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُعْطِي الدُّنْيَا مَنْ يُحِبُّ وَمَنْ لا يُحِبُّ وَلا يُعْطِي الدِّينَ إِلا لِمَنْ أَحَبَّ فَمَنْ أَعْطَاهُ اللَّهُ الدِّينَ فَقَدْ أَحَبَّهُ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا يُسْلِمُ عَبْدٌ حَتَّى يَسْلَمَ قَلْبُهُ وَلِسَانُهُ وَلا يُؤْمِنُ حَتَّى يَأْمَنَ جَارُهُ بَوَائِقَهُ قَالُوا وَمَا بَوَائِقُهُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ قَالَ غَشْمُهُ وَظُلْمُهُ وَلا يَكْسِبُ عَبْدٌ مَالا مِنْ حَرَامٍ فَيُنْفِقَ مِنْهُ فَيُبَارَكَ لَهُ فِيهِ وَلا يَتَصَدَّقُ بِهِ فَيُقْبَلَ مِنْهُ وَلا يَتْرُكُ خَلْفَ ظَهْرِهِ إِلا كَانَ زَادَهُ إِلَى النَّارِ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لا يَمْحُو السَّيِّئَ بِالسَّيِّئِ وَلَكِنْ يَمْحُو السَّيِّئَ بِالْحَسَنِ إِنَّ الْخَبِيثَ لا يَمْحُو الْخَبِيث ))

[ احمد عن عبد الله بن مسعود]

 إمساكه غير مقبول وتركه زاد إلى النار، لذلك معظم الناس يظن أنه ذكي وشاطر وتاجر وعريق بالتجارة إذا كسب مالاً حراماً في عمله، يقول لك: ألبسته إياها، باع بيعة فيها عيب لم يُره إياه، قال لي إنسان: أتتني بيعة، عندي ستوكات قماش- زبالة- فاشتراها مني إنسان و طلب مني أن أشحنها له، و عندما اكتشف العيب فيها أراد أن يعود ويتشاجر، فقلت له: لا يوجد عندي غير هذه البضاعة هذا الحاضر، بعد أن أخذ ثمنها نقداً، والتاجر وضع ثقته فيه، يقول: إنها زبالة، وقطع موصولة، وألوان مختلفة، وستوكات ألوان، وضعهم في الطرد وأرسلهم... أحياناً الإنسان يغش فيظن أنه قد ربح، هذا ربح عاجل، أما الذكي فيبحث عن ربح للمدى البعيد، هذا ربح قريب ينتهي إلى الدمار، لكن النُصحَ والاستقامة والصدق في القول، والعمل، وعدم الغش، وعدم كتم العيب.
 قال لي شخص يبيع قطع تبديل جاءه شخص وطلب منه قطعة معينة، قال له: موجودة، فسأله على أنها أصلية؟ فسكت البائع ودار في ذهنه أنه إذا قلت له إنها غير أصلية فيعدل عن شرائها.. أصبح معه صراع سريع.. فقال له: لا هذه تقليد، فأجابه المشتري أحضرها لي.
 إنسان آخر يبيع قماشاً، دخل عليه زبون، وشاهد بضاعة أعجبته، وأخذ عدة أثواب من القماش مجموع ثمنهم 35000 ليرة، المبلغ نقدي، والبضاعة كانت كاسدة، فسأله الزبون: هل هذا القماش بحاجة إلى كي؟ فأجابه البائع: نعم، فرفض الزبون شراء الأثواب وقال له: ضعها، لو قال له البائع: لا، كانت كل البيعة حراماً، لو أنه أجابه بسؤال: كيف الطقس عندكم؟ مباشرةً قَلَبَ الموضوع، البيعة كلها حرام، نعم هذه البضاعة فيها هذا العيب قال له: لا أريدها، وتربح، وتفتح منزلاً، وتتزوج بالصدق، والخطأ الكبير أنَّ الناس يظنون إذا لم يكذبوا يموتون جوعاً، هذا أكبر غلط، تأكل رزقاً طيباًَ، كثيراً، مباركاً وأنت صادق وليكن ما يكن.

 

من يحب الله و رسوله يحب عباده أيضاً :

 هناك تاجر أول صفقة اشتراها من القماش وعلى ما يبدو أنه غير خبير في الأسعار عرضها بسعر تسع ليرات ورأسمالِها ثماني ليرات و نصف ولم تُبع معه، ثم عرضها برأسمالها ولم تُبع، وصل إلى الخمس ليرات ولم تُبع، فجاءه زبون غير خبير بالأسعار مثله وطلب أن يرى البضاعة فأعجبته، فسأل عن سعرها فقال: بتسع ليرات، فقال الزبون: اشتريت، فقال البائع: لكن نقدي فوافق المشتري، بعدها أخذ يفكر البائع أنَّ هذا المشتري تاجر حديث عهد سوف يأخذ البضاعة ويضع فيها رأسمالِهِ فسوف تكسد البضاعة ومن ثمَّ سوف يُفلّس، فقال للمشتري: لا أبيعُكَ إياها ولا بخمس، والله عزّ وجل أخذ بيده والآن معه ملايين.. انظر للصدق.. حيث أنه عرض بيعها بخمس ليرات ولم تُبع معه، وجاء بيعها بتسع، ونقدي ولم يرضَ أن يبيعها، لأنهُ في زمانِهِ أول ما عمِلَ في التجارة أخذ سيارة وذهب إلى البادية، وقالت بعض الأخبار: إنه يستطيع أن يغش البدو في البيع والشراء، ذهب إلى البادية أخذ سيارة وقبان لشراء الصوف، وجد صوفاً عند شخص يعرف والده، فأعجبه وأراد أن يزن الصوف، ووضعوا الجزّة في القبان، وطلب من صاحب الصوف أن يكتب، وقال: اكتب 32 و800 غرام، هذا البدوي لم يسمع بالغرامات طيلة حياته.. وأصبح مسروراً، عند انتهاء الصفقة عند المشتري في الحدس العام أنه أنا خصمت حوالي عشرة آلاف، فإذا هم سبعة آلاف، والبدوي شعر بأن هناك بُعداً في الميزان فقال له: " إن شاء الله تجدها في صحتك، والذي وقعت معه هذه القصة سمعتُها من فمِهِ، قال لي: شعرت بحرج، أنا غلطان - خاف على سمعته - أيعود بعد يوم؟ لم يجد الوضع مناسباً، قال لي: وسارت الأمور وأخذ معه صفائح من السمن وركب في السيارة باتجاه الشام، قال لي: حوالي ساعة سير في البادية وأنا في صراع نفسي أأعود وأُعطيه الفرق؟ ماذا سأقول له؟ لعبت عليك في الميزان، قال: وصلت لمكان وقلت: " ما الذي حدث؟ لم يحدث شيئاً "، قال: والله لم أُكمل - وهو خاطر داخلي- وجدت نفسي وسط بحر من الدماء، حيث انقلبت السيارة، وتبعثر السمن، وجرح، مادام في صِراع الله يُعطيه مهلة، لكن عندما اتخذ القرار قال له: قف الآن، فتاب هذا الشخص عن أكل المال الحرام، فعندما جاءه ذلك الزبون ودفع في الصفقة تسع ليرات رفض أن يبيعها وقال له: هذه بخمس ولم تُبع معي، هذه ستعرضك للإفلاس، اذهب.
 كنت عند شخص في الحريقة فجاءه شخص فتح محله من جديد يريد كنزات، وهو عنده كنزات لآخر الموسم، وهذا الشخص حديث عهد بالسوق فقال له البائع: لا تأخذ شيئاً الآن أبداً، وعنده بضاعة يُريد أن يبيعها هذا الشخص، ولكن بما أنه فتح محلاً جديداً وآخر الموسم، وانتهى الموسم، وموديلات جميعها قديمة، قال له: لا تأخذ شيئاً، وعلى أول الموسم الصيفي تأتي لعندي، لكم سُررت- والله شيء جميل-، أي الإيمان النصيحة، لم يقم بتوريطه، ولو أنَّ شخصاً ليس فيه دين يبيعه بيعة كبيرة، البضاعة انتهى موسمها، وانتهت، وهذا فتح الآن محله ويضع كنزات شتوية بموديلات قديمة لا تعمل معه... والله لكم سررت منه... هذا الإيمان.
ما سبقكم أبو بكرٍ بكثرة صلاةٍ ولا صيام ولكن بشيء وقرَ في صدرِهِ ألا هو حُب الله ورسوله.
 الذي يُحب الله ورسوله يُحب عباده أيضاً.

أقوال تُبيّنُ عِظَمَ أكلِ المال الحرام :

 ورد في بعض الآثار أن الصديّق رضي الله عنه شرب لبناً من كسبِ عبدٍ ثمَّ سألَ عبده من أين جئت بهذا المال؟ قال العبد: تكهنّت بقومٍ فأعطوني... والله أعلم بهذه القصة لكن لها مغزى... فأدخل إصبعه في فيهِ وجعلَ يقيئ حتى ظننتُ أنَّ نفسهُ ستخرج، ثم قال: "اللهم إني أعتذر إليك مما حملت العروق وخالط الأمعاء"، أي أنه رضي الله عنه لم يتحمل أن يأكل مالاً حراماً، والنبي الكريم أُخبِرَ بذلك فقال: أو ما علمتم أنَّ الصديّقَ لا يدخل جوفه إلا طيباً؟
وكذلك شرب سيدنا عمر رضي الله عنه من لبن إبل الصدقة غلطاً فأدخل إصبعه وتقيأ، وقالت عائشة رضي الله عنها: "إنكم لتغفلون عن أفضل العبادة وهو الورع".
 _ وقال عبد الله بن عمر رضي الله عنه: "لو صليتم حتى تكونوا كالحنايا، وصُمتم حتى تكونوا كالأوتار من شدة النحول، لم يقبل الله منكم ذلك إلا بورعٍ حاجز" أي ورعٌ يحجزكم عن المعاصي.
 - وقال إبراهيم بن الأدهم رحمه الله: "ما أدرك من أدرك إلا من كان يعقل ما يدخُلُ جوفه".
 - وقال الفُضيل: "من عَرَفَ ما يدخل جوفه كتبه الله صديّقاً فانظر عند من تُفطر يا مسكين".
 - وقال سفيان الثوري رضي الله عنه: "من أنفقَ من الحرامِ في طاعة الله كان كمن طهّرَ الثوب النجس بالبولِ".
 - وقال يحيى بن معاذ: "الطاعةُ خِزانة من خزائن الله إلا أنَّ مفتاحَها الدعاء وأسنانُ هذا المفتاح لُقمُ الحلال".
 - وقال ابن عباس رضي الله عنهما: "لا يقبل الله صلاةَ امرئ في جوفهِ حرام".
 - وقال سهلُ: "لا يبلغُ العبدُ حقيقة الإيمان حتى يكونَ فيهِ أربعُ خِصال: أداءُ الفرائضِ بالسُنة، وأكلُ الحلالِ بالورع، واجتناب النهي من الظاهر والباطن، والصبرُ على ذلك إلى الموت"، وقال أيضاً: "من أحبَّ أن يُكاشَفَ بآيات الصديّقين فلا يأكُلُ إلا حلالاً ولا يعملُ إلا في سنةٍ أو ضرورة".
 كُلُ هذه الآيات وهذه الأحاديث تُبيّنُ لكم عِظَمَ أكلِ المال الحرام، وكيفَ أنه يحجُبُ عن اللهِ سبحانه وتعالى.
 - ويُقال: من أكل الشبهة أربعين يوماً أظلم قلبه.
 أنت تقوم بمحاسبة شخص قلت له: أنا أعطيتُك دفعة، أجابك: أنا لم آخذها منك، صار هناك شك، قال لك تذمم؟ فأجبت بنعم، أنت متأكد بالمئة خمسون.. تكون قد أكلت مالاً حراماً.. ما دمت متأكداً فادفع نصف الذمة، إذا كنت متأكداً بالمئة مئة ليس هناك مانع تذمم، كلمة تذمم كلمة كبيرة جداً وفي الآخرة ليس لها حل، الآن تُحل وتُحل بالمال، قال: وهو تأويل قوله تعالى:

﴿ كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾

[ سورة المطففين ]

 أي أنَّ كسبهم الحرام حجبهم عن الله سبحانه وتعالى.
 - قال ابن المبارك: "ردُّ درهم من شبهةٍ أحب إليّ من أن أتصدق بمئة ألف درهم".

 

الدينُ يُصلح النفس و يهذبها :

 الآن ناحية مهمة جداً: "من أكل الحرام عصت جوارحُهُ شاءَ أم أبى، عَلِمَ أو لم يعلم"، أي إذا أكل الحرام تجده ينظر للنساء ويكذب.. لا يقدر لأنه أكل مالاً حراماً، ومن كانت طُعمته حلالاً أطاعته جوارحُهُ ووفِقَ للخيراتِ، وقال بعض السلف: "إن أول لقمةٍ يأكُلُها العبدُ من حلالٍ يغفر له ما سلفَ من ذنوبِهِ".
 من كانت طعمته حلالا أطاعته جوارحه ووفق للخيرات
قال لي أخ قصة: عنده معمل ينقص المال فيه، أي أنه يضع الخمسمئة فلا يجدها، فبذل جهداً كبيراً في المراقبة فلم يتوصل لنتيجة، أحضر عاملاً وكلّفه بمراقبة العمال دون أن يشعروا، هناك نقص في البضاعة والأموال، ومن ثم تلاشت هذه الظاهرة، وبعد مُضي عدة سنوات طرقَ بابه طارقٌ يستأذنه بالدخول، قال: من أنت ؟ قال: أنا كنتُ عاملاً عندك قبل سنوات، وكنتُ آخذ من مالِكَ من دون أن تشعر، وقد تُبتُ إلى الله عزّ وجل، وجئتُكَ لأدفع لكَ كل ما تُريد، فكان هذا الرجل كريم الأخلاق فأجابه: وأنا نظيرَ توبتِكَ وندمِكَ واستقامتك وهبتُ لكَ هذا الذي أخذته مني عن طيبِ خاطر، وإن شئت أن تعود إلى عملِك فمكانُكَ محجوز
 لا يوجد شيء في الحياة أثمن من الأمانة أبداً، والنبي الكريم قال:

(( الأمانة غنى ))

[الجامع الصغير عن أنس]

 ولا يوجد شيء يُصلح النفس كالدين، الدينُ وحده يُصلح النفس، بالدين تستقيم، وعلى قدر عدم وجود دين في الشخص قد يكون ذكياً يُعطيك كشف حساب منظم، حتى وإن كان غير منظم يقوم بتنظيمه، ليس بالصعب عليه، فإن لم يكن هناك دين تُصبح نهب الأموال بالباطل.

 

شرف المؤمن أمانته و ورعه :

 فنصيحة: لا تُصاحب إلا مؤمناً، ولا تُعامل إلا المؤمن، ولا تُشارك إلا المؤمن، ولا تستخدم إلا المؤمن، ولا تُوظّف إلا المؤمن... قد يحدث خطأ ولكن يكون غير مقصود، أما أن يقوم بخيانتك فلا يقوم بذلك:

(( يُطْبَعُ الْمُؤْمِنُ عَلَى الْخِلَالِ كُلِّهَا إِلَّا الْخِيَانَةَ وَالْكَذِبَ ))

[ أحمد عن أبي أمامة ]

 لأنه من المستحيل وهما يتناقضان مع الإيمان، وأقول لكم هذه الكلمة: إن كان في الأرض كلها إنسان واحد أمين وبقي محتاجاً فأنا المسؤول.. لا يُمكن.. الأمانة غِنىً، الأمين الله يُغنيه من فضله، والله يُغنيه بأسباب، مادام أميناً فهو موثوق، وما دام موثوقاً تتهافت عليه الناس، أي أنهم يثقون به لأمانتهِ، وعدالتهِ، واستقامته، وورعهِ، ويُسلمونه أموالهم.
 عندنا شخص والله أنا أفخر به، تعامل مع شخص ليس مسلماً، فوجد الشخص الغير المسلم منه أمانة، فأحب أن يُشاركه، فعرض عليه المحل والأدوات، وكما يُريد يُعطيه حتى المليون، أي نصراني أراد أن يُشارك مسلماً لأمانته، هذا شرف المؤمن، شرفه بأمانته، شرفه بورعهِ.... وإلا لا فرقَ بينه وبين أي إنسان آخر.
 قال: "إن أول لقمةٍ يأكلها العبد من حلال يغفر الله له ما سَلَفَ من ذنوبِهِ، ومن أقام نفسه مقام ذلٍ في طلب الحلال تساقطت عنه ذنوبه كتساقط ورق الشجر".

 

صفات الواعظ :

 وروى السلفُ أنَّ الواعِظَ إذا جلسَ للناس قال العلماء: "تفقدوا منه ثلاثاً، فإن كان معتقداً ببدعةٍ فلا تُجالِسوه فإنه عن لِسان الشيطان ينطق، وإن كان سيئ الطُعمةِ فعن الهوى ينطق، وإن لم يكن مكين العقلِ فإنه يُفسد بكلامِهِ أكثر مما يُصلح".
 إذاً: ثلاثة أشياء: إن كان يعتقد اعتقادات فاسدة، يعتقد بعض البِدع، فهو ينطق على لِسان الشيطان ليُضلَّ الناس، وإن كان في مطعمه حرام فهو ينطق عن الهوى، يبيح الرِبا بنسب قليلة، ويُبيح المنكرات، ويُبيح بعض أجهزة اللهو، ويبيح الاختلاط، فيقول لك: لضرورات العصر، لطلب العلم، لأشياء كثيرة... تجده يوسّعها على الناس بشكل كبير، ولم يعد شيئاً من الدين إطلاقاً، إذا كان قد نطقَ عن بدعة فهو ينطق بلسان الشيطان، وإن نطقَ عن هوى، عن شهوة أو نزوة ينطق بلسان الهوى، وإذا كان عقله غير مكين فهو يُفسد ولا يصلح.
 من الأخبار أنَّ الدنيا حلالُها حِساب، وحرامُها عذاب، وشُبهتُها عِتاب، وقد قال بعض الصالحين: " نحنُ لا نأكل إلا حلالاً فبذلك تستقيم قلوبنا، ويدوم حالُنا، ونُكاشف الملكوت، ونشاهد الآخرة، ولو أكلنا مما تأكلون ثلاثة أيام لَمَا رجعنا إلى شيء من علم اليقين، ولَذَهَبَ الخوف من قلوبِنا، والمشاهدةُ من قلوبِنا ".

 

الدين انضباط في الحلال والحرام واستقامة ومحبة :

 وقد كان بين أحمد بن حنبل ويحيى بن نعيم صحبةٌ طويلة فهَجَرَهُ أحمد لمّا سمعهُ يقول: إني لا أسألُ أحداً شيئاً ولو أعطاني الشيطانُ شيئاً لأكلته، فاعتذر يحيى وقال: كنتُ أمزح، فقال تمزحُ بالدين " من أخطر الأشياء المزحُ بالدين ":

 

﴿ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآَيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾

[سورة التوبة ]

 أما علمتَ أنَّ الأكل من الدين؟ وقد قدّمه الله تعالى عن العمل الصالح:

﴿ كُلُوا مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا ﴾

[سورة المؤمنون: الآية51 ]

 الدين انضباط
بِشرُ الحافي رحمه الله كان من الورعين، مرةً طرقوا بابه، وكان غارقاً في الملذات والشُرب والمعاصي، فطرق بابه طارق، وقال لعبدهِ: قُل لسيّدِكَ إن كانَ حُراً فليفعل ما يشاء، وإن كان عبداً فما هكذا تصنعُ العبيد. يُقال أنَّ هذه الكلمة تركت في نفسِهِ أثراً بليغاً، فتَبِعَ الرجلَ حافياً، وصار اسمه بِشرُ الحافي، وأصبح رجلاً صالحاً وعارفاً، سُئِلَ مرةً قيلَ له: من أينَ تأكل يا بِشرُ؟ فقالَ: من حيث تأكلون، ولكن ليس من يأكل وهو يبكي كمن يأكل وهو يضحك، وقال: يدٌ أقصر من يد، ولقمةٌ أصغر من لُقمة، وهكذا كان السلف الصالح يحترزون عن الشُبُهات.

(( الْحَلالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ لا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ فَمَنِ اتَّقَى الْمُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ أَلا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى أَلا إِنَّ حِمَى اللَّهِ فِي أَرْضِهِ مَحَارِمُهُ أَلا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلا وَهِيَ الْقَلْبُ ))

[ صحيح عن النعمان بن بشير ]

 أي المؤمن الصادق إذا ترك هذا الدرس بنفسه أثراً كبيراً يذهب منذ اليوم، ويضع في دفتر ما عنده من مشكلات مالية، شبهات، بعض الدخول غير مطمئن لها، ويُسجلها ويتصدّق، وإن عَرَفَ صاحِبها يُعطيه المبلغ، وإن لم يعرفه يتصدّق، حتى يُحرر ذمته، لكي يكون مطمئناً، هذا هو الدين، الدين انضباط في الحلال والحرام، الدين استقامة، الدين محبة، الدين ثبوت، وليس الدين في الصلاة والصيام فقط ولكن الصلاة والصيام لا تُقبلان إلا على أساسٍ من استقامة ونظافةٍ تامتين.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018