الحلال والحرام - الدرس : 17 - الإعتداد في الأنساب والألوان - البكاء والحداد على الميت - البيوع. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الحلال والحرام - الدرس : 17 - الإعتداد في الأنساب والألوان - البكاء والحداد على الميت - البيوع.


1995-07-16

 الحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون الذكر فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

الاعتداد بالأنساب والألوان من الجاهلية :

 أيها الأخوة المؤمنون: مع الدرس السابع عشر من سلسلة دروس: "الحلال والحرام في الإسلام" من يعتد بنسبه أو لونه ففيه جاهلية
وكان الموضوع في الدرس الماضي حول الحلال والحرام في الثقافة، وفي المعتقدات، وفي أساليب الحياة وأنماط السلوك، ووصلنا إلى موضوع أنه لا اعتداد بالأنساب والألوان، ومن يعتد بالنسب أو باللون ففيه جاهلية.
 روى البخاري رحمه الله تعالى أن أبا ذر و بلال الحبشي رضي الله عنهما -وكلاهما من السابقين الأولين - تغاضبا، وفي ساعة غضب قال أبو ذر لبلال: يا بن السوداء. فشكاه بلال إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذر :

(( إنك امرؤٌ فيك جاهلية ))

[ البخاري ومسلم عن الْمَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ]

 لا يجوز أن تعتد أو أن تفتخر أو أن تزهو بنسب ولا بلون، كما أنه لا يجوز أن تعيّر إنساناً لا بنسب ولا بلون، هذا أصل من أصول الدين.
 من يعتد بنسبه أو بلونه ففيه جاهلية، ومن يعير الناس بنسبهم الوضيع أو بجاهليتهم أو بلونهم ففيه جاهلية، وهذا الحديث الصحيح الذي رواه الإمام البخاري أصل في هذا الموضوع.

 

الاعتداد بغير تقوى الله عز و جل جاهلية :

 أيها الأخوة الكرام: وعن أبي ذر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له:

((انظر فإنك لست بخير من أحمر ولا أسود إلا أن تفضله بتقوى الله))

[ أحمد عن أبي ذر]

 لا تستطيع أن تفتخر لا بلون، ولا بأب، ولا بأسرة، ولا بعرق، ولا بمنبت، ولا بطائفة، إلا بتقوى الله عز وجل، لقوله تعالى:

﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾

[سورة الحجرات: الآية 13]

 فالإنسان من خلال هذا الحديث يعرف ما إذا كان فيه جاهلية أو ليس فيه جاهلية.
 الاعتداد بغير تقوى الله عز و جل جاهلية.
 وقال صلى الله عليه وسلم:

(( كلكم بنو آدم وآدم خلق من تراب ))

[أخرجه البزار عن حذيفة بن اليمان ]

 كل هذه التقسيمات التي ترونها في المجتمعات المتعددة تقسيمات لون، تقسيمات عرق، ساعة يقال لك: تطهير عرقي، وساعة يقال لك: ملون، وساعة يقال لك: دول الشمال و دول الجنوب، وساعة يقال لك: الأغنياء والفقراء، والعرق الآري والسكسوني، و أصحاب المنبت الرفيع، وطبقة النبلاء، وطبقة الجنود، وطبقة الحكام، كل هذه التقسيمات ما أنزل الله بها من سلطان:

(( كلكم بنو آدم وآدم خلق من تراب ))

[أخرجه البزار عن حذيفة بن اليمان ]

لا تقل أصلي وفصلي يا فتى  إنما أصل الفتى ما قد حصل
***

على الإنسان ألا يفتخر إلا بإيمانه و استقامته :

 لذلك حرم الإسلام على المسلم أن يسير مع هوى نفسه في التفاخر في الأنساب و الأحساب، والتعاظم بالآباء والأجداد، وقول بعضهم لبعض: أنا ابن فلان:

أنا ابن جلا وطلاع الثنــايا متى أضع العمامة تعرفونـــي
***
الخيل والليل والبيداء تعرفني  والسيف والرمح والقرطاس والقلم
***

 لقيه عدوه في طريق البصرة فولى هارباً، فقال له غلامه – للمتنبي- ألست القائل:

الخيل والليل والبيداء تعرفني  والسيف والرمح والقرطاس والقلم
أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي  وأسمعت كلماتي من بـه صمــم
***

 لاتفتخر إلا باستقامتك
فقال لغلامه: قتلتني قتلك الله، وعاد فقاتل حتى قتل.
 التفاخر بالآباء، والأجداد، والنسب، واللون، دعوى الجاهلية، لا تفتخر إلا بإيمانك، لا تفتخر إلا باستقامتك، لا تفتخر إلا بعلمك الذي أنعم الله به عليك، وإذا علمْتَ حقيقةً لا تفتخر تقول: هذا من فضل الله علي، النبي صلى الله عليه وسلم سيد الأنبياء والمرسلين ومع ذلك قال:

(( ألم تكونوا ضلالاً فهداكم الله بي؟))

[ رواه الدارمي عن أبي سعيد الخدري]

 كلما تعاظم إيمانك تواضعت لله عز و جل، وأنت في أعلى درجات العبودية تكون متواضعا لله.

 

 

الافتخار والاعتداد والتعيير دعوى جاهلية :

 

 النقطة الدقيقة: إذا كان الناس جميعاً ينتمون إلى نسب واحد، إلى أصل واحد، ولو فرضاً أن للأنساب قيمة فما فضل الإنسان إذا خلقه الله من هذا العرق؟ أو من هذا الجنس؟ أو من هذه القارة؟ أو من هذه المنطقة؟ وما ذنب الذي خلق من منطقة أخرى؟ هذا كلام لا يقبله عقل، ولا تقره شريعة، ولا تألفه نفوس على فطرتها الصحيحة. يقول عليه الصلاة والسلام:

((إن أنسابكم هذه ليست بمسبة على أحد، كلكم بنو آدم طَفَّ الصاع لم يملؤه، ليس لأحد على أحد فضل إلا بدين وتقوى ))

[ ابن كثير عن عقبة بن عامر]

 إن هذه الأنساب لا أحد يستحي بنسبه، أنت عبد لله وعبد الله حر، لا أحد يفخر بنسبه، لا أحد يعير أحداً بنسبه أبداً، فلذلك الافتخار والاعتداد والتعيير دعوى جاهلية، والنبي عليه الصلاة والسلام بصراحة ما بعدها صراحة، وبقوة ما بعدها قوة، ولصاحب له قال:

((أعيرته بأمه؟ إنك امرؤ فيك جاهلية))

[ صحيح عن أبي ذر]

((إن أنسابكم هذه ليست بمسبة على أحد، كلكم بنو آدم طَفَّ الصاع لم يملؤه، ليس لأحد على أحد فضل إلا بدين وتقوى ))

[ ابن كثير عن عقبة بن عامر]

 وفي حديث آخر يقول عليه الصلاة والسلام:

((النَّاسُ لآدَمَ وَحَوَّاءَ، إنَّ اللّهُ لا يسألُكُمْ عَنْ أحْسابِكُمْ وَلا عَنْ أنْسابِكُمْ يَوْمَ القِيامَةِ، إن أكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللّهِ أتْقاكُمْ ))

[ الطبري عن عقبة بن عامر]

 هل لك خيار بنسبك؟ أنت في نسبك مسيّر مئة في المئة.
 هل اخترت أنت أمك وأباك؟ لا.
 هل لك اختيار من مجيئك من هذا الأب؟ أو من هذه الأم؟ أو من هذا العرق؟ أو من هذا الإقليم؟ أو من هذه العشيرة؟ أبداً.
 فالإنسان لا يعير بشيء لم يفعله، ولا يفخر بشيء لم يصنعه.

 

الناس رجلان لا ثالث لهما :

 النبي عليه الصلاة والسلام قال:

(( لينتهين أقوام يفتخرون بآبائهم الذين ماتوا إنما هم فحم جهنم أو ليكونن أهون على الله من الجعل- الجعل الخنفساء - الذي يدهده الخرء بأنفه إن الله قد أذهب عنكم عبية الجاهلية إنما هو مؤمن تقي وفاجر شقي الناس كلهم بنو آدم وآدم خلق من تراب))

[ الترمذي عن أبي هريرة]

 النبي عليه الصلاة والسلام على غير عادته هجم هجمة على هؤلاء الذين يفتخرون بآبائهم، وأحياناً ترى أمة إسلامية بدل أن تفتخر بدينها أو بإسلامها تفتخر بالفراعنة، تفتخر بأقوام جاؤوا قبل آلاف السنين و كفروا بالله، وأهلكهم الله، ومع ذلك نفتخر بهم، غير معقول.
 لذلك النبي عليه الصلاة والسلام قال:

(( لينتهين أقوام يفتخرون بآبائهم الذين ماتوا إنما هم فحم جهنم أو ليكونن أهون على الله من الجعل- الجعل الخنفساء - الذي يدهده الخرء بأنفه إن الله قد أذهب عنكم عبية الجاهلية إنما هو مؤمن تقي وفاجر شقي))

[ الترمذي عن أبي هريرة]

 كل البشر الخمسة آلاف مليون، هذا التقسيم النبوي.
 الناس على اختلاف مللهم، ونحلهم، وأعراقهم، وألوانهم، وأديانهم، ومنابتهم، وثقافاتهم، رجلان: مؤمن تقي وفاجر شقي ولا ثالث لهما.

((...الناس كلهم بنو آدم وآدم خلق من تراب))

[ الترمذي عن أبي هريرة]

 لذلك نحن أبناء الفراعنة، نحن أبناء كذا إلى آخره من هؤلاء الأقوام، الآراميون الكلدانيون كلهم أقوام كفروا بالله عز وجل، وأهلكهم الله عز وجل، افتخر بنبيك الذي عمّ شرعه الأرض، افتخر بعلمك، افتخر بتقواك، افتخر بما تحفظ من كتاب الله، افتخر بالأعمال الصالحة التي أجراها الله على يديك.

 

النياحة على الموتى من الأمراض الاجتماعية المتفشية في المجتمعات الإسلامية :

 في حجة الوداع النبي صلى الله عليه وسلم يلقي خطبة تعد منهجاً للبشرية قال:

(( يا أيها الناس ! إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، لا فضل لعربي على عجمي، ولا عجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر، إلا بالتقوى، إن أكرمكم عند الله أتقاكم ))

[رواه ابن النجار عن أبي سعيد]

 الأنساب والألوان، انتهى الأمر، والآية الكريمة:

﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾

[سورة الحجرات: الآية 13]

 من الأمراض الاجتماعية التي تتفشى في المجتمعات الإسلامية لضعف إيمانها وانحرافها النياحة على الموتى.

 

علامة الإيمان الرضا بقضاء الله و قدره :

 لذلك أنا قبل أسبوع أو أكثر أحد علماء حلب الأجلاء توفي ابنه بحادث سير، ابنه طبيب، وأنهى الاختصاص، وأنهى الخدمة الإلزامية، وخطب وعرسه بعد فترة، وحصل على الشهادة الثانوية، ودخل الشريعة، فتوفاه الله بحادث سير، فذهبنا لتعزية أبيه، فوجئت أن هذا الأب العالم تلقى هذا الخبر بصبر جميل، ما كنت أتوقع أن أجد الرضا والاستسلام لقضاء الله، والبسمة، والترحيب، رحب بنا ودعانا إلى طعام الغداء، وكان استقباله رائعاً جداً، يا رب هذا الذي توفي ابنه في الثلاثين دكتوراه في الطب، وأنهى الاختصاص القلبي، وأنهى الخدمة الإلزامية، وخطب، و حصل على الشهادة الثانوية، ودخل كلية الشريعة، أي جمع مجدي الدنيا والآخرة، ويحفظ كتاب الله بأكمله، وعرسه بعد حين، و توفي بحادث سير، الذي فوجئت به ليس الحادث موقف الأب، الاستسلام لقضاء الله وقدره، الرضا بقضاء الله وقدره، ما كنت أتوقع أن أرى الأب بهذه الحالة أبداً.
 علامة الإيمان الرضا بقضاء الله
أيها الأخوة: علامة الإيمان الرضا بقضاء الله، علامة الكفر والجحود النياحة، جسر البيت هدم، الصراخ بالويل، شد الشعر، تمزيق الثوب، هذه كلها من عمل الجاهلية.
 كانت الصحابيات فقيهات، صحابي جليل له ابن مريض بمرض عضال، فجاء مساء متعباً قال: كيف حال فلان؟ قالت: هو في أهدأ حال، أوهمته أنه في صحة جيدة، أعدت له طعام العشاء، وهيأت نفسها له، واستيقظا وصليا الفجر وقالت له: لو أن الجيران أعارونا عارية ثم استردوها أتغضب؟ قال: لا، عارية مستردة. قالت: هكذا الله سبحانه وتعالى استرد عاريته أي ابنك ميت.
 وروي أنه قصّ على النبي قصته فقال عليه الصلاة والسلام:

((بارك الله لكما في ليلتكما))

[ أحمد عن أنس]

 وتروي كتب التاريخ أن هذا الصحابي أنجب اثني عشر ولداً كلهم من حفاظ كتاب الله.
 هكذا تلقي القضاء والقدر، هذا قرار الله، هذه مشيئته، هذه إرادته، ألا ترضى بقضائه وقدره؟ ألا ترضى بحكمه؟ ما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم.

 

من سُلب منه شيء و صبر عوضه الله أضعافاً مضاعفة من الرحمة و التجلي :

 لذلك الإيمان، سمعت بأنه عقد مؤتمر في أوربة للأمراض النفسية، وحضره عالم نفس من سوريا، كان مندوباً لسوريا في هذا المؤتمر، ذكر لي هذا الأخ -عالم النفس- بأنه قال في محاضرته بالمؤتمر: إننا ببساطة ليس عندنا أمراض نفسية بالحد الوبائي الذي عندكم، ولسبب بسيط جداً هو أننا نؤمن بالله، ونؤمن بقضائه وقدره، وأن القضاء والقدر خيره وشره من عند الله تعالى، هذه النفسية المستسلمة التي تقبل القضاء والقدر شيء رائع جداً، هذه هي الصحة النفسية، وأساساً الآن أحد أكبر أسباب الأمراض كلها الشدة النفسية، الشدة النفسية أساسها أن تسخط على قضاء الله وقدره، أما الإيمان فأن ترضى بقضاء الله وقدره، يا رب لك الحمد أنا راض، لذلك رسول الله علمنا في الطائف وقد ردوا دعوته، وسخروا منه، واستهزؤوا به، وبالغوا في إيذائه، قال:

(( يا رب! إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، ولك العتبى حتى ترضى، لكن عافيتك أوسع لي ))

[ الطبراني عن عبد الله بن جعفر ]

 لا أعرف كيف أعبر لكم عن مؤمن جاءه قضاء مكروه، فقد ماله، أو فقد شيئاً من صحته:

(( يا بنَ آدمَ مَرِضْتُ فلم تَعُدْني، قال : يا رب كَيْفَ أعُودُكَ وأنتَ ربُّ العالمين؟ قال: أمَا علمتَ أنَّ عبدي فلاناً مَرِضَ فلم تَعُدْهُ؟ أما علمتَ أنَّكَ لو عُدْتَهُ لوجَدتني عنده ))

[أخرجه مسلم عن أبي هريرة]

 أنا عندما سلبت من عبدي الصحة عوضت له أضعافاً مضاعفة من التجلي، إذا إنسان زار مريضاً مؤمناً يشعر بسعادة، المريض قريب من الله، عندما فقد شيئاً من صحته جاءته أشياء من رحمة الله، لذلك أنا أنصحكم جميعاً أن تزوروا مرضى المؤمنين، تشاهدون بأم أعينكم كيف أن هذا المؤمن بهذا المرض اقترب من الله.

 

تمني المؤمن أن يعيش طويلاً طمعاً بالعمل الصالح و ليس خوفاً من الموت :

 والموت يعده الناس أكبر المصائب، أما عند المؤمن فهو عرسه، هو عند المؤمن ساعة صلحه مع الله، هو عند المؤمن ساعة فرحه، ساعة نيل الجائزة، لذلك الموت لا يخيف المؤمن، أنا أقول لكم بشكل واقعي: المؤمن يتمنى أن يعيش طويلاً لا خوفاً من الموت ولكن طمعاً بالعمل الصالح، لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

(( خيركم من طال عمره وحسن عمله))

[ الترمذي عن أبي هريرة]

 هكذا يقول النبي، أما الفزع الذي ينهار معه الإنسان فلا، المؤمن أرقى من ذلك.
 والله أيها الأخوة: إن شئتم اقرؤوا، قرأت تاريخ سبعين صحابياً، والله الذي لفت نظري أنهم جميعاً كانوا في أسعد لحظات حياتهم حينما جاءهم الموت، في أسعد لحظات حياتهم، يوم الجائزة.
 لذلك كلمة المؤمن عند تلقي المصائب: إنا لله وإنا إليه راجعون.
 ويوجد كلمة بليغة للنبي عليه الصلاة والسلام قال: "إن لله ما أعطى، وله ما أخذ".
 الذي أعطاه هو له ثم أخذ ما له.

 

لا يحلُّ لامرأة تؤمن بالله أن تحدّ على مَيت فَوق ثلاث لَيال إلا على زوجها :

 ثم يقول عليه الصلاة والسلام:

(( ليس منا من لطم الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية))

[ البخاري عن ابن مسعود]

 لايجوز الحداد على أحد أكثر من ثلاث ليال إلا المرأة على زوجها
الآن يوجد نساء يخرجون بثياب متبذلة إلى الطريق، يتبعون الميت، ويصرخون بويلهم، ويمزقون ثيابهم في الطريق، هذه جاهلية، المؤمن يرضى بقضاء الله، لذلك لا يحل لمسلم أن يلبس من شارات الحداد، أو أن يترك التزين، أو أن يغير الزي، والهيئة المعتادة إظهاراً للجزع والحزن، يلبس أسود، يرخي لحيته، لا.
 يوجد حالة واحدة إلا ما كان من الزوجة على زوجها فإنه يجب عليها أن تحد عليه أربعة أشهر وعشراً وفاء لحق الزوجية، ولهذا الرباط المقدس الذي جمع الله بينهما فيه، وألا تكون معرضاً للزينة وملفتة للأنظار فقط المرأة.
لذلك الشيء الذي لا يصدق أن الصحابة كانوا إذا جاءتهم مصيبة من نوع موت الأقارب كانوا يتزينون إعلاناً عن رضاهم بقضاء الله وقدره.
 توفي متوفى كالأب، والابن، والأخ، فلا يحل للمرأة كائنة من كانت، عدا الزوجة أن تحد عليه أكثر من ثلاث ليال، ترى أحياناً توفي والدها تبقى مرتدية السواد ثلاثة أشهر، تعمي قلب زوجها، لا يجوز، لا يحل للمرأة أن تحد على غير الزوج أكثر من ثلاثة أيام ، أب، ابن، أخ، فقط ثلاثة أيام، أما الزوج فهذا أقدس عقد في الحياة.
 روى البخاري عن زينب بنت أبي سلمة أنها روت عن أم حبيبة زوج النبي صلى الله عليه وسلم حين توفي أبوها أبو سفيان بن حرب، وعن زينب بنت جحش عندما توفي أخوها، أن كل منهما دعت بطيب لمست منه، ثم قالت: والله مالي بالطيب من حاجة غير أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

((لا يَحِلُّ لامرأةٍ تُؤْمِنُ بالله واليوم الآخِرِ أن تَحِدَّ على مَيتٍ فَوقَ ثلاثِ لَيالٍ، إلا الزوج، فإنها تحد عليه أربعة أشهر وعشرا))

[ البخاري عن أم حبيبة]

 طلبت الطيب وتطيبت تنفيذاً لسنة النبي، أما المرأة التي مات زوجها فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يتساهل معها أبداً، فقد روي أن امرأة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم قالت: يا رسول الله إن ابنتي توفي عنه زوجها، وقد اشتكت عينها أتكحلها، الكحل ليس للزينة كدواء وقد تتزين به المرأة. قال عليه الصلاة والسلام: لا مرتين أو ثلاث، كل مرة يقول: لا، وهو يدل على حرمة التزين والتجمل طوال مدة العدة، على الزوج تشدد النبي أشد التشدد أما على غير الزوج:

((لا يَحِلُّ لامرأةٍ تُؤْمِنُ بالله واليوم الآخِرِ أن تَحِدَّ على مَيتٍ فَوقَ ثلاثِ لَيالٍ، إلا الزوج، فإنها تحد عليه أربعة أشهر وعشرا))

[ البخاري عن أم حبيبة]

 الحزن مشروع أما الأعمال التي فيها تجاوز فقد حرمها النبي الكريم :

 أما الآن السؤال: الحزن من دون جزع، البكاء من دون عويل، ومن دون لطم، وتمزيق ثياب، وشد شعر، هذا حزن شرعي ومقبول لا إثم فيه إطلاقاً، فقد دمعت عين النبي عليه الصلاة والسلام حين مات ابنه إبراهيم فقال:

((إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ، وَالْقَلْبَ يَحْزَنُ، وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يَرْضَى رَبُّنَا، وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ ))

[ متفق عليه عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ]

 هذا موقف شريف، هذه السنة، الحزن مشروع لكن اللطم غير مشروع، و النياحة غير مشروعة، وتمزيق الثياب غير مشروع، وشد الشعر غير مشروع، والصراخ بالويل غير مشروع، والخروج خلف الجنازة غير مشروع، طبعاً أقصد للنساء.
 يروى أن عمر سمع بعض النسوة يبكين على خالد بن الوليد، فأراد بعض الرجال منعهم، فقال له: "دعهن يبكين على أبي سليمان ما لم يكن نفع أو لقلقة"، سيدنا عمر قال: دعهن يبكين على أبي سليمان، البكاء مشروع، الحزن مشروع، أما الأعمال التي فيها تجاوز فهذه التي حرمها النبي صلى الله عليه وسلم.

 

معرفة أحكام البيع والشراء من العلم الذي ينبغي أن يُعلم بالضرورة :

 ننتقل في الحلال والحرام إلى موضوع المعاملات، أي الإنسان مضطر شاء أم أبى أن يشتري أكثر حاجاته، لأنه يتقن حاجة ويحتاج إلى ألف حاجة، إذاً البيع والشراء سلوك يومي، لذلك أعتقد أن أحكام البيوع يجب أن يعرفها كل مسلم، ما من مسلم على وجه الأرض إلا يبيع ويشتري، فهذا سلوك يومي، لذلك معرفة أحكام البيع والشراء من العلم الذي ينبغي أن يعلم بالضرورة.

ما يحرم في البيع و الشراء :

1 ـ يحرم بيع الأشياء المحرمة :

 أول شيء محرم في البيع والشراء أنه يحرم بيع الأشياء المحرمة، جهاز لهو، عود، لحم خنزير، خمر، كؤوس الخمر، كل شيء محرم استعماله محرم بيعه، كالتماثيل، هدايا، أشياء، نهى الشرع عنها، معالق من الذهب الخالص ممنوعة هذه لأنها محرمة، فالشيء الذي حرمه الشرع حرم بيعه، وقبض ثمنه، والتعامل معه، لذلك قال عليه الصلاة والسلام:

(( إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ، وَالْخِنْزِيرِ وَالْأَصْنَامِ ))

[ متفق عليه عن جابر بن عبد الله]

 يحرم بيع الأشياء المحرمة
وقال صلى الله عليه وسلم:

((إن الله إذا حرم شيئاً حرم ثمنه))

[ ابن حبان عن ابن عباس]

 يقول لي أخ مثلاً: أنا عملي في الكهرباء هل أستطيع تركيب دش مثلاً، أقول له: لا، لا يجوز، لا يجوز أن تعين على معصية، ولا أن تسهل معصية، ولا أن تسهم في إصلاح معصية، لقوله تعالى:

﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ﴾

[سورة المائدة: الآية 2]

 يوجد مصالح كثيرة جداً قائمة على أشياء محرمة، أسهم في هذه المؤسسة السياحية يدفعون أرباحاً تقدر بثمانية وعشرين بالمئة، ممتازة، هذه فيها بيع خمور، فيها مراقص، وفيها نواد ليلية، وفيها معاص لا يعلمها إلا الله، و إن كان الربح ثمانية وعشرين بالمئة، خذ خمسة بالمئة أرباحاً حلالاً أفضل من ثمانية وعشرين بالمئة أرباحاً حراماً، كل شيء محرم محرم أن تقبض ثمنه، قال لي شريك في مطعم يبيع الخمر وهو واثق من نفسه: أنا ليس لي علاقة أبداً، برقبة شريكي، برقبته إن شاء الله، أنا آخذ قرشي حلالاً من هذا المطعم.
 مطعم يبيع الخمر وهو شريكه بالنصف ثم قال: إن قرشه يأخذه حلالاً؟! برقبة شريكه، هذا كلام فارغ وليس له معنى إطلاقاً.
 فأي شيء محرم بيعه محرم قبض ثمنه، ومحرم التعامل معه.

 

2 ـ بيع الغرر :

 أيضا من الأشياء التي حرم الله التعامل معها قال: بيع الغرر محظور، كل عقد بيع فيه ثغرة مجهولة، هذه الثغرة سبب للمنازعة، سبب للخصومة، لذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام: "الجهالة تفضي إلى المنازعة".
 أي عقد وضح فيه كل شيء، كمية البضاعة، وألوانها، وأطوالها، ومتى تصل، وطريقة قبض الثمن، معجل أو مؤجل، كلما ذكرت التفصيلات تلاشت الخلافات، وكلما أبقيت شيئاً مجهولاً أثرت المشكلات.
 يوجد أخ إلى جانبه نجار يبيع غرف نوم، وجد غرفة نوم مناسبة جدا أعجبته، قال له: احجز لي هذه الغرفة، أجابه النجار: أمرك يا جار، أول أسبوع بعث له بخمسة آلاف، الثاني خمسة، الثالث خمسة، قدر الجار سعرها بحوالي خمسة وعشرين ألفاً، أرسل إليه ثلاثين ألفاً، قال له النجار: أين بقية المبلغ؟ ثم اختصموا وتصارخوا وتشاددوا ورفعوا الأمر إلى القضاء، أنت عندما قلت له: اترك لي هذه الغرفة لمَ لم تسأله عن ثمنها؟ وأنت أيها النجار عندما قلت له: أمرك يا جار لمَ لم تقل له ثمنها؟ كل شيء فيه جهالة فيه خصومة، تحب أن تدخل السوق ثلاثين أربعين سنة لا تختلف مع إنسان وضّح كل شيء، يوجد نقطة غامضة البضاعة متى تصل؟ دعها للتيسير، هذا ليس عقد بيع، متوقع بعد أسبوع أو أسبوعين، الموسم جاء، قارب الموسم على الانتهاء، سوف تقلب للسنة القادمة قال: دعها للتيسير، يختلفون تفسخ البيعة تنشئ خصومات، لا تترك نقطة غامضة في عقود البيع، الجهالة تفضي إلى المنازعة.

نهي النبي عن بيع الغرر لأن بيع الغرر فيه جهالة و يسبب المنازعة :

 لذلك نهى النبي عن بيع الغرر لأن بيع الغرر فيه جهالة، لذلك نهى النبي عن بيع ما في صلب الفحل، حصان هل تستطيع بيع الجنين الذي في بطنه؟ قد ينزل ميتاً، نهى عن بيع ما في بطن الناقة، نهى عن بيع الطير في الهواء، نهى عن بيع السمك في الماء، هذا كله بيع غرر.
 وفي عهد النبي عليه الصلاة والسلام كان الناس يبيعون الثمار في الحقول أو الحدائق قبل أن يبدو ثمرها، وبعد العقد ودفع الثمن تأتي آفة سماوية فتهلكها، فيختصم البائع والشاري يقول لك: إنما بعتني تمراً و لم أجده؟ جاء طائف مسها من الصقيع فأتلفها، فنهى النبي عليه الصلاة والسلام عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها، ونهى عن بيع الحب حتى يشتد، وقال:

((نهى عن بيع الثمار حتى تزهي قيل: وما تزهي ؟ قال : حتى تحمر قال: أرأيت إن منع الله الثمرة بم يستحل أحدكم مال أخيه))

[ صحيح عن أنس بن مالك]

 إذاً أن تشتري الثمر قبل أن يبدو صلاحه، أن تشتري الحب قبل أن يشتد، أن تشتري الفاكهة قبل أن تسود، منهي عنه، وأن تشتري السمك في الماء، والطير في الهواء، وما في بطن الفحل، وما في بطن الناقة، هذا كله بيع غرر، وقد يلحق بها بيع بناء لم ينشأ بعد، أو تشتري بناء لم ينشأ بعد، طبعا لهذا الموضوع تفصيلات لها مجال آخر، لكن العلماء قالوا: ما كل غرر حرام، أنت اشتريت بيتاً هل تعلم كم كيس إسمنت وضع في أساساته؟ يجب أن يوضع سبعة أكياس في المتر المكعب و هم وضعوا أربعة فأنت لا تعرف، يوجد أشياء لا يمكن أن تعرف حتى الذي باعك هذا البيت لا يعرف ماذا في أساساته؟ وماذا في ثنايا جدرانه؟ هذا فيه غرر لكن هذا غرر لا يمكن تلافيه، الغرر الفاحش محرم أما غير الفاحش اشتريت طاولة فهل يا ترى هذا الترس خشب نشارة أم لاتيه؟ يوجد غرر، لو سألت البائع ينبغي أن يقول لك الحقيقة، العلماء قالوا: الغرر القليل معفو عنه أما الغرر الكثير فلا يجوز، أنت اشتريت حقل جزر، أو فجل، أو بصل، أو بطاطا، اقتلعت عدد من النبتات شاهدت من خلالها حجم الحبة، لكن هل تستطيع أن تعرف مستوى الحب في كل الحقل؟ لا تستطيع، البطاطا تحت الأرض، والجزر تحت الأرض، والبصل تحت الأرض، أخذت عينات عشوائية، أحياناً تشتري جبن تأخذ مئة تنكة، تستطيع أن تأخذ خمس عينات عشوائية وتفحصها، أما أن تفحص التنك كله فكل التنك مختوم لا تستطيع، يوجد غرر لكن غرر خفيف معفو عنه، أما الغرر الفاحش فهذا الذي يسبب المنازعة.

 

تحديد الأسعار :

 يوجد عندنا موضوع الأسعار هذا أيضاً من الموضوعات المهمة، النبي عليه الصلاة والسلام حينما غلى السعر في عهده قالوا يا رسول الله: سعّر لنا، قال:

(( إنَّ الله هو المُسَعِّرُ))

[ أخرجه أبو داود والترمذي عن أنس بن مالك ]

 منذ فترة اشترى الضمّانة المشمش بالغوطة بعشرين إلى ثلاثين ليرة للكيلو الغرام الواحد، جاءت كميات خيالية، بيع كيلو الغرام الواحد بخمس ليرات، اشترى بثلاثين وباع بخمس، الله هو المسعر، يكثر الكمية يهبط السعر، يقللها يرتفع السعر، النبي قال:

(( إنَّ الله هو المُسَعِّرُ، القابضُ، الباسط، الرازق، وإني لأرجو أن ألقى اللهَ وليس أحدٌ منكم يُطَالبني بِمَظْلَمَةٍ في دَمٍ ولا مَالٍ ))

[ أخرجه أبو داود والترمذي عن أنس بن مالك ]

 إذاً من الظلم الشديد أن تعطي سعراً بخساً لحاجة ثمينة، أي إذا كنت موظفاً وكلفت بتخمين أرض مستملكة الدونم سعره خمسة ملايين خمنته بخمسة آلاف ليرة هل تظن أنك تنجو من عذاب الله؟ لا تنجو.
 يجب أن تعطي السعر الحقيقي، هذا مال ملك حر، فكل إنسان ولو كان موظفاً لا ينجو من عذاب الله، أحياناً تكلف بتسعير إنتاج التفاح إذا كان هناك وجوب أن تبيعه لبعض المؤسسات يجب أن تعطي السعر الحقيقي لقوله تعالى:

﴿ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ ﴾

[سورة الأعراف: الآية 85]

 يا رسول الله سعر لنا؟ قال عليه الصلاة والسلام:

(( إنَّ الله هو المُسَعِّرُ، القابضُ، الباسط، الرازق، وإني لأرجو أن ألقى اللهَ وليس أحدٌ منكم يُطَالبني بِمَظْلَمَةٍ في دَمٍ ولا مَالٍ ))

[ أخرجه أبو داود والترمذي عن أنس بن مالك ]

 أحيانا يقول لك: أعطني فواتيرك؟ سعرنا لك، لكن يوجد مصاريف لا يستطيع إظهارها إذاً لم تلاحظها، أنت أعطيته سعراً غير صحيح، ظلمته بهذا السعر، فالذي يعرف الله عز وجل يتقي الله في التسعير، لكنكم الآن توهمتم أن النبي ينهى عن أصل التسعير؟ لا.

 

على الحاكم أن يتدخل في تسعير المواد الأساسية إن وجد تلاعب بالأسعار :

 هذا الحديث صحيح لكن يوجد حالات يجوز أن يسعر الحاكم المسلم الحاجات الأساسية كاللحم، والرز، والسكر، والمواد الأساسية، والأدوية، هذه أشياء أساسية ينبغي أن تسعر مستثناة من هذا الحديث، ولاسيما إذا وجد الاحتكار، لو فرضنا أن أناساً مؤمنين طيبين مستقيمين ورعين لا بأس، وجد الاحتكار الربح ثلاثمئة بالمئة، سبعة مستوردين استوردوا هذه السلعة وجعلوها عند واحد منهم، ورفعوا سعرها إلى أربعة أضعاف، الآن نقول له: إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزعه بالقرآن، على الحاكم أن يسعر التسعير الطبيعي لهذه السلعة، يرى رأسمالها، يضع هامش ربح معقول حفاظاً على مصالح المسلمين، نحن نعد مصالح المسلمين العامة أفضل من مصالح أفراد معينين، لذلك إذا جرى تدخل غير طبيعي في حركة السوق، إذا وجد الاحتكار و التلاعب بالأسعار، مصلحة المجموع مفضلة على مصلحة الأفراد، لذلك التسعير أحياناً ولاسيما في الأقوات الأساسية مشروع.
 إذا أدت حرية التسعير إلى التلاعب بأقوات الناس، ورفع الأسعار رفعاً جنونياً وظلم، وسحق الفقير، الحاكم ينبغي أن يتدخل في تسعير المواد الأساسية هذا من الدين أيضاً.

العرض والطلب :

 يوجد نقطة مهمة جداً وهي أن السوق له حركة طبيعية؛ العرض والطلب، هذه الحركة الطبيعية تحقق سعراً معقولاً دائماً أساسه العرض والطلب.
 الاحتكار محرم
أما إذا وجد تدخل مفتعل في حركة السوق كإخفاء البضاعة، أو عرض شديد، أحياناً يحتكر أحدهم مادة يأتي تاجر ناشئ يستوردها، المحتكر الكبير يخفض سعرها إلى النصف، يدفع خسارة ثمانية ملايين حتى يخرج هذا التاجر الناشئ من السوق، يفلس، عندما يخرج التاجر الناشئ يرفع المحتكر السعر أربعة أمثال لأنه بقي وحيداً في السوق، هنا وجد التلاعب، وجد التدخل في حركة السوق الطبيعية، الآن يأتي التسعير ضرورياً في هذه الحالة، أما إذا كانت الحركة الطبيعية، لاحظ أحياناً توجد حركة طبيعية تجد السعر بانخفاض مستمر كان سعر السكر بثلاث وثلاثين ليرة أصبح بست عشرة، وجدت الحركة الطبيعية، مسموح استيراده، مسموح بيعه بشكل حر، وجدت الحركة الطبيعية للسوق هبط لسعره الطبيعي، هذا هو سعره العالمي، من ثلاث وثلاثين إلى ست عشرة، أما إذا وجد الاحتكار فيوجد تدخل غير طبيعي، يوجد إيهام، هذا كله يحتاج إلى تسعير.
 من أنواع الاحتكار أن الشاري قد يكون محتكراً هل تصدقون ذلك؟ نحن نتوهم أن البائع هو المحتكر، لا، الشاري قد يحتكر، أنت بحاجة في السنة إلى ربطة معكرونة طوال العام، قيل إنها سوف ترفع أسعارها وتفقد من السوق فاشتريت عشر ربطات، هذا الشاري الذي أقبل على شراء البضاعة بكميات كبيرة تفوق حاجته هو الذي سبب نقص هذه البضاعة، فأصبح المحتكر الشاري، خذ حاجتك الوضع طبيعي، خذ خمسة أمثال حاجتك تخزين، تخزين نقصت البضاعة وارتفع السعر.

الرخص يحزن المحتكر ويفرح المؤمن :

 أيها الأخوة: قصة قديمة جداً لكن لها دلالة، عدة تجار كبار اتفقوا على أن يحصروا فيهم بعض المواد الغذائية، فكلما جاء أصحاب معامل الحلويات يقولون: لم نستورد هذه السنة، خذوا من عند فلان، اتفقوا جميعاً على أن يجعلوا البيع عند واحد، واستوردوا كميات كبيرة، ورفعوا السعر أربعة أمثال، وحققوا أرباحاً خيالية، واشتروا بيوتاً فخمة، ومركبات فخمة، أما ما يأكله الفقير من حلويات ارتفع سعره أربعة أمثال نتيجة الاحتكار، فالنبي عليه الصلاة والسلام قال:

(( الْجَالِبُ مَرْزُوقٌ، وَالْمُحْتَكِرُ مَلْعُونٌ ))

[الدارمي عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ]

 وقال عليه الصلاة والسلام:

((من احتكر الطعام أربعين ليلة يريد به الغلاء فقد برئ من الله وبرئ الله منه ))

[ مشكاة المصابيح عن ابن عمر]

 وقال عليه الصلاة والسلام:

(( لَا يَحْتَكِرُ إِلَّا خَاطِئٌ ))

[ مسلم عَنْ مَعْمَرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ]

 لا يوجد تعنيف، وقال تعالى:

﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ ﴾

[سورة القصص: الآية 8]

 هل خاطئ تخيف؟ من احتكر فهو خاطئ، ما قولك؟ يحشر مع فرعون ومع هامان المحتكر، من أجل تحقيق ثراء فاحش تجوع الناس وتضاعف السعر؟ الفقير كلما ارتفع السعر انخفض دخله عملياً، يقول عليه الصلاة والسلام:

(( بئس العبد المحتكر إن أرخص الله الأسعار حزن وإن أغلاها فرح ))

[البيهقي عن معاذ]

 إذا كثّر الله عز وجل الفاكهة أصبح سعر الكرز خمس ليرات أو عشر ليرات يتضايق، ما هذه الأسعار؟ تبهدل هذا الصنف، دع الفقير يأكل الكرز هو وأسرته، ويمتع أبناءه، يؤلمك أن يأكل الناس هذه الفاكهة جميعاً؟ يؤلمه، المحتكر إن سمع برخص ساءه وإن سمع بغلاء فرح.
 امتحن نفسك أيها الأخ، إذا انخفض السعر الربح انخفض، لكن الناس كلهم أكلوا و فرّج عليهم، هذه الفاكهة أكلها الجميع، أحياناً الرخص يحزن المحتكر ويفرح المؤمن، الآن يقول عليه الصلاة والسلام:

(( الْجَالِبُ مَرْزُوقٌ، وَالْمُحْتَكِرُ مَلْعُونٌ ))

[الدارمي عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ]

 مطرود من رحمة الله.

 

 

من دخل في شيء من أسعار المسلمين ليغليه عليهم فليتبوأ مقعده من النار :

 الحقيقة معنى الجالب أي استورد بضاعة و باعها بسعر معتدل، وربح ربحاً قليلاً، استورد مرة أخرى وأخرى، قلب رأسماله ثماني مرات، في ثماني مرات حقق ربحاً كبيراً لكنه نفع الناس كثيراً، لو أنه جلب المادة مرة واحدة ورفع سعرها أربع مرات حقق ربحاً كبيراً بصفقة واحدة، هذا محتكر، اجعلهم ثماني صفقات وبع بسعر معتدل، المؤمن يوجد بقلبه رحمة.
 روى معقل بن يسار صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أثقله المرض فأتاه عبيد الله بن زياد ليعوده فقال له: هل تعلم يا معقل أني سفكت دماً حراماً؟ قال: لا أعلم، قال: هل علمت أني دخلت في شيء من أسعار المسلمين؟ قال: ما علمت، فقال معقل: أجلسوني فأجلسوه ثم قال: اسمع يا عبيد الله حتى أحدثك ما سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم مرة ولا مرتين، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

 

 

((مَنْ دَخَلَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَسْعَارِ الْمُسْلِمِينَ لِيُغْلِيَهُ عَلَيْهِمْ فَإِنَّ حَقًّا عَلَى اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنْ يُقْعِدَهُ بِعُظْمٍ مِنْ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، قال: أنت سمعته من رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - قال: نعم، غير مرة ولا مرتين ))

[ أحمد عن معقل بن يسار]

 وسوف نتابع هذا الموضوع إن شاء الله في درس قادم، وهذه من أدق الموضوعات التي يحتاجها المسلمون بشكل كبير، لأن البيع والشراء نشاط كل إنسان، ولو كان شارياً، يوجد شار محتكر وهناك بائع محتكر.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018