الفقه الحضاري - الندوة : 22 - الخطاب الديني 1 الدعوة إلى الله فرض عين . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠30برنامج الفقه الحضاري - قناة سوريا الفضائية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الفقه الحضاري - الندوة : 22 - الخطاب الديني 1 الدعوة إلى الله فرض عين .


2003-08-14

المذيع:

 السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أحييكم عبر القناة الفضائية السورية من برنامج الفقه الحضاري في الإسلام، ويسرنا أن نلتقي اليوم مع فضيلة الشيخ الدكتور محمد راتب النابلسي، الأستاذ في كلية التربية في جامعة دمشق، وأستاذ الإعجاز العلمي في الكتاب والسنة في كليات الشريعة، أهلاً ومرحباً بكم.
 كثر الحديث، وكنا قد تطرقنا في دروس آخرين إلى موضوع الخطاب الديني، هل يحمل أصول تطوره ؟ أم هو في الأصل ثابت لا يتغير، طالما أنه ضمن الحقيقة والحق، أم أن الحق أولى أن يتغير من زمان ومكان إلى زمان ومكان آخر، وبالتالي تتغير أصول هذا الخطاب حسب متطلبات العصر، هل يمكننا أن نقول: إن ما كان صالحاً في الماضي يكون صالحاً في الحاضر ؟ أم لا بد من إجراء بعض التعديل ؟ هل الخطاب الديني يعني في تطوره تطوراً في الثوابت ؟ أم أن الثوابت هي ثوابت آخر، ولكن أسلوب الخطاب فيها يمكن أن يتطور فيما يناسب العصر ؟ مفاهيم كثيرة تدخل ضمن هذا النطاق من القول الذي يحمل عنوان تطوير الخطاب الديني، ترى ما هو التوجيه الإسلامي في هذا، وكيف يكون تطوير الخطاب الديني ؟

 

الأستاذ:

بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
 أستاذ عدنان، جزاك الله خيراً، قبل أن نخوض في الإجابة عن هذه الأسئلة الدقيقة جداً، والتي هي محط اهتمام العالم الإسلامي وغيره لا بد من مقدمة.
 الخطاب الديني هو الدعوة إلى الله، هو فرض عين على كل مسلم، ولولا الدليل لقال من شاء ما شاء، ما الدليل على أن الخطاب الديني أو الدعوة لله عز وجل فرض عين على كل مسلم قوله تعالى:

 

 

﴿ وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3)﴾

 

(سورة العصر)

 فالإمام الشافعي رحمه الله تعالى عدّ التواصي بالحق حد أركان النجاة، ولئلا يفهم الأخ المشاهد أن كل مسلم عليه أن يكون خطيب مسجد أقول: الدعوة لله كفرض عيني في حدود ما تعلم، ومع من تعرف، ليس غير، يؤكد هذا المعنى قول النبي عليه الصلاة والسلام، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

 

(( بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً... ))

 

(صحيح البخاري)

 أيْ إنّ أيّ مسلم حضر خطب جمعة، أو ندوة، أو قرأ كتاباً، أو اطلع على موضوع إسلامي، وأعجب به، وشعر أنه مطابق للحقيقة، فهذا الذي قرأه، وتأثر به أسمعه مَن حوله، إلى أولاده، وزملائه، وجيرانه، وأصحابه، في لقاءات متعددة، في كل المناسبات، هذا فحوى قول النبي عليه الصلاة والسلام:

 

(( بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً ))

 فالدعوة إلى الله فرض عيني على كل مسلم، بل هي أحد أركان النجاة، هناك دليل آخر، هو قول الله عز وجل:

 

 

﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾

 

(سورة يوسف)

 فالذي لا يدعو إلى الله على بصيرة نقف قليلاً عند كلمة بصيرة، دعوة للدليل والتعليل، الدين توقيفي، وهو من عند الله، فتدعو إلى الله وفق منهج الله، وفق ما أمر الله، فالدعوة إلى الله فرض على كل مسلم، لأن كل مسلم يتبع رسول الله :

 

﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾

 فالذي لا يدعو إلى الله على بصيرة ليس متبعاً لرسول الله .
وفي آية أخرى:

 

 

﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾

 

(سورة آل عمران)

 استنباط آخر، الذي لا يدعو إلى الله وفق منهج الله لا يحب الله عز وجل، فبهذه الآيات وتلك الأحاديث يتضح أن الدعوة إلى الله فرض عين على كل مسلم، ولكن في حدود ما يعلم، ومع من يعرف، ليس غير، وبهذا تتسع دوائر الحق، وتضيق دوائر الباطل، تكون الدعوة لله فرض عيني محافظة على وجود هذا الدين، فضلاً عن تنميته، على أن هناك دعوة لله كفرض كتابي، والتبحر في العلم الشرعي، وعلم العقيدة، والتفسير، والفقه، والسيرة، والتفرغ لها، وامتلاك الأدلة التفصيلية القاطعة المانعة، ثم نقل هذه الحقائق بأسلوب تربوي واقع حكيم، هذا فرض كفاية يقوم به المتخصصون، هذا المعنى مأخوذ من قوله تعالى:

 

﴿ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾

 

(سورة آل عمران)

بعضكم ينبغي أن يتفرغ للتبحر في العلم، والتفرغ له، والدعوة إليه بأسلوب حكيم، تربوي، علمي، جاد.
 هذا الكلام يسوقنا إلى فكرة خطيرة، أنه من دعا إلى الله بمضمون هجين، أو بسطحية واضحة، أو دعوة تفتقر للدليل العقلي والواقعي، أو دعا إلى الله بعمق وأدلة، لكن لم يجد المدعو في الداعي مصداقية فيما يقول، قال بعض العلماء: هذا المدعو بهذا المضمون الضحل غير المتماسك، وبأسلوب غير علمي، ولا تربوي، أو بمضمون عميق، وبأسلوب تربوي، لكن يفتقر المدعو إلى المصداقية، لا يعد المبلّغ بهذه الطريقة مبلغًا عند الله عز وجل، ويقع إثم تفلته على من دعاه بهذه الطريقة.
فالدعوة إلى الله فرض كفائي وعيني بأدلة الكتاب والسنة، فلا بد من الدعوة إلى الله، ولكن الحديث في هذه الأيام كثر، كما تفضلتم على تجديد الخطاب الديني، هذا الكلام دقيق جداً، وأنا مضطر على توضيح الحقيقة على الشكل التالي:
الدين توقيفي، أي إنه محصور في الكتاب والسنة، والنصوص تامة، والدليل قال تعالى:

﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً﴾

(سورة المائدة)

فالإتمام كما قال علماء التفسير عددي، والإكمال نوعي، أي إن عدد القضايا التي عالجها الدين تام عدداً، وان طريقة المعاينة كاملة نوعاً، وأية إضافة على الدين اتهام له بالنقص، وأي حذف للدين اتهام له بالزيادة.
 سأضع بين أيدي الإخوة المشاهدين حقيقة أظنها خطيرة، أن المسلمين حينما حذفوا من دينهم ضعفوا، وحينما أضافوا إليه تفرقوا، الدين توقيفي، فلا مجال لكلمة تطوير، أو تجديد إلا بمفهوم آخر، وأنا أتمنى أن يكون الكلام دقيقًا وواضحًا، التجديد في الدين يعني أن ننزع عن الدين كل ما علق به مما ليس منه.
السبب أن الله كامل، وأكبر ثابت في علم العقيدة هذا الكون، يشهد بكمال الكون، ولحكمة ما في الكون، ولرحمة ما في الكون، وقوة، وغنى الخالق الكون كله ينطق بوجود الله، ووحدانيته وكماله، ومن المسلمات أن كمال الخلق يدل على كمال التصرف.
 مثلاً: برج العقرب فيه نجم صغير، اسمه قلب العقرب، متألق، لونه أحمر، يتسع للأرض والشمس مع المسافة بينهما، بين الأرض والشمس مئة وستة وخمسون كيلو مترًا، والشمس تكبر الأرض بمليون وثلاثمئة ألف مرة، وهذا النجم في برج العقرب يتسع للشمس والأرض مع المسافة بينهما، في الكون ما يزيد على مليون مليون مجرة، وفي المجرة الواحدة ما يزيد على مليون مليون نجم، هذا الكون العظيم بالمجرات، بالمذنبات، بالكازارات، بالكواكب، والشموس، والأقمار، بالأرض، بالجبال، بالبحار، بالأطيار بالأسماك، الإنسان بأجهزة معقدة جداً هذا الخالق العظيم لا يمكن أن يكون في كلامه خلل، مستحيل وألف مستحيل أن يكون هناك خلل في الدين، أو في النصوص، لكن الخلل في فهمنا.
 لذلك أذكر هذه القصة: عالم كبير من علماء النفس في أميركا هداه الله إلى الإسلام، وزار بريطانيا، والتقى بالجالية العربية الإسلامية هناك، يقول هذا العالم كلامًا رائعً: أنا لا أصدق ـ والكلام مع التحفظ ـ أن يستطيع العالم الإسلامي في المدى المنظور اللحاق بالعالم الغربي، لاتساع الهوة بينهما، ولكنني مؤمن أشد الإيمان، ومعتقد أبلغ الاعتقاد أن العالم كله سوف يركع أمام أقدام المسلمين، لأن في الإسلام خلاص العالم، ولكن بشرط بعد شروط ثلاثة: أن يحسن المسلمون فهم دينهم، ويحسنوا تطبيقه، ويحسنوا عرضه.
فحينما أتكلم عن التجديد والتطوير أعني أن ننزع عن الدين كل ما علق منه مما ليس منه، لأن هذه الإضافات شوهته، وحملت الناس على رفضه، ومزقت العالم الإسلامي، وجعلت بأس المسلمين فيما بينهم، كما لا بد أن ننزع عن الدين كل ما علق منه مما ليس منه.
أستاذ عدنان في دمشق بناء أثري مشهور، هو محطة الحجاز، هذا البناء مع تراكم الغبار، ودخان المركبات أصبح طبقة سوداء، فجاءت شركة وضربته بالحجر، فأعادت له رونقه، هذا المثل رائع جداً في تطبيقه على الدين، أن ننزع عن هذا البناء كل ما علق به مما ليس منه.
مثل آخر: نبع بردى نبع عذب صاف، لكن هناك روافد كثيرة تصب عليه، جعلت المياه في مصبه مياه سوداء، فالمطلوب العودة إلى ينابيع الدين الصافية كما أنزله الله.
لذلك حدث تطوير سلبي، وإضافات، وتشويهات، ومبالغات جعلت الخطاب الديني مرفوضاً أحياناً، أي هي التي دعت المفكرين والإسلاميين وغير الإسلاميين أن يجدِّدوا أو يطوِّروا في هذا الدين.

المذيع:

 دكتور، هنا ناحية عامة، ذكرتم أن ننزع عن الدين كل ما علق منه مما ليس منه، ونحذف ما ليس منه من خلال أعراف وتقاليد الناس، هنا مرحلة ثانية، نحن الآن إذا حذفنا ما أضيف، وأعدنا ما حذف نعود لجوهر الدين، الآن هذا الجوهر هل يمكن عرضه من أَلِفه إلى يائه دفعة واحدة، وبالشكل المباشر الذي يتساوى فيه من في نفسه كما قيل: اللهم ارزقنا إيماناً كإيمان العجائز، والطرف الآخر الذي لا يريد أن يأخذ أي فكرة تأتيه إلا من خلال دراستها، وتحريها، والتجربة فيها، إن كان أمر التجربة مقدور عليه.

 

الأستاذ:

 أستاذ عدنان، أعتقد، وأرجو أن أكون مصيباً في اعتقادي أن جوهر الدين ينقسم قسمين، ثوابت ومتغيرات، الثقوابت لا يمكن أن تمس، لأنها تمثل الجانب الثابت في الإنسان، في أي مكان وزمان، وفي أي قطر وعصر ومصر، الإنسان فيه ثوابت، والمشكلة الكبيرة جداً أن العالم الغربي ألغى هذه الثوابت، فجعل كل شيء متغيِّرًا حسب البيئة والوضع، فما كان حرامًا في مكان يعد مباحًا في مكان آخر، هذه فكرة خطيرة جداً، لدرجة أنها تلغي كل القيم الثابتة، فأنا أعتقد أن الشيء الثابت في الإنسان الذي لا يتبدل ولا يتغير، ولا يطرأ عليه تعديل ولا تطوير مغطى بنصوص قطعية الدلالة، لا تحتمل أي تأويل، ولا اجتهاد، ولا تفسير، لو أني كتبت رسالة لإنسان: أنْ أعطِ فلانًا ألف وخمسمئة درهم، هذا الآن قطعي الدلالة، لا يحتاج لمجتهد ولا مؤول، ففي القرآن والسنة كلام من هذا القبيل، قطعي الدلالة يغطي الثوابت في الإنسان.
 مثلاً: إنسان ولدته أمه، واعتنت به اعتناء فائقًا، الإساءة إلى الأم من ثوابت الإنسان، محرمة في كل الأديان والأعراف في كيان الإنسان، فهناك ثوابت لو أحصيناها لوجدناها كثيرة، الصدق الإتقان العمل قيمة ثابتة، أما الكذب فشيء محرم، يتلف الحياة البشرية، أما الأشياء المتلفة في الإنسان، والتي يمكن أن تخضع للعصر والتطور فهذه مغطاة بنصوص ظنية الدلالة، لذلك عمل المجتهدين والفقهاء في القسم الثاني من هذه النصوص، لو قلت لإنسان: أعطِ فلانًا ألف درهم، ونصفه، كم هذا المبلغ !!!؟ فهذا النص ظني الدلالة، هو الذي يغطي القسم المتغير في الإنسان.
 يوجد قسم ثالث لا علاقة له بالدين إطلاقاً، ألوان الثياب، وأنماط الأثاث، وأنواع الطعام، هذا شيء متعلق بالدنيا، وقد غطى النبي  هذا، فعَنْ عَائِشَةَ

 

 

(( أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَمِعَ أَصْوَاتًا فَقَالَ: مَا هَذَا الصَّوْتُ ؟ قَالُوا: النَّخْلُ يُؤَبِّرُونَهَا، فَقَالَ: لَوْ لَمْ يَفْعَلُوا لَصَلَحَ، فَلَمْ يُؤَبِّرُوا عَامَئِذٍ فَصَارَ شِيصًا، فَذَكَرُوا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: إِنْ كَانَ شَيْئًا مِنْ أَمْرِ دُنْيَاكُمْ فَشَأْنُكُمْ بِهِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أُمُورِ دِينِكُمْ فَإِلَيَّ ))

 

[ابن ماجه]

 عندنا موضوع متعلق بالدين إيجابيّ، النبي  أمر به، وأشياء متعلقة بالدين سلبية، النبي  نهى عنها، وأشياء سكت عنها النبي ، وسكوته ليس بأقل من حديثه، وتشريعه، إقراره.

 

المذيع:

 دكتور، في موضوع شرب الخمر الإسلام حرم الخمر، إنما جاء ذلك بتدرج، هل هذا التدرج يشير إلى نوع من أصول الخطاب الديني، بمعنى آخر حينما أقول للمسلم الذي يعرف أن شرب الخمر حرام، نقول له: شرب الخمر حرام، أما الذي يعاقر الخمر، وهو على دين غير إسلامي، أو لا يؤمن بدين إطلاقاً، وما إلى ذلك هل نقول له: شرب الخمر حرام مباشرة ؟ أم نتدرج معه ؟ وليس المقصود شرب الخمر فقط، إنما المقصود ما يمكن أن يشير إليه موضوع شرب الخمر، فثمة أمور في الحياة أعطى الدين حكمه فيها، لكن الحكم يمكن أن يكون عرضه على الآخرين مباشراً الدين أو فيه توطئة الدين أو من خلال: " ما كل ما يعلم يقال، وما كل ما يقال حضر أهله الدين أو جاء زمانه الدين وما إلى ذلك، هل هذا يمكن أن يكون تابعاً لتطوير الخطاب الديني.

 

 

الأستاذ:

 والله أنا حينما أرى أن الآيات التي نسخت في القرآن بقيت تتلى، فهناك ملمح دقيق جداً، في أن الله ينتظر منا أننا إذا دعونا الآخرين أن نستأنس بهذه الطريقة التي اتبعها القرآن في تحريم القبر.
طبعاً أنا لا أستطيع أن أفتي لمسلم أن يشرب الخمر، أما حينما ألتقي بإنسان مدمن على خمر، أنا لا أحب أن أخسره، والدليل، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ

 

 

 أَنَّ رَجُلًا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ اسْمُهُ عَبْدَ اللَّهِ، وَكَانَ يُلَقَّبُ حِمَارًا، وَكَانَ يُضْحِكُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ جَلَدَهُ فِي الشَّرَابِ، فَأُتِيَ بِهِ يَوْمًا، فَأَمَرَ بِهِ، فَجُلِدَ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: اللَّهُمَّ الْعَنْهُ، مَا أَكْثَرَ مَا يُؤْتَى بِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

 

(( لَا تَلْعَنُوهُ فَوَ اللَّهِ مَا عَلِمْتُ إِنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ))

(صحيح البخاري)

 فحينما أكون منصفاً، وأتملك قلباً رحيماً، يحمل هم المسلمين جميعهم، وأرى إنسانًا متلبسًا بمعصية أستوعبه، وأتبع طريقة القرآن في وعظه ونصحه، وهذا في قوله تعالى:

 

﴿ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾

 

(سورة النحل)

 سيدنا عمر كما تفضلتم له صديق ارتد، وشرب الخمر، وسافر إلى الشام، أرسل له عمر كتابًا في منتهى الرقة، فيه: " أحمد الله إليك، غافر الذنب قابل التوب، شديد العقاب ذي الطول "، ثم نصحه نصيحة بليغة، فإذا بهذا الرجل الذي ارتد عن الإسلام، وشرب الخمر، وتفلت من منهج الله يبكي بكاء شديدًا، وتاب بسبب هذا الكتاب الرقيق، لذلك قال سيدنا عمر: " كونوا عوناً لأخيكم على الشيطان، ولا تكونوا عوناً للشيطان على أخيكم، افعلوا هذا إن رأيتم أخوكم قد ضل " .
أنا من أنصار أن للدعوة أخلاقًا، وللجهاد أخلاقًا، وهناك مفارقة حادة بينهما.
أخلاق الجهاد:

 

﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾

 

(سورة التوبة)

 هذه في الحرب، في القتال، أما في الدعوة إلى الله:

 

﴿ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34)﴾

 

(سورة فصلت)

 عندنا دليل آخر، الله عز وجل يخاطب نبيه الكريم:

﴿ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34)﴾

(سورة آل عمران)

 هذه الباء للسببية، بسبب رحمة استقرت في قلبك يا محمد كنت ليناً لهم، فلما كنت ليناً لهم التفوا حولك، وأحبوك.

 

﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾

 كأنها معادلة، الاتصال بالله رحمة، تنعكس ديناً، يلتف الناس حولك، الانقطاع عن الله تعني قسوة، تنعكس غلظة، ينفض الناس من حولك، لذلك الله عز وجل قال:

 

 

﴿ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾

 

(سورة النحل)

 أحسن اسم تفضيل، لو أن هناك مئة كلمة حسنة يجب أن تختار أحسنها، في الجدال يوجد أسس، كل إنسان ربط أفكاره مع كرامته، لئلا تكون المشادة مقصودة لذاتها، ينبغي أن تكون مطواعاً مع أخيك، كأن تكون مثلاً أعلى في اللطف، هذه الدعوة إلى الله، وليس هناك منهج آخر، بدليل أن النبي له سُنّتان، سنة افعل، ولا تفعل معروفة، لكن له سنة في الدعوة، كيف دعا أصحابه ؟
عَنْ عَبَّادِ بْنِ شُرَحْبِيلَ قَالَ:

 

(( قَدِمْتُ مَعَ عُمُومَتِي الْمَدِينَةَ، فَدَخَلْتُ حَائِطًا مِنْ حِيطَانِهَا، فَفَرَكْتُ مِنْ سُنْبُلِهِ، فَجَاءَ صَاحِبُ الْحَائِطِ، فَأَخَذَ كِسَائِي، وَضَرَبَنِي، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَسْتَعْدِي عَلَيْهِ، فَأَرْسَلَ إِلَى الرَّجُلِ، فَجَاءُوا بِهِ، فَقَالَ: مَا حَمَلَكَ عَلَى هَذَا ؟ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُ دَخَلَ حَائِطِي، فَأَخَذَ مِنْ سُنْبُلِهِ، فَفَرَكَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا عَلَّمْتَهُ إِذْ كَانَ جَاهِلًا ؟ وَلَا أَطْعَمْتَهُ إِذْ كَانَ جَائِعًا ؟ ارْدُدْ عَلَيْهِ كِسَاءَهُ، وَأَمَرَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِوَسْقٍ أَوْ نِصْفِ وَسْقٍ ))

 

(سنن النسائي)

 هذه المشكلة لم يعالجها النبي  من آخرها، بل من أسبابها، والعالم اليوم يحتاج إلى هذه المناسبة الحكيمة، حينما أقول: هناك إرهاب في العالم، الإرهاب له أسباب، الإرهاب لا يعالج بإرهاب مثله أو أشد منه، يعالج بتقصي أسبابه وإزالتها، وما لم يستدعِ الدعاة سنة النبي  الدعوية لا يفلحون في دعوتهم.

 

المذيع:

 دكتور، يمكن من خلال أن يدعو الإنسان على الله تعالى على بصيرة وحكمة، والتدرج كما ورد، وأشرتم في موضوع المنسوخ من بعض الآيات من حيث التدرج، وبعضهم يرفض فكرة النسخ الكلي، إنما كلمة نسخ وردت عملياً للتدرج، ويمكن أن يكون التدرج قد غلف موضوع كلمة النسخ بمعناها المطلق.
 الآن إذا أردنا أن نهدي إنسانًا من خلال الدعوة، هل نتراجع عن بعض الثوابت مبدئياً لنغرسها فيما تعلو ثانية في هذا المغرس ؟ وما مقدار تخلينا عن بعض هذه الثوابت، إن عممنا وقعنا في الخطأ، وإن جعلنا لكل حاجة ما يناسبها ؟ أظن أننا نسير على الصواب، وإن تفلتنا من موضوع أن نعالج الأمر بحكمة قلنا: هذه ثوابتنا، وعليكم أن تتبعوها.

 

 

الأستاذ:

 هذا الموضوع يحتاج إلى تفصيل لطيف وسريع: أنا لا أستطيع أن أقول لإنسان: هذا الشيء الثابت المحرم بالقرآن يقيناً وقطعاً أنه حلال، هذا ليس دعوة، إنما يمكن أن أتغاضى عن شيء ثابت قصر فيه المدعو لحكمة، واتباع التدرج في الدعوة، ليس مهمتي أن أكون قاضياً، ولا وصياً على المدعو، وأحاسبه على كل شيء في بيته، علي أن أقدم له الفكر النير، والتصور الصحيح للكون والحياة والإنسان مبدئياً، أن أدله على الله على عظمته، ثم أتدرج معه، لا أستطيع لكي أرضيه أن أقول له: الخمر حلال، مستحيل، هذا لعب بالدين، أما أنا أتغاضى عن أنه يشرب الخمر، لا أثير هذا الموضوع أمامه، هذا التفصيل، فيمكن أن أتغاضى عن بعض الثوابت في الدعوة إلى الله دون أن أجعلها حجاباً بيني وبين المدعو، لكن بعد حين أؤكد له أحد الثوابت بأدلتها القوية.
رالمشكلة أن الناس في مستوى والمنهج في مستوى، والدعاة إلى الله نوعان، نوع أراد أن يرفع الناس للمستوى الشرعي، ودعاة آخرون اجتهدوا أن ينزلوا إلى مستوى الناس، طبعاً حينما ينزلون يصبح هذا الداعية داعية كبيرًا جداً، وعصريًّا، وتفكيره حر، لكن الحقيقة أنه لم يفعل شيئًا، أقر الناس على أخطائهم، فأتمنى أن يسعى دعاة لرفع الناس إلى منهج الله عز وجل، طبعاً العدد سيكون قليلاً، لكن الواحد كألف، أما العدد إذا هبط الداعية إلى المستوى العام يكون كثيرًا جداً، لكن الألف كأف، فبين واحد كألف، وبين ألف كأف فرق.
 مرة سيدنا الصديق جاءه طلب نجدة من سيدنا خالد أن يأتيه بخمسين ألف جندي، فبعث له القعقاع، فلما وصل إليه قال: أين المدد ؟ قال: أنا المدد، ومعي هذا الكتاب، فقرأه، فإذا فيه: والذي بعث محمد بالحق إن جيشًا فيه القعقاع لا يهزم، وفعلاً تم النصر بفضل هذا المدد الأحادي، معنى ذلك حينما أربي الناس تربية صحيحة أجعل من الواحد كألف، وحينما أقر الناس على أخطائهم، وأراعي شعورهم على حساب الدين فعندئذ أجد الألف كأف.

 

 

المذيع:

 هنا أيضاً ناحية هامة يمكن أن تستخلص من خلال التوضيح، وإن كنتم ذكرتموها في البداية، هي عندما يتغاضى الداعية عن بعض الأمور، لا من أجل أن يستمر التغاضي، لكن لكي تكون مرحلة يرتقي الداعي بالمدعو إلى ما يجب أن يكون عليه من خلال الثوابت، الانتقالات في هذه المراحل يجب أن يكون الداعية فيها عالماً بالشرع، وبأصول الكلام، والحديث، والفكر، وعلم الاجتماع، والفلسفة.
هنا نعود للفكرة التي ذكرت في البداية، على أن الإنسان الداعية يجب أن يكون على ثقافة جيدة، يزال منها ما علق بها، وينفى عنها ما أدخل عليها.

 

 

الأستاذ:

ما كل عالم بداعية، وكن كل داعية يجب أن يكون عالمًا.

 

 

المذيع:

 في ختام هذا اللقاء كل الشكر لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي، أستاذ الإعجاز العلمي في القرآن والسنة في كليات الشريعة وأصول الدين، وموعدنا معكم بإذن الله في مثل هذا الوقت من الأسبوع القادم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018