الخطبة : 1125 - الاستقامة8 ، اجتناب الآثام - الموقف الرائع لأخوتنا في فلسطين . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 1125 - الاستقامة8 ، اجتناب الآثام - الموقف الرائع لأخوتنا في فلسطين .


2009-10-02

الخــطــبـة الأولــى :

الحمد لله نحمده، ونستعين به، ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته، وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عين بنظر أو سمعت أذن بخبر، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه، وآل بيته الطيبين الطاهرين، أمناء دعوته، وقادة ألويته، وارضَ عنا وعنهم يا رب العالمين.

لن نقطف من ثمار الدين شيئاً إلا إذا استقمنا على أمر الله :

أيها الأخوة الكرام، في سلسلة من الخطب تحت عنوان الاستقامة نتابع هذا الموضوع، مؤكداً ما قلته كثيراً من أن المسلم لن يقطف من ثمار الدين شيئاً إلا إذا استقام على أمر الله لن نقطف من ثمار الدين شيئاً مهما بلغ عدد المسلمين إلا إذا استقمنا على أمر الله
فهناك فرق بين الاتباع وبين الاعتزاز بالدين، الإعجاب لا يقدم ولا يؤخر، الإعجاب سلبي لا يقدم ولا يؤخر، أن تعجب بهذا الدين، أن تعجب بسيد المرسلين، أن تفتخر أنك مسلم لكنك لست ملتزماً بمنهج الله عز وجل، لن تقطف من ثمار الدين شيئاً ولو بلغ عدد المسلمين مليار وخمسمئة مليون، وما استطاعوا أن يستحقوا وعود الله لهم:

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ ﴾

( سورة النور الآية: 55 )

نحن لسنا مستخلفين:

 

﴿ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ ﴾

( سورة النور الآية: 55 )

نحن لسنا ممكنين:

 

﴿ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ﴾

( سورة النور الآية: 55 )

نحن كمسلمين لسنا آمنين، خمس دول إسلامية محتلة، نهبت ثرواتها، قتل شبابها، هدمت منازلها، بدد تراثها.

 

اجتناب الآثام من بنود الاستقامة :

أيها الأخوة، لذلك أردت أن ألح على موضوع الاستقامة، وهناك خطب عديدة نبقى فيها في موضوع الاستقامة، والموضوع اليوم اجتناب الآثام، من بنود الاستقامة أن تجتنب الآثام:

((ِ سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْبِرِّ وَالْإِثْمِ فَقَالَ الْبِرُّ حُسْنُ الْخُلُقِ وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي صَدْرِكَ وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ ))

[ مسلم عَنْ النَّوَّاسِ بْنِ سِمْعَانَ الْأَنْصَارِيِّ رضي الله عنه ]

الأمر بالمعروف وفعله والنهي عن المنكر واجتنابه من بنود الاستقامة
مصطلحان في الدين رائعان ؛ المعروف والمنكر، ما معنى معروف ؟ أي أن الفطر السليمة تعرفه ابتداءً من دون تعليل، وما معنى منكر ؟ أي أن الفطر السليمة تنكره ابتداءً من دون تعليل، فأي إنسان فطرته تنبؤه أن هذا العمل جيد، وأن هذا العمل سيئ، لذلك قال تعالى:

 

﴿ بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ ﴾

( سورة القيامة )

فطرة الإنسان تجعله يشعر بالسعادة عندما يفعل الصواب ويشعر بالضيق عندما يفعل الخطأ
أنا أعطيكم مثالاً: لو فعلت شيئاً بخلاف منهج الله، وقمت إلى الصلاة هل تستطيع أن تعقد صلة مع الله ؟ تستطيع أن تقف، وأن تفتح الصلاة بالتكبير، وأن تقرأ الفاتحة وسورة، وأن تركع، وأن تسجد، وأن تنهي الصلاة بالتسليم، لكنك لا تستطيع أن تتصل بالله، لأن المخالفة التي وقعت بها حجاب بينك وبين الله، العمل الصالح تعرفه ابتداءً من دون تعليل، هذه الفطرة:

 

﴿ بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ ﴾

( سورة القيامة )

﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) ﴾

( سورة الشمس )

ألهمها ابتداءً أنها إذا فجرت تعرف أنها فجرت، وألهمها ابتداءً أنها إذا اتقت تعرف أنها اتقت، فلذلك باب الفطرة بحث واسع جداً، أنت من دون تعليم، من دون توجيه، من دون إرشاد، من دون خطاب ديني، من دون متابعة الفضائيات، من دون أن تفعل شيئاً، حينما تحسن تشعر بعفوية عجيبة أنك محسن، وحينما تسيء تشعر بعفوية عجيبة أنك مسيء.

 

من اصطلح مع الله عز وجل اصطلح مع فطرته :

أيها الأخوة الكرام، ذكرت هذا كثيراً أن فندقاً في بلد غربي كتب على السرير: إذا لم تنم هذه الليلة فالعلة ليست في فرشنا إنها وثيرة ولكن العلة في ذنوبك إنها كثيرة.
ما يسمى بالعالم الغربي احتقار الذات هو بهذا الباب الفطرة السليمة تنكر عمل صاحبها، ولمجرد أن تصطلح مع الله في الوقت نفسه تصطلح مع فطرتك، تشعر براحة، ما هذه الراحة ؟ كما لو أن مركبة من أعلى مستوى مشيت بها في طرق كلها صخور، وحفر، وأحجار، وأكمات، فقدت كل ميزاتها، أصوات، وسرعة بطيئة، وتكسير لمجرد أن تصطلح مع الله وتتوب إليه تشعر كأن جبالاً أزيحت عن كاهلك
فإذا سرت بها على الطريق المعبد اكتشفت كل ميزاتها، السرعة، والسلاسة، والانقياد، وعدم الصوت، فلذلك لمجرد أن تصطلح مع الله، لمجرد ـ إن صحّ التعبير ـ أن تعقد صلحاً مع الله، لمجرد أن تتوب إلى الله، لمجرد أن تقبل على الله، لمجرد أن تناجي الله تائباً، تشعر كأن جبالاً أزيحت عن كاهلك.
والله أيها الأخوة، السعادة التي يشعر بها المؤمن كائناً من كان، فقيراً، غنياً، قوياً، ضعيفاً، متزوجاً، أعزباً، مريضاً، صحيحاً، الشعور الذي يشعر به المؤمن لا يقدر بثمن:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (31) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (32) ﴾

( سورة فصلت )

السعادة لا تكون إلا في طاعة الله و الصلح معه :

أيها الأخوة، مرة وقع تحت يدي استبياناً أجرته مؤسسة اجتماعية سألت ألف زوج لما لا تخون زوجتك ؟ فجاءت الأجوبة متنوعة، صنفت هذه الأجوبة تصنيفاً أخلاقياً فكان من أدنى هذه الأجوبة أنني لا أستطيع لأنها معي في العمل، تراقبني أشد المراقبة، هذا مستوى، هناك مستوى آخر أجاب المجيبون لا نستطيع تحمل الشعور بالذنب، قد تكون قوياً، قد تعيش في مجتمع لا يستطيع أحد أن يراجعك، ولا يجرؤ، فإذا أخطأت تشعر بالذنب، تشعر باحتقار الذات، تشعر بالتطامن، ألا نبحث عن السعادة جميعاً ؟ أنا أتحدى إنساناً واحداً في الستة آلاف مليون على وجه الأرض ليس بحاجة ماسة إلى السعادة، والسعادة في طاعة الله، والسعادة في الصلح مع الله:

كل البشر بحاجة ماسة إلى السعادة ، والسعادة تكون في طاعة الله والصلح معه

 

(( إذا رجع العبد إلى الله نادى منادٍ في السماوات والأرض أن هنؤوا فلاناً فقد اصطلح مع الله ))

 

[ ورد في الأثر ]

والله الذي لا إله إلا هو لا أجد كلمة هنيئاً تليق إلا بمن اصطلح مع الله، قد تشتري بيتاً فخماً، نقول لك: هنيئاً على هذا البيت لكنه مؤقت، وسوف يشيع الإنسان إلى بيت آخر تحت الأرض، قد تهنأ بمنصب رفيع لا يدوم، قد تهنأ بزوجة رائعة لا تدوم، أية نعمة في الدنيا هي أصغر من أن تكون عطاءً من الله:
حينما يرزقك الله منصباً فالله أرادك أن تصل به إلى أعلى عليين

(( ولو كانت الدنيا تَعْدِلُ عند الله جَناح بعوضة ما سَقَى كافراً منها شَربة ماءٍ ))

[مسلم وأبو داود عن جابر بن عبد الله ]

ولكن لئلا أقع في ظلم الأخوة الذين أكرمهم الله في الدنيا، وسخروها في طاعة الله، حينما يؤتيك الله مالاً، والله أراد أن ترقى بهذا المال إلى أعلى عليين، وحينما يرزقك الله منصباً خطيراً بجرة قلم تحق حقاً وتبطل باطلاً، أراد الله لك بهذا المنصب أن تصل به إلى أعلى عليين، وحينما يؤتيك الله علماً ولا تخشى في إلقائه لومة لائم، لا تجامل، ولا تحابي، ولا تنافق، ولا تسكت عن الحق خوفاً، ولا تنطق بالباطل تقرباً، فأنت ما علمك الله هذا العلم إلا لترقى به إلى أعلى عليين، شيء خطير كل إنسان معه مفتي، استفتِ قلبك ولو أفتاك المفتون وأفتوك.

 

معنى الفطرة أنك تحب الإحسان و الإنصاف :

أيها الأخوة، مرة إنسان يقود مركبة في لبنان، و هو مسرع دهس طفلاً في الساعة الثانية ليلاً أرسله أبوه لشراء حاجة من بقالية في أثناء الصيف، هذا الحادث كتب ضد مجهول، هذا الذي دهس هذا الطفل ليس محاسباً، ذهب إلى طبيب نفسي بعد عشرين يوماً قال: مضى عليّ عشرون نوماً لم أذق طعم النوم، ليس مؤاخذاً، ما حاسبه أحد، حاسب نفسه، لو تنتبهوا إلى موضوع الفطرة:

﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ﴾

( سورة الروم الآية: 30 )

معنى الفطرة أنك تحب الإحسان والإنصاف وهذا مصدر السعادة
أنت مبرمج، أنت مولف، أنت مفطور على منهج الله تماماً، ليس معنى الفطرة أنك محسن، ولكن معنى الفطرة أنك تحب الإحسان، فإذا فعلت شيئاً تحبه سعدت، ليس معنى الفطرة أنك منصف، معنى الفطرة أنك تحب الإنصاف، فإذا أنصفت تشعر براحة نفسية، والله الراحة النفسية التي تأتي من الاستقامة لا تقدر بثمن، والله صاحبها ملك، لا يستطيع أن يعتذر، ما فعل شيئاً، قد يكون حاجباً مستقيماً يشعر بعزة لا يملكها المدير العام، ما دمت مستقيماً تشعر بعزة:

 

﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ ﴾

( سورة يونس الآية: 26 )

قد تكون في أدنى منصب، هناك بادرة طيبة أذكرها بخير أن رئيسنا كرّم عمال التنظيف، وضع عن يمينه عاملاً وجد في القمامة مجموعة أساور تقدر بربع مليون ليرة، بحث عن أصحابها أياماً أربعة، حتى عثر على البيت الذي فقدت منه، وسلمهم هذه الأساور، والعامل الثاني درس أولاده فكان له ابن طبيب، والثاني مهندس، ما منعه قلة دخل هذه الحرفة أن يهمل أولاده.

 

أي عمل فيه صدق وأمانة فهو محترم :

أيها الأخوة، النبي عليه الصلاة والسلام سأل عن امرأة تقمُّ المسجد، امرأة تقمُّ المسجد، أي عاملة تنظيف في المسجد، قالوا: ماتت يا رسول الله، فغضب أشد الغضب و قال: هلا أعلمتموني ؟ الصحابة الكرام تصوروا أن شأن هذه المرأة المتدني لا يرقى إلى مستوى أن يعلموا النبي بموتها، فذهب إلى قبرها وصلى عليها.
كل إنسان له عمل ما دام أتقنه وأخلص به فهو يرقى به عند الله
هذا الدين أقول لكم: أي عمل فيه صدق وأمانة محترم، أبداً، ما لم نكن كذلك لن نتقدم، كل إنسان له عمل ما دام أتقنه، وأخلص به، وخدم به الناس، يرقى به عند الله، لا يخفض من مكانتك عند الله أن يكون العمل متدني الأجر، أبداً، معلم ابتدائي أمامه ثلاثين أو أربعين طالباً في وقت برمجة الأخلاق والقيم عاملهم برقة، أقنعهم بالصدق والأمانة، دلهم على الله، هذا المعلم الذي لا يكفيه راتبه خمسة أيام له شأن عند الله لا يعلمه إلا الله.
لذلك والله أيها الأخوة، لا أجد كلمة تشفي غليلي حينما أقول لواحد هنيئاً لك إلا إذا عرف الله، أهنئ الناس جميعاً بحسب التقاليد لشراء بيت، لنيل شهادة عليا، بمنصب، بزواج إلى آخره، أما والله لا أشعر أنني أهنئه حقيقة إلا إذا اصطلح مع الله.

الشيطان يوسوس للإنسان بالكفر إن رآه على طاعة أو إيمان أو ورع :

أيها الأخوة الكرام:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنْ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ(201) ﴾

( سورة الأعراف )

ما دامت العقيدة سليمة والسلوك مستقيما فهذا المعنى يجمعنا ويوحدنا ويجعلنا أقوياء
الشيطان يوسوس، الشيطان يوسوس لك بالكفر، إن رآك على إيمان وسوس لك بالشرك، إن رآك على توحيد وسوس لك بالكبيرة، إن رآك على طاعة وسوس لك بالصغيرة، إن رآك على ورع وسوس لك بالتحريش بين المؤمنين، أي خصومات بين الجماعات الدينية كل جهة ترشق جهةً أخرى بتهم باطلة، وقد يكون هذا على الفضائيات ونظهر أمام العالم غير الإسلامي بأننا متشرذمون، متفرقون، متخاصمون، نتبادل التهم، هذا هدم للدين، لذلك من علامات إخلاصك التعاون.
أقول لكم هذه الكلمة الدقيقة جداً: إياك أيها الأخ الكريم ثم إياك ثم إياك أن تظن الدين خطاً رفيعاً، فإذا خرجت عنه قيد أنملة خرجت عن الدين، كل جماعة تتوهم أن دينها هي ما هي عليه، فأي إنسان آخر خرج ولو معه دليل من مذهب كبير يتهم بالشرك، أو بالكفر، أو بالخروج من الدين، اعلموا علم اليقين أن الدين شريط عريض، فيه اليمين واليسار، وكلهم على العين والرأس ما دامت العقيدة سليمة، والسلوك مستقيماً، هذا المعنى يجمعنا ولا يفرقنا، هذا المعنى يوحدنا لا يشرذمنا، هذا المعنى يجعلنا أقوياء، ولا تفرقوا فتذهب ريحكم.

 

النجاح الجزئي لا يسمى نجاحاً أصلاً لأن النجاح لا يكون إلا شمولياً :

أيها الأخوة، هناك نقطة ثانية في هذا الموضوع، يقول النبي عليه الصلاة والسلام:

(( إياكم و ما يُعتذر منه ))

[ الجامع الصغير عن أنس ]

إتقان العمل لا يكون بشكل جزئي بل يجب أن يكون بشكل شمولي
أي عمل تضطر إلى أن تعتذر منه دعه ابتداءً، اجعل رأسك عالياً، اشعر أن عزة الإنسان تأتي من استقامته:

﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا ﴾

مطلقة، أحسن في عمله لا يوجد غش، أتقن عمله، وضع صحناً يحتاج إلى أربعة أماكن للتمتين، عليه ضغط كبير، اكتفى بمكانين، جاءت رياح عاصفة قلعت هذا الصحن، نزل فوق ابنة صديق لي فأرداها ميتة، لم يتقن عمله، فهو سبب موت طفلة في الصف الثامن كالوردة تماماً.
فيا أيها الأخوة، إتقان العمل، ذكرت لكم مراراً ليس هناك نجاح جزئي، لا بدّ من نجاح شمولي، ينبغي أن تنجح مع الله أولاً بمعرفته من خلال آياته الكونية، والتكوينية، والقرآنية، وينبغي أن تحمل نفسك على طاعته، وينبغي أن تتقرب إليه، وينبغي أن تؤدي العبادات بإتقان، فإذا نجحت مع الله أنا أعدّ هذا أصل كل نجاح، ينبغي أن تنجح مع أهلك وأولادك، أهلك شريكة حياتك قاسمتك الشقاء والرخاء، ينبغي أن ترعاها لا أن تجعل ابتسامتك، ولطفك، ودعابتك، وأناقتك لأية امرأة غيرها، وهذه التي في البيت الكلمة القاسية، والنظرة المتجهمة، والقسوة البالغة، لماذا ؟ هذا إنسان لا يعرف الله، على الإنسان العناية بصحته ليعيش عمره نشيطا متمتعاً بقوته فهي قوام العمل
بطولتك في البيت، الأخلاق الحقيقة الأصيلة في البيت، فهناك محطة مع الله، ومحطة مع الأهل والأولاد، ومحطة مع عملك ترتزق منه، أي خطأ لو لم يسأل الطبيب هذا المريض أعندك حساسية ؟ لم يسأله والمريض لم يعرف، أخذ الدواء فوقع في صدمة قد تكون قاتلة، فهناك إهمال، إتقان عملك جزء من عبادتك، في الطب، والهندسة، والمحاماة، والتجارة، والبيع والشراء، العمل محطة كبيرة في حياتك، وأهلك وأولادك محطة كبيرة، وأصل هذه المحطات أن تعرف الله.
بقي صحتك قوام عملك، تنفيذ التعليمات الصحية للأطباء أنا أرى أنها عبادة لله، أنا أقول: الأعمار محدودة هذا إيماننا، لكن لك عند الله سبع وستين سنة مثلاً، يمكن أن تمضي نصفها على الفراش لا سمح الله ولا قدر، ويمكن أن تتمتع بهذه السنوات وأنت قائم، فالعناية بالصحة لا من أجل أن يطول العمر، لا، من أجل أن تعيش هذا العمر نشيطاً، متمتعاً بقوتك، وسمعك، وبصرك.
أيها الأخوة الكرام، ننتقل إلى موضع آخر في الخطبة الثانية.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه يغفر لكم، فيا فوز المستغفرين، أستغفر الله.

 

* * *

الخطبة الثانية :

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله بيته الطيبين الطاهرين، وصحبه أجمعين.

الثقة بالله عز وجل أساس النصر :

أيها الأخوة، هناك مناسبة إسلامية هي تهويد القدس الآن، والحقيقة من سنوات عدة وقع تحت يدي كتاب، الآن لا أذكر عنوانه بالتفصيل، فالحالة التي كانت سائدة بين المسلمين في عهد صلاح الدين أصعب بمئة مرة من الأحوال التي نعيشها اليوم الثقة بالله عز وجل أساس و مفتاح النصر للمسلمين
يكفي أن أروي لكم قصة قرأتها في هذا الكتاب، أن المرأة كانت تخطف، وتشوى، وتؤكل من شدة الفقر، الفرنجة تربعوا على هذه البلاد تسعين عاماً، كل شيء بيدهم، وأمراء المناطق يتناحرون، ويتراشقون التهم، وبأسهم بينهم، أنا أذكر لكم بلا تفاصيل أنني قرأت معظم هذا الكتاب، فوجدت أن الوضع السياسي، والاجتماعي، والاقتصادي، والديني، أسوأ مما نحن عليه بمئة مرة، ومع ذلك عندما بدأ صلاح الدين بإنشاء شارع المدارس هنا بدأ بالتعليم، واستعان على الانتصار عليهم بطاعة الله، وإزالة المنكرات، هذا الإنسان استطاع أن يقف في وجه سبع وعشرين دولة أوربية، واستطاع أن يدخل القدس فاتحاً بعد تسعين عاماً، حينما دخلوا القدس ذبحوا سبعين ألفاً في يومين، أنقل لكم ما في التاريخ عن فتح القدس لا من أجل أن نتحسر على حاضرنا، لا والله، من أجل أن نثق أن الله في أي وقت، في عام ألفان وتسعة، وألفان وعشرة، وألفان وعشرون الذي أكرم به صلاح الدين يمكن أن يكرمنا به.

فتح مدينة القدس من قِبل المسلمين بقيادة البطل صلاح الدين :

الآن ننتقل عبر البعد الزماني إلى يوم الجمعة الواقع في السابع والعشرين من شهر رجب عام خمسمئة وثلاثة وثمانين للهجرة، الموافق للثاني من تشرين الأول من عام ألف ومئة وسبعة وثمانين للميلاد، ففي هذا اليوم تمّ فتح مدينة القدس من قبل المسلمين بقيادة البطل صلاح الدين، وتمّ تحريرها من أيدي الغزاة الطامعين، وها نحن أولاء نرى القلوب قد امتلأت بالفرح، والوجوه قد عمّها البشر، ونسمع الألسنة وقد لهجت بالشكر، لقد علت الرايات، وعلقت القناديل، ورُفع الأذان، وتُلي القرآن، وصفت العبادات، وأُقيمت الصلوات، وأديمت الدعوات، وتجلت البركات، وانجلت الكربات، وزال العبوس، وطابت النفوس، وفرح المؤمنون بنصر الله.
والله من حقب طويلة تراكمت على هذه الأمة الويلات والنكسات، لذلك كادت تسود بيننا ثقافة اليأس، ثقافة الإحباط، ثقافة الطريق المسدود، لكن جرعة منعشة أكرمنا الله بها حينما انتصر أخوتنا في غزة على أقوى جيش في العالم، وحينما أحبطوا كل أهدافه التي لم يتحقق منها هدفاً واحداً، ولا بعد عشرين يوماً من الحرب.
فتحت مدينة القدس من قِبل المسلمين بقيادة البطل صلاح الدين
ها نحن أولاء ندخل المسجد الأقصى ـ هذا كلام في كتب التاريخ أنقله إليكم حرفياً ـ فإذا المسلمون، وفيهم صلاح الدين وجنده يجلسون على الأرض، لا تتفاوت مقاعدهم، ولا يمتاز أميرهم عن أحد منهم، قد خشعت جوارحهم، وسكنت حركاتهم، هؤلاء الذين كانوا فرساناً في أرض المعركة، استحالوا رهباناً خُشعاً، كأن على رؤوسهم الطير، في حرم المسجد، وها هو ذا خطيب المسجد، محي الدين القرشي قاضي دمشق، يصعد المنبر، ويلقي خطبته، التي لو ألقيت على رمال البيد لتحركت، وانقلبت فرساناً، ولو سمعتها الصخور الصم لانبثقت فيها الحياة، لقد افتتحها بقوله تعالى:

﴿ فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾

( سورة الأنعام )

نرجو أن تتحرر القدس ونحن أحياء وأن نستمع لمن يخطب على منبرها
نرجو الله أن تفتح القدس ونحن أحياء وأن نستمع لمن يخطب فيها بهذه الآية:

 

﴿ فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾

( سورة الأنعام )

وها نحن أولاء نستمع إلى فقرات من خطبته، يقول هذا القرشي الخطيب اللامع الدمشقي على منبر الأقصى: " أيها الناس، ابشروا برضوان من الله تعالى، الذي هو الغاية القصوى، والدرجة العليا، لما يسّره الله على أيديكم من استرداد هذه الضالة من الأمة الضالة، وردّها إلى مقرها من الإسلام، بعد ابتذالها في أيدي المعتدين الغاصبين ".

 

 

الموقف الإسلامي الرائع الذي يقفه أخواننا في فلسطين :

 

أقطع خطبة القرشي لأروي لكم أنني حضرت قبل شهر تقريباً احتفاءً بالقدس، بلغني ممن أثق به، وقد ألقي هذا على الملأ، أن عدداً كبيراً من سكان القدس دفع لهم في بيتهم مليون دولار لكل متر مربع، والكلام دقيق والذي قاله مسؤول: أحد المواطنين الفلسطينيين ثمن بيته قدر بمئة وستة وثلاثين مليون دولار، رفض أن يبيعه ووضع النقود تحت قدمه وقف الفلسطينيون موقفا رائعا وتحملوا الكثير فهم يعيشون على أنقاض منازلهم بعد أن هدمت
الآن هدموا بيته وجعلوه في الطريق، لو باع بيته خائن، صح، فعلاً خائن الآن بلا بيت ألا يقتضي أن نعينهم ؟ وقف موقفاً إسلامياً ورائعاً، الآن عدد كبير من سكان القدس الأصلاء هدمت منازلهم، وهم في الطريق، بلغني أنهم يعيشون على أنقاض منازلهم، لذلك قال هذا الخطيب: "ابشروا برضوان من الله، الذي هو الغاية القصوى، والدرجة العليا، لما يسّره الله على أيديكم من استرداد هذه الضالة من الأمة الضالة، وردّها إلى مقرها من الإسلام، بعد ابتذالها في أيدي المعتدين الغاصبين قريباً من مئة عام ".
أعتقد إلى الآن مضى على وجود اليهود في فلسطين ستون سنة، و إن مضى عليه تسعون سنة المسلمون لن ييأسوا من إخراجهم، وتطهير هذا البيت الذي أذن الله أن يُرفع، ويُذكر فيه اسمه، من رجس الشرك والعدوان.
ثم قال محذراً: "إياكم عباد الله أن يستزلكم الشيطان، فيُخيل إليكم أن هذا النصر كان بسيوفكم الحداد، وخيولكم الجياد، لا والله، وما النصر إلا من عند الله، فاحذروا عباد الله بعد أن شرَّفكم الله بهذا الفتح الجليل أن تقترفوا كبيرة من مناهيه، انصروا الله ينصركم، خذوا في حسم الداء وقطع شأفة الأعداء ".

الأمر بيدنا والكرة في ملعبنا :

أذكر أنه في عام سبعة وتسعين حينما احتلت الضفة الغربية هناك قلعة اسمها قلعة شقيف (إن النصر لن يأتي إلا إذا كان عدد المسلمين في صلاة الفجر كعدد المسلمين في صلاة الجمعة
وصلها وزير الحرب الإسرائيلي، فسألوه: أن هناك نصوصاً عند المسلمين تؤكد أنهم سوف ينتصرون عليكم، قال: صح، ولكن ليس هؤلاء الذين أمامي، قال كلمة عجيبة، قال: حينما يكون رواد مساجدهم في الصلوات الخمس بل في صلاة الفجر بالذات كروادها في يوم الجمعة، عندئذ ينتصرون علينا.
أي سبعة آلاف في المسجد يحضرون خطبة الجمعة أما صلاة الفجر لا يحضرها ألا سبعة أشخاص، حينما يكون رواد المساجد ـ هذه كلمة موشديان ـ في صلاة الفجر بعدد رواد المساجد في خطبة الجمعة ينتصرون علينا.
الأمر بيدنا، والكرة في ملعبنا، والذي نصر صلاح الدين ينصرنا، والذي أذلّ الكفار يذلهم الآن.

 

الإنجازات الثلاثة التي حققها العرب اليوم على اليهود :

 

لكن من باب الموضوعية هناك تطورات نوعية، والله هناك بطولات كبيرة جرت من الإنجازات التي حققها العرب على اليهود هي توازن الرعب فقد استطاعوا إدخال الذعر لقلوب اليهود
أنا أقول لكم دائماً: هناك إنجازات ثلاثة لا يستطيع أن ينكرها أحد، أول إنجاز أن العدو الصهيوني فقد معنى الحسم، يبدأ أما النهاية ليست بيده، أما سابقاً يبدأ وينهي الحرب بست ساعات، الآن يبدأ وليس في يده إنهاء الحرب، هذا إنجاز كبير.
الشيء الثاني: كان هدفهم الأكبر الأمن، الآن البقاء، تقرير " س أي أ "، تلوته عليكم مرات عديدة يتوقع أن تنتهي إسرائيل بعد عشرين عاماً فقط، لا بحرب، ولكن بالعودة، لأن الأهداف التي أعلنت لم تحقق.
الهدف الثالث: توازن الرعب، كنا نخاف ولا يخافون الآن نخاف ويخافون، وندخل إلى الملاجئ ويدخلون، تطلق صفارات الإنذار عندنا وعندهم، صار هناك توازن رعب، هذا تطور كبير جداً، ما سبق أن عشرة آلاف مقاتل تحت الأرض يهزمون أكبر جيش في المنطقة، أول جيش في تنوع الأسلحة، ورابع جيش في العالم، وأول جيش من حيث الإعداد، لذلك إذا كان الله معك فمن عليك ؟

تطبيق سنة الرسول صلى الله عليه و سلم تبعد الإنسان عن عذاب الله عز وجل :

أنا أسوق هذا الكلام لا من أجل أن أدغدغ مشاعركم بانتصارنا سابقاً، لا من أجل أن تقتنعوا أن الإله العظيم الذي نصر صلاح الدين هو هو، وأن الكرة في ملعبنا، أما حينما نعيش على النمط الغربي، ويكون دعاؤنا على النمط الإسلامي لا يستجاب دعاؤنا، حينما تطبقوا منهج النبي عليه الصلاة والسلام دقق في هذه الآية:

تطبيق سنة رسول الله تبعد الإنسان عن عذاب الله عز وجل

 

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ﴾

 

( سورة الأنفال الآية: 33 )

مستحيل أن يعذب المسلمون وهم مطبقون سنة رسول الله.
قال: وها نحن أولاء نخرج من المسجد الأقصى، ونلتقي بأحد الفرنجة الذين شهدوا فتح القدس، وها هو ذا يحدثنا فيقول: " إن المسلمين لم يؤذوا أحداً، ذبح منهم سبعون ألفاً حين فتح القدس، المسلم إنسان كبير جداً لا ينتقم ".
إن المسلمين لم يؤذوا أحداً، ولم ينهبوا مالاً، ولم يقتلوا مُسالماً، ولا مُعاهداً، وإن من شاء منا خرج، وحمل معه ما شاء، وإنا بعنا المسلمين ما فضُل من متاعنا، فاشتروها منا بأثمانها، وإننا نغدو، ونروح آمنين مطمئنين، لم نرَ منهم إلا الخير والمروءة، فهم أهل حضارة وتمدن، وصدق من قال: ما عرف التاريخ فاتحاً أرحم منهم.

 

اعتذار إلى القائد العظيم صلاح الدين الأيوبي :

أيها الأخوة الكرام، هذا الذي حصل لذلك نحن مضطرون أن نقدم اعتذارنا للبطل صلاح الدين الذي طرد الفرنجة القدامى من بلاد المسلمين، ونحن أعدناهم إلى بعض بلاد العرب والمسلمين: فعذرا لك يا صلاح الدين وألف عذر، أنت الذي طردت الفرنجة القدامى من بلاد الشام، ومصر، والعراق، وأنت الذي حررت دمشق والقدس من أيديهم، وقد قلت قولتك الشهيرة: لن يرجعوا إليها ما دمنا رجالاً، فعذراً يا صلاح الدين، لقد رجعوا بعد الحرب العالمية الأولى إلى بلاد الشام، ودخل قائدهم إلى دمشق، وزار قبرك، وقال لك: ها قد عدنا يا صلاح الدين عذرا صلاح الدين لأن المسجد الأقصى لا يزال بيد المعتدين
فعذراً وألف عذر لك، لقد رجعوا مرة ثانية إلى العراق، ولسان حالهم يقول: ها قد عدنا يا صلاح الدين ثانية، ولئلا تقلق علينا أيها البطل، إنهم يقولون حينما عادوا إلينا: عدنا كي ننعم بحرية كحريتهم، من أجل الحرية والديمقراطية عادوا، وسلام كسلامهم، وبرخاء كرخائهم، هم يخططون لشرق أوسط جديد وكبير، ولا أتمنى عليك ـ أيها القائد الفذ ـ أن تسأل هل تحقق لكم ما قالوا ؟ الذي تحقق إفقار لكل بلد احتلوها وإضلال، وإفساد وإذلال، وإبادة واقتتال، وتدمير للمنشآت، ونهب للثروات، ونسف لكل المنجزات، إنها ردّة ولا صديق لها، إنها هجمة تترية ولا قُطُز لها، إنها حملة فرنجية وأنت غائب عنها، فعذراً يا صلاح الدين، لقد كانت معالم الحزن والأسى ترتسم على وجنتيك، ولم يكن للابتسامة طريق إلى شفتيك، فلما كنت تُسألُ لماذا لا تضحك يا صلاح الدين ؟ فكان جوابك المتكرر، إني أستحي من الله أن أضحك، وما يزال المسجد الأقصى بيد المعتدين، فعذراً يا صلاح الدين، وأنت الذي وصلك خبر اعتراض أمير الفرنجة أرناط، الذي احتل قلعة الكرك في الأردن، وراح يقطع الطريق على الحجاج المسلمين، المتوجهين من الشام نحو الحجاز، فكان يقتل الرجال، ويسبي النساء، وهو يقول لهم: نادوا محمداً لينتصر لكم، فلما سمعت ما قاله انسابت الدموع من عينيك، وقد قلت قولتك المشهورة: أنا سأنوب عن رسول الله بنصرة أمته، وهذا ما كان منك أيها البطل، فما هدأ لك بال، ولا سكنت لك جارحة، حتى وفيت بوعدك، يوم حطين، يوم انتصرت على ملوك أوروبة وأمرائها، ويوم وقع أرناط في الأسر... فمثل بين يديك وذكرته بما قال، وقلت له: يا أرناط أنا أنوب اليوم عن رسول الله في الدفاع عن أمته، عذراً يا صلاح الدين، يا من هزمت الفرنجة القدامى، حتى أصبح اسمك على لسان النساء في أوروبة يخوفن بك أولادهن في الليل ليناموا، تقول الأم لابنها: نم يا ولدي، وإذا لم تنم، فسيطلع علينا صلاح الدين، لقد قذفت الرعب في نفوس أهل أوروبة، وشكَّلت لهم عقدة نفسية اسمها صلاح الدين، فعذراً وألف عذر لقد تحققت نبوءة القرآن فينا : فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً
يا أيها القائد الحبيب، لما حلّ بنا من بعدك، ومن أجل أن تبقى منسجماً مع إيمانك الكبير بالله نقول لك: هان أمر الله علينا فهنا على الله، هان أمر الله علينا من بعدك فهنا على الله، لقد تحققت نبوءة القرآن فينا:

﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً ﴾

( سورة مريم )

لقد لقينا ذلك الغي ومن أجل أن نطمئنك، ونذكرك بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أنبت نفسك عنه في الدفاع عن المسلمين:

(( لا يزال من أمتي أمة قائمة بأمر الله، ما يضرهم من كذبهم، ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك، فقال مالك بن يخامر: سمعت معاذاً يقول: وهم بالشام ))

[ البخاري عن عمير بن هانئ]

كنت خاشع القلب، غزير الدمعة إذا سمعت القرآن الكريم، أو تلوته بكيت، وكنت كثير التعظيم لشعائر الدين، كنت ناصراً للتوحيد، قامعاً أهل البدع، لا تؤخر الصلاة عن وقتها، وكانت لك ركعات تصليها في جوف الليل، كنت إذا سمعت أن العدو داهم المسلمين كما يجري في بلاد المسلمين، خررت إلى الأرض ساجداً لله تدعو بهذا الدعاء: "إلهي قد انقطعت أسبابي الأرضية في نصرة دينك، ولم يبقَ إلا الإخلاد إليك، والاعتصام بحبلك، والاعتماد على فضلك، أنت حسبي ونعم الوكيل ".

 

الدعاء :

اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق، ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك و نتوب إليك اللهم انصر الإسلام والمسلمين في كل مكان وأعز الإسلام والمسلمين
اللهم اهدنا لصالح الأعمال لا يهدي لصالحها إلا أنت، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك، اللهم بفضلك ورحمتك أعلِ كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام، وأعز المسلمين، انصر المسلمين في كل مكان، وفي شتى بقاع الأرض يا رب العالمين، اللهم أرنا قدرتك بأعدائك يا أكرم الأكرمين.

 

 

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018