الفقه الحضاري - الندوة : 21 - العبادات 2 العبادات التعاملية . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠30برنامج الفقه الحضاري - قناة سوريا الفضائية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الفقه الحضاري - الندوة : 21 - العبادات 2 العبادات التعاملية .


2003-08-07

المذيع:

 السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أحييكم عبر القناة الفضائية السورية من برنامج الفقه الحضاري في الإسلام، ويسرنا أن نلتقي اليوم مع فضيلة الشيخ الدكتور محمد راتب النابلسي، الأستاذ في كلية التربية في جامعة دمشق، وأستاذ الإعجاز العلمي في الكتاب والسنة في كليات الشريعة، أهلاً ومرحباً بكم.
 موضوع العبادة: أنا أعبد الله تعالى، هل عبادتي تراني لأنني وجدت الآن مثلاً في مسجد مع مجموعة من الناس لأؤدي مجموعة من الفرائض، هل هذه هي العبادة ؟ هل العبادة أنني جاءني ضيف فقمت بواجبي، أم قصرت ؟ هل العبادة أن يكون ظرف معين فأديت، أو قصرت ؟ هل هناك دخل للعبادة ؟ هل العبادة لمجموع هذا ؟ هل العبادة شمولية ؟ هل يمكن في وقتنا الحاضر الذي نعيش فيه ما بين صراع الحضارات، أو المدنيات، أو الحضارات وحواراتها، هل هذا أن يقوم الإنسان بدوره بالشكل الجيد ضمن ما يجب أن يكون فيه، ضمن المجموعة البشرية، هل هذا

عبادة ؟ وما معنى العبادة الشمولية بمعنى آخر ؟ الأستاذ:

بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
 أستاذ عدنان، جزاك الله خيراً، نحن في حلقة سابقة بينا أن العبادة علة وجود الإنسان على سطح الأرض، لكن بتعريف آخر، أن الإنسان أعقد آلة على سطح الأرض تعقيد إعجاز، لا تعقيد عجز، ولهذه الآلة البالغة التعقيد صانع حكيم، هو الله عز وجل، ولهذا الصانع الحكيم تعليمات الصيانة، فانطلاقاً من حرص الإنسان على سلامته، وسعادته، وعلى حسن مردوده، وتحقيق إحداثه التي خلق من أجلها فلابد من أن يتبع تعليمات الصانع، والجهة الصانعة هي الجهة الوحيدة التي ينبغي أن تتبع تعليماتها، الإنسان مخلوق مكرم.

﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً (70)﴾

(سورة الإسراء)

 والإنسان هو المخلوق المكلف بعبادة الله عز وجل،

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56)﴾

(سورة الذاريات: الآية 56)

 ولكن الإنسان في الأصل هو المخلوق الأول رتبة، بدليل أن الله عز وجل حينما قال:

 

﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً (72)﴾

 

(سورة الأحزاب)

 الإنسان قال: أنا لها وطمح في أن يكون في المرتبة الأولى، ولكن إذا وفى بعهده، وحينما لا يوفي بعهده بطاعة ربه يكون في أسفل سافلين.

 

﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4)﴾

 

(سورة التين)

ثم إن لم يكن كما أراد الله كان في أسفل سافلين، " ابن آدم أنت تريد، وأنا أريد، فإذا سلمت لي فيما أريد كفيتك ما تريد، وإن لم تسلمني فيما أريد أتعبتك فيما تريد، ثم لا يكون إلا ما أريد ".
 هذا الإنسان عقل يدرك، وقلب يحب، وجسم يتحرك، ولابد من أن يغذى العقل بالعلم، والقلب بالحب، والجسم بالطعام والشراب، الإنسان فيه دوافع للطعام والشراب، وللشهوة والجنس، ولتأكيد الذات، فلا بد من حركة، يوجد دوافع قوية جداً، هذه الحركة كيف تنضبط ؟ لا بد للصانع الحكيم أن يعطيه منهجاً وعقلاً، وأودع فيه شهوة، فالشهوة هي القوة المحركة ، والعقل هو القوة الضاغطة، والطريق هو الشرع، فالبطولة أن يعمل العقل بضبط حركة الإنسان فيبقى على منهج الله، الحركة حركة شهوات، يريد أن يأكل فينبغي أن يعمل، يريد أن يتزوج فيجب أن يستقيم، أو لا يستقيم، يريد أن يؤكد ذاته، إما بالخير أو بالشر.
انطلقنا أن هذا الإنسان قبل حمل الأمانة، والأمانة نفسه التي بين جنبيه.

﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (10)﴾

(سورة الشمس)

 فلابد لهذا الإنسان من منهج تفصيل، أكاد أقول، ولا أظن أني أبالغ: يكاد يكون هذا المنهج التفصيلي عشرات ألوف البنود، من هذه البنود بضعة بنود تعينه على الاتصال بالله، هي العبادة الشعائرية، لكن كيف يأكل، ويشرب، ويتزوج، ويربي أولاده، ويكسب المال، وينفقه، ويفرح، ويحزن، يحارب، يسالم و... أكاد أقول: إن بنود المنهج الإلهي تزيد على بضعة آلاف كيف أن المسلمين نسخوا هذه البنود إلى بنود عديدة فقط، لذلك تخلفوا، وأصبحوا في مؤخرة الأمم، لأن المنهج الإلهي الذي صمم ليكون من أقوى الأمم خلفوه وراء ظهورهم، نشهد من هذا أن العبادة شمولية.
 في حلقة سابقة تحدثت عن العبادة الشعائرية، أما الآن فمع التعاملية، العبادة بالدرجة الأولى هناك أنواع تنتظرها الزمرة الأولى، عبادة الهوية، من أنت ؟ أنت إنسان غني، العبادة الأولى إنفاق المال أنت لم يقمك الله غنياً إلا لتنفق المال.
لذلك أول عبادة في حق الغني أن يعاون بماله الفقراء والمحتاجين، فالغني نقول له: عبادتك الأولى إنفاق المال، وقد أكد النبي هذه الحقيقة فقال، فَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رَضِي اللَّه عَنْهمَا قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

 

(( لَا حَسَدَ إِلَّا عَلَى اثْنَتَيْنِ، رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْكِتَابَ، وَقَامَ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ، وَرَجُلٌ أَعْطَاهُ اللَّهُ مَالًا فَهُوَ يَتَصَدَّقُ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ))

 

(صحيح البخاري)

 العالم عبادته الأولى تعليم العلم، أقامك الله قوياً عبادتك الأولى إحقاق الحق، وإنصاف الضعيف والمظلوم، هذه العبادة نسميها عبادة الهوية، أنا هويتي في المجتمع غني، أو عالم، أو قوي، أو هوية امرأة عبادتها الأولى حسن رعاية الزوج والأولاد.
قال صلى الله عليه وسلم:

 

(( اعلمي أيتها المرأة، وأعلمي من دونك من النساء أن حسن تبعل المرأة زوجها يعدل الجهاد في سبيل الله ))

 

(ورد في الأثر)

 فحبذا لو أن المسلمين يفقهون حقيقة العبادة، المرأة التي تحسن رعاية زوجها وأولادها هي في أعلى درجة، والجهاد كما تعلمون ذروة سنام الإسلام.

 

المذيع:

 وهنا أذكر دكتور أنه يمكن أن يقول بعض الناس: وهل الزوجة فقط لتكون في تبعلها زوجها دون أن يكون الزوج بالمقابل كذلك ؟ أظن أن ابن عباس أشار لهذه الناحية، وبين أن الأمر على التساوي.

 

 

الأستاذ:

 

﴿ وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾

 إذا كان هناك درجة للرجل هي درجة القيادة فلابد للمركبة من ربان واحد، لا بد من طيار، وطيار مساعد، أما الكلمة الفصل فللأول، هذه درجة القيادة درجة واحدة.
أول زمرة من أنواع العبادات عبادة الهوية، الغني له عبادة، والعالم له عبادة، والقوي له عبادة، والمرأة لها عبادة، القواسم المشتركة في العبادة هي الكم الكبير في البشر.
أن نؤمن بالله واليوم الآخر، وأن نصلي، ونصوم، هذا في حركتنا اليومية، أما الزمرة الثانية فعبادة الظرف.
 مثلاً: إنسان عنده ضيف، أول عبادة يرضاها الله منه فضلاً عن الصلاة إكرام الضيف، عنده أب مريض، قبل أوراده وأذكاره رعاية صحة الأب والمريض، عنده ابن في الجامعة، عنده امتحان، يجب أن يهيئ لهذا الابن الدراسة الجيدة.
فالعبادة عبادة الظرف، أنت في ظرف استثنائي مثلاً: أسرة تعاني مشكلة، كيف تحل هذه المشكلة ؟ هذا الإنسان الحصيف الموفق يقتضي أن يفعل في هذا الظرف الشيء المناسب.

 

المذيع:

 ولنا أن نذكر قصة للعبرة.

 

 

الأستاذ:

 كان النبي  وأصحابه في سفر، فأرادوا أن يعالجوا شاة، قال أحدهم:

 

 

(( عليَّ ذبحها، وقال الثاني: عليَّ سلخها، وقال الثالث: عليَّ طبخها، فقال عليه الصلاة والسلام: عليَّ جمع الحطب، لأن وقتها قام الرابع ليصلي نفلاً، أول عبادة أن تعاون إخوانك، فلما قال له أصحابه: يا رسول الله، نكفيك ذلك، قال: أعلم أنكم تكفوني، ولكن الله يكره أن يرى عبده متميزاً على أقرانه ))

 

(ورد في الأثر)

 عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ:

 

(( كُنَّا يَوْمَ بَدْرٍ كُلُّ ثَلَاثَةٍ عَلَى بَعِيرٍ، كَانَ أَبُو لُبَابَةَ، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ زَمِيلَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: وَكَانَتْ عُقْبَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: فَقَالَا: نَحْنُ نَمْشِي عَنْكَ، فَقَالَ: مَا أَنْتُمَا بِأَقْوَى مِنِّي، وَلَا أَنَا بِأَغْنَى عَنِ الْأَجْرِ مِنْكُمَا ))

 

(مسند الإمام أحمد)

 في بعض الغزوات أناس أفطروا، وأناس صاموا، فالذين أفطروا هيئوا الطعام للصائمين، فسرّ النبي عليه الصلاة والسلام فقال: ذهب المفطرون بكل الأجر.
في السفر مندوب أن يفطر الإنسان، لكن كيف هذا الذي أفطر قام بعبادة، هو دور إضافي.
الزمرة الثالثة: عبادة الوقت، هذا وقت الفجر وقت الأذكار، لإن لله عملاً بالليل لا يقبله بالنهار، وإن لله عملاً بالنهار لا يقبله في الليل.
 أذكر أن سيدنا عمر جاءه مندوب من أذربيجان، فوصل المدينة ليلاً، فكره أن يطرق بابه، فتوجه للمسجد، فليس هناك إضاءة قوية، سمع إنسانًا يناجي ربه، قال: يا رب، هل قبلت توبتي فأهنئ نفسي، أم رددتها فأعزيها ؟ قال: من أنت، سبحان الله ‍؟ قال: أنا عمر، قال: أمير المؤمنين ‍! قال: نعم، قال: ألا تنام الليل ؟ قال: إن نمت ليلي كله أضعت نفسي عند ربي، وإن نمت نهاري أضعت رعيتي.
إن لله عملاً بالليل لا يقبله بالنهار، وإن لله عملاً بالنهار لا يقبله في الليل.
 هل يمكن للإنسان أن يستيقظ ليقوم بحسابات وقت الصلاة، هذا وقت صلاة وذكر، وصلاة جمعة، ليس الولي الذي يطير في الهواء، أو يمشي على وجه الماء، لكن الولي كل الولي الذي تجده عند الحلال والحرام، أن يجدك الله حيث أمرك، ويفتقدك حيث نهاك، هذه عبادة الوقت، بدأنا بعبادة الهوية، ثم عبادة الظرف، ثم عبادة الوقت، والآن عبادة العصر.
 لو أن الطرف الآخر أراد إفقار المسلمين، تكاد العبادة الأولى أن تكون كسب المال الحلال، استخراج الثروات، والكفاية الذاتية، وتوفير ظروف العمل للناس، لأن المسلم يحتاج لحاجات دنيوية.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

 

(( اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لِي دِينِي الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِي، وَأَصْلِحْ لِي دُنْيَايَ الَّتِي فِيهَا مَعَاشِي، وَأَصْلِحْ لِي آخِرَتِي الَّتِي فِيهَا مَعَادِي، وَاجْعَلْ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لِي فِي كُلِّ خَيْرٍ، وَاجْعَلْ الْمَوْتَ رَاحَةً لِي مِنْ كُلِّ شَرٍّ ))

 

(مسلم)

 العبادة حينما يريد الطرف الآخر إفقارنا ينبغي أن نسعى لاستخراج ثرواتنا، ونكتفي بصناعتنا، ونوظف أبناءنا في أعمال منتجة، هذه عبادة أيضاً، متى ؟ لمن عرف الله والآخرة، ولمن ائتمر، بما أمر الله، وانتهى عما نهى عنه، الآن حركته في الحياة تلبية حاجات المسلمين، هذا الذي يسميه الناس يحمل هموم المسلمين، وهموم أمته، فيسهم في تخفيف المتاعب وحل المشكلات.
 لو أن الطرف الآخر أراد إضلالنا، فأشاع النظريات الفاسدة، والنظريات الهدامة، وبدائل للدين، ودعا إلى التفلت، وجاء بفتاوى ما أنزل الله بها من سلطان، وجاء بضلالات وتهم للدين، وانتقض الدين بأشياء فيها افتراء كبير، ما هي العبادة الأولى ؟ أن ترسخ معالم الحق، وتوضح الحق، وتبين الأدلة والبراهين والأهداف، والتجديد في الدين له تعريف دقيق جداً، هو: أن أنزع كل ما علق بالدين مما ليس منه، هذا هو التجديد، أن هذا هو الدين، دين الله توقيفي كامل.

 

﴿ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً﴾

 

(سورة المائدة)

فالتجديد يعني شيئاً واحداً، أن أنزع عن الدين كل ما علق به مما ليس منه.
 فحينما يشيع في الأوساط الثقافية الضلالات، والمبادئ الهدامة، والنقد الجارح للدين، وتهميش الدين، وأنه ليس لهذا الوقت، هذه التهم ينبغي أن يتصدى لها العلماء، وأن يأتوا بالأدلة، ويوضحوا والبراهين، هذه مهمة كبيرة، هذه أول عبادة للعلماء في زمن الضلالات والفساد.
لو أن الطرف الآخر أراد إفساد شبابنا عن طريق الغزو الثقافي والإباحيات، وما إلى ذلك يجب أن ننهض، لأن الشباب مستقبل الأمة، يجب أن نحصنهم بمناهج إسلامية منضبطة، ونملأ أوقات فراغهم، وننشط حركتهم في الحياة، وهذه عبادة.
 حينما نري أبنائنا أعمال فنية فيها تحقير لبعض القيم، والله أنا آتي بالدلائل فيها تكريس لقيم المسلمين، والأخلاق، والشجاعة، والبطولة، والعفة، والوفاء، والصدق والأمانة، هذه أيضاً عبادة، لأن تحصن شباب وأطفال المسلمين من الغزو الذي يأتينا عن طريق هذه الأطباق البعيدة أمرٌ عظيم.
 لو أن الطرف الآخر أراد فضلاً عن إفقارنا وإضلالنا وإفسادنا، أراد إذلالنا، ينبغي أن نضحي بالغالي والرخيص، والنفس والنفيس، لنصد هذا العدوان، فالإسلام دين شمولي دين كامل، وأرى ما من طموح يطمح له المسلمون كأن ينتصروا على أعدائهم، لكن هناك منهج الإله، وضع منهجًا، كأن النصر له ثمن، وثمن دقيق جداً.
هناك شرطان للنصر كل منهما شرط لازم غير كاف، لابد من أن نؤمن، أيّ إيمان ؟ الإيمان الذي أراده الله، بدليل أن الله عز وجل حينما قال:

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ﴾

(سورة النور)

 أي دين وعد بتمكينه ؟ الذي يرتضيه هم، فإن لم يمكَّنوا معنى ذلك أن فهمهم للدين، وتعاملهم معه، وعرضه غير مرضيّ، فلذلك لم يمكنوا في الأرض، فإذاً نحن بحاجة ماسّة للإيمان الذي يرضي الله عز وجل، وأنا أقول: الإيمان الذي يرضي الله هو الإيمان الذي يحملك على طاعة الله، إن لم يحمل الإيمان صاحبه على طاعة الله فليس إيماناً مجدياً، ولا ينتفع منه، بدليل أن إبليس كان مؤمناً، قال:

 

﴿ رَبِّ فَبِعِزَّتِكَ ﴾

 ، وقال:

 

 

﴿ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾

 وقال:

 

 

﴿ خَلَقْتَنِي ﴾

 فآمن به خالقاً، وبالآخرة، وبالله رباً وعزيزاً، ومع ذلك فهو إبليس.
الإيمان الذي يحمل المؤمن على طاعة الله شرط لازم غير كاف.
 الشرط الثاني: أن نعد للطرف لآخر العدة، القوة، لكن رحمة الله بنا أنه ما طالبنا أن نعد له القوة المكافئة، وقد يكون هذا صعباً، بل بالقوة المتاحة، قال تعالى:

 

 

﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾

 

(سورة الأنفال)

 أن نؤمن الإيمان الذي يحملنا على طاعة الله، ونعد لأعدائنا العدة التي نستطيعها، عندئذ نكون قد حققنا الإيمان.
الله عز وجل موجود، وغايته دقيقة.
 قرأت رسالة جاءتني من عالم كبير في أميركا، هداه الله للإسلام، زار الجالية الإسلامية في بريطانية، قال كلامًا رائعًا: أنا أعتقد أنه في المدى المنظور لا يستطيع العالم الإسلامي اللحاق بالغرب لاتساع الهوة بينهما، ولكنني مؤمن إيمان قطعي أن العالم كله سيركع أمام المسلمين، لأن مع المسلمين منهج فيه خلاص العالم، ولكن بشرط أن يحسنوا فهم دينهم، وثانياً: أن يحسنوا تطبيقه، ثم عرضه، والله الذي لا إله إلا هو لو استطاع المسلمون فهم دينهم على حقيقته لنجحوا.
مثلاً:

 

(( لأن أمشي مع أخ في حاجته خير من صيام شهر، واعتكاف في مسجد هذا ))

 السبب أن سيدنا ابن عباس كان معتكفًا في مسجد رسول الله ، فرأى رجلا مهمومًا، قال: ما لي أراك مكتئباً ؟ قال: ديون ركبتني، لا أطيق سدادها، قال: لمن ؟ قال: لفلان، قال: أتحب أن أكلمه لك ؟ قال: إن شئت الآن، فخرج ابن عباس من معتكفه، قال له أحدهم: يا ابن عباس، نسيت أنك معتكف ؟ قال: لا، والله ما نسيت، ولكنني سمعت صاحب هذا القبر، والعهد به قريب، وبكى، يقول:

 

 

(( والله لأن أمشي مع أخ في حاجته خير لي من صيام شهر واعتكاف في مسجد هذا ))

 

(الديلمي في الفردوس)

 فحينما أفهم الدين على حقيقته، وأتعامل معه بصدق، وأطبقه، وأعرضه للناس ديناً متوازناً ليس منحرفاً ولا متطرفاً، أكون قد حققت للبشرية طريق الخلاص.

 

المذيع:

 من خلال ما ذكرت نرجو الله تعالى أن يسلك المسلم سبيل الهوية الشمولية، ليكون مطبقاً للعبادة التي أرادها الله له، إن كان من خلال عبادة الشعائر، أو عبادة التعامل، وفي عبادة التعامل ما ذكرته من عبادة الوقت، والظرف، والعصر، و... هذه عملياً تدخل في نطاق العبادة التعاملية، لأنها أشمل في نطاق الإنسان ومن حوله، أما العبادة التعبدية فهي لا شك أنها بين الإنسان وربه، وهي التي تعطيه المدد من أجل أن يكون متعاملاً تعاملاً سليمًا في عبادته التعاملية، فإن كان مقصراً في عبادته الشعائرية انقلب سوءاً على عبادته التعاملية، وإن كان صادقاً في عبادته الشعائرية انعكست خيراً وإيجاباً على عبادته التعاملية، إذ لا نجد إنساناً يوماً يمكن أن يكون صادقاً في عبادته الشعائرية، ونجده بعد ذلك يروح ذات اليمين وذات الشمال، قد نجد إنسانًا في عبادته الشعائرية يأخذ المظهر، فنجده مع الآخرين على غير السواء، وغير الصراط المستقيم.
نرجو الله تعالى أن تكون عباداتنا لله تعالى عبادة شمولية، نلتزم فيها الشعائرية والتعاملية بالشكل السليم، لنكون مما رضي الله عنهم ورضوا عنه.

 

 

الأستاذ:

 هذا الدين دين توقيفي، إذا أضفنا عليه تفرقنا، وإذا حذفنا منه ضعفنا، أن ننزع عن الدين كل ما علق منه.

 

 

المذيع:

 في ختام هذا اللقاء كل الشكر لفضيلة الشيخ الدكتور محمد راتب النابلسي، أستاذ الإعجاز العلمي في الكتاب والسنة في كلية الشريعة وأصول الدين، وموعدنا معكم في مثل هذا الوقت من الأسبوع القادم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018