الخطبة : 0960 - ذكرى مولد النبي عليه الصلاة والسلام 1 - حكم الاحتفال بالمولد النبوي. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0960 - ذكرى مولد النبي عليه الصلاة والسلام 1 - حكم الاحتفال بالمولد النبوي.


2005-04-15

الخطبة الأولى:

 الحمد لله نحمده، ونستعين به، ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته، وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله، سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عين بنظر، أو سمعت أذن بخبر، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، أمناء دعوته، وقادة ألويته، وارضَ عنا وعنهم يا رب العالمين، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

حكم الاحتفال بالمولد النبوي:

 أيها الإخوة الكرام، نحن نعيش ذكرى مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي كل عام يشتد الحوار بين أطراف المسلمين، ما حكم الاحتفال بعيد المولد؟
أيها الإخوة الكرام، يقول الله عز وجل:

﴿ وَكُلّاً نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ ﴾

( سورة هود: الآية 120)

 فإذا كان قلب سيد الخلق وحبيب الحق يزداد ثبوتاً بسماع قصة نبي دونه، فلأن يزداد إيماننا بهذا الدين، وبهذا النبي الكريم حينما نسمع عن أخلاقه العلية وشمائله الرضية وسيرته الفذة، وهو سيد ولد آدم، فمن باب أولى، فها هي الأدلة على جواز إحياء هذه الذكرى:

الدليل الأول:

﴿ وَكُلّاً نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ ﴾

(سورة هود: الآية 120)

الدليل الثاني:

﴿ أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ ﴾

(سورة المؤمنون: الآية 69)

 والله سبحانه وتعالى يحضنا على معرفة رسولنا صلى الله عليه وسلم.

 

الدليل الثالث:

 قال تعالى:

 

 

﴿ قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ ﴾

 

(سورة سبأ: الآية 46)

الدليل العقلي والمنطقي:

 أيها الإخوة الكرام، أن تجمع الناس في بيتك، أو أن تجمعهم في مسجد، وأن تأتي بإنسان تثق بعلمه وإخلاصه، فيحدث الناس عن هذا النبي الكريم، وعن أخلاقه، وعن شمائله، وعن منهجه، وعن أنه سيد ولد آدم، وعن أنه مبعوث العناية الإلهية، وعن أنه رحمة مهداة، ونعمة مزجاة، فإن هذا من ضمن الدعوة إلى الله، وهذا يندرج تحت أساليب الدعوة إلى الله، هذا يندرج تحت تعريف الناس بهذا النبي الكريم، وتعريفهم بكلمة الإسلام الأولى: لا إله إلا الله محمد رسول الله.
 أن تجمع الناس في كل أوقات العام من دون استثناء، وفي أي مكان، في بيت، أو في مسجد، وأن تحدثهم عن سيد الأنام، وأن تقدم لهم بعض الطعام، هذا من ضمن حقيقة هذا الدين، ومن ضمن الدعوة إلى سيد المرسلين، ومن ضمن العمل الصالح، وما من عمل أعظم عند الله من كلمة طيبة.

 

المولد النبوي ليس عبادة:

 أيها الإخوة الكرام، لكنك إذا قلت: إن الاحتفال بعيد المولد عبادة، فهو بهذا الاعتبار يصبح بدعة، إن عددته عبادة صار بدعة، وإن عددته نشاطاً دعوياً فهو يندرج تحت الدعوة إلى الله، وتعريف الناس برسول الله، فهذا شيء آخر، لا يؤخذ عليه شيء.
إلى نبينا عليه الصلاة والسلام:

 

فلنتعرف إلى نبينا عليه الصلاة والسلام:

 أيها الإخوة الكرام، نحن بحاجة للتعرف على نبينا، ولا سيما في هذا العصر، ولا سيما في هذه السنوات الأخيرة حيث عمت القسوة والوحشية، وعمّ الحقد والضغينة بين بني البشر، والنبي عليه الصلاة والسلام كان إنساناً بكل معاني هذه الكلمة.
 النبي عليه الصلاة والسلام نراه الإنسان الحاني الرحيم، الذي لا تفلت من قلبه الذكي شاردة من آلام الناس وآمالهم إلا لبّاها، ورعاها، وأعطاها من ذات نفسه كل اهتمام وتأييد.

 

حلمه وصبره عليه الصلاة والسلام:

 نرى فيه الإنسان الذي يكتب إلى ملوك الأرض طالباً إليهم أن ينبذوا غرورهم الباطل، ثم يصغي في حفاوة ورضىً إلى أعرابي حافي القدمين، حدَّثه بجهالة:
فعن أنس بن مالك رضي الله عنه: قال:

 

 

(( كنتُ أمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم وعليه بُرْد نَجْرَاني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي، فجبذه جبذة شديدة، حتى نظرت إِلى صفحة عاتق رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أَثَّرَتْ بها حاشية البرد، من شدة جَبْذته، قال: يا محمد، مُرْ لي من مال الله الذي عندك، فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أمر له بعطاء ))

 

 

[ حديث صحيح، أخرجه البخاري ]

يسأله أعرابي يوماً في بداوة جافة فيجيبه برقة وحنان:
 فعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: كان لرجلٍ على رسولِ الله صلى الله عليه وسلم سنٌّ من الإِبل، فجاءه يتقاضاه. وفي رواية: أنه أَغلظ لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم حين استقضاه، وقالوا: لا نَجِدُ له سِنَّهُ، حتى هَمَّ به بعضُ أَصحابه، فقال:

(( دعوه، فإن لصاحب الحقِّ مقالاً ))

 ثم أمر له بأفضلَ من سِنِّه، فقال: أوفيتني، وفَّاكَ الله

 

[ حديث صحيح، أخرجه البخاري ومسلم ]

 

شفقته ورأفته عليه الصلاة والسلام:

 نرى فيه العابد الأواب الذي يقف في صلاته يتلو سوراً طويلة من القرآن الكريم في انتشاء وغبطة، لا يقايض عليها بملء الأرض تيجاناً وذهباً، ثم لا يلبث أن يسمع بكاء طفل رضيع كانت أمه تصلي خلفه في المسجد، فيضحي بغبطته الكبرى وحبوره الجياش، وينهي صلاته على عجل رحمة بالرضيع الذي كان يبكي، وينادي أمه ببكائه.
نرى فيه الإنسان الذي يرتجف حينما يبصر دابة تحمل على ظهرها أكثر مما تطيق من شفقته ورأفته عليه الصلاة والسلام.

عفوه وصفحه عليه الصلاة والسلام:

 نرى فيه الإنسان الذي وقف أمام جميع من شنّوا عليه الحرب والبغضاء، وقفوا أمامه صاغرين، وكانوا قد مثّلوا بجثمان عمه الشهيد حمزة، ومضغوا كبده في وحشية ضارية، فيقول لهم، وهو القادر على أن يهلكهم: ( اذهبوا فأنتم الطلقاء )

 

رحمته ورقته عليه الصلاة والسلام:

 أيها الإخوة الأحباب، من ومضات رحمته صلى الله عليه وسلم أنه قال عن نفسه في الحديث:
عن أبي هريرة رضي الله عنه: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

 

 

(( يا أيها الناس إنما أنا رحمة مهداة ))

 

 

[ حديث صحيح، أخرجه الحاكم في مستدركه ]

وبيّن النبي عليه الصلاة والسلام، وأرشد المؤمنين إلى التزام الرحمة:
 عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: أَنَّ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قال:

(( الرَّاحِمُونَ يرحمهم الرحمن، ارحَمُوا مَن في الأرض، يرحمْكم من في السماءِ، الرَّحِمُ شِجْنَةٌ مِن الرحمنِ، فَمَن وصلَهَا وَصَلهُ الله، ومن قطعها قطعهُ الله ))

 

[ حديث صحيح، أخرجه الترمذي ]

وبيّن صلى الله عليه وسلم أن الرحمة خير من الإفراط في العبادة:
 فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: أَنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم خَرَجَ عام الفتح إِلى مكةَ في رمضانَ، فصامَ حتى بلغَ كُراعَ الغَميم، فصام الناسُ، ثم دعا بِقَدح من ماء، فرَفَعَهُ حتى نَظَرَ الناسُ، ثم شَرِبَ، فقيل له بعد ذلك: إِنَّ بعضَ الناس قد صام؟ فقال:

(( أولئكَ العُصاةُ، أولئكَ العُصاةَ ))

 

[ حديث صحيح، أخرجه مسلم ]

بر الأبوين من الرحمة:

 رجل يسرع الخطا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، يغشاه فرح كبير، تغمره الفرحة العارمة ليبايع النبي عليه الصلاة والسلام على الهجرة معه، وعلى الجهاد في سبيل الله تحت رايته:

 

فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ:
جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: جئتُ أبَايِعُكَ على الهجرة، وتركتُ أبَوَيَّ يبكيان، قال:

(( فارجع إليهما، فأضْحِكْهُما كما أبْكَيْتَهُما ))

 

[ حديث صحيح، أخرجه أبو داود والنسائي ]

ترك أبويه يبكيان لفراقه، فرفع النبي عليه الصلاة والسلام قيمة بر الوالدين على الجهاد في سبيل الله.
أيها الإخوة الكرام:
 إن بسمةً تعلو شفةً أبٍ حنون، وتكسو وجه أم متلهفة لا تقدَّر عند النبي عليه الصلاة والسلام بثمن، حتى حينما يكون الثمن جهاداً في سبيل الله.

إنظار المعسر من الرحمة:

 هؤلاء المساكين الذين تسوقهم ضرورات العيش إلى الدَّين، ثم تعجزهم ضحالة الدخل عن السداد يعانون من أجل الديون همَّ الليل وذلَّ النهار، هؤلاء يئسوا، والنبي عليه الصلاة والسلام داوى جراحهم، إنه لا يملك إلا أن يقول للدائن: تنازل عن حقك، فمحمد صلى الله عليه وسلم خير من يصون الحقوق، لكنه يهب الدائن شفاعته وقلبه وحبه إذا هو أرجى مدينه، وصبر عليه حتى تحين ساعة الفرج القريب:

 

فعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(( مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِراً، أَو وَضَع له، أَظَلَّهُ الله يومَ القيامة تحت ظِلِّ عَرشه، يومَ لا ظِلَّ إِلا ظِلّه ))

 

[ حديث أخرجه الترمذي بإسناد صحيح ]

فضائل الأعمال من الرحمة:

 ويجعل النبي عليه الصلاة والسلام الرحمة فوق الفضائل الإنسانية كلها، فيجعل كل عمل رحيم عبادة من أزكى العبادات.
فعند النبي عليه الصلاة والسلام أن أعمالنا الرحيمة التي نسديها للآخرين إنما يراها الله قربات توجه إليه:

 

فعن أبي هريرة رضي الله عنه: عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

(( إنَّ الله عزَّ وجلَّ يقول يومَ القيامة: يا ابنَ آدمَ، مَرِضْتُ فلم تَعُدْني، قال: يارب، كَيْفَ أعُودُكَ وأنتَ ربُّ العالمين؟ قال: أمَا علمتَ أنَّ عبدي فلاناً مَرِضَ فلم تَعُده؟ أما علمتَ أنَّكَ لو عُدْتَهُ لوجَدتني عنده؟ يا ابنَ آدمَ، اسْتَطْعَمْتُكَ فلم تُطعمني، قال: يا رب، كيف أطعِمُكَ وأنتَ ربُّ العالمين؟ قال: أمَا علمتَ أنه استطعمكَ عبدي فلان فلم تُطْعِمْهُ؟ أمَا علمتَ أنَّكَ لو أطعمته لوجدتَ ذلك عندي؟ يا ابنَ آدم، استَسقيْتُكَ فلم تَسْقني، قال: يا رب، وكيف أسقِيكَ وأنتَ ربُّ العالمين؟ قال: اسْتَسقَاك عبدي فلان، فلم تَسْقِه، أما إنَّك لو سَقَيْتَهُ وجدتَ ذلك عندي ))

 

[ حديث صحيح، أخرجه مسلم ]

تمثيل رحمة الله تعالى:

أيها الإخوة الكرام، رأى النبي عليه الصلاة والسلام أماً تضم طفلها إلى صدرها في حنان بالغ ورحمة بالغة:
 عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال: قُدِمَ على رسولِ الله صلى الله عليه وسلم بِسَبْيٍ، فَإِذا امرأةٌ مِن السَّبْيِ تَسعى، قد تَحَلَّبَ ثَديُها، إِذا وجدت صَبياً في السَّبي أَخَذَتْه، فألْزَقَتْه ببطنها فأرضعتْه، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم:

(( أَتَرَونَ هذه المرأَةَ طارِحَة ولدها في النار؟ قلنا: لا والله، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: الله أرحَمُ بعباده من هذه المرأة بوَلَدِها ))

 

[ حديث صحيح، أخرجه البخاري ومسلم ]

تواضعه وبساطته عليه الصلاة والسلام:

 نرى فيه الإنسان الذي يجمع الحطب لأصحابه في بعض أسفارهم ليستوقدوه ناراً تنضج لهم الطعام، ويرفض أن يتميز عليهم.

 

أيها الإخوة الكرام، ذات يوم تقدم منه أعرابي في غلظة وجفوة، وسأله مزيداً من العطاء،
فعن أنس بن مالك رضي الله عنه: قال:

(( كنتُ أمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم وعليه بُرْد نَجْرَاني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي، فجبذه جبذة شديدة، حتى نظرت إِلى صفحة عاتق رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أَثَّرَتْ بها حاشية البرد، من شدة جَبْذته، قال: يا محمد، مُرْ لي من مال الله الذي عندك، فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أمر له بعطاء ))

[ حديث صحيح، أخرجه البخاري ]

 إن الطمأنينة التي دفعت هذا الأعرابي إلى هذا الموقف المسرف في الجرأة، هذه الطمأنينة وحدها تصور عدلَ محمدٍ صلى الله عليه وسلم.
فما كان هذا الأعرابي قادراً على أن يقول مقالته تلك لو كان محمد صلى الله عليه وسلم أقام بينه وبين الناس حجباً، وبث في نفوسهم الخشية والرهبة، لكن هذا النبي الكريم حطم كل معالم التمايز بينه وبين الناس.
 وحينما دخل عليه رجل غريب يختلج، بل يرتجف من هيبته استدناه وضرب على كتفه في حنان وفرط تواضع، وقال له قولته الشهيرة:
عن أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه، أن رجلاً كلم النبي صلى الله عليه وسلم يوم الفتح، فأخذته الرعدة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:

(( هوِّن عليك، فإنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد ))

 

[ حديث صحيح، أخرجه الحاكم في مستدركه ]

 أيها الإخوة الأحباب، لقد هيأ النبي عليه الصلاة والسلام تفوقُه ليكون واحداً فوق الجميع، فعاش واحداً بين الجميع.

عليه وإنصافه عليه الصلاة والسلام:

 نرى فيه الإنسان وهو في أعلى درجات القوة يقف بين الناس خطيباً، ويقول:

(( يا أيها الناس إني قد دنا مني حقوق من بين أظهركم، فمن كنت جلدت له ظهراً فهذا ظهري فليستقد منه ))

 

[ من حديث أخرجه أبويعلى والطبراني، فيه رجل مختلف فيه والباقي ثقات ]

 

 صلى الله عليك يا سيدي يا رسول الله، نشهد أنك أديت الأمانة، وبلغت الرسالة، ونصحت الأمة، وكشفت الغمة، وجاهدت في الله حق الجهاد، وهديت العباد إلى سبيل الرشاد.

 لذلك انطلاقاً من قيم العدل التي آمن بها صلى الله عليه وسلم، ودعا إليها يبين عليه الصلاة والسلام، ويقول:

(( بِحَسْب امرئ من الشَّرِّ أن يَحْقِر أخاه المسلمَ، كلُّ المسلمِ على المسلم حَرَام: دمُهُ، وعِرْضُهُ، ومَالُهُ ))

 

 

[ من حديث صحيح، أخرجه البخاري ومسلم ]

 وإن زوال الدنيا جميعاً أهون على الله من سفك دم بغير حق.

مؤاخذة الجميع عند الذنب من العدل:

 عن عائشة رضي اللَّه عنها، قالت:

 

(( إنَّ قُرَيشاً أَهَمَّهُمْ شَأنُ المرأَةِ المَخزوميَّةِ التي سَرَقَتْ، فقالوا: مَنْ يُكلّمُ فيها رسولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم؟ فقالوا: ومَنْ يَجترئُ عليه إلا أُسامَةُ بن زَيدٍ، حِبُّ رسولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم؟ فَكلَّمَهُ أُسَامَةُ، فقال رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم: أتَشفَعُ في حدٍ مِنْ حُدودِ اللَّه؟ ثم قام فَاخْتطَبَ، ثم قال: إنَّما أَهلك الذين قبلكم: أنَّهمْ كانوا إذا سَرقَ فيهم الشَّريفُ تَرَكُوه، وإذا سَرَقَ فيهم الضعيف أقاموا عليه الحدّ، وَأيْمُ اللَّهِ لَوْ أنَّ فاطمةَ بنْتَ محمدٍ سَرَقَت لقطعتُ يَدَهَا ))

 

 

[ حديث صحيح، أخرجه البخاري ومسلم ]

الكذب أمام القاضي لا يغير الحق:

 لو أن إنساناً، بطلاقة لسانه وقوة حجته ينتزع من فم النبي عليه الصلاة والسلام حكماً، ولم يكن محقاً فيه لا ينجو من عذاب الله:
فعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( إِنما أنا بَشَر، وإِنكم تختصمون إِليَّ، ولَعَلَّ بعضكم أن يكونَ أَلْحَنَ بحُجَّتِهِ مِن بعض، فأقضي نحو ما أسمع، فمن قضيتُ له بحَقِّ أخيه، فإنما أَقْطَعُ له قطعة من النَّار ))

[ حديث صحيح، أخرجه البخاري ومسلم ]

محبة لله عليه الصلاة والسلام:

ماذا عن محبته صلى الله عليه وسلم لله عز وجل وللناس؟
 النبي عليه الصلاة والسلام محب ودود، أطاع الله كثيراً، لأنه أحبه كثيراً، بر بالناس كثيراً، لأنه أحبهم كثيراً، أحب عظائم الأمور وترك سفاسفها ودناياها، أحب عظائم الأمور، ومارسها في شغف عظيم ممارسة محب مفطور، لا ممارسة مكلف مأمور، لقد سجد، وأطال السجود، وسمع وجيب قلبه، ونشيج تضرعه وبكائه، لأنه في غمرة شوق جارف، ومحبة أخاذة، كان ينتظر الصلاة على شوق:
 عن سالم بن أبي الجعد، قال: قال رجل من خُزاعةَ: ليتني صلَّيتُ فاسترْحتُ، فكأنّهم عابوا ذلك عليه، فقال: سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول:

(( أقم الصلاةَ يا بلالُ، أرِحْنا بها ))

 

[ حديث أخرجه أبو داود بإسناد صحيح ]

أرحنا بها، لا أرحنا منها، هذا هو الفرق بين الحب والواجب.
 ذات يوم كان في الطائف يدعو قومها إلى الله عز وجل، فقابلوه بالتكذيب والسخرية والإيذاء، أغروا به سفهاءهم، ألجؤوه إلى حائط، رفع رأسه إلى السماء، وناجى ربه فقال

(( إن لم يكن بك غضب عليّ فلا أبالي ))

 

[ السيرة النبوية لابن هشام ]

 أي إنه لا يخشى العذاب والألم إلا إذا كان تعبيراً عن تخلي الله عنه، ثم أدرك صلى الله عليه وسلم أنه لا ينبغي للمحب الصادق أن يشغله استعذاب التضحية عن رجاء العافية، فيستدرك، فيقول:

(( لكن عافيتك أوسع لي ))

 

[ السيرة النبوية لابن هشام ]

محبته للناس عليه الصلاة والسلام:

ورد في الأثر:
 أنه أقبل على محمد صلى الله عليه وسلم رجل فظ غليظ لم يكن رآه من قبل، غير أنه سمع أن محمداً يسب آلهة قريش، فحمل سيفه، وأقسم بالله ليسوينَّ حسابه مع محمد، ودخل عليه، وبدأ حديثه عاصفاً مزمجراً، والنبي صلى الله عليه وسلم يبتسم، وتنطلق مع بسماته أطياف نور آسر، وما هي إلا لحظات حتى انقلب المغيظ المتجهم محباً يكاد من فرط الوجد والحياء يذوب، وانكفأ على يديْ محمد صلى الله عليه وسلم يقبلهما، ودموعه تنحدر غزيرة، ولما أفاق قال: يا محمد، والله لقد سعيت إليك وما على وجه الأرض أبغض إلي منك، وإني لذاهب عنك وما على وجه الأرض أحب إليّ منك.
 ما الذي حدث؟ لقد أحب محمد صلى الله عليه وسلم الرجل، فخرّ جبروت هذا الرجل صريع حب محمد صلى الله عليه وسلم، فقلبه عليه الصلاة والسلام مفتوح دائماً لكل الناس، الأصدقاء والأعداء، وحينما اقترب هذا الرجل من رسول الله صلى الله عليه وسلم مسته شعاعة من فيض قلبه الكبير.
من توجيهات النبي عليه الصلاة والسلام في الحب:

 

 عن أبي هريرة رضي الله عنه: أَنَّ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قال:

(( وَالذي نَفسي بِيدِهِ، لا تَدخلونَ الجنةَ حتى تُؤمِنُوا، ولا تُؤمِنوا حتى تَحابُّوا، أَوَلا أدُلُّكم على شيء إِذا فعلتُمُوهُ تحاببتم؟ أَفْشُوا السلامَ بينَكم ))

 

[ حديث صحيح، أخرجه مسلم ]

(( إذا أحب الرجل أخاه فليخبره أنه يحبه ))

 

[ حديث أخرجه أبو داود والترمذي بإسناد صحيح ]

(( إِذا آخى الرجلُ الرجلَ فليسألهُ عن اسمه، واسمِ أَبيهِ، ومِمَّنْ هو؟ فإنَّهُ أوصلُّ للمودة ))

 

[ حديث ضعيف، أخرجه الترمذي ]

(( إِذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الآخر، حتى تختلطوا بالناس، من أجل أن ذلك يُحْزِنُه ))

 

[ من حديث صحيح، أخرجه البخاري ومسلم ]

(( من هَجَرَ أخاه سنة، فهو كسَفْكِ دَمِهِ ))

 

[ حديث حسن، أخرجه أبو داود ]

(( كفى بك إِثماً، أنْ لا تزالَ مُخاصِماً ))

 

[ حديث أخرجه الترمذي بإسناد ضعيف ]

(( ومن أتاه أخوه متنصلاً، فليقبل ذلك منه، محقاً كان أو مبطلاً ))

 

[ من حديث صحيح، أخرجه الحاكم ]

 

 وشرار الخلق هم:

(( الذين لا يقيلون عثرة، ولا يقبلون معذرة، ولا يغفرون ذنباً ))

[ من حديث أخرجه الطبراني في الكبير، وفيه رجل متروك ]

(( صل بين الناس إذا تفاسدوا، وقرب بينهم إذا تباعدوا ))

[ من حديث أخرجه البزار في مسنده، وفيه رجل متروك ]

 أيها الإخوة الكرام، هكذا كانت محبته صلى الله عليه وسلم وهكذا كانت رحمته.

مؤانسته وملاطفته عليه الصلاة والسلام:

إليكم هذه القصة: قصة جابر بن عبد الله مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.
 وهذه القصة تصور مودة النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه، ورفقه بهم، واهتمامه بمشكلاتهم، وتواضعه معهم، ومؤانسته لهم، قال جابر رضي الله عنه:

(( غزوتُ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فَتَلاحَقَ بي النبي صلى الله عليه وسلم، وأَنا على ناضِحٍ لنا قد أَعْيَى، قال: فتَخَلَّفَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فزجره ودعا له، فما زال بَين يَديَ الإِبل، قُدَّامَها يسير، فقال لي: كيف ترى بعيرك؟ فقلتُ: بخير، قد أصابته بركَتُكَ، قال: أَفَتَبِيعُنيهِ؟ قال: فاستحييت، ولم يَكُنْ لنا ناضِحٌ غيرَه، قال: فقلت: نعم! فَبِعتُهُ إِيَّاهُ، عَلى أنَّ لِي فَقَارَ ظَهْرِهِ، حتى أَبلغَ المدينة. قال: فقلت: يا رسول الله، إِنِّي عروسٌ، فاستأذنتُه، فأذن لي، فتقدمتُ الناسَ إلى المدينة، حتى أتيتُ المدينة، فلقيَني خالي، فسألني عن البعير، فأخبرتُه بما صنعتُ فيه، فَلامَني، قال: وقد كانَ قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم حين استأذنتُه: هل تزوجتَ بكراً أم ثيباً؟ قلت: تزوجتُ ثيباً، فقال: هلا تزوجتَ بكراً تُلاعِبُها وتُلاعِبُكَ؟ قلتُ: يا رسول الله: تُوُفِّيَ والدي، أَو استُشهِدَ، ولي أَخواتٌ صِغَارٌ، فكرهتُ أَنْ أَتَزَوَّجَ مِثْلَهُنَّ، فلا تُؤدِّبُهُنَّ، ولا تقومُ عليهنَّ، فتزوجتُ ثَيِّباً لتقومَ عليهنَّ، وتؤدِّبَهُنَّ، قال: فلما قَدِمَ رسول الله صلى الله عليه وسلم غَدَوتُ عليه بالبعير، فأعطاني ثمنه، ورَدَّهُ عَلَيَّ ))

[ حديث صحيح، أخرجه البخاري ومسلم ]

 أرأيتم إلى ملاطفته، إلى رقته، إلى رفقه بأصحابه، إلى تواضعه لهم، هكذا كانت أخلاق النبي عليه الصلاة والسلام.
وحينما أثنى الله عليه قال تعالى:

﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾

( سورة القلم: الآية 4)

قصة الزوج المتبتل:

 أيها الإخوة الكرام، صحابي جليل، هو عثمان بن مظعون، كان متبتلاً غير مشفق على نفسه، حتى لقد همّ ذات يوم أن يتخلص من نداء الغريزة كلياً:
عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، قال:

 

(( دخلت امرأة عثمان بن مظعون رضي الله عنهما على نساء النبي صلى الله عليه وسلم، فرأينها سيئة الهيئة، فقلن لها: ما في قريش رجل أغنى من بعلك! قالت: ما لنا منه من شيء، أما نهاره فصائم، وأما ليله فقائم، قال: فدخل النبي صلى الله عليه وسلم، فذكرن ذلك له، قال فلقيه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ( يا عثمان أما لك فيَّ أسوة؟ ) قال: وما ذلك يا رسول الله، فداك أبي وأمي؟! قال: ( أمَّا أنت فتصوم النهار، وتقوم الليل، وإن لأهلك عليك حقاً، وإن لجسدك عليك حقاً، فصلِّ ونمْ، وأفطرْ وصمْ ) قال: فأتتهم المرأة بعد ذلك عطرة كأنها عروس، فقلن لها: مه! قالت: أصابنا ما أصاب الناس ))

 

[ حديث حسن لغيره، أخرجه أبو يعلى ]

هكذا كانت رحمته، وهكذا كانت محبته، وهكذا كانت إنسانيته.
 إنسانية النبي عليه الصلاة والسلام لم تحتمل حال زوجة يؤرقها هجر زوجها لها، فذكّر زوجها بما عليه من حق.

رحمته بالخلق عليه الصلاة والسلام:

 كان عليه الصلاة والسلام أرحم الخلق بالخلق، فمن أقواله المؤكدة لهذه الحقيقة أنه كان يقول:

(( من مشى في حاجة أخيه كان خيراً له من اعتكافه عشر سنين ))

[ من حديث أخرجه الطبراني في الأوسط بإسناد جيد ]

 وكان عليه الصلاة والسلام يقول:

(( أحب الناس إلى الله عز وجل أنفعهم للناس ))

[ من حديث أخرجه الطبراني وفيه رجل ضعيف ]

 

(( إن لله خلقاً خلقهم لحوائج الناس، تفزع الناس إليهم في حوائجهم، أولئك الآمنون من عذاب الله ))

[ من حديث رواه الطبراني، وفي رجاله كلام ]

هكذا كان عليه الصلاة والسلام.
 اخترت لكم شيئاً من رحمته ومحبته، وبعض أخلاقه العلية، وبعض أحاديثه الشريفة في ذكرى مولده صلى الله عليه وسلم.

خلاصة القول في المولد النبوي:

أيها الإخوة الكرام:

وأجمل منك لم تر قط عين  وأكمل منك لم تلد النساء
خلقت مبرءاً من كل عيـب  كأنـك قد خلقت كما تشاء
***
وأسدت للبرية بنت وهــب  يداً بيضاء طوقت الرقـابا
لقد وضعته وهاجاً منيــراً  كما تلد السماوات الشهابـا

 

ماذا ينفعنا إحياء ذكرى مولده إن لم نتخلق بأخلاقه صلى الله عليه وسلم؟
 ماذا ينفعنا إحياء ذكرى مولده إن لم تكن سنته مطبقة في بيوتنا، وفي علاقاتنا، وفي أفراحنا، وفي أحزاننا، وفي نشاطنا، وفي سفرنا، وفي حلنا؟
ماذا ينفع المسلمين اليوم، وقد تفرقوا، وتشرذموا، وسرت بينهم العداوة والبغضاء أن يحتفلوا الاحتفالات الشكلية دون الالتزام بما أمرهم به عليه الصلاة والسلام؟

وأخيرا:

 أيها الإخوة الكرام، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وسيتخطى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا، الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني، والحمد لله رب العالمين.

 

الخطبة الثانية:

 الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

 

الاختلاف مع الآخرين فطرة بشرية:

 

أيها الإخوة، في تعليق على العلاقة مع الطرف الآخر أسوق هذه الكلمات التي أعددتها لكم.
أيها الإخوة الكرام، الاختلاف بين الناس وبين الأطراف وبين الشعوب وبين الحضارات، هذا الاختلاف أمر بشري، فطرنا عليه، وقدر علينا نحن البشر، هذه حقيقة علينا أن نتعامل معها بتعقل وتبصر، لنصل إلى أهدافنا كأمة مسلمة، قال تعالى:

﴿ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ ﴾

(سورة هود: الآية 118)

وقال تعالى:

﴿ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴾

(سورة المائدة: الآية 48)

 إن هذا الاختلاف بين الأمم، بين الحضارات، بين الأديان، نقرُّه، ولا ننكره، ولا يعفينا من تبيان حقيقة معتقدنا وسموه، ولا الدفاع عن معطياته الإلهية، ولا يعفينا من حوار محدد السبل والأهداف، فلعلنا بذلك ولو على الأقل نصل إلى نقطة اتفاق ولو نسبية تكون أساس علاقات إنسانية مثمرة.
 هذا الدين الإسلامي العظيم عالمي النزعة والهدف، وما أصابه من تشوه هو بفعل أيدينا إهمالاً وتجاهلاً ورفضاً، لذلك نرى الطرف الآخر هو الذي بادر وبشغف، لرسم صورة مشوهة عن حقيقة دين إسلامي سامٍ وإنساني متميز في تطلعاته وآفاقه المستقبلية.
 ضخم هذا الطرف الآخر نقاط ضعف قد تواجدت بفعل بعضنا، غافلاً عن زوايا رائعة لمن اتخذ الإسلام دستوراً وفكراً. فعل ذلك، وقد أمسك بزمام الحياة المادية بمعظم أبعادها. إن ذلك كله لا يعني الخنوع والجري في سياق من يظن أنه متفوق لا لشيء، إلا لأنه يملك أدوات مادية يحاول بها تحريك العالم مهملاً بدوره حق الآخر في الاختلاف، فارضاً فكره، معلناً العولمة التي يرى أنها لن تكون مجدية إلا إذا اكتست بمفاهيمه، منكراً على الآخر تمسكه بخصائصه الذاتية سواءً كانت دينية أو وطنية أو سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية.
كما أن اعترافنا بالتقصير النسبي تجاه الآخر لا يعني الإذلال والقبول بتطاول نفوس فطرت على الإساءة، سواء لمن استذل لها أو ترفع عن مواجهتها.

الحذر مطلوب في معاملة الأعداء :

 أيها الإخوة الكرام، ينبغي أن نكون دقيقين جداً في تعاملنا مع الطرف الآخر، اعترافنا بهذا التقصير لا يعني ذلك أن غيرنا معفى من عنصرية مقيتة معترف بها من قبل أهلها، ومحارب لأجلها، فرفضهم للآخر أشد ظلمة لرفض بعضنا بعضاً، ولو كانت الأنظار قد غضت اليوم عن عنصرية أولئك، فالتضخيم كان من نصيب من ينتسبون لهذا الدين دون منازع، في الآونة الأخيرة، وبأسىً يتابع بعضنا ضعف بعضنا تجاه الآخر.
ونحن في حقيقة الأمر لا نفهم مرد هذا الضعف وأساسه، هم يتباهون إعلامياً، أن الآخر كامل بالجملة، ونحن المتقهقرون بالجملة، والمضحك في هؤلاء أن الجهل، ثم الجهل، ثم الجهل وراء قناعاتهم.
 أيها الإخوة الكرام، نحن في أمس الحاجة إلى عقل متفتح، وفهم عميق، وتمسك شديد، وبصيرة نافذة، وكلمة حكيمة في التعامل مع الطرف الآخر، لا ينفعنا الصراخ، ولا ينفعنا العويل، ولا ينفعنا الانزواء ولا التقوقع، لا بد من طريقة نعبر فيها عن هذا الدين العظيم وعن مبادئه السامية، وعن أخلاق نبيه الرفيعة.

 

الدعاء:

 اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق، ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك.
اللهم اهدنا لصالح الأعمال لا يهدي لصالحها إلا أنت، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت.
 اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين.
اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك.
وصلى اللهم على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018