الخطبة : 0955 - أعذار المقصرين2 . النظر في عيوب الآخرين - إعجاز الطب النبوي . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0955 - أعذار المقصرين2 . النظر في عيوب الآخرين - إعجاز الطب النبوي .


2005-03-04

الخطبة الأولى:

 الحمد لله نحمده، ونستعين به، ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته، وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله، سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عين بنظر، أو سمعت أذن بخبر، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، أمناء دعوته، وقادة ألويته، وارضَ عنا وعنهم يا رب العالمين.

 أسباب التقصير في العلم والدعوة 2 :

 أيها الإخوة الكرام، في الخطبة السابقة بدأت موضوعاً ينتظر أن ينتهي في ثلاث خطب، هذا الموضوع موجَّه إلى شريحة من الملتزمين، من السالكين الذين يَشْكون دائماً أن الفورة والأحوال التي لازمتهم في بداياتهم لم تستمر معهم، فأين الخلل؟ ومن توفيق الله للإنسان في الدنيا أن يراجع نفسه من حين إلى آخر، وأن يبحث عن أسباب بعض العلل التي يعانيها، وهذا من باب: تعاهد قلبك.
 هذا الذي يغفل عن قلبه، وعن أحواله، وعن عبادته، إلى أن يأتيه الأجل، هو من الخاسرين، أما الذي يتفقد أحواله، ويراجع نفسه، ويرتب أوراقه، ويسأل دائماً: أين الخلل؟ هو من الفائزين، هذه الفورة التي ترافق طالب العلم في بداياته لا تستمر معه، فما الأسباب؟

 

 متابعة للخطبة السابقة :

 تحدثت عن ثماني أسباب للتقصير في العلم والدعوة في الخطبة السابقة، وهاأنذا أتابع هذا الموضوع، وأبدأ بالسبب التاسع لهذا التقصير في هذه الخطبة الثانية.

9) التنقل بين المشايخ ونقدهم :

 أيها الإخوة الكرام، الإنسان أحياناً يتنقل من مكان إلى مكان، ومن حلقة إلى حلقة، ومن شيخ إلى شيخ، ويدّعي دائماً أن هذا الشيخ ليس في طموحه، وأن هذا الشيخ لا يواكب التطور، وأن هذا الجامع فيه جمود، فهذا التأفف من الدعوات، والانتقال من مكان إلى آخر، يؤدي إلى أن يعزف عنها جميعاً، فماذا نستنبط من حاله تلك؟ نستنبط أن المعوّل عليك، قد تنتفع بإنسان من الدرجة العاشرة، ولا تنتفع من سيد الخلق، وحبيب الحق.
 المسلمون في العالم الإسلامي لو طبقوا واحدًا بالألف مما يسمعون لكانوا أولياء لله عز وجل، لكن إدمان السماع، والتأفف، والتنقل، والتبديل، والتغيير، هذا لا يدل على صدق في طلب الحقيقة.
 أيها الإخوة الكرام، يقول بعض العلماء، ودققوا في هذا القول: ما رأيت شيئاً أحبط للأعمال، ولا أفسد للقلوب، ولا أسرع في هلاك العبد، ولا أدوم للأحزان، ولا أقرب للمقت، ولا ألزم لمحبة الرياء والعجب والرياسة، من قلة معرفة العبد بنفسه، والنظر في عيوب الآخرين.
 أحياناً إنسان هو كتلة أخطاء، تراه يقيّم كبار العلماء، وينتقد بعض مواقفهم، أنا لا أنزههم عن الخطأ، ولا أدعي لهم العصمة، ولكن طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس.
 أيها الإخوة الكرام، هذا مرض استشرى في طلاب العلم، يأخذ قضية، يسأل عنها فلاناً، ثم فلاناً، ثم زيداً، ثم عبيداً، ويرى اختلاف الإجابات فيشك في الجميع.
 أيها الإخوة الكرام، يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: من قواعد الشرع والحكمة، أنه من كثرت حسناته، وعظمت، وكان له في الإسلام تأثير ظاهر فإنه يحتمل منه ما لم يحتمل لغيره، وعفي عنه ما لم يعف عن غيره، فالماء إذا بلغ قلتين لم يحمل الخبث.
 إنسان له باع طويل، إنسان له تأثير كبير، لو أنه أخطأ بكلمة، أو هفوة، فجئت أنت فكبّرتها، وضخمتها، وأشعتها بين الناس، وأسقطته من حساب الدعاة، لهفوة، فأنت ظالم.
 هو ليس معصوماً، أنا أبين لكم ذلك كي نتوازن، كي لا نستهلك أوقاتنا في القيل والقال، في المماحكات، في الجدل العقيم، ليس معصوماً إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما سوى ذلك فليس معصوماً، كل إنسان نأخذ منه ونرد عليه، إلا صاحب القبة الخضراء، لكن هذا لا يعني أن هؤلاء غير معصومين، هم لا يقعون في الكبائر، معاذ الله، ولا في الصغائر عن تعمد منهم، هفوات صغيرة قد لا يعتد بها، لكن مرضى النفوس يأخذون هذه الهفوات، ويكبرونها إلى درجة أنهم يسقطون قيمة هذا الداعية بسبب بسيط، هو أنهم تنقلوا، وترددوا، وألفوا الجدل والمماحكات.
 أيها الإخوة الكرام، قول ابن القيم دقيق جداً، إنسان له شأن كبير، له عطاء كبير، يجب أن نعفو عن هفواته وسقطاته، كيف علمنا النبي ذلك؟
 سيدنا رسول الله حينما بلغه أن أحد أصحابه ارتكب خيانة عظمى، وهو أنه نقل لأعدائه خبر غزو النبي صلى الله عليه وسلم لهم، بلغ قريشاً بكتاب مكتوب أن محمداً سيغزوكم، فخذوا حذركم، وجاء الوحي النبيَّ عليه الصلاة والسلام ، وأرسل من أخذ الكتاب من امرأة في طريقها إلى قريش، وجاء بحاطب:

 

 عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال:

(( كتبَ حاطِبُ بن أبي بلتعةَ إِلى أهل مكةَ، فأطْلع الله نبيَّه صلى الله عليه وسلم على ذلك، فبعث علياً والزبيرَ في أثر الكتاب، فأَدْركا المرأةَ على بعير، فاستخرجاه من قُرُونها، فأتيا به رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، فأَرسل إِلى حاطب، فقال: يا حاطبُ، أنتَ كتبتَ هذا الكتاب؟ قال: نعم، يا رسول الله، قال: فما حملك على ذلك؟ قال: يا رسولَ الله، أَمَا والله إِني لَنَاصِح لله ولرسوله، ولكني كنتُ غريباً في أهْل مكةَ، وكانَ أهلي بين ظَهْرَانيْهم، وخشيتُ عليهم، فكتبتُ كتاباً لا يضر الله ورسولَهُ شيئاً، وعسى أن يكونَ منفعة لأهلي، قال عمر: فاخترطتُ سيفي، ثم قلتُ: يا رسولَ الله أمْكنِّي من حاطب، فإِنَّهُ قد كَفَرَ، فأضربَ عُنُقَه، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: يا ابنَ الخَطَّاب، ما يُدريك؟ لعل الله قد اطّلعَ على هذه العِصَابة من أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرتُ لكم ))

[ حديث صحيح، أخرجه مسلم ]

 فهذا العمل الكبير يغطي على هذه الخيانة، هي كبيرة جداً، لكن حاطباً قال: واللهِ يا رسول الله، ما كفرت، ولا ارتددت، وأنا واثق من أن الله سينصرك، ولكن أنا لصيقٌ في قريش، وليس لي مكان عندهم، وأردت بهذا أن أحمي أهلي وأولادي ومالي هناك، فقال عليه الصلاة والسلام: إني صدقته فصدقوه، ولا تقولوا فيه إلا خيراً.
 إنسان له باع طويل يجب أن نغفر زلاته، لا أن نجعل من هذه الزلات قضية كبيرة، وأن نروجها بين الناس، فنشكك الناس في الدعاة، هذه مشكلة كبيرة.
 أحد أكبر أساليب الشيطان أن يشكك الناس فيمن يدعون إلى الله عز وجل، قد يكون فهماً خاطئًا، قد يكون وهمًا، قد يكون إدراكًا سقيمًا، قد يكون من طرف خصوم هذا الداعية، لأن الذي يدعو إلى الله عليه كيد كبير.
 هذا بند أيها الإخوة الكرام، لا تقحم نفسك في الصغائر، ولا في المماحكات، ولا في الجدل العقيم، ولا في تقييم الآخرين، تقييم الناس من شأن الله وحده، خذ منهم، وطبق الذي أخذته تتألق عند الله، وعند الناس، ليس معنى هذا أني أسمح لإنسان أن يعتلي منبر رسول الله، وأن يقع في خطأ كبير، أو ألاّ يطبق ما يقول، هذا موضوع آخر، أقول: عن هفوة، عن زلة، عن كلمة، عن خبر غير صحيح، عن تأويل غير مناسب، عن زلة قدم، مثل هذه الأخطاء ينبغي ألاّ نذكرها، وألاّ نشيعها، وألاّ نكبّرها، كي يبقى الناس على ثقة بهؤلاء الذين يدعون إلى الله عز وجل.

10) التنقل بين أعمال البر وتركها :

 يوجد حالة ثانية تعتري السالكين إلى الله، هي التنقل في الأعمال الخيرية على هيئة المذواق، كل يوم في عمل، كل يوم له منهج وطريقة، يمدح ذلك العمل حيناً، وينتقل إلى غيره فيذمه حيناً آخر، وفي الأخير لا يرضيه شيء.
 اعلم أن أي عمل صالح يمكن أن ينقلك إلى الله عز وجل ، الطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق، لذلك كل إنسان عنده إمكانيات، عنده طاقات، وعنده رغبة، وعنده ميل، فلو أنه عمل عملاً صالحاً يتوافق مع إمكاناته، أو مع رغبته، أو مع قدراته، أو مع موقعه الاجتماعي، أو مع حرفته، لوصل إلى الله عز وجل.
 يمكن أن تصل إليه من بر الوالدين، ومن الإحسان إلى الزوجة، ومن تربية الأولاد، ومن التجارة الصادقة المخلصة، ومن حرفتك التي تؤديها بإخلاص للمسلمين، ومن دعوتك إلى الله، ومن تأليف كتاب لك، يمكن أن تصل إلى الله من ألف طريق وطريق.
 لذلك أيها الإخوة، الإنسان إذا عرف الله عز وجل، وعرف منهجه، واستقام على أمره يجب أن يقنع بما هو فيه، لأن هذا الذي هو فيه سيوصله إلى الله، وكأن الجنة مدينة الأحلام، يمكن أن تصل إليها مشياً، أو بدراجة، أو بدراجة نارية، أو بمركبة قديمة، أو بمركبة حديثة، أو بطائرة، العبرة أن تصل إليها، فإذا وصلت إليها فلا قيمة لاختلاف الوسائل.
 لذلك يمكن أن تكون طبيباً مسلماً، تنصح المرضى، وتتقن علاجهم، وتصل إلى الجنة، أو أن تكون تاجراً صدوقاً، أو أن تكون صانعاً متقناً، أو أن تكون موظفاً ترحم الخلق، وتحسن إليهم، أو أن تكون أباً وقوراً، رحيماً، واعياً، مربياً، كل الطرق إلى الجنة سالكة، فلا ينبغي أن ننافس أحداً، الله عز وجل يريد قلوبنا.
 أيها الإخوة الكرام، يقول بعض العلماء: من سره أن ينظر إلى أعلم رجل أدركناه في زمانه فلينظر إلى الحسن، فما أدركنا أعلم منه، ومن سره أن ينظر إلى أورع رجل أدركناه في زمانه فلينظر إلى ابن سيرين، إنه ليدع بعض الحلال تأثماً، ومن سره أن ينظر إلى أعبد رجل أدركناه في زمانه، فلينظر إلى ثابت البناني، فما أدركنا أعبد منه، ومن سره أن ينظر إلى أحفظ رجل أدركناه في زمانه، وأجدر أن يؤدي الحديث كما سمعه، فلينظر إلى قتادة.
معنى ذلك أن كل واحد من هؤلاء التابعين تفوق في جانب، وبلغ فيه قمة العطاء، وكلهم إلى الجنة، بإذن الله.
 إذاً الفروق الفردية موجودة، وكل إنسان قد يعجبه دعوة، أو تأليف كتاب، أو فتح مدرسة، أو تأسيس مسجد، أو إصلاح فساد ذات البين، فالأعمال الصالحة كثيرة جداً، وكل إنسان له قدرات، وله ميول، وله طاقات، وله بنية معينة، فإذا اخترت عملاً صالحاً يناسبك فالزمه، فهو طريقك إلى الله عز وجل.
 أيها الإخوة، الغني مثلاً الذي بلغ له مال كثير، ونفسه لا تسمح ببذل شيء منه، فصدقته وإيثاره أفضل له من قيام الليل وصيام النهار نافلة.
 والشجاع الشديد الذي يهابه العدو، وقوفه في الصف ساعة، وجهاده أعداء الله أفضل من الحج والصوم.
 والعالم الذي قد عرف السنة، والحلال والحرام، والخير والشر، مخالطته للناس، وتعليمهم، ونصحهم في دينهم أفضل من اعتزاله، وتفريغ وقته للصلاة، وقراءة القرآن، والتسبيح.
 وولي الأمر الذي نصبه الله للحكم بين العباد، جلوسه ساعة للنظر في المظالم، وإنصاف المظلوم من الظالم، وإقامة الحدود، ونصرة الحق، وقمع الباطل أفضل له من عبادة سنين.
  معنى ذلك أن كل إنسان له ظرف، وله هوية، وله قدرة، وله اختصاص، فإذا عبدت الله فيما أقامك الله، فهذا أعظم شيء تتقرب به إلى الله عز وجل.
 إذاً أيها الإخوة، التنقل من عمل إلى عمل، والتأفف من عمل، ومدح عمل، وتذوق هذه الأعمال، ثم رفضها جميعاً، هذا مرض خطير يصيب السالكين إلى الله، من جعل تجارته طريقاً إلى الله أوصلته إلى الله، خدم المسلمين:

 

 قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(( التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء ))

[ حديث ضعيف، أخرجه الترمذي وحسنه ]

 ومن جعل صناعته المتقنة تخفيفاً للعبء عن الناس، وباعها بسعر معتدل، وانتفع المسلمون بها، فطريقه إلى الله هذه الحرفة، وكذا من دعا إلى الله، ومن ألف الكتب... فلابد من أن يكون لك عمل تتميز به، يتناسب مع قدراتك وهويتك في الحياة.
 أيها الإخوة، يقول عمر بن عبد العزيز: من جعل دينه عرضة للخصومات أكثر التنقل.
 فيملّ، ويترك الخير كله، أو يصاب بشكوك، واضطراب في آرائه وأفكاره، فالثبات على منهج سليم فيما يعود على الإنسان من خيري الدنيا والآخرة، يقي الإنسان من التردد والتغير والتنقل والحيرة.

11) الخوف من الخلق :

 مما يعيق السير إلى الله أيها الإخوة، الخوف والهلع من المخلوقين، تتحول عندئذ مراقبة الإنسان لا إلى الخالق، ولا إلى الخوف منه، ولا إلى طلب رضاه، تتوجه هواجسه وتوقعاته وقلقه ومخافته إلى المخلوقين، ويقع في شرك أكبر.
 أيها الإخوة الكرام، يقول الله عز وجل:

﴿ إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾

(سورة آل عمران: الآية 175)

 يقول أحد العلماء: ومتى شهد العبد أن ناصيته ونواصي العباد كلها بيد الله وحده يصرفهم كيف يشاء، لم يخفهم من بعد ذلك، ولم يرجُهم، ولم ينزلهم منزلة المالكين، بل منزلة عبيد مقهورين مربوبين، المتصرف فيهم سواهم، والمدبر لهم غيرهم، فمن شهد نفسه بهذا المشهد صار فقره إلى الله عز وجل وصفاً ملازماً له، ومتى شهد الناس كذلك، لم يفتقروا إلى أحد إلا إلى الله عز وجل، ولم يعلقوا آمالهم إلا على الله عز وجل، عندئذ يستقيم التوحيد والتوكل والعبودية.
 لذلك قال هود لقومه:

﴿ إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾

(سورة هود: الآية 56)

 أي الذي يفسد السير إلى الله عز وجل: أن تخاف المخلوقين، ولا تخاف من خالق السماوات والأرضين.

12) ضعف الصلة بالله عز وجل :

 أيها الإخوة الكرام، أما ضعف الصلة بالله، فيقلّل نصيب الإنسان من الإقبال على الله، ومن الثقة بالله، ومن التوكل على الله، ومن محبة الله، ومن مراقبة الله عز وجل، فمن قلّ نصيبه من الصلاة والعبادات والأذكار، ضعفت صلته بالله عز وجل، وخاف مما يخافه الناس، وخشي مما يخشاه الناس، وطمع إلى ما يطمع إليه الناس، فصار بعد أن كان من السالكين إلى الله، صار من عامة الناس دون أن يشعر.
 قال بعضهم: رأيت الأوزاعي يثبت في مصلاه يذكر الله حتى تطلع الشمس.
 وقال بعضهم: حججنا مع الأوزاعي سنة خمسين ومئة، فما رأيته مضطجعاً في المحمل في ليل ولا نهار، كان يصلي، فإذا غلبه النوم استند إلى القتب.
 أيها الإخوة، الحديث عن عبادات السلف حديث طويل، فمما يعيق الطريق إلى الله أحياناً يتزوج طالب العلم، فبدل أن يكون الزواج معواناً له على متابعة السير يشغله عن الله وعن الأعمال الصالحة، وكأن امرأته حجبته عن الآخرة، وعن كل ما في الآخرة من خير عميم، نقول: حتى الحلال إذا توسعت فيه، وجعلته هدفاً، وأردت الاستمتاع بالحياة إلى أقصى درجة، فهذه الحالة لا تتناسب مع إيمان المؤمن، إياك يا عبد الله والتنعم، فإن عباد الله ليسوا بالمتنعمين، وكأن الله سبحانه وتعالى أرادنا أن نسعى لجنة عرضها السماوات والأرض، فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
 في الآخرة لهم ما يشاؤون، التمتع، والاستغراق، والاسترخاء، والسرور الذي لا يشوبه منغّص، الدنيا دار عمل، وليست دار أمل، الدنيا دار تكليف، وليست دار تشريف، قد ينفعك الله في الدنيا دون أن تقصد ذلك، المؤمن له معاملة خاصة من الله عز وجل، له سعادة خاصة، له أمن خاص، له سرور خاص، ولكن هدفه مرضاة الله عز وجل:
 إلهي أنت مقصودي، ورضاك مطلوبي.
 أما أن تنقلب المباحات إلى أهداف كبيرة، أقول: المباحات، وليس المعاصي والآثام، أن تنقلب المباحات إلى أهداف كبيرة، وأن ننسى السير إلى الله عز وجل، فقد أصبحت هذه المباحات عقبات أمام الطريق إلى الله عز وجل.

13) عدم الموازنة بين الواجبات :

 أيها الإخوة، مما يعيق السير إلى الله عز وجل، وأنا أتحدث عن هؤلاء السالكين، رواد المساجد، الملتزمين، الذين لهم شيخ، الذين لهم مرجعية، الذين حسبوا عند الناس على الله عز وجل، شخص عالم سئل، وقد أقبل الناس عليه إقبالاً منقطع النظير في بريطانية: ما هذه المكانة التي حباك الله بها؟ قال: لأنني محسوب على الله.
 أنت من أهل الإيمان، من أهل التقوى، من أهل العلم، لك شيخ، لك مسجد، ترتاد مجالس العلم، فهذا الإنسان شيء كبير عند الله، فينبغي أن يعرف قدره، وأن يكون في مستوى ظن الناس به.
 أيها الإخوة الكرام، مما يعيق السالكين إلى الله عدم التوازن في جوانب العبادة، وعدم إعطاء كل ذي حق حقه:

 

 عن أبي جحيفة رضي الله عنه، قال:

(( آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين سلمان وأبي الدرداء، فزار سلمان أبا الدَّرْداء، فرأى أمَّ الدَّرْداء مُتَبَذِّلَةً، فقال لها: ما شأنُك؟ فقالتْ: أخوكَ أبو الدرداء ليس له حاجةٌ في الدنيا، فجاء أبو الدرداء، فصنعَ له طعاماً، فقال له: كُلْ، فإني صائمٌ، قال: ما أنا بآكل حتى تأكُلَ، فأكل، فلما كان الليلُ ذهب أبو الدرداء يقومُ، فقال: نم، فنام، ثمَّ ذهب يقوم، فقال: نم، فلما كان من آخر الليل، قال: سلمانُ: قُم الآن، فصلَّيَا، فقال له سلمانُ: إنَّ لربِّكَ عليك حقاً، وإنَّ لِنَفسكَ عليك حقّاً، ولأهلك عليك حقّاً، فأعْطِ كلَّ ذي حقٍّ حقَّهُ، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم، فذكرَ ذلك له، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: صَدَقَ سلمانُ ))

[ حديث صحيح، أخرجه البخاري ]

 الذي يحصل أن إنسانًا ينجح في جانب على حساب جوانب، ينجح خارج البيت، لكنه في البيت لم ينجح، ينجح في البيت، لكنه لم ينجح خارج البيت، نجح في عمله، ولم ينجح في علاقته بربه، نجح بعلاقته بربه، فلم ينجح في عمله، هذا التطرف أو عدم التوازن نقطة سوداء في سير المؤمن إلى الله عز وجل.
 أحياناً يكون المسلم باراً بأمه وأبيه إلى درجة أنه يظلم زوجته ظلماً شديداً، أو يظلم أولاده، وقد يكون زوجاً وفياً، لكنه يعق والديه، وقد يكون في المجتمع محسناً، لكنه في البيت شرس، عدم التوازن هذا مشكلة كبيرة، بطولتك كمؤمن أن تكون في البيت متفوقاً، وفي العمل متفوقاً، ومع الله متفوقاً، وفي المسجد متفوقاً، ومع إخوانك متفوقاً، أو تراه مع إخوانه رواد المسجد في أعلى درجة من الكمال، ومع عامة الناس في أسوأ درجة، هذا عدم توازن.

14) عدم الأهلية الكاملة للدعوة :

 أحياناً يدخل مؤمن سالك إلى الله في عمل لا يتلاءم مع شخصيته وتكوينه، معلوماته ضعيفة يريد أن يكون داعية كبيراً، لأسباب لم يطلب العلم، لغته ضعيفة، حروفه مكسرة، نصوصه غير مضبوطة، أحاديثه الضعيفة كثيرة، يتصدر المجالس ليكون داعية، هذا العمل لا يتناسب مع إمكاناتك، ولا مع بنيتك السابقة، فكل إنسان يجب أن يتفوق فيما سمح له به، وفيما هو يملك ناصيته، لذلك دخول الإنسان في عمل لا يتلاءم مع شخصيته، وتكوينه، وطاقاته، وقدراته، عندئذ يخفق فيصاب بإحباط شديد فيدع العمل، ولا يحاول التغيير.
 أيها الإخوة، من الصحابة الكرام، سيدنا خالد بن الوليد، ولم يروِ عن رسول الله حديثًا واحدًا، بينما سيدنا أبو هريرة أبرز رواة الحديث، ومع ذلك قال عليه الصلاة والسلام:

 

(( خالد سيف من سيوف الله، ونعم فتى العشيرة ))

[ من حديث رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح ]

 عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم:

(( أَرْحَمُ أُمَّتي بأُمَّتي أبو بكر، وأشدُّهم في أمرِ الله عمرُ، وأشدُّهم حَياءً عثمانُ، وأقْضَاهم عليّ، وأعلمهم بالحلال والحرام مُعاذ بن جبل، وأفرضُهم زيدُ بنُ ثابت، وأَقرؤهم أُبيُّ بنُ كعب، ولكلِّ قوم أمين، وأمينُ هذه الأُمَّة أبو عبيدةَ بنُ الجرَّاح، وما أظلّت الخضراء، ولا أَقلَّت الغبراءُ أَصدقَ لهجةً من أبي ذرّ، أشبهَ عيسى عليه السلام في وَرَعِهِ، قال عمر: أَفَنَعْرِفُ له ذلك يا رسول الله؟ قال: نعم، فاعرِفوا له ))

[ حديث صحيح، أخرجه الترمذي ]

 أبو ذر الغفاري من أكبر الدعاة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، أسلمت على يده غفار بأكملها، ومع ذلك، عندما سأل النبي صلى الله عليه وسلم الإمارة، بماذا أجابه؟
 عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قُلْتُ:

(( يا رسولَ الله، ألا تَسْتَعْملُني؟ قال: فَضَرَبَ بيدهِ على مَنْكِبي ثم قال: يا أبَا ذَرٍّ، إِنَّكَ ضَعيفٌ، وإِنَّها أمَانَةٌ، وإنها يومَ القيامةِ خِزيٌ وَنَدَامَةٌ، إِلا مَنْ أَخذَها بِحَقِّها، وَأدَّى الَّذِي عليه فِيهَا ))

[ حديث صحيح، أخرجه مسلم ]

 يوجد طاقات، لكن يوجد فروق فردية، سيدنا خالد لم يرو حديثًا، كان في أعلى درجة من قيادة الجيش، يوجد ترتيب إلهي، كل إنسان له طاقات، وله قدرات، أنت أتقن ما أقامك الله به تصل إلى الله، وتبلغ أعلى درجة في الجنة، دون أن تنافس أحداً.

15) خيالات المجتمع الإسلامي :

 أحياناً يتصور أحدنا تصوراً غير واقعي، ولا يقع ولا بعد مئة سنة، ولا بعد ألف عام، يتصور مجتمعًا يحكمه الإسلام جملة وتفصيلاً، ما لم يكن في هذا المجتمع لا يتحرك، هذا منتهى قصور العقل، يمكن أن تقوم بملايين الأعمال، وأنت في مجتمع كهذا المجتمع، يوجد شبهات، ويوجد ضلالات، ويوجد شهوات، ويوجد أطروحات غير سليمة، ويوجد أهواء، ويوجد فتن، ويوجد ضغوطات، مع هذا الركام لك أن تفعل كل شيء، أما أن تنتظر حتى يكون الإسلام محكماً في كل شيء، وفي القارات الخمس فهذا شيء قد لا نصله في كل حياتنا، هل معنى ذلك أن تقف عن العمل؟ لا.
 من عظمة هذا الدين أيها الإخوة أنه بإمكانك أن تتفوق فيه، إن كان الدين حاكماً أو محكوماً، مجال البيت، مجال الدعوة، مجال التعليم، مجال الدعوة إلى الله عز وجل، أما أن تنتظر حتى تكون الأمور بخيالك كما تريد، وإلا لا تعمل شيئاً، فهذا منتهى ضيق الأفق.
 يقول بعض الصالحين لابنه: يا بني، اطلب ما يعنيك بترك ما لا يعنيك...
 كل شخص تقريباً يتصور كيف يقهر دولة عظمى، هذا الأمر بعيد جداً، ترك واجباته الدينية، ترك بيته، ترك عمله، وكان بإمكانه أن يفعل فيها كل شيء، ترك ما أنيط به، وهو متطلع إلى ما لا يطوله، لذلك قال: يا بني، اطلب ما يعنيك بترك ما لا يعنيك، فإنه في تركك ما لا يعنيك دركاً لما يعنيك خير كبير.

 

16) استعجال قطف الثمار :

 شيء آخر، أيها الإخوة، مما يبعد الإنسان عن أن يكون في المستوى المطلوب أنه يستعجل الثمرة، دورة الحق والباطل أطول من عمر الإنسان، ابنِ لبنةً، والله عز وجل يكافئك على نواياك الطيبة، ابنِ لبنة واحدة، لا تستعجل الأمور، دورة الحق والباطل تحتاج إلى عقود، وإلى أجيال، فساهم أنت في بناء الصرح الإسلامي، ولو لم يظهر أثر عملك جلياً واضحاً.

17) العزلة ومجانبة الأخيار :

 أيها الإخوة الكرام، الابتعاد عن الأخيار والصالحين، وأن تبقى منعزلاً وحدك، هذا ما عناه النبي عليه الصلاة والسلام بقوله:

 

(( والجماعة رحمة، والفرقة عذاب ))

[ من حديث رواه الطبراني ورجله ثقات ]

 قال تعالى:

 

﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾

(سورة الكهف: الآية 28)

 الانعزال يضعف إمكاناتك، الانعزال يقوي عليك الشيطان، والانعزال يوقعك في أوهام، إذا كنت مع الجماعة: هناك تناصح، هناك توضيح، هناك عزيمة تأتيك من الآخرين، هناك غيرة أحياناً صالحة، يحبها الله عز وجل، ترى أخاً لك متفوقاً في الدعوة، أخاً لك متفوقاً في القرآن، أما إذا اعتزلت الناس تضعف همتك، وتصاب بالتشاؤم، وتغلب عليك الشبهات، ثم تيئس، وتحس بالإحباط، إذاً:

(( الجماعة رحمة، والفرقة عذاب ))

[ من حديث رواه الطبراني ورجله ثقات ]

 قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(( إن الشيطان ذئب الإنسان، كذئب الغنم يأخذ الشاة القاصية والناحية، وإياكم والشعاب، وعليكم بالجماعة والعامة والمسجد ))

[ حديث رواه أحمد ورجاله ثقات ]

18) اعتقاد قدرة بعض المخلوقين :

 أيها الإخوة الكرام، أيضاً مما يحبط سير الإنسان إلى الله أن يتوهم، أقول: يتوهم أن أحداً من المخلوقين كائناً من كان يستطيع أن يغلق جميع منافذ الدعوة وسبلها، من فعل هذا فقد ظن بالله ظن السوء:

﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ﴾

(سورة الأنعام: الآية 91)

﴿ يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ﴾

(سورة التوبة: الآية 32)

 إذا توهمت أن إنساناً قوياً جداً بإمكانه أن يفسد على الله هدايته لخلقه، فأنت لا تعرف الله، ما من قوة على وجه الأرض مهما طغت، وبغت بإمكانها أن تمنع هداية الله لخلقه، لكنهم يحاولون، ويخططون، لكن الله لا يوفقهم:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ ﴾

(سورة الأنفال: الآية 36)

 في بعض البلاد الإسلامية أقيم أربعة آلاف معبد غير إسلامي، هذه الأربعة آلاف معبد هي الآن كلها مساجد، الله عز وجل ناصر نبيه.
 سراقة بن مالك يتبع النبي صلى الله عليه وسلم ليقتله، ويأخذ مئة ناقة، يقول له النبي عليه الصلاة والسلام، وقد هدر دمه، ووضعت مئة ناقة لمن يأتي به حياً أو ميتاً، يقول له: يا سراقة، كيف بك إذا لبست سوار كسرى؟ يا إخوان، دققوا في هذا الكلام، أي أنا سأصل، وسأبني دولة، وسأحارب أكبر دولة في العالم، وسوف أنتصر، وسوف تأتي الغنائم إلى المدينة، ولك يا سراقة سوار كسرى، هذه ثقة المؤمن بالله عز وجل.
 الإسلام قوي، لأن الله ينصره، ولكن ترك نصره على أيدينا، فتحرك، تكلم كلمة، ساهم بنشر الحق، ساهم بتقوية المؤمنين.

 أيها الإخوة الكرام، دققوا في هذه الآية، لو أن واحداً أمامكم توجه إلى الشمس، وأراد إطفاءها بنفخة من فمه، أين مكانه في الحقيقة؟ في مستشفى المجانين، الله عز وجل يقول:

﴿ يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ ﴾

(سورة التوبة: الآية 32)

 هذه الشمس واحدة من مليارات الشموس:

 

﴿ يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ﴾

(سورة التوبة: الآية 32)

 يقول ابن القيم: إدانة أهل الكفر على أهل الإيمان إدانة تامة.
 إياك أن تتوهم أن الإسلام قد انتهى، ولو حورب في خمس قارات، ولو حورب في مناهج المسلمين، وفي كتبهم، وفي قرآنهم، وفي التشريعات الأسرية، مؤتمرات السكان تريد الإباحية، لو حورب الإسلام في التشريعات الأسرية، وفي المناهج التعليمية، وفي كل شيء، عظمة هذا الدين أنه كلما حاربته يزداد قوة، وأقسم لكم في الله أن الداخلين في هذا الدين يتنامون نماءً مخيفاً، في بعض التقديرات أن بعض البلاد في أوربة بعد عقد أو عقدين ستكون فيها الأكثرية مسلمة.
 ما من دين ينمو نمواً خيالياً كهذا الدين، مع أن أهله أضعف الناس، هذه من مفارقات الحياة، ليست العبرة أن يحارب الإسلام، العبرة أن ترى اتساع نطاقه، الآن ما الذي حصل؟ أن كل المبادئ الوضعية أصبحت في الوحل، ولم يبق على ساحة المبادئ والقيم إلا الإسلام، وهذا أكبر نصر، أيها الإخوة، لذلك من ظن أنه يستطيع إنسان مهما كان قوياً أن يلغي الدين فقد وقع في وهم كبير.

وأخيراً :

 حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وسيتخطى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا، الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني، والحمد لله رب العالمين.

* * *

الخطبة الثانية:
 الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سينا محمد عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

إعجاز الطب النبوي :

 أيها الإخوة الكرام، في مؤتمر الإعجاز العلمي السابع الذي عقد في دبي فقرة لطيفة جداً عن إعجاز الطب النبوي الوقائي:
 يقول عليه الصلاة والسلام:

 

(( قيلوا، فإن الشيطان لا يقيل ))

[ حديث رواه الطبراني في الأوسط وفيه رجل كذاب ]

 هذا الحديث تؤكده بحوث علمية، مفادها أن فوائد القيلولة في زيادة إنتاج الفرد، وتحسين قدرته على متابعة نشاطه اليومي كبيرة جداً.

 نشرت دراسة سويدية عام ألفين واثنين أن الرجال العازفين عن الزواج، والذين يعانون من عدم الاستقرار العاطفي والنفسي أكثر عرضة للموت المبكر من نظائرهم المتزوجين، يقول عليه الصلاة والسلام:

(( يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج ))

[ من حديث صحيح، أخرجه البخاري ومسلم ]

 وفي دراسة إلى أن الشباب سريعي التوتر والغضب أكثر عرضة من نظائرهم الأكثر هدوءاً للإصابة بأزمات قلبية بحوالي ثلاث مرات، وحتى وإن لم يكن لديهم قصة عائلية لأزمات القلب، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول:

(( لا تغضب ))

[ من حديث صحيح، أخرجه البخاري ]

 ويقول الله عز وجل:

﴿ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ﴾

(سورة البقرة: 233)

 وقد أقرت مؤخراً منظمة الصحة العالمية إلى أن الرضاعة الطبيعية يجب أن تستمر عامين اثنين، حولين كاملين.

 وجعل الإسلام الختان إحدى سنن الفطرة، وأظهرت دراسة حديثة أن 86% من التهابات المجاري البولية عند الأطفال في سنواتهم الأولى قد حدثت عند غير المختونين.
 وأوصى النبي عليه الصلاة والسلام بالسواك في أحاديث عديدة، وقد نشر حديثاً عدد من الدراسات العلمية عن فوائد السواك.

 وقال صلى الله عليه وسلم:

(( لَمْ تَظْهَرْ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا، إِلَّا فَشَا فِيهِمْ الطَّاعُونُ وَالْأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلَافِهِمْ الَّذِينَ مَضَوْا ))

[ من حديث حسن، أخرجه ابن ماجة ]

 الخبر الأخير عدد المصابين بالإيدز في العالم خمسون مليوناً، لأن الفاحشة ظهرت، وأعلن الناس بها، أي تباهوا بها، هذه كلها أحاديث قيلت قبل ألف وأربعمئة عام، والدراسات العلمية الأكاديمية تقرها وتعظّمها.

 إذاً النبي عليه الصلاة والسلام أقواله ليست من ثقافته، ولا من بيئته، ولا من اجتهاده، ولا من معطيات عصره، إن هي إلا وحي يوحى.

 الدعاء :

 اللهم ارحمنا فإنك بنا رحيم، ولا تعذبنا فإنك علينا قادر، والطف بنا فيما جرت به المقادير إنك على كل شيء قدير.
 اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق، ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك.
 اللهم اهدنا لصالح الأعمال، لا يهدي لصالحها إلا أنت، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا أنت.
 اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين.
 اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك.
 وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018