الخطبة : 0954 - أعذار المقصرين1 . كبر السن وطلب الرزق والوقت - صناعة الأعداء . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0954 - أعذار المقصرين1 . كبر السن وطلب الرزق والوقت - صناعة الأعداء .


2005-02-25

الخطبة الأولى:

 الحمد لله نحمده، ونستعين به، ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته، وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله، سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عين بنظر، أو سمعت أذن بخبر، اللهم صلِ وسلم، وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، أمناء دعوته، وقادة ألويته، وارض عنا وعنهم يا رب العالمين.

أسباب التقصير في العلم والدعوة 1 :

 أيها الإخوة الكرام، أحياناً أوجه الخطبة إلى جميع المسلمين، وأحياناً أخص شريحة من المسلمين، هذه الخطبة أعني بها رواد المساجد الذين يحضرون دروس العلم، الذين يسلكون السبيل إلى الله عز وجل، هذه الشريحة من الملتزمين بمرجعية دينية، الذين عرفوا أن سرَّ وجودهم، وغاية وجودهم، بعد الإيمان بالله، هو طلب العلم الصالح، هؤلاء أيها الإخوة الكرام، وأنا منهم، يعتريهم من حين إلى آخر فتور، أو بالتعبير الآخر تقاعس، وقد يضعون أعذاراً يرونها كافية لفتورهم أو لتقاعسهم.
 إلى هذه الشريحة بالذات أوجه هذه الخطبة، وأنا أوجه هذه الخطبة إلى نفسي أولاً، وإلى كل هؤلاء ثانياً، وأنتظر أن أنتفع بها أولاً، وأن ينتفع بها هؤلاء ثانياً، والله أسأل التوفيق.

 

حالة الفتور الطبيعي :

 أيها الإخوة الكرام، هناك حالة فتور طبيعية سليمة، لا شيء فيها، ذكرها النبي عليه الصلاة والسلام:
 فعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

 

(( إن لكل عمل شرة، وإن لكل شرة فترة، فمن كانت فترته إلى سنتي فقد أفلح، ومن كانت فترته إلى غير ذلك فقد هلك ))

 

[ حديث صحيح، أخرجه الإمام أحمد في مسنده ]

 الشرة: هي فورة النشاط والرغبة، والفترة: هي الضعف والفتور، فمن استقرت مشاعره على طاعة الله، وطاعة رسول الله، والتزم جانب الحق، ولم يأكل حراماً، ولم يتجاوز حدود الله عز وجل، فهذا الفتور شيء طبيعي في الطريق إلى الله عز وجل.
 ففي هذه الحالة، كنت تبكي كثيراً، وكنت تحس بأحوال لا توصف في البدايات، ثم استقر حالك على وضع طبيعي، لكنك في طاعة الله، وفي العمل الصالح، وفي طلب الخير، هذه حالة طبيعية، طمأن النبي عليه الصلاة والسلام أولئك على أحوالهم.

حالة التقصير وأسبابه :

 ولكن إذا دفعك هذا الفتور إلى تقصير في أداء العبادات، أو إلى تقصير في أداء الأعمال الصالحة، أو إلى تقصير في الواجبات، فإلى هذه الشريحة بالذات أوجه هذه الخطبة، وهؤلاء يعتذرون بأعذار شتى، نذكر هذه الأعذار والأسباب، وعددها ثلاثون سبباً، في ثلاث خطب إن شاء الله، وهي:

 

1) التعلل بكبر السن :

 يقول أحدهم لقد كبرت سني، ورقَّ عظمي، ويكفي ما قدمت، ثم يتصور أن الدعوة إلى الله والعمل الصالح يعتريها التقاعس، ويعتريها الانسحاب من بؤرة النشاط.
 أيها الإخوة الكرام، الرد على هذا العذر، في قوله تعالى:

 

 

﴿ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ﴾

(سورة الحجر: الآية 99)

 واليقين هو الموت، وقد قال الإمام الحسن البصري: لم يجعل الله للعبد أجلاً في العمل الصالح دون الموت.
 التقاعس عن العمل الصالح مرفوض، قال تعالى:

﴿ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ﴾

(سورة الحجر: الآية 99)

 وعَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ في حديث ورقة أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم:

 

(( وإِن يُدْرِكْني يومُك حَيّاً أَنْصُرْك نَصراً مُؤَزَّراً ))

 

[ من حديث صحيح، أخرجه البخاري ومسلم ]

 مع كبر سنه، وذهاب بصره، تمنى أن يكون فيها جَذَعاً قوياً، فيكون نفعه أكبر، وأثره أكبر.
 من سير الصحابة الكرام:

 عن أنس بن مالك رضي الله عنه:

(( أن أبا طلحة قرأ سورة براءة فأتى على هذه الآية: ﴿ انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً ﴾
(سورة التوبة: الآية 41)

فقال ألا أرى ربي يستنفرني شاباً وشيخاً، جهزوني، فقال له بنوه: قد غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قبض، وغزوت مع أبي بكر حتى مات، وغزوت مع عمر، فنحن نغزو عنك، فجهزوه، وركب البحر فمات، فما وجدوا له جزيرة يدفنونه فيها إلا بعد سبعة أيام فلم يتغير ))

[ حديث صحيح، أخرجه الحاكم في مستدركه ]

 التقاعس في الدعوة إلى الله مرفوض، التقاعس عن العمل الصالح مرفوض، فهذا الذي مضى له عمر طويل في الأعمال الصالحة إذا قال: قدمت الشيء الكثير، وأنا أترك المجال لغيري، هذا أيضاً في العمل الصالح مرفوض.
 يقول الإمام الشافعي: طلب الراحة في الدنيا لا يصلح لأهل المروءات، فإن أحدهم لم يزل تعباً في كل زمان.
 بل ورد في الأثر، أن السيدة خديجة رضي الله عنها حينما جاء النبي عليه الصلاة والسلام الوحي قالت: خذ قسطاً من الراحة، فقال كلمة تقشعر لها الأبدان: انقضى عهد النوم يا خديجة.
 سئل أحد الزهاد عن سبيل المسلم ليكون من صفوة الله، فقال: إذا خلع الراحة، وأعطى المجهود من الطاعة.
 قيل للإمام أحمد: متى يجد العبد طعم الراحة؟ فقال: عند أول قدم يضعها في الجنة، فلا راحة لمؤمن إلا بلقاء وجه ربه.
 والأنبياء جميعاً أيها الإخوة الكرام، كما تعلمون، لم يبعثوا إلا بعد الأربعين، وما زالوا في دعوتهم حتى الموت، وسيدنا عمر بعد أن طعن سأل: هل صلى المسلمون الفجر؟ همه تجاوز حياته.
 وسئل حذيفة رضي الله عنه عن ميت الأحياء، فقال: الذي لا ينكر المنكر بيده، ولا بلسانه، ولا بقلبه.
 هذا عذر من الأعذار، تجاوزنا سن النشاط والحيوية والتألق، ونحن في سن التقاعد، وقد عملنا الكثير، وبقي لغيرنا أن يعمل كما عملنا.
 هذا العذر مرفوض، أخاطب شريحة رواد المساجد، شريحة الملتزمين، شريحة السالكين إلى الله، شريحة الذين لهم مرجعية دينية.

 2) الانشغال بطلب الرزق :

 أيها الإخوة، عذر آخر، بعضهم يقول: أنا منشغل بطلب الرزق، وعملي يمتصّ كل وقتي، وأنا فقير، أولادي بحاجة إلى مال، ونسي أن الرزق مكفول، ومن طلب العلم تكفل الله له برزقه، ليس معنى هذا أن يجد مالاً تحت الوسادة، لا، ولكن الله عز وجل يوفقه لرزق معقول، وبجهد معقول، إن كان لك رزق معقول، وبجهد معقول، فهذا من تيسير الله لك.

 

 قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(( إن الروح الأمين نفث في روعي، أنه ليس من نفس تموت إلا وقد كتب الله تعالى رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، ولا يحملنكم استبطاء الرزق أن تطلبوه بالمعاصي، فإنه لا يدرك ما عند الله تعالى إلا بطاعته ))

[ من حديث صحيح لغيره، أخرجه إسحاق بن راهويه في مسنده ]

 وقال بعض العلماء في قول النبي صلى الله عليه وسلم: فاتقوا الله وأجملوا في الطلب: أي وازنوا بين مصالح الدنيا والآخرة ونعيمها ولذاتها، فإن نعيم الآخرة إنما ينال بتقوى الله عز وجل.
 وراحة القلب والبدن، وترك الاهتمام، والحرص الشديد، والتعب والعناء، والكد والشقاء في طلب الدنيا، إنما ينال بالإجمال في الطلب.
 فمن اتقى الله فاز بلذة الآخرة ونعيمها، ومَن أجمل في الطلب استراح من نكد الدنيا وهمومها.
 أيها الإخوة الكرام، لابن القيم، رحمه الله تعالى، قول رائع في هذا المجال، يقول:
 لابد من قبول المحل لِما يوضع فيه.
 قلبك هو المحل، لابد من أن يقبل قلبك ما يوضع فيه، ولابد من أن يفرغ من ضده، فقبول المحل لِما يوضع فيه مشروط بتفريغه من ضده، وهذا كما أنه في الذوات والأعيان، هو في الاعتقادات والإرادات، أي وعاء مملوء، لا يُصَبُّ فيه شيء إلا إذا نزعت ما فيه، وكذلك القلب، لا توضع فيه عقيدة سليمة إلا إذا أزيحت العقيدة الفاسدة، لا توضع فيه اهتمامات عالية، إلا إذا نزعت منه الاهتمامات الدنيئة، لا توضع فيه إرادة الآخرة، إلا إذا نزعت منه إرادة الدنيا، فالعبرة أن المحل يجب أن يفرغ من ضده، حينما يفرغ اللسان من النطق بالباطل يملأ حكمة ينطلق بها إلى الحق.

 يقول بعض العلماء: بقدر ما تحزن للدنيا يخرج من القلب همّ الآخرة من قلبك، وبقدر ما تحزن للآخرة يخرج همّ الدنيا من قلبك.

 بشكل أو بآخر، الدنيا والآخرة نقطتان، فكلما اقتربت من أحدهما ابتعدت عن الأخرى.
 يقول الله عز وجل:

﴿ فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ (*)رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (*)لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾

(سورة النور: الآية 36- 38)

 3) التعلل بطول الدوام :

 أيها الإخوة الكرام، أحياناً يقول لك أحدهم: أنا موظف، والدوام طويل، فماذا أفعل؟
 يمكن أن تقوم بأعمال لا تعد ولا تحصى في أثناء هذا الدوام الطويل، يمكن أن تذكر الله في وقت فراغك، يمكن أن تأمر بالمعروف، وأن تنهى عن المنكر، يمكن أن تقرأ بعض سور القرآن، هناك أطباء أسنان يضعون أشرطة لعلماء يثـقون بهم، فهذا المريض الجالس على كرسي طبيب الأسنان يستمع إلى الحق، منهم من يضع الأغاني، منهم من يضع الموسيقى، فيمكن ولو كان الوقت طويلاً أن تملأه بعبادة.
 هناك من يحفظ القرآن في أثناء العمل، وقد يكون له عمل شاق، فالذي ربط بوظيفة دوامها طويل هناك ألف طريق وطريق يجعل من الوقت موظفاً في طاعة الله.
 أحياناً طبيب يسأل مريضًا عن صحته، يضع له أملاً في الله عز وجل، يوجهه إلى طاعة الله، إلى التوبة أحياناً، هذا أيضاً جزء من العمل الصالح.
 يقول بعض العلماء: صدور المؤمنين تغلي بأعمال البر، وصدور الفجار تغلي بأعمال الفجور، واللهُ تعالى يرى همومكم، فانظروا ما همومكم يرحمكم الله.

 

 4) فسح المجال للآخرين :

 أيها الإخوة الكرام، هناك من افتراءات الشيطان عذر عجيب، يقول لك: لقد تقدمت في العمر، أفسح المجال لغيرك، ليعمل مكانك، فهذا شاب يتّقد حيوية ونشاطاً، قال تعالى:

﴿ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ ﴾

(سورة المطففين: الآية 26)

﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ ُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴾

(سورة آل عمران: الآية 133)

﴿ أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ ﴾

(سورة المؤمنون: الآية 61)

 اسمعوا هذه القاعدة: لا مؤاثرة في الخير، والخير كله في المؤاثرة، أما أن لا أصل والدتي كي يسبقني أخي إلى طاعة الله، فهذا كلام غير صحيح، أن لا أساعد هذا الفقير كي أؤثر أخاً لي أن يساعده، هذا كلام مضحك، لا مؤاثرة في الخير، والخير كله في المؤاثرة، أن تؤثر آخرتك على دنياك هذا الخير كله، أما أن تؤثر أخاك بآخرتك هذا هو الشر بعينه، لذلك لا مؤاثرة في الخير.
 كان سيدنا عمر، أيها الإخوة، يسابق أبا بكر في فعل الخيرات.
 أيها الإخوة الكرام، النقطة الدقيقة في هذا المجال، أنه ما لم يقم به غيرك، وأنت قادر على أن تقوم به، فعليك أن تقوم به، ولهذا يجب عليك ذلك، والعلماء صنفوا بعض فروض الكفاية، إذا قام بها البعض سقطت عن الكل، فلو قام بهذا الفرض بعض المسلمين سقط عن الباقين، لكن هذا الفرض إن لم يقم به غيرك، وأنت قادر على أن تقوم به وجب عليك وجوباً عينياً أن تقوم به.

 5)ستر التقصير بالنقد واللوم :

 أيها الإخوة الكرام، دائماً الإنسان المقصّر ينطلق إلى سلوك عجيب، دائماً يضع اللوم على غيره، ويرتاح، لا تجد إنساناً مقصراً إلا ويشكو الوضع الداخلي، والوضع الخارجي، الحروب، القلق العام، التوترات، فلا يفعل شيئاً، لكن العظماء في هذه الظروف الصعبة يفعلون كل شيء، لذلك هذا الذي يقول: ليس هناك برامج، ولا خطط، والعلماء مقصّرون، واللهِ ما من جلسة جلستها، إلا وجدت معظم الناس اتفقوا على توجيه اللوم للعلماء، أنا لا أبرئهم، ولكن إذا كان العالم مقصراً فأنت ماذا فعلت؟ كأنه إذا قال: العلماء مقصرون فقد أعفي من المسؤولية، لا تعفى منها، دائماً وأبداً يوجّهون أصابع الاتهام إلى الدعاة والعلماء، وكأنهم بيدهم قوة لا تقهر، وقد قصّروا في توفيرها لخدمة هذا الدين، هذا نمط إلقاء اللوم.
 والحقيقة أنّ الإنسان حينما يقصّر في طاعة الله عز وجل يختل توازنه، وكل إنسان بحسب فطرته يريد أن يسترجع هذا التوازن، كيف يسترجعه؟ يسترجعه بنقد الآخرين، ويسترجعه بالتعلق بعقيدة فاسدة، ويسترجعه أن ينهض إلى الله عز وجل، فالحالة الثالثة صعبة، أما الأولى والثانية فسهلة، نقد الآخرين سهل، والاعتقاد الفاسد سهل، فلكي يقنعك أن هذا الشيء غير واقعي، ولا يطبق، إما أن ينقد الصالحين، أو أن يتعلق بعقيدة فاسدة كالشفاعة مثلاً، وأنّ أمة محمد مرحومة، وشفاعتي لأهل الكبائر من أمتي، ويرتاح، إما بالتعلق بعقيدة فاسدة، أو بنقد الآخرين، والأَولى أن ينهض إلى الله رب العالمين.
 أيها الإخوة الكرام، قال الإمام الحسن البصري في وصف أناس مثل هؤلاء:
 هؤلاء ملّوا العبادة، ووجدوا أن الكلام أسهل عليهم، وقلّ ورعهم فتحدثوا.
 والحقيقة أنّ كل إنسان في جلسة تجده أنيقاً، متكلماً، طليق اللسان، يحدثك عن الوطنية والتدين والوفاء، وعن عظمة هذه الأمة، كلام في كلام، ولا يفعل شيئاً.
 الحديث سهل جداً، بل هو ممتع، بل هو يستقطب أنظار الناس، بل المتكلم بهذا الكلام يعلو عندهم، لكن المقياس عند الله هو العمل الصالح:

 

﴿ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ﴾

(سورة فاطر: الآية 10)

 لذلك قال بعضهم: إن المؤمن يقول قليلاً، ويعمل كثيراً، أما المنافق فيتكلم كثيراً، ويعمل قليلاً.
 بهذه المناسبة أقول: إن أعداء المروءة صفاتهم أنهم إن رأوا حسناً ستروه، وإن رأوا سيئاً أذاعوه، دون أن يشعر أحدهم، كأنه مع الشيطان، أيّ عمل عظيم يقلّل من قيمته، يشكّك في نيات صاحبه، أو يشكك في جدواه، دون أن يشعر، لأنه مقصر، إن رأى عملاً عظيماً يشكك في نيات صاحبه، أو يشكك في جدواه، أو يقلّل من قيمته دون أن يشعر، وإن رأى خطأً طفيفاً جعله جريمة كبيرة، أذاعها في كل مكان، دون أن يشعر في عقله الباطن، لأنه مع الشيطان:

 

﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزّاً ﴾

(سورة مريم: الآية 83)

 العمل الخيّر يقلِّل من قيمته، ويشكك في نياته، ويشكك في جدواه، والعمل السيئ يجعله جريمة كبرى.
 أيها الإخوة الكرام، مِن أعراض هذا المرض التهويل والمبالغة واستخدام العدسة المكبرة للتفتيش عن صغائر الشر.
 أيها الإخوة الكرام، أنا أسمي هذا الإنسان القناص، مهمته أن يقنص أخطاء الآخرين.

 6) اتباع أخطاء القدوات :

 الآن يوجد عندنا عذر آخر، يتخذ بعضهم من شخصية مرموقة، ملء السمع والبصر، متقاعسة في الدين، تعتبر قدوة، يتخذها مقياساً، فيقول: فلان، هل أنت أفهم منه؟ أعلم منه؟ أقوى منه؟ هو يفعل كذا وكذا، فيرتاح، وكأنه إذا أبرز شخصية مرموقة في المجتمع لها مثالب، ولها تقصيرات، ولها أخطاء يعفى هو من المسؤولية، أيضاً هذا العذر غير مقبول:

﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ ﴾

(سورة غافر: الآية 52)

﴿ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ ﴾

(سورة التوبة: الآية 87)

 يقول بعض العلماء عن الإمام أحمد: صحبته عشرين سنة، صيفاً وشتاءً، وحراً وبرداً، وليلاً ونهاراً، فما لقيته في يوم من هذه الأيام إلا وهو زائد عما كان عليه بالأمس.
 وقال بعضهم عن عالم جليل: ما أتينا في ساعة يطاع الله فيها إلا وجدناه مطيعاً، وإن كان في ساعة صلاة وجدناه مصلياً، وإن لم تكن ساعة صلاة وجدناه متوضئاً، أو عائداً لمريض، أو مشيعاً لجنازة، أو قاعداً في المسجد، وكنا نرى أنه لا يحسن أن يعصي الله عز وجل أبداً.

 7) التحسس من النصح :

 يوجد شيء آخر، أنا أسميه الحساسية المرضية من النصيحة، لمجرد أن تنصح إنساناً نصيحة طفيفة يدع المسجد، يقول لك: ما قدَّروني، ما عرفوا مكانتي، تجرؤوا عليّ، ومن أنت؟ حساسية مفرطة من النقد، فإذا وجه لك إنسان ببساطة، ببراءة، بحسن نية نقداً فلا تدع الدروس كلها، ولا تقطع هذا الذي نصحك، لذلك يقول سيدنا عمر رضي الله عنه، ومن أنت أمام عمر: رحم الله امرأً أهدى إلي عيوبي.
 سيدنا عمر بن عبد العزيز له كلام رائع، قال: إن الولاة جعلوا العيون على العوام، أي المخبرين، وأنا أجعلك عليّ يا مزاحم، كن معي، فإن رأيتني أخطأت فأمسكني من تلابيبي، وهزني هزاً شديداً، وقل لي: اتق الله يا عمر، فإنك ستموت.
 اسمح للنقد، إذا نقدك إنسان اشكره، قل له: تفضلت عليّ، نبهتني إلى شيء كنت غافلاً عنه، الإنسان لا يرقى إلا بالنقد، وأي إنسان يمنع النقد ينتهي.
 بلال بن سعد قال لصاحبه: إن المؤمن مرآة أخيه، فهل تجد عليّ شيئاً تكرهه؟
 وقال ميمون بن مهران: قولوا لي ما أكره في وجهي، لأن الرجل لا ينصح أخاه حتى يقول في وجهه ما يكره.
 العادة المؤلمة الآن في اللقاء الشخصي، منتهى الترحيب والثناء والمدح، أنت ولي كبير، وعالم جليل، وموفق، فإذا غفل عنهم بدأ النقد.
 ما من عادة أسوأ من هذه العادة، يقابلك بابتسامة وبشاشة واحترام وتقدير، وقد يكون يعتقد غير ذلك، فإذا خلا له الجو:

 

﴿ وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (*)اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ ﴾

(سورة البقرة: 14- 15)

 هذا الكلام خطير، لا تكون ناصحاً إلا أن تقول في وجه الرجل ما يكره، طبعاً بأدب، وإلا سيوجد الخطأ.
 يقول بعض السلف: من حق العاقل أن يضيف إلى رأيه آراء العلماء، ويجمع إلى عقله عقول الحكماء، فالرأي الفذ ربما ذل، والعقل الفرد ربما ضل.

 

 8)

 التعلل بجحود المجتمع :

 

هناك أشخاص يتقاعسون، لأنهم لا يذكرون في المجالس، ولا يرحب بهم، ولا يعطون حقهم، لذلك هم يكفرون بهذا المجتمع الجاحد، فينسحبون من العمل الصالح، وهؤلاء يؤكدون نفاقهم، هم لا يعملون لله:

 

﴿ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُوراً ﴾

(سورة الإنسان: الآية 9)

 لذلك قال بعضهم: كل ما لا يراد به وجه الله يضمحل.
 وقال الجيلاني: يا غلام، فقه اللسان بلا عمل القلب لا ينقلك إلى الحق ولا خطوة.

 

 وأخيراً :

 للموضوع تتمة في خطبتين قادمتين إن شاء الله، عنوان هذه الموضوعات: أسباب التقصير في العلم والدعوة، أحاول إن شاء الله تعالى أن أضيف إلى هذه الأعذار الأجوبة القاطعة المانعة لقبول هذه الأعذار.
 أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه يغفر لكم، فيا فوز المستغفرين.

* * *

الخطبة الثانية:
 الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سينا محمد عبده ورسوله صاحب الخلق العظيم، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

فن صناعة الأعداء :

 أيها الإخوة الكرام، أسوأ صناعة في الحياة هي صناعة الأعداء، هذه الصناعة التي تمزق أهل الأرض لا تحتاج إلى مهارات كثيرة، بل تحتاج إلى حمق كثير، وسوء تدبير، وقلة مبالاة لتحشد من حولك جموعاً من الغاضبين والمناوئين والخصوم، لو سألتموني مثال على ذلك: دولة عظمى في قمة الدول، قوية جداً، تستخدم أحدث الوسائل العلمية في الأرض، تملك ناصية العالم، حينما احتلت سرحت ستمئة ألف إنسان من أعمالهم، وراء كل إنسان خمسة أشخاص، وقد خاضوا حروباً ثلاثة، ومعهم أسلحة فتاكة، فماذا كانت النتيجة؟ أليس هذا منتهى الحمق؟ أضرب لكم هذا المثل، مستحيل وألف ألفِ مستحيل أن تكون مقطوعاً عن الله عز وجل إلا وترتكب حماقة لا يفعلها طفل صغير:

 

﴿ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً ﴾

(سورة البقرة: الآية 269)

 أسوأ صناعة في الأرض صناعة الأعداء، لا تحتاج إلى خبرات عالية، بل تحتاج إلى بُعدٍ عن الله، وحمق كثير، وسوء تدبير، وقلة مبالاة، لتحشد من حولك جموعاً من الغاضبين والمناوئين والخصوم، ولكن الحكمة أيها الإخوة الصبر على المخالفين، وطول النفَس معهم، واستعمال العلاج الرباني بالدفع بالتي هي أحسن:

 

﴿ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ﴾

(سورة فصلت: الآية 34)

 هذا ضمن نطاق المسلمين طبعاً.

يا من تضايقه الفعال  من التي ومن الذي
ادفع فديتــك بالتي  حتى ترى فإذا الذي

﴿ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ﴾

(سورة فصلت: الآية 34)

  توجيه الشكر إلى الأعداء :

 أيها الإخوة الكرام، هذه الفقرة القصيرة في الخطبة الثانية، توجيه شكر من أعماق القلب للأعداء، كيف؟ لأنه قيل: كيف أتقبل النقد الجارح دون ارتباك، وكيف أمضي في طريقي دون تردد، ولو سمعت من القول ما لا يجمل، وما لا يليق؟
 فالأعداء يقدمون هذا الدرس العظيم الذي لا يمكن أن تتلقاه نظرياً، حتى يقيض الله لك من يدربك عليه، ويجرعك مرارته أول الأمر ليكون شيئاً معتاداً بعد ذلك.
 أول شكر للأعداء أنهم أعطوك صبراً وتجملاً، وتوازناً وهدوءاً، وتبصراً، طبعاً الفضل لهم دون أن يريدوا ذلك قطعاً.
 أنتم أيها الأعداء من كان سبباً في انضباط النفس، وعدم انسياقها مع مدح المادحين، لقد قيضكم الله تعالى لتعدلوا الكفة، لئلا يغتر المرء بمدح مفرط، أو ثناء مفرط، أو إعجاب في غير محله، شكراً لكم أيها الأعداء، أنتم سخرتم الألسنة كي تدافع عن الحق، عندما هاجمتم الحق، سخرتم الألسنة كي تدافع عن الحق، وتدعو إليه.
 أيها الإخوة الكرام:

لولا اشتعال النار فيما جاورت  ما كان يُعرف طيب عرق العود

 هذا الذي يشكّك في القرآن، يستحثّ همم الشباب لمعرفة الحقيقة، يزداد الشباب إيماناً، هذا الذي يطرح شبهة يستحث همم طلاب العلم لمعرفة الحقيقة.
 شكراً لكم أيها الأعداء أنتم ذوو فضل، ولو لم تشاؤوا، في صناعة قدر من الاتزان والعدل في الفكرة، ولربما أعطي الإنسان بعض الحق فوق قدره، فكنتم السبب في إحكام التوازن، ودقة التصويب، والمراجعة.
 المديح أيها الإخوة يولد أمراضاً نفسية، يولد كبراً، يولد حمقاً أحياناً، يولد غروراً، فهذا الذي ينقد يجعل توازناً بين المدح والنقد، لا يأخذنكم الغضب والاعتراض، فإن المرء إذا دخل في رد هذا النقد حرم نفسه فائدة النظر والتأمل.
أيها الإخوة الكرام، شكراً لكم أيها الأعداء، يقول كاتب هذه المقالة: فأنتم من شحذ الهمة، وصنع التحدي، وفتح المضمار، وشرع السباق، ليصبح المرء شديد الشح بنفسه، كثير الحدب عليها، حريصاً على ترقيتها، وتحريها لمقامات الرفعة والفضل والتنافس:

﴿ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ ﴾

(سورة المطففين: الآية 26)

وينتصر الإسلام من جديد :

 إخوتنا الكرام، بصراحة، قبل خمسين عاماً، هذه الدولة العظمى خطفتْ أبصار أهل الأرض بقيمها، بحريتها، بديمقراطيتها، بحقوق الإنسان، بالعدل، بحق المقاضاة، باحترام جميع الأديان، ولكنها بعد حين سقطت في الوحل، ولم يبقَ في الساحة إلا الإسلام، وهذا نصر كبير للإسلام.
 أيها الإخوة الكرام، مادام هناك جهة بعيدة عن الدين، قوية كبيرة، راقية متحضرة، ذكية عالمة، ومادامت الأبصار قد تعلقت بها، وطمحت إلى بلادها فالطريق إلى الله ليس سالكاً، ولا بد من أن نكفر بالطاغوت، قال تعالى:

 

﴿ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى ﴾

(سورة البقرة: 256)

 لقد أعانونا على أن نكفر بهم، وصار الطريق إلى الله سالكاً.

 الشكر لله أولاً وأخيراً :

 أيها الإخوة الكرام، الله عز وجل وحده يشكر على المكاره، الحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه، لعل وحدة المسلمين، لعل يقظة المسلمين، لعل تضامن المسلمين، لعل تفوق المسلمين، لعل تقدم المسلمين تكون بسبب شدة ما يحاك عليهم من مؤامرات، بسبب شدة ما يُتحدَّون به بأقدس مقدساتهم، في قرآنهم، في سنة نبيهم، في دينهم، في هويتهم، في حضارتهم، قال تعالى:

﴿ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾

(سورة البقرة: 216)

 الدعاء :

 اللهم ارحمنا فإنك بنا رحيم، ولا تعذبنا فإنك علينا قادر، والطف بنا فيما جرت به المقادير، إنك على كل شيء قدير.
 اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق، ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك.
 اللهم اهدنا لصالح الأعمال، لا يهدي لصالحها إلا أنت، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا أنت.
 اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين.
 اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك.
 اللهم لا تؤمنا مكرك، ولا تهتك عنا سترك، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين.
 اللهم بفضلك ورحمتك أعل كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام وأعز المسلمين، وأذل الشرك والمشركين، وانصر عبادك المؤمنين في كل مكان، يا رب العالمين.
 خذ بيد ولاة المسلمين لما تحب وترضى، يا رب العالمين، إنك على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018