الخطبة : 0952 - دروس الهجرة. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0952 - دروس الهجرة.


2005-02-11

الخطبة الاولى:
 الحمد لله نحمده، ونستعين به، ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته، وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله، سيد الخلق و البشر، ما اتصلت عين بنظر، أو سمعت أذن بخبر، اللهم صلِ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، أمناء دعوته، وقادة ألويته، وارض عنا وعنهم يا رب العالمين.
 أيها الإخوة الكرام، البارحة كان اليوم الأول من السنة الهجرية، ماذا ينبغي أن نقول في هذه المناسبة ؟ يبدو أن وقائع هذه المناسبة مستهلكة ومكررة، ويعرفها كل المسلمين، ولكن ينبغي أن نتحدث عن الدروس والعبر، لا عن الوقائع والخبر، ينبغي أن نتحدث عن الدروس والعبر لأن المسلمين اليوم في أمسّ الحاجة إلى هذه الدروس والعبر، بل ليسوا في يوم من الأيام أحوج منهم إلى هذه الدروس والعبر منهم في هذه الأيام.
 أيها الإخوة الكرام، وكتقديم آخر النبي عليه الصلاة والسلام له أقوال، وله مواقف، وأفعال، قال العلماء: إن مواقفه وأفعاله أصدق في الدلالة على فهمه لوحي السماء من أقواله، لأن أقواله قد تؤول على خلاف ما أراد، أما أفعاله فهي حدية لا تحتمل التأويل، إذاً ينبغي أن نأخذ ما قاله، وينبغي أن نتأسى بأفعاله، بل إن النبي عليه الصلاة والسلام له سنة قولية، وله سيرة عملية، ويبدو أن حجم وخطر وأهمية السيرة العملية قد يكون أكبر بكثير من حجم سنته القولية، ذلك لأن أي إنسان أوتي فصاحة اللسان وذاكرة قوية يمكن أن ينطق بالحق تقليداً، لكن موقف الإنسان المطابق للحق ليس من السهل أن يتمثله، لذلك تجد الأنبياء وهم قلة بالنسبة إلى المصلحين فعلوا شيئاً لا يكاد يصدق في زمن قياسي، بينما الدعاة والمصلحون على كثرتهم فلم يحققوا شيئاً أمام ما حققه الأنبياء والمرسلون، ذلك لأن النبي  فعل ما قال، وهذا التطابق المذهل بين أفعال النبي  وأقواله هو سر تأثيره في المسلمين.

الدرس الأول للهجرة: الهجرة حركة إيجابية:

 أيها الإخوة الكرام، أول شيء يتعلق بالهجرة أن الهجرة حركة، الإسلام لا يقبل إعجاباً سلبياً، ولا أبالغ إذا قلت: إن معظم المسلمين يعجبهم الإسلام آخر الأديان، دين الحق، دين الفطرة، دين الواقعية، دين الوسطية، بأحكامه، بعقيدته، بعباداته، بمعاملاته، بفقهه، ولكن إعجابهم السلبي لا ينعكس التزاماً ولا سلوكاً، هذا لا قيمة له عند الله إطلاقاً، أوضح هذا بمثل
 إنسان معه مرض جلدي، ويحتاج إلى أشعة الشمس، يحتاج إلى أن يتعرض إلى أشعة الشمس، فمهما نطق بلسانه، وقال: يا لها من شمس عظيمة، يا لها من شمس ساطعة، يا لها من شمس تطهر الجلد من الأمراض، يا لها، ويا لها، ولو بقي يتحدث عن الشمس إلى يوم القيامة فلا قيمة لكلامه إطلاقاً ما لم يتحرك، ويعرض جسمه لأشعة الشمس، الهجرة حركة، أما الموقف السلبي، أما الموقف السكوني، أما الإعجاب السلبي، أما الثناء على هذا الدين، وأنت لست ملتزماً به، ولست مطبقاً له لا في نفسك، ولا في بيتك، ولا في تجارتك، ولا في لهوك، ولا في فرحك، ولا في مأساتك، هذا الإعجاب السلبي، وهذا الإقرار بعظمة هذا الدين دون أن يقترن بالعمل لا قيمة له، فلذلك أكثر الآيات التي تتحدث عن الذين آمنوا يأتي بعدها وعملوا الصالحات، قال تعالى:

 

﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾

 

[ سورة الأحقاف: 13]

﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً﴾

[ سورة فصلت: الآية 33]

﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً﴾

[ سورة الكهف: الآية 110]

﴿ وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾

[ سورة التوبة: الآية 105]

﴿ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾

[ سورة المجادلة: الآية 11]

﴿ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾

[ سورة فاطر: الآية 10]

 أيها الإخوة الكرام، مشكلة الإعجاب السلبي، مشكلة الثناء على هذا الدين، وعلى القرآن الكريم ، وعلى سيد المرسلين دون أن نرى ذلك في بيتك، وفي تجارتك، وفي بيعك وشرائك، وفي انضباط لسانك لا قيمة له، أما الدليل الصارخ من القرآن الكريم:

 

﴿ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾

 

[ سورة الأنفال: الآية 72]

ما لم تتحرك، ما لم تأخذ موقفاً عملياً، ما لم تنتقل من موقع على موقع، من موقع الأخذ إلى موقع العطاء، من موقع التلقي إلى موقع الإلقاء، من موقع لا تستطيع أن تعبد الله فيه إلى موقع تعبد الله فيه.
 أيها الإخوة الكرام، الهجرة حركة في الأصل، الإنسان خلق ليعبد الله، علة وجوده عبادة الله، والعبادة في أدق تعاريفها طاعة طوعية، حركة، وسلوك، والتزام، توقف عند الحرام، بعدٌ عن الشبهات، هذه العبادة، طاعة طوعية، أساسها معرفة يقينية، تفضي إلى سعادة أبدية، فما لم يكن لك موقف، ما لم تقل لا بملء فمك دون أن تخشى في الله لومة لائم: إنك لا تعبد الله، بل إن الله سبحانه وتعالى لم يقبل من المؤمنين أن يدّعوا محبته إلا بالدليل، قال تعالى:

﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾

[ سورة آل عمران: الآية 31]

 الأمور المادية أيها الإخوة الكرام منضبطة، تقول: أنا معي مئة مليون، أين هي ؟ أين أودعتها ؟ ما رقم الحساب ؟ أما أن تقول: أنا أحب الله، فهذه قضية نفسية لا نصدقها إلا بالدليل، والدليل طاعة رسول الله، قال تعالى:

 

﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾

 

[ سورة آل عمران: الآية 31]

 لكن بالمناسبة، أيها الإخوة الكرام، الله عز وجل تكفل بأن يكشف من يؤدي الإيمان على حقيقته، فقال تعالى:

 

﴿ مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾

 

[ سورة آل عمران: الآية 179]

 الله عز وجل لا يسمح لأحد أن يوهم الناس جميعاً أنه على حق، تستطيع أن تخدع معظم الناس لبعض الوقت، وتستطيع أن تخدع بعض الناس لكل الوقت، أما أن تخدع كل الناس لكل الوقت فهذا من سابع المستحيلات، أما أن تخدع الله لبرهة، لثانية، هذا مستحيل، أما أن تخدع نفسك فهذا مستحيل، فالهجرة حركة، الهجرة التزام، الهجرة انضباط، الهجرة انتقال من موقع إلى موقع، هذا الموقع لا يرضي الله، لا بد من أن تنتقل منه إلى موقع يرضي الله، هذه الحرفة لا ترضي الله لا بد من أن تدعها، وتحترف حرفة ترضي الله، هذه الوظيفة ليست في صالح الآخرة، ينبغي أن تدعها إلى وظيفة أخرى، هذه التي خطبتها ليست مؤمنة، حيث إنها تتولى تربية أبنائي، ابحث عن فتاة مؤمنة، الإسلام حركة، والإعجاب السلبي مرفوض، والهجرة حركة، هي مطلق الحركة.
أيها الإخوة الكرام، ملخص هذه الفقرة قوله تعالى:

 

﴿ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾

 

[ سورة الأنفال: الآية 72]

الدرس الثاني للهجرة: علة الوجود عبادة الله:

 النقطة الثانية، أيها الإخوة الكرام، في موضوع الهجرة أن الإنسان حينما يعرف علة وجوده وغاية وجوده أن الله خلقه ليعبده، والدليل قال تعالى:

 

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56)﴾

 

[ سورة الذاريات: الآية 56]

فأي مكان، أية بيئة، أي ظرف، أي ترتيب حال بينك وبين عبادة الله ينبغي أن تتحول عنها.
 ضربت مثلاً البارحة، أن طالباً يعلق أهمية كبيرة جداً على نيل الدكتوراه من هذا البلد الغربي، وصل إليه، إذا منع من دخول الجامعة، ورفض تسجيله في الجامعة ماذا بقي له في هذا البلد ؟ لا شيء، لابد أن يتحول عنه قولاً واحداً، فحينما يعرف الإنسان علة وجوده، وهي عبادة الله، فأي مكان لا يحقق له علة وجوده ينبغي أن يغادره، والقضية ليست من البساطة بمكان، القضية خطيرة جداً خطيرة من هذه الآية، والله الذي لا إله إلا هو لو استوعب الإنسان هذه الآية لارتعدت فرائصه في أن يبقى يوماً واحداً في بلد يحول بينه وبين طاعة الله، هذا كلام خالق الأكوان، هذا من القرآن الكريم:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ﴾

[ سورة النساء: الآية 97]

 مات ظالماً لنفسه، مات وهو متلبس بمعصية الله، مات وأسرته كلها شاردة عن منهج الله، مات وهو غارق في معاصٍ لا تعد ولا تحصى، قال تعالى:

 

﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ﴾

 

[ سورة النساء: الآية 97]

 استمعوا إلى الجواب، قال تعالى:

 

﴿ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ﴾

 

[ سورة النساء: الآية 97]

 ومن أروع ما قرأت عن هذه الآية أنهم مستضعفون، إما قهراً أو إغراءً، أنت في بلد متقدم جداً غني جداً كل المعاصي والآثام في متناول يدك، وقد لا تستطيع أن تقاوم هذا الإغراء، وقد تزل القدم، إذا كنت مستضعفاً أمام هذه الفتن والشهوات فهذا نوع من الاستضعاف، وإذا كنت مستضعفًا أمام قوة قامعة تمنعك أن تؤدي العبادات، وتمنعك أن تحجب بناتك أيضاً هذا استضعاف، فكلا الاستضعافين مرفوض، أن يكون استضعافاً نفسياً أو قمعياً، قال تعالى:

 

﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ﴾

 

[ سورة النساء: الآية 97]

 غلبتنا شهواتنا، بلاد هاجر إليها، يقول لك: إنها جنة الله في الأرض، على الشبكية فقط، حاجات الإنسان متوافرة بشكل عجيب، وسائل التسلية لا تعد ولا تحصى، يمكن أن ينغمس في وسائل التسلية سنوات وعقوداً، وينسى الموت كله، كنا مستضعفين في الأرض، ربنا غلبت علينا شقوتنا، أو منعنا أن نصلي، منعنا أن نحجب فتياتنا، منعنا أن ندخل بيتاً من بيوت الله، منعنا أن نتلقى درس العلم، منعنا أن نقرأ كتاباً دينياً مثلاً.
الاستضعاف ذاتي أو قمعي، فماذا أجيب ؟ قالوا:

 

﴿ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾

 

[ سورة النساء: الآية 97]

 إلى الآن لم يتضح الخطر، الخطر:

 

﴿ فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً (97)﴾

 

[ سورة النساء: الآية 97]

الأرض التي تحول بينك وبين طاعة الله ينبغي أن تغادرها، الأغرب من ذلك إن لم تضمن أن يكون ابن ابن ابنك مسلماً فلا ينبغي أن تبقى في هذه البلاد.
 ألقيت كلمة في عقد قران، وكان الذين حضروا هذا العقد معظمهم من الجالية السورية في بلاد بعيدة، ذكرت هذا النص، وقف أحدهم، وهو طبيب لامع هناك، وله دخل فلكي، فقال ابن ابن ابني ! قلت له: نعم، قال: ابني ليس مسلماً، تقول: أنت ابن ابن ابني، قلت له: نعم، ذهبت إلى بلاد بعيدة من جهة الشرق، وفي أثناء وداعي في المطار قال لي رئيس الجالية الإسلامية هناك: أبلغ أهل الشام هذه الرسالة، قلت ما هي ؟ قال: قل لهم ـ أنقل لكم ما قال حرفياً ـ: إن مزابل الشام خير من جنات أستراليا، قلت: ولمَ ؟ أردت المزيد، قال: لأنك وأنت نائم في الشام ابنك مسلم، وزوجتك كلها لك، أما نحن فاحتمال أن ترى حلقة في أذن الابن اليمنى، ولها معنى سيئ جداً، أو أن ترى حلقة في الأذن اليسرى، ولها معنى أسوأ، أو أن ترى حلقتين في كل أذن، ولها معنى أسوأ وأسوأ، أو أن ترى ابنك ملحداً بالمئة خمسين.
والله مرة ألقيت محاضرة بمدينة لوس أنجلوس، وأنا أصعد إلى غرفتي رأيتُ امرأة محجبة بكت أمامي، عرفتني بأنها أخت أحد أصدقائي في الشام، قلت لها: خيرًا إن شاء الله، قالت: ماذا أقول لك ؟ ابنتي تحب الرقص، وابني ملحد.
 أيها الإخوة الكرام، علة وجودك في الأرض أن تعبد الله، فإذا كنت في بلد تستطيع أن تأتي إلى المسجد، وأن تستمع ما يذكرك بالله عز وجل، وأن تحجب زوجتك، وأن تضبط بناتك، وأن تقيم شعائر الله، تحمل كل المتاعب، تحمل كل مظاهر التخلف إن شئت، تحمل كل ما يخيفك في بلد نامٍ:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ﴾

[ سورة النساء: الآية 97]

 ذكرت مرة أيها الإخوة، أن فتاة في نيويورك جاءت بثياب فتاة شاذة، وأنا والله أتعفف عن ذكر هذه المصطلحات التي يتحدثون عنها، شاذة، والشذوذ ليس مخالفة لحكم شرعي، بل هو مخالف لفطرة الإنسان، مدير المدرسة يبدو أنه على بقية من خلق، فطردها من المدرسة، أقام أبوها دعوى، وربحها، وكان الجزاء ثلاثين ألف دولار، قبضها من المدرسة، لأن ابنته الشاذة طردت من هذه المدرسة لبضعة أيام، بينما حجاب المرأة المسلمة الذي يمثل العفة، يمثل الحشمة، يمثل الطهر، يمثل الالتزام، وهذا الدين يدين به ثلث سكان العالم ممنوع في فرنسا، إن لم ترسل ابنتك إلى المدرسة تحاكم، وإن أرسلتها توضع في غرفة بلا تدريس حتى تصاب بأمراض نفسية، أما أن تكون في بلد المساجد ممتلئة، ودروس العلم كثيرة، ولك أن تدخل إلى بيتك فتقيم شعائر الله، ولك أن تحجب زوجتك، ولك أن تحجب بناتك، فهذه نعمة لا تعرفونها أنتم، لا يعرفها إلا من فقدها، فلذلك هذه الآية أيها الإخوة أصل في هذه المناسبة:

 

﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً (97)﴾

 

[ سورة النساء: الآية 97]

 والله أيها الإخوة الكرام، وهذه كلمة من القلب إلى القلب، يأتي على الأب في خريف العمر، وقد رأى بناته متفلتات من أي قيمة أخلاقية، ورأى أولاده على عقيدة الإلحاد، وهم غارقون في المعاصي والآثام، والله تأتي عليه ساعة يتمنى أنه لو لم يخلق، إذا أردت إنفاذ أمر فتدبر عاقبته، هذا هو الدرس الثاني من دروس الهجرة.

 

الدرس الثالث للهجرة: الأخذ بالأسباب والتوكل على الله:

 الدرس الثالث والمسلمون في أمسّ الحاجة إليه: نحن ننام في ضوء الشمس، وأعداؤنا يعملون ليلاً نهاراً في الظلام، يبدو أن العمل في الظلام كان أقوى من النوم في ضوء الشمس، المسلمون معهم وحي السماء، ومعهم سنة سيد الأنبياء، ومعهم منهج وسطي متوازن، ومع ذلك فهم نائمون، وأعداؤهم بلا عقيدة، وبلا منهج، وبلا فقه، ومع ذلك فهم يعملون، فلذلك النبي عليه الصلاة والسلام علمنا من خلال الهجرة أن تأخذ بالأسباب، وكأنها كل شيء، ثم تتوكل على الله، وكأنها ليست بشيء، بمعنى أنّ النبي عليه الصلاة والسلام حينما هاجر سار في طريق معاكس لطريق المدينة تمويهاً على المطاردين، أخذ بالسبب الأول، وحينما تثور المطاردة في الثلاثة الأيام الأولى قبع في غار ثور، السبب الثاني، وهيأ من يمحو له آثار الأقدام، وهيأ من يأتيه بالأخبار، وهيأ من يأتيه بالزاد، واستأجر خبيراً مشركاً غلب فيه الخبرة على الولاء، وغطى كل ثغرة، وأخذ بكل الأسباب، بينما سيدنا عمر، ويتوهم بعض الناس لعدم علمهم بشخصية رسول الله  كان إذا حمي الوطيس نلوذ برسول الله، فلم يكن أحد أقرب إلى العدو منه، لكن النبي عليه الصلاة والسلام مشرع، لو أنه هاجر كما هاجر عمر لعدّ اقتحام الأخطار واجباً، ولعدّ أخذ الحيطة حراماً، إذاً لهلكت أمته من بعده، سيدنا عمر على علو مقامه يمثل نفسه، ولا يمثل الشرع الإسلامي، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام أخذ بالأسباب، ولكن الطرف الآخر في العالم الغربي يأخذ بالأسباب إلى درجة مذهلة، لكنه يعتمد عليها، لكنه يؤلهها، حينما صنعت سفينة ليس هناك احتمال ولا واحد بالمليون أن تغرق، صنعت من طبقتين، وصنعت أبواب بين الطبقتين، فأي مكان أصابه عطب تغلق الأبواب الجانبية، لذلك كتبوا نشرة: " إن القدر لا يستطيع إغراق هذه السفينة "، فغرقت في أول رحلة.
 الطرف الآخر أخذ بالأسباب، لكنه اعتمد عليها، ولم يعتمد على الله، وأقول لكم هذه الكلمة أيها الإخوة: سهل جداً أن تأخذ بالأسباب، وأن تعتمد عليها، أجريت مراجعة كاملة لمركبتك، العجلات، المكابح، المقود، الزيوت، كل شيء، فلما سافرت شعرت أنك في مأمن من أن تقع في حادث هذا هو الشرك بعينه، وسهل جداً ألا تراجع المركبة، وأن تسافر متوكلاً بزعمك على الله، الحالة الأولى شرك خفي، والحالة الثانية معصية واضحة، أما أن تأخذ بالأسباب، أن تراجع المركبة مراجعة تامة، وفي إحساسك العميق أن الله يحفظك، وأن سلامتك بحفظ الله وتوفيقه، وأنك بحاجة إلى حفظ الله فهذا الموقف الكامل.
 أعيد وأكرر، أن تأخذ بالأسباب، وكأنها كل شيء، وأن تتوكل على الله، وكأنها ليست بشيء، لذلك الشيء الدقيق جداً في السيرة، وفي أحداث الهجرة أن كل هذه الاحتياطات التي فعلها النبي عليه الصلاة والسلام، وأن كل هذه الثغرات التي أغلقها النبي الكريم، وأن كل هذه الأسباب التي أخذ بها وصلوا إلى الغار، لو أن اعتماده على هذه الأسباب يجب أن تنهار قواه، لكنه أخذ بها تعبداً، واعتمد على الله توكلاً، فلما قال الصديق رضي الله عنه: يا رسول الله، لقد رأونا، في رواية لو أن أحدهم نظر إلى موطئ قدمه لرآنا، الرواية الثانية: لقد رأونا، وفيها إجابتان:
الإجابة الأولى: يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما.
والإجابة الثانية: ويا أبا بكر، ألم تقرأ قوله تعالى:

 

﴿ وَتَرَاهُمْ يَنْظُُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لاَ يُبْصِرْونَ ﴾

 أنت حينما تأخذ بالأسباب، وتتوكل على رب الأرباب، إن كانت الأسباب غير كافية لدرء الخطر يتولى الله بذاته حفظك، وهذه النقطة أيها الإخوة الكرام من أدق النقاط في هذا الدرس، نحن الآن لا نستطيع اللحاق بالغرب لاتساع الهوة بيننا، بل إن كل دقيقة تمضي تزداد هذه الهوة اتساعاً، تصور مركبة تقودها دابة، تمشي وراء سيارة من أحدث الماركات، أحدث النماذج، هل تقول: إن هذه المركبة التي تقودها دابة لا تستطيع أن تلحق بتلك المركبة ؟ الآن في مركبات سرعتها مائتين وأربعين، نقول لا، لا نقول لا تستطيع أن تلحق بها في كل دقيقة تتسع الهوة بينها، هذا واقع المسلمين مع العالم الغربي، لكن الله ما كلفنا أن نعد القوة المكافئة، لكنه رحمنا، وكلفنا أن نعد القوة المتاحة، قال تعالى:

 

﴿ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾

 

[ سورة البقرة: الآية 249]

 هذه رحمة الله بنا، قال تعالى:

 

﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾

 

[ سورة الأنفال: الآية 60]

 فقط وعلى الله الباقي، وعلى الله أن يكمل ما قلّ من خطتنا، ولكن إذا كنا نعصي الله، ونصبر، ليس أمام المسلمين إلا القبر والقهر، أما إذا أطعنا الله، وصبرنا لا ينتظرنا إلا النصر، والدليل قوله تعالى:

 

﴿ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً﴾

 

[ سورة آل عمران: الآية 120]

ألخص هذا الكلام بأربع كلمات: معصية مع الصبر تودي إلى القهر والقبر، وطاعة مع الصبر تنتهي بالنصر.

الدرس الرابع للهجرة: العمل وعدم الكسل والعجز:

أيها الإخوة الكرام، الدرس الرابع من دروس الهجرة أن المسلمين يحتاجون إلى أن يعملوا،  وَقُلِ اعْمَلُوا ، يا أخا العرب ماذا تفعل بهذا الجمل الأجرب ؟ قال له: أدعُو الله أن يشفيه، قال: هلا جعلت مع الدعاء قطراناً ؟
 سيدنا عمر رأى أناساً يتكففون الناس في الحج، يسألونهم المال، قال: من أنتم ؟ قالوا: نحن المتوكلون، قال: كذبتم، المتوكل من ألقى حبة في الأرض، ثم توكل على الله، هذا الموقف الضبابي الساذج الجاهل الغبي ننتظر من الله معجزة كي ينصرنا، والله لا نرى النصر ولا في دقيقة بعد ألف عام إذا بقينا على ما نحن عليه، لابد من أن نعمل، لابد من أن نتحرك، كل إنسان في موقعه، كل إنسان في اختصاصه، كل إنسان في عمله، الطالب في جامعته، والصانع في مصنعه، والمزارع في مزرعته، والتاجر في دكانه، والموظف في مكتبه، ينبغي أن نسهم في تقوية المسلمين، العمل سبب قبول الدعاء، بل إن بعض العلماء يرى أن الدعاء من دون سعي وعمل استهزاء بالدعاء.
أيها الإخوة الكرام، إن الله يلوم على العجز، هكذا أن نستسلم أن نقول: انتهينا، أن نقول: لن تقوم قائمة لنا، أن نقول: لن نُنصَر، إن الله تخلى عنا، ماذا نفعل، حسبنا الله، ونعم الوكيل، لا حول ولا قوة إلا بالله، هذه كلمات حق أريد بها باطل، قال تعالى:

﴿ وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾

[ سورة التوبة: الآية 105]

 في زلزال آسيا أيها الإخوة أرانا الله طرفاً من قدرته، لوحان اصطدما، فكانت القوة التفجيرية مليون قنبلة ذرية، في الحادي عشر من أيلول قامت الدنيا، ولم تقعد على ثلاثة آلاف وستمئة إنسان، ماتوا في الهجوم على بناء برج التجارة الدولي، في الزلزال خمسة وعشرين ألف من نخبة أغنياء العالم، لكن هذا الشيء جير إلى الله عز وجل، لا يستطيع أحد أن ينطق، هناك قصص عن الزلزال لم تظهر بعد، وأخبار لا تصدق، هي وقعت، لكنها لا تصدق، وهناك خسائر أضعاف الخسائر مجتمعة في الزلزال، في جزيرة خسارة اختفائها أبلغ من كل خسائر الزلزال، هذا فعل الله عز وجل:

 

﴿ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (12)﴾

 

[ سورة البروج: الآية 12]

 أيها الإخوة الكرام، دروس الهجرة كثيرة، لكن أبلغها أن نأخذ بالأسباب، وكأنها كل شيء، ثم أن نتوكل على الله، وكأنها ليست بشيء.
أقول قولي هذا، و أستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه يغفر لكم، فيا فوز المستغفرين.
الخطبة الثانية:
الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.

 

الهجرة نوعان: هجرة في سبيل الرحمن، هجرة في سبيل الشيطان:

 أيها الإخوة الكرام، كما أن هناك هجرة في سبيل الرحمن، هناك هجرة في سبيل الشيطان، الهجرة المعاكسة، حينما تكون الهجرة ابتغاء دنيا يصيبها الرجل، أو ابتغاء مال وخير يحصله، ليس غير، على حساب دينه، فهذه هجرة في سبيل الشيطان، وحينما تكون الهجرة بذلاً للخبرات والطاقات والإمكانات لغير المسلمين فهي هجرة في سبيل الشيطان، وحينما تكون الهجرة هروباً من تحمل المسؤولية، وفراراً من البذل والتضحية تكون الهجرة في سبيل الشيطان، وحينما تكون الهجرة إضعافاً للمسلمين وتقوية لأعدائهم تكون الهجرة في سبيل الشيطان، وحينما تكون الهجرة تمكيناً للعدو من احتلال الأرض، واستثمار خيراتها تكون الهجرة في سبيل الشيطان، وحينما تكون الهجرة من بلد تقام فيه شعائر الدين إلى بلد فرغ من كل القيم الأخلاقية تكون الهجرة في سبيل الشيطان، وحينما تكون الهجرة تضييعاً للدين والعرض وكسباً للدرهم والدينار تكون الهجرة في سبيل الشيطان، وكأنكم فهمتم مني وأنا سعيد بهذا الفهم، أن الهجرة الآن معناها أن تدع بلاداً لا تستطيع أن تعبد الله فيها إلى بلاد تستطع أن تعبد الله فيها، بل إن الهجرة كما تعلمون بين مكة والمدينة قد أغلقت بعد عام الفتح، لكن الهجرة قائمة إلى يوم القيامة بين كل مدينتين تشبهان مكة والمدينة.
 ما دامت علة وجودك أن تعبد الله، فالبلد الذي يسمح لك أي أن تعبد الله هو بلدك، ولكننا والحمد لله أيها الإخوة بألف خير وخير من زاوية موضوع الهجرة، لا تنظر إلى المتاعب التي تعاني منها البلاد النامية، متاعب كثيرة، لا توازن بين بلد نامٍ وبين بلد غربي، وازن بين الدنيا والآخرة، لا تنظر إلى الحاجات المتوافرة، وسائل النقل، الأبنية الجميلة، الحدائق الغناء، أماكن البيع التي تحار فيها العقول، لا تنظر إلى رقة الإنسان هناك، انظر إلى مستقبل بقائك في هذه البلاد، وانظر إلى بناتك، وإلى أولادك كيف حال دينهم، وكيف حال أخلاقهم، هنا الخسارة الكبيرة.
قلت لهم في بلاد بعيدة: لو بلغت أعلى منصب بالعالم، ولو نلت أعلى شهادة في العالم، ولو جمعت أكبر ثروة في العالم، ولم يكن ابنك كما تتمنى فأنت أشقى الناس:

 

 

﴿ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً (74)﴾

 

[ سورة الفرقان: الآية 74]

 اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق، ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك و نتوب إليك، اللهم اهدنا لصالح الأعمال لا يهدي لصالحها إلا أنت، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك، اللهم لا تؤمنا مكرك، ولا تهتك عنا سترك، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين، اللهم بفضلك ورحمتك أعل كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام وأعز المسلمين، وأذل الشرك والمشركين، وانصر عبادك المؤمنين في كل مكان، في العراق وفلسطين، يا رب العالمين، خذ بيد ولاة المسلمين لما تحب وترضى يا رب العالمين، إنك على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018