الخطبة : 0942 - ليلة القدر - الاعتكاف . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0942 - ليلة القدر - الاعتكاف .


2004-11-05

الخطبة الأولى:

 الحمد لله نحمده، ونستعين به، ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته، وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله، سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عين بنظر، أو سمعت أذن بخبر، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، أمناء دعوته، وقادة ألويته، وارضَ عنا وعنهم يا رب العالمين.
 اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمتنا، إنك أنت العليم الحكيم.
 اللهم علِّمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

  ليلة القدْر :

 أيها الإخوة الكرام، موضوع الخطبة اليوم: ليلة القدر.
 لن أتحدث عن تفاصيل النصوص التي وردت في ليلة القدر، ولكنني سأورد خواطر إيمانية، إن شاء الله تعالى، حول هذه الليلة، في قوله تعالى:

 

﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ﴾

( سورة الزمر : الآية 67)

 من خلال هذه الآية التي تتصل بمعنى كلمة: القدر، نجد أن هناك معنى مخالفاً لها عند علماء الأصول، هو المعنى العكسي.
 مادام الله عز وجل ينفي عن عباده، أو عن بعض عباده، أو عن معظم عباده، أنهم ما قدروا الله حق قدره، فينبغي أن نقدره حق قدره.
 وهذا المعنى يُظهِر الفرق الكبير بين العابد والعالم.

 الفرق بين العالم والعابد :

 العابد أيها الإخوة، ينصاع لأمر الله، ولكن لأنه لم يقدر الله حق قدره، ربما كانت مقاومته هشة، فسريعاً ما تخرق استقامته لأدنى ضغط، أو لأدنى إغراء، فالمغريات والضغوط تخرجه عن عبادته.
 فإذا كان من الممكن أن يصلح حال عابد قبل مئة عام:
 ففي زمن الشهوات والفتن.
 في زمن الضغوط.
 في زمن تبدل القيم.
 في زمن الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف.
  في زمن الكاسيات العاريات، المائلات المميلات.
 في زمن، القابض على دينه كالقابض على الجمر.
 في زمن يكون المطر قيظاً، والولد غيظاً، ويفيض اللئام فيضاً، ويغيض الكرام غيضاً.
 في زمن يؤتمن فيه الخائن، ويخوَّن الأمين، ويتهم البريء.
 في زمن يذوب قلب المؤمن في جوفه مما يرى، ولا يستطيع أن يغير: إن سكت استباحوه، وإن تكلم قتلوه.
 في زمن يضام فيه الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر.
 في زمن يصبح المعروف منكراً والمنكر معروفاً.
 في مثل هذه الزمان تشتد الحاجة إلى العلم اليقيني، لا إلى الانصياع التعبدي.

 

 الانصياع التعبدي لا يقاوم الضغوط، ولا يقف أمام الشبهات، ولا أمام الشهوات، فلابد من علم يقيني أساسه معرفة الله عز وجل.
 الإنسان أيها الإخوة، حينما يؤمن بالدار الآخرة حقاً، ويقيناً، تنعكس كل موازينه، وما لم تنعكس موازين المؤمن إثر إيمانه باليوم الآخر فلن يستقيم على أمر الله.
 أيها الإخوة الكرام، حينما ترى الإسلام أصبح شكلاً، أصبح إطاراً، أصبح سلوكاً تراثياً، أصبح عادةً.
 حينما يصبح الإسلام إطاراً لا مضموناً.
 حينما نعلن عن إسلامنا، ونسلك منهج الآخرين.
 حينما تكون الحضارة الغربية ملء أسماعنا وأبصارنا.
 حينما نقلد الأجانب في كل شيء.
 حينما نضحي بمنهجنا الذي جاءنا من السماء، من أجل أن نقلد الأقوياء، وأن نتقرب إليهم.
 في هذا الزمن الصعب، في هذا الزمن الذي يذوب قلب المؤمن في جوفه، في مثل هذا الزمن تشتد الحاجة إلى العلم، طبعاً إلى علم تنبثق عنه عبادة، لا إلى عبادة جوفاء خالية من علم يقيني.
 أيها الإخوة الكرام، في الأحاديث الشريفة نجد:

(( وَإِن فَضْلَ العالمِ على العَابِدِ، كَفضل القمر ليلة البدرِ على سائرِ الكَوَاكِب ))

[ من حديث أخرجه أبو داود والترمذي بإسناد حسن ]

 وفي حديث آخر:

 

(( فضلُ العَالِم على العَابِدِ، كَفَضْلِي على أدْناكم ))

[ من حديث صحيح، أخرجه الترمذي ]

 كم هي المسافة كبيرة بين مقام النبوة، وبين أي مؤمن مقصِّر؟
 أيها الإخوة الكرام:
 عالم واحد أشد على الشيطان من ألف عابد.
 مرة ثانية: زمن مفعم بالشبهات والضلالات والترهات والطروحات والتطاول على الدين وعلى القرآن الكريم وعلى وحي السماء وعلى نبي هذه الأمة.
 زمن مفعم بالشبهات، ومفعم بالشهوات، وهي في أبهى صورها.
 كل شيء في الحياة الدنيا يدعو إلى المعصية، أي شيء تطالعه أو تنظر إليه يدعو إلى المعصية.
 في مثل هذا الزمن تشتد الحاجة إلى ليلة القدر.

  معنى القدْر :

 معنى القدر: أن تقدر الله حق قدره.
 أن تعرف ربوبيته، وأن تعرف ألوهيته، وأن توحده، وأن لا ترى يداً في الكون تعمل إلا يده، وأن يد الله فوق أيديهم.
 وأنه:

 

﴿ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى ﴾

( سورة الأنفال : الآية 17)

 وأنه:

 

﴿ وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ ﴾

( سورة الزخرف : الآية 84)

 وأنه:

 

﴿ مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ ﴾

( سورة فاطر : الآية 2)

 في هذا الزمن الصعب الذي قال عنه النبي عليه الصلاة والسلام في حديثه:
 عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( يأتي على الناس زمان، الصابر فيه على دِينه، كالقابض على الجمر ))

[ حديث حسن، أخرجه الترمذي ]

 في زمن الضغوط، في زمن التهديدات، في زمن قوة الكفر، وعنجهيته، وغطرسته، واستكباره.
 في هذا الزمن الصعب تشتد الحاجة إلى ليلة القدر، إلى أن نقدر الله حق قدره، فلنضحِّ بالغالي والرخيص، والنفس والنفيس من أجل رضوانه.
 في هذا الزمن الصعب ينبغي أن ننهض جميعاً لتعزيز هذا الدين، تعزيز مبادئه، وتعزيز قيمه، وتعزيز أنماط السلوك الإسلامي.

  خير من ألف شهر :

 أيها الإخوة، يقول الله عز وجل:

 

﴿ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ﴾

( سورة القدر : الآية 3)

 مِن أوجَهِ ما قاله المفسرون: أنك إذا عبدت الله ما يزيد على ثمانين عاماً، وهذا العمر الأعلى للإنسان، لأن معترك المنايا بين الستين والسبعين، فإذا عبدت الله ما يزيد على ثمانين عاماً عبادة جوفاء، فخير من هذه الأعوام الثمانين كلها، أن تأتيك لحظة في رمضان تقدر الله فيها حق قدره.

الإيمان حاجز عن المعصية :

 أيها الإخوة الكرام، لابد من وقفة متأنية، حينما قال الله عز وجل:

 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً ﴾

( سورة الأحزاب : الآية 41)

 قال علماء التفسير: الأمر ينصبُّ على الذكر الكثير، لأن المنافقين يذكرون الله، لكن لا يذكرون الله إلا قليلاً، فالأمر يقتضي الذكر الكثير، يقاس على هذه الآية قوله تعالى:

 

﴿ إِنّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ ﴾

( سورة الحاقة : الآية 33)

 العبرة أن تؤمن به عظيماً، أن تؤمن به واحداً، أن تؤمن به كاملاً، ليست العبرة أن تؤمن بالله خالقاً وحسب، فإبليس آمن بالله خالقاً، قال:

﴿ خَلَقْتَنِي ﴾

( سورة الأعراف : الآية 12)

 وآمن به رباً فقال:

 

﴿ رَبِّ ﴾

( سورة الحجر : الآية 36)

 وآمن به عزيزاً فقال:

 

﴿ فَبِعِزَّتِكَ ﴾

( سورة ص : الآية 82)

 وآمن بالآخرة فقال:

 

﴿ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾

( سورة الحجر : الآية 36)

 وهو إبليس، فليست العبرة أن تقول: إن الله خلق السماوات والأرض، بل إن عبدة الأوثان في الجاهلية أقروا أن لهذا الكون خالقاً، وهم لا يعبدون الأصنام إلا لتقربهم إلى الله زلفى.
 يجب أن نؤمن الإيمان الذي يحجزنا عن معصية الله:
 ورد في الأثر: من قال: لا إله إلا الله مخلصاً دخل الجنة، قيل: وما وما إخلاصها؟ قال أن تحجزه عن محارم الله.
 اجعل هذا مقياساً دقيقاً لإيمانك، هل يحملك إيمانك على طاعة الله؟ هل يحجزك إيمانك عن معصية الله؟ لا تنظر إلى صغر الذنب، ولكن انظر على من اجترأت.

 

ارتباط العلم بالخشية :

 أيها الإخوة الكرام، لأن الله عز وجل يقول:

 

﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ﴾

( سورة فاطر : الآية 28)

 ( إنما )عند علماء البلاغة أداة قصر وحصر:
 أي: إن العلماء وحدهم، ولا أحد سواهم يخشى الله حق خشيته، إن أردت أن تخشى الله، إن أردت أن تطيعه، فتعرف إليه، كن عالماً به.
 أيها الإخوة الكرام، كيف نستشف من القرآن سبيل التعرف إليه؟
 من الآية نفسها التي تتصل بليلة القدر:

﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ﴾

( سورة الزمر : الآية 67)

 مقتضيات الآيات الكونية :

 لمحة علمية سريعة مقتضبة كشاهد وكدليل.
 أقرب نجم ملتهب إلينا خارج درب التبانة، خارج المجموعة الشمسية، يبتعد عنا أربع سنوات ضوئية، ولو أردنا أن نصل إلى هذا النجم بمركبة أرضية لاحتجنا إلى خمسين مليون عام، هذا أقرب نجم ملتهب إلى الأرض يبعد عنا، فبمسافة أرضية، وبمركبة أرضية نحتاج إلى خمسين مليون عام.
 إذاً: متى نصل إلى نجم القطب الذي يبعد عنا أربعة آلاف سنة ضوئية؟
 ومتى نصل إلى نجم المرأة المسلسلة التي تبعد عنا ملياري سنة ضوئية؟
 ومتى نصل إلى إحدى المجرات المكتشفة، والتي تبعد عنا عشرين مليار سنة ضوئية؟ متى نصل؟
 حينما تقرأ في قرآن الله عز وجل:

 

﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ ﴾

( سورة الواقعة : الآية 75)

 تدرك معنى الآية:

 

﴿ وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ﴾

( سورة الواقعة : الآية 76)

 أيها الإخوة الكرام، بربكم هل تقبلون جميعاً أن يكون في القرآن آيات تزيد على ألف وثلاثمئة آية لا تعني شيئاً، الآيات الكونية في القرآن الكريم تزيد على ألف وثلاثمئة آية.
 أليس من البديهي أن آية الأمر تقتضي الائتمار؟ وأن آية النهي تقتضي الانتهاء؟ وأن مشاهد يوم القيامة تقتضي الخوف؟
 فالآيات الكونية ماذا تقتضي؟ إنها تقتضي التفكر:

﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (*)الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ ﴾

( سورة آل عمران، 191،190 )

 هل من حالة رابعة؟ إما أن تكون قائماً أو قاعداً أو مضطجعاً:

﴿ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾

( سورة آل عمران : الآية 191)

 وجاء فعل التفكر مضارعاً، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام في مثل هذه الآية:

(( ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها ))

[ من حديث حسن، أخرجه ابن حبان ]

 ليلة القدر تعني أن نتعرف إلى الله، وأن نقدره حق قدره، وأن نعلم ماذا ينتظرنا لو عصيناه؟ وماذا ينتظرنا لو أطعناه؟
 هذه خواطر إيمانية عن ليلة القدر.

 التعظيم والخوف والمحبة :

 ورد في الأثر:
 يا رب، أي عبادك أحب إليك حتى أحبه بحبك؟ قال: أحب عبادي إلي تقي القلب، نقي اليدين، لا يمشي إلى أحد بسوء، أحبني وأحب من أحبني، وحببني إلى خلقي، قال: يا رب إنك تعلم أني أحبك، وأحب من يحبك، فكيف أحببك إلى خلقك؟ قال: ذكرهم بآلائي ونعمائي وبلائي، ذكرهم بآلائي كي يعظموني، وذكرهم بنعمائي كي يحبوني، وذكرهم ببلائي كي يخافوني، فلابد من أن يجتمع في قلب المؤمن تعظيم لله:

 

﴿ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ ﴾

( سورة الحج : الآية 32)

 ومحبة له، وخوف منه.

 

 من فضائل ليلة القدر :

 أيها الإخوة الكرام، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً، غُفِرَ له ما تقدَّم من ذَنْبِهِ ))

[ حديث صحيح، أخرجه البخاري ]

 وعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها، قَالَتْ:

(( قلت: يا رسولَ الله، إِنْ وَافَقْتُ ليلةَ القَدْرِ، ما أَدْعُو به؟ قال: قُولي : اللهم إنك عَفُوٌّ كَرِيمٌ، تُحِبُ الْعَفْوَ فاعْفُ عَنِّي ))

[ حديث أخرجه الترمذي بإسناد صحيح ]

 العلم والتفكير طريقان لمعرفة الله :

 طريق معرفة الله أن تفكر في خلق السماوات والأرض.
 لو دخلنا في بعض التفاصيل، أول آية نزلت على قلب النبي عليه الصلاة والسلام وهو في غار حراء:

 

﴿ اقْرَأْ ﴾

( سورة العلق : الآية 1)

 أي: تعلَّمْ.
 وقد عبر الله عن العلم بمفتاحه، والقراءة واسعة جداً، فقد تقرأ في الكون، لأن الكون قرآن صامت، وقد تقرأ في القرآن، والقرآن كون ناطق، وقد تقرأ في سنة النبي العدنان، والنبي عليه الصلاة والسلام قرآن يمشي.
 اقرأ: أي تعلم.
 وما لم تطلب العلم فلست من بني البشر، لا يؤكد إنسانيتك إلا تلبية الحاجة العليا في الإنسان، الحاجة العليا في الإنسان طلب العلم، والحاجات السفلى يشترك فيها الإنسان مع غير الإنسان، الطعام والشراب والجنس.

 

 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( تَعِسَ عبدُ الدِّينار، وعبدُ الدِّرهم، وعَبْدُ الخميصة، إن أُعْطِيَ رَضِيَ، وإن لم يُعْطَ سَخِطَ، تَعِسَ وانْتَكَسَ، وإذا شِيكَ فلا انْتُقِشَ ))

[ من حديث صحيح، أخرجه البخاري ]

 وبالمقابل سعد عبد الله.
 متى تطيعه؟ إذا عرفته.
 متى تخاف منه؟ إذا عرفته.
 متى ترجو ما عنده؟ إذا عرفته.
 متى تتوكل عليه؟ إذا عرفته.
 متى تفوض الأمر إليه؟ إذا عرفته.
 متى لا تعبأ بتهديد الأقوياء؟ إذا عرفته.
 متى لا تيأس ولا تقنط ولا تتضعضع؟ إذا عرفته:

 

﴿ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً ﴾

( سورة الأحزاب : الآية 23 )

 أصل الدين معرفة الله عز وجل:
 ورد في الأثر:
 ابن آدم اطلبني تجدني، فإذا وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء، وأنا أحب إليك من كل شيء.

 شروط القراءة والتفكير :

 أيها الإخوة الكرام، أول كلمة من كتاب الله نزلت على قلب النبي عليه الصلاة والسلام: اقرأ: أي تعلَّم، تفكَّر في خلق السماوات والأرض، تدبَّر القرآن، انظر في أفعال الله عز وجل، دقق في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، تأمل في كلام مبعوث العناية الإلهية.
 اقرأ، ولكن العلم في الإسلام ينبغي أن يصل بك إلى الإيمان، العلم مقيد بالإيمان، لا أن تقرأ ما هب ودب، لا أن تقرأ فن رقص الباليه مثلاً، لا أن تقرأ فن الإيقاع بين الناس.
 كل يوم يطبع باللغة الإنكليزية من الكتب ما لا يمكن أن تقرأه في مئتي عام، ماذا تقرأ؟
 لابد من أن تصطفي، لو دخلت إلى مكتبة فيها مليون كتاب، وفيها كتاب واحد مقرر سوف تؤدي فيه امتحاناً بعد أيام، وسوف يبنى على تخرجك مستقبلك وزواجك وشراء بيتك واستقرار حياتك، هل يعقل أن تقرأ كتاباً آخر؟
الناس يقرؤون كل شيء، قصة في ثمانمئة صفحة ملخصها كلمة واحدة، مغزاها كلمة واحدة، الحب، يقرؤونها.
 قال تعالى:

 

﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ﴾

( سورة العلق : الآية 1)

 يجب أن تقرأ قراءة إيمانية، يجب أن تقودك قراءتك إلى أن تؤمن بالله الإيمان الحقيقي، يجب أن تقودك قراءتك إلى إيمان بالله، تعقبه طاعة له، ويعقبه تقرب إليه بالعمل الصالح:

﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ﴾

( سورة العلق : الآية 1)

 لا تملك التلسكوب في بيتك، ولا الميكروسكوب، ولا تملك موسوعات علمية، قال تعالى:

﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (*)خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ ﴾

( سورة العلق 1-2)

 فكِّر في نفسك، فكِّر في ابنك كيف كان قطرة من ماء فصار إنساناً سوياً، أليس هذا تحت سمعك وبصرك؟ فكِّر في حواسك الخمس، فكِّر في أجهزتك، فكِّر في أعضائك، فكِّر في بيانك، فكِّر في نطقك، فكِّر في طعامك، فكِّر في شرابك، فكِّر مما خلقت؟

﴿ خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (*)يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ ﴾

( سورة الطارق 6-7)

﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ ﴾

( سورة عبس : الآية 24)

 ما كلفك ما لا تطيق، ما كلفك أن تكون من رواد الفضاء، ولا أن تكون عالماً في وكالة فضاء، ولا كلفك أن تكون في مخبر للتشريح، فكر في جسمك:

﴿ وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ﴾

( سورة الذاريات : الآية 21)

  أنواع القراءة في سورة العلق :

 قال تعالى:

﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (*)خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ ﴾

( سورة العلق 1-2)

 عطف الخاص على العام

 القراءة الأولى :

 هذه القراءة الأولى:
 اقرأ من أجل أن تؤمن.
 اقرأ من أجل أن تؤمن، وأن تطيع.
 اقرأ من أجل أن تؤمن، وأن تطيع، وأن تتقرب إلى الله بالأعمال الصالحة:

 

القراءة الثانية :

 اقرأ القراءة الثانية:

 

﴿ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (*)اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ﴾

( سورة العلق 2-3)

 منحك نعمة الإيجاد، منحك نعمة الإمداد، أمدك بالطعام والشراب، أمدك بأهل وأولاد، أمدك بخبرات ترتزق بها، أمدك بمحبة أودعها في قلبك لمن حولك، وأودع محبة الآخرين لك، أمدك بكل شيء:

 

﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ﴾

( سورة العلق : الآية 1)

 هذه القراءة الإيمانية:

 

﴿ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ ﴾

( سورة العلق : الآية 2)

 طريقها أن تبدأ بنفسك:

﴿ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ﴾

( سورة العلق : الآية 3)

 تسخير التعريف وتسخير التكريم :

 يجب أن تعلم علم اليقين أن الله جل جلاله، سخر لك ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه:

 

﴿ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ ﴾

( سورة الجاثية : الآية 13)

 والمسخَّر له أفضل من المسخَّر لغيره:
 أنت المخلوق الأول، أنت الذي قبلت حمل الأمانة إذ عرضت على السماوات والأرض فأبين أن يحملنها، وأشفقن منها، وحملها الإنسان، أنت المخلوق الأول رتبة لا زمناً.
 أنت الذي قلت: أنا لها يا رب، أنت الذي أردت أن تكون المخلوق الأول حينما عرضت عليك الأمانة في عالم الأزل، وقبلتها.
 أنت الذي أردت أن تأتي إلى الدنيا، وأن تؤمن، وأن تتقرب إلى الله بالعمل الصالح ليكون ثمناً لجنة عرضها السماوات والأرض.
 إذاً: منحك نعمة الإيجاد، ومنحك نعمة الإمداد، ومنحك نعمة الهدى والرشاد:

﴿ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ ﴾

( سورة الجاثية : الآية 13)

 تسخيران: تسخير تعريف، وتسخير تكريم.
 أوضح لكم هذه النقطة، لو أنك بحاجة ماسة إلى جهاز كهربائي متعدد المزايا بالغ التعقيد، بالغ النفع، وجاءك صديق فقدم لك هذا الجهاز الذي هو من اختراعه، ومن صنعه، قدمه لك هدية، ماذا ينشأ معك؟
 ينشأ شعوران متكاملان، شعور التقدير لهذا الجهاز الذي فيه ميزات كبيرة، وشعور المحبة، لأنه منحك إياه هدية، فالله عز وجل، و لله المثل الأعلى، سخر لك هذا الكون تسخير تعريف، وتسخير تكريم.
 ماذا ينبغي أن تقابل التعريف؟ بالإيمان.
 وماذا ينبغي أن تقابل التكريم؟ بالطاعة والشكران.
 فإذا آمنت، وشكرت، حققت الهدف من وجودك، فإذا حققت الهدف من وجودك تتوقف كل المعالجات، لذلك قال تعالى:

﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ ﴾

( سورة النساء : الآية 147)

 أنت حينما تؤمن، وحينما تشكر، تكون قد وقفت الموقف السليم من تسخير التعريف وتسخير التكريم.
 القراءة الثانية: قراءة شكر وعرفان، والقراءة الأولى قراءة بحث وإيمان، يجب أن تكون قراءتك مقيدة بهذه الأهداف:

 

﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (*)خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (*)اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (*)الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ﴾

( سورة العلق 1-4)

نعمة البيان والكتابة والترجمة :

 هل انتبهت إلى أنك تتميز بنعمة لا تعدلها نعمة، قال تعالى:

 

﴿ الرَّحْمَنُ (*)عَلَّمَ الْقُرْآَنَ (*)خَلَقَ الْإِنْسَانَ (*)عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ﴾

( سورة الرحمن1-4)

 أعطاك أداة اتصال راقية جداً، قد تستخدمها مشافهة، قد تعبر عن أفكارك وعن مشاعرك، وعن حاجاتك، وعن خواطرك، وعن تمنياتك، وقد تطلع على أفكار الآخرين، وعلى مشاعرهم، وعلى عواطفهم، وعلى تمنياتهم، وعلى خواطرهم عن طريق اللغة، فاللغة أرقى أداة اتصال بين أفراد النوع.
 لو أن دولة يقتضي أمنها أن تمنع التجول، فبلاغ يلقى في كلمات، النتيجة: لن تجد أحداً في الطرقات، كيف اتصلت الدولة بالمواطنين؟ عبر اللغة، هذه اللغة، تميز بها الإنسان:

﴿ الرَّحْمَنُ (*)عَلَّمَ الْقُرْآَنَ (*)خَلَقَ الْإِنْسَانَ (*)عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ﴾

( سورة الرحمن1-4)

 ولكن فضل الله ليس له حدود، هناك كتابة، وهناك قراءة، فعن طريق القلم كاتباً، وعن طريق الكتاب قارئاً، يمكن أن تتصل بإنسان لا تلتقي به مباشرة.
 تلتقي بإنسان عبر كتابة، وقد مضى على وفاته ألف عام، تلتقي مع جيل آخر.
 الثقافة والمعرفة كيف تعمم على وجه الأرض؟ عن طريق القلم:

﴿ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ﴾

( سورة العلق : الآية 4)

 فإذا أضفنا الترجمة إلى القلم، أصبح العلم على مستوى سكان الأرض، هذا الذي يحصل، يلتقي المؤتمرون من جنسيات مختلفة عن طريق مترجمين، فأنت تطلع على أفكار كل إنسان من أية ثقافة:

﴿ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (*)الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ﴾

( سورة العلق 3-4)

 القراءة الثالثة :

 القراءة الثالثة: قراءة الوحي:

 

﴿ عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴾

( سورة العلق : الآية 5)

 هناك في الأرض آلاف الموضوعات، بل ملايين الموضوعات يمكن أن تعرفها من خلال عقلك، ولكن الماضي السحيق، ولكن المستقبل البعيد، ولكن ماذا بعد الموت؟ ماذا عن خالق السماوات والأرض؟ ماذا عن أسمائه؟ ماذا عن صفاته؟ هذه الموضوعات التي يعجز العقل عن إدراكها، أخبرك الله بها عن طريق الوحي:

﴿ عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴾

( سورة العلق : الآية 5)

﴿ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ ﴾

( سورة آل عمران : الآية 44)

 إذاً: أيها الإخوة، هناك قراءة بحث وإيمان، وقراءة شكر وعرفان، والقراءة الثالثة قراءة وحي وإذعان، ثلاث قراءات.

 القراءة الرابعة :

 لكننا نعوذ بالله من القراءة الرابعة، هذه قراءة أهل الغرب، هذه قراءة الكفار المستكبرين:

 

﴿ كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (*)أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى ﴾

( سورة العلق 6-7)

 يتعلم ليدمر، يتعلم ليخترع سلاحاً جرثومياً، يتعلم ليخترع سلاحاً كيماوياً، يتعلم ليقهر الشعوب بأكملها، يتعلم ليبني مجده على أنقاض الآخرين، ليبني عزه على ذلهم، ليبني أمنه على خوفهم، ليبني غناه على فقرهم، يتعلم، والأقوياء قوتهم بسبب علم عندهم، لولا هذا العلم لما كانوا أقوياء.
 هذه القراءة الرابعة نعوذ بالله منها، أراد الله سبحانه وتعالى أن يقدم نموذجاً لقوم قرؤوا العلم قراءة رابعة، لا قراءة بحث وإيمان، ولا قراءة شكر وعرفان، ولا قراءة وحي وإذعان، قرؤوا العلم ليستكبروا في الأرض، قرؤوا العلم ليذلوا بني البشر.

 

قوم عاد والقراءة الرابعة :

 أيها الإخوة الكرام، قوم عاد:

 

 

﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (*)إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (*)الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ ﴾

( سورة الفجر 6-8)

 تفوق في شتى المجالات، بالمصطلحات الحديثة: في الزراعة والصناعة والبناء والقوة العسكرية والإعلام والمال...

﴿ لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ ﴾

( سورة الفجر : الآية 8)

﴿ أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آَيَةً تَعْبَثُونَ (*)وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ ﴾

( سورة الشعراء128-129)

 تفوق في العمران ما بعده تفوق:

 

﴿ وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ ﴾

( سورة الشعراء : الآية 130)

 تفوق في القوة العسكرية ما بعده تفوق، يمكن أن يقتلوا الناس جميعاً من دون أن تتهدم الأبنية، وقد فعلوا ذلك في بلد إسلامي.
 تفوق عسكري، وتفوق عمراني، وتفوق علمي في شتى المجالات:

﴿ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ ﴾

( سورة العنكبوت : الآية 38)

 أيها الإخوة الكرام، ما أهلك الله قوماً إلا ذكرهم بأنه أهلك من هو أشد منهم قوة، إلا عاداً حينما أهلكها قال:

﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً ﴾

( سورة فصلت : الآية 15)

 أي: ما كان فوق عاد إلا الله:

 

﴿ كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (*)أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى ﴾

( سورة العلق 6-7)

 استغنى بقوته فتجبر، وعتا، وطغى، ونسى المبتدى والمنتهى، ونسي الجبار الأعلى.
 أيها الإخوة الكرام، الاستكبار:

 

﴿ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ﴾

( سورة فصلت : الآية 15)

 تفوق في شتى المجالات، تفوق في البناء، وتفوق في الحرب، وتفوق في العلم، ثم استكبار ما بعده استكبار. 

مصير قوم عاد وأمثالهم :

 أيها الإخوة الكرام، ماذا فعل الله بهم؟

 

﴿ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (*)سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ (*)فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ ﴾

( سورة الحاقة 6-8)

 وقد ترون ما تصنع الأعاصير، آخر إعصار كلف مئة مليار، تدمير مساكن، مليون مهجَّر.
 أيها الإخوة الكرام، إشارة لطيفة:
 قال تعالى:

﴿ وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَاداً الْأُولَى ﴾

( سورة النجم : الآية 50)

 قد يفهم من هذه الآية، وأقول قد، أنَّ هناك عاداً ثانية نعيشها اليوم.

 أيها الإخوة الكرام، اطلبوا العلم، لكن اطلبوه من أجل البحث والإيمان، ومن أجل الشكر والعرفان، ومن أجل معرفة الوحي والإذعان، ولا تطلبوه من أجل الطغيان، لأن ذلك من صفات الكفار:

﴿ كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (*)أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى ﴾

( سورة العلق 6-7)

 وأخيراً :

 أيها الإخوة الكرام، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وسيتخطى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا، الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني.

 

* * *

الخطبة الثانية:
 الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

 

 الاعتكاف :

 أيها الإخوة الكرام، تتميماً للفائدة، لابد من وقفة قصيرة حول الاعتكاف:
 النبي عليه الصلاة والسلام اعتكف الليالي ذوات العدد في غار حراء، ماذا كان يفعل هناك؟
 من دون عناء وجهد، ومن دون بحث ودرس: كان يتفكر في خلق السماوات والأرض، وكان يدعو الله، ويبتهل إليه، ويستغفره، ويناجيه، ويوحده، ويكبره، ويهلله.
 إذاً: إذا لم يتح للمسلم اعتكاف متصل فلابأس باعتكاف مجزأ.
 فإذا خلوت مع نفسك كل يوم، وتلوت بعض آيات القرآن، وذكرت الله عز وجل ذكراً خفياً حتى فاضت عيناك، ثم دعوته، واستغفرته، وأنبت إليه، فهذه الجلسة المتأنية التي تخلو بها مع ربك، فيها خير عظيم.
 ورد في الأثر:
 يا موسى أتحب أن أكون جليسك؟ قال: كيف ذلك يا رب؟ قال: أما علمت أنني جليس من ذكرني، وحيثما التمسني عبدي وجدني، أنا جليس الذاكرين.

 

 أيها الإخوة الكرام، الاعتكاف يكون في رمضان، وبعد رمضان، حينما تخلو بربك وقتاً من الزمن، إما أن تقرأ القرآن، وإما أن تناجي الواحد الديان، وإما أن تشغل وقتك بالتفكر، أو بالذكر، أو بتلاوة القرآن، أو بالدعاء، فهذه خلوة مع الله .
 لذلك أيها الإخوة قد نبدأها برمضان، وتستمر معنا طول العام.

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق، ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك.
 اللهم اهدنا لصالح الأعمال لا يهدي لصالحها إلا أنت، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت.
 اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين.
 اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك.
 اللهم لا تؤمنا مكرك، ولا تهتك عنا سترك، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين.
 اللهم بارك لنا فيما بقي من شهر رمضان، وأعنا فيه على الصيام والقيام وغض البصر وحفظ اللسان، وأدخلنا الجنة بسلام واجعلنا من عتقاء شهر رمضان.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018