الخطبة : 0941 - الإنفاق - زكاة الفطر. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0941 - الإنفاق - زكاة الفطر.


2004-10-29

الخطبة الأولى:

 الحمد لله نحمده، ونستعين به، ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً.
 وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته، وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله، سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عين بنظر، أو سمعت أذن بخبر، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين أمناء دعوته، وقادة ألويته، وارضَ عنا وعنهم يا رب العالمين.
 اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

 الإنفاق :

 أيها الإخوة الكرام، موضوعات رمضان الكبرى:
 التقوى، وهي علة الصيام.
 والقرآن الكريم أنزل في رمضان
 وصلة الأرحام أفضل أيامها في رمضان.
 وبقي موضوع الإنفاق، وموضوع ليلة القدر.

المعنى العام للإنفاق :

 أيها الإخوة الكرام، الإنفاق كلمة عامة، وذات مدلول واسع، وقد وصف الله المؤمنين في أول سورة البقرة فقال:

 

﴿ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴾

( سورة البقرة، آية 3 )

 شي آتاك الله إياه، أي خصيصة، أو حظ:
 آتاك مالاً فأنفق من مالك، آتاك علماً فأنفق من علمك، آتاك جاهاً فأنفق من جاهك، آتاك خبرةً فأنفق من خبرتك:

﴿ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴾

( سورة البقرة، آية 3 )

 ذلك لأن الإنسان بعد أن يؤمن بالله حق الإيمان، أو الإيمان الذي يحمله على طاعته، بقي عليه أن يتقرب إليه.
 بالاستقامة يسلم، وبالعمل الصالح يسعد.
 والإنفاق واسع جداً، لكن أوضح صوره إنفاق المال:
 تنفق من جاهك، وهذا إنفاق، تنفق من علمك وهذا إنفاق، وتنفق من خبرتك وهذا إنفاق، ولكن أوضح صور الإنفاق إنفاق المال.
 أيها الإخوة الكرام، كان عليه الصلاة والسلام جواداً، وكان أجود ما يكون في رمضان فهو كالريح المرسلة.

 فلسفة المال في الإسلام :

 وللمال في الإسلام فلسفة: أن هذا المال الذي بين يديك هو مال الله، جعلك مستخلفاً فيه لينظر كيف تصنع به، وينبغي أن تعتقد أن هذا المال الذي بين يديك ليس نعمة، وليس نقمة، ولكنه موقوف على طريقة إنفاقك له، إن أنفقته في الأعمال الصالحة كان نعمةً، وأي نعمة، وإن أنفقته بالمعاصي والآثام كان نقمة، وأية نقمة.
 لذلك، قال تعالى:

 

﴿ فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (*)وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ ﴾

( سورة الفجر : 15-16)

 يتوهم الناس أن الغني مكرم عند الله، وقد يكون مكرماً، وأن الفقير مهان عند الله، وقد يكون مهاناً، ولكن الغنى كقيمة ليس تكريماً، وليس إهانة، وكذلك الفقر كقيمة ليس تكريماً، وليس إهانةً، القضية متعلقة بطريقة إنفاق المال.
أيها الإخوة، الحقيقة الأولى أن يدك على المال يد الأمانة، وأنك مستخلف فيه، وأن هذه الدنيا دار ابتلاء لينظر الله كيف تنفقه.

 الإنفاق يؤكد الصدق مع الله :

 أيها الإخوة، هذا المال، إذا أنفقته يؤكد صدقك مع الله، هناك عبادات تؤدى لا تكلف شيئاً، ولكن لأن الله سبحانه أودع في الإنسان حب المال، قال تعالى:

 

﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ﴾

( سورة آل عمران : 14)

 لأن الله سبحانه وتعالى أودع في الإنسان حب المال، كان الإنفاق منه مخالفاً لطبع الإنسان، فطبع الإنسان يقتضي أن يأخذ المال، وأن يجمعه، والتكليف يقتضي أن ينفقه، من هذا التناقض بين التكليف والطبع يكون ثمن الجنة، إذاً: سمى الله الزكاة في آية الزكاة صدقة، قال تعالى:

﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً ﴾

( سورة التوبة : 103)

 لأن الصدقة تؤكد صدق الإنسان، هذا الشيء المحبب الذي تحل به مشكلات لا تعد ولا تحصى، يقتطع منه قسم، وينفق في سبيل الله.

الفقر الجبري مفهوم خاطئ :

 أيها الإخوة، القرآن يرفض أشد الرفض المفهوم الجبري للفقر، أن هذا الإنسان خلق فقيراً هكذا، وأن هذا الإنسان خلق غنياً هكذا، هذا المفهوم مرفوض، لذلك يقول الله عز وجل:

 

﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾

( سورة يس : 47)

 مفهوم الفقر على أنه قدر لا يتغير، هذا مفهوم خاطئ.

  أنواع الفقر :

 مرة، أيها الإخوة، بينت أن هناك فقر الكسل، وأن هناك فقر القدر، وأن هناك فقر الإنفاق، ومثال الأخير: ماذا أبقيت يا أبا بكر لنفسك؟ أنفق أبو بكر رضي الله عنه كل ماله، قال: أبقيت لهم الله ورسوله، هذا فقر الإنفاق، صاحبه معه وسام شرف.
 أما فقر الكسل، فهذا الذي لا يتقن عمله، ولا يحب عمله، ويؤجل، ويهمل، ويتقاعس، ويميل إلى الراحة، قد يكون فقيراً، ولكن هذا الفقر هو عقاب لهذا الكسول، هذا فقر الكسل.
 أما من ابتلاه الله بعاهة، فلا يستطيع أن يكسب رزقاً، فهذا فقر القدر، وحجمه محدود جداً.

 مضاعفة أجور المنفقين :

 أيها الإخوة، كل شيء آتاك الله إياه يعد رزقاً، قال تعالى:

 

﴿ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴾

( سورة البقرة، آية 3 )

 لكن إنفاق المال كما ذكرت قبل قليل هو أوضح صور الإنفاق.
 شيء آخر، الله عز وجل وعد المنفقين بأن يضاعف لهم الأجر والثواب، وأن يضاعف لهم أموالهم أضعافاً مضاعفة، فقال تعالى:

﴿ مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾

( سورة البقرة : 261)

(( أنفق بلالُ، ولا تخشَ من ذي العرش إقلالاً ))

[ من حديث رواه البزار والطبراني بإسناد حسن ]

 ورد في الأثر: عبدي أنفق أُنفق عليك.
 أنت حينما تؤمن أن كل شيء تنفقه سوف يخلفه الله أضعافاً مضاعفة، ينبغي أن تكون جواداً.

  الله يعلم إنفاقك :

 شيء آخر، أن الإنسان من طبيعته إذا قدم هديةً، أنه يحب أن يضع عليها بطاقة ليعلم الذي قدمت له الهدية ممن هذه الهدية، هذه حاجة في نفس الإنسان، لذلك ربنا جل جلاله غطى هذه الحاجة، فقال تعالى:

 

﴿ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ ﴾

( سورة البقرة : 270)

 أنت حينما تعلم أن الله يعلم كل شيء أنفقته في سبيل الله، أخذت إيصالاً أو لم تأخذ، علم الناس أو لم يعلموا، بادرك الناس بالشكر أو لم يبادروا، مادمت قد أنفقت في سبيل الله فإن الله يعلمه، قال تعالى:

﴿ وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً (*)إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُوراً ﴾

( سورة الإنسان : 8-9)

﴿ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ ﴾

( سورة البقرة : 270)

 أيها الإخوة، آيات كثيرة تؤكد أن الله يعلم إنفاقك، قال تعالى:

﴿ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾

( سورة البقرة : 215)

﴿ وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِياً إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

( سورة التوبة : 121)

 الإنسان أحياناً يميل إلى كتابة المبالغ الكبيرة، أما المبالغ الصغيرة فيهمل كتابتها، لكن الله سبحانه وتعالى يقول:

﴿ وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِياً إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

( سورة التوبة : 121)

 أن يضع الإنسان لقمة في فم زوجته، هي له صدقة، ويراها يوم القيامة كجبل أحد، أية نفقة أنفقتها هي عند الله مسجلة، لذلك قالوا: لا تستحي من إعطاء القليل، فإن الحرمان أقلُّ منه.

نفع الإنفاق يعود على المنفق :

 شيء آخر، أن كل إنفاق تنفقه يعود نفعه إليك، يعود نفعه إليك غنىً ومكافأةً على إنفاقك، ويعود نفعه إليك اتصالاً بالله، لشعورك أنك قدمت شيئاً ثميناً، اتصال بالله ووفرة في المال، هذا معنى قوله تعالى:

 

﴿ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ ﴾

( سورة الأنفال : 60)

﴿ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ ﴾

( سورة البقرة : 272)

﴿ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ ﴾

( سورة البقرة : 272)

 أخ كريم حدثني قبل سنوات أنه زار قريباً له، وقد توفي، فسأل أولاده: أعلى والدكم دين؟ قالوا: نعم، هو توهم المبلغ قريباً من عشرة آلاف، أو عشرين ألفاً، ثم فوجئ أنه مئة وثلاثون ألفاً، ودفع المبلغ، يقسم بالله العظيم أنه لم يمض أسبوع، إلا جاءته دفعة لم تكن بالحسبان تساوي المبلغ نفسه، وما من واحد منكم إلا وله مع الله تجربة، أنت حينما تنفق، فالله عز وجل ينفق عليك.
 أيها الإخوة الكرام، الآية التي ذكرتها قبل قليل:

﴿ مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾

( سورة البقرة : 261)

 هذه الآية تكفي، وهي أصل في هذا الباب.

عدم الإنفاق تهلكة وضياع :

 هناك ملمح دقيق في قوله تعالى:

 

﴿ وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ﴾

( سورة البقرة : 195)

 قال علماء التفسير: لا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة بعدم الإنفاق.
 الذي لا ينفق هالك عند الله عز وجل، لأن الله سبحانه وتعالى جاء به إلى الدنيا ليعمل عملاً صالحاً يكون سبباً لجنة عرضها السماوات والأرض إلى أبد الآبدين، هذه الفرصة التي لا تتكرر، ضيعها، قال تعالى:

﴿ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ﴾

( سورة الزمر : 15)

﴿ وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ﴾

( سورة البقرة : 195)

 ومن كان على إيمان ليس كإيمان أبي بكر ينبغي أيضاً ألا ينفق كل ماله، فقد تأتيه ساعة يندم على إنفاق ماله كله، فينتكس، والله سبحانه وتعالى يحب من الأعمال أدومها وإن قل، ثم إن الله عز وجل يلفت نظرنا فيقول:

﴿ وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾

( سورة الحديد : 10)

 هذا المال إن لم تنفقه في سبيل الله سوف تغادر أنت الدنيا، ويبقى المال لغيرك، وقد ينفق في معصية الله.
 والله أيها الإخوة، سئل شاب توفي والده قبل أيام: إلى أين أنت ذاهب؟ قال: أريد أن أذهب لأشرب الخمر على روح والدي.
 أنت إن لم تنفق مالك في حياتك لا تدري كيف ينفق بعد مماتك، روح الميت ترفرف فوق النعش تقول: يا أهلي، يا ولدي، لا تلعبن الدنيا بكم كما لعبت بي، جمعت المال مما حل وحرم، وأنفقته في حله وفي غير حله، فالهناء لكم، والتبعة عليّ.
 والله أيها الإخوة، عندي عشرات الوصايا، لم تنفذ واحدة منها.
 أنفق مالك في حياتك، ولا تكن تحت رحمة ورثتك، الورثة يبخلون، ملايين مملينة، مئة ألف، لا تنفق في سبيل الله، قال تعالى:

﴿ وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ﴾

( سورة البقرة : 195)

﴿ وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾

( سورة الحديد : 10)

 كل هذه الأموال المنقولة وغير المنقولة، والعملات الأجنبية، والوطنية، والشركات والامتيازات، وبراءات الاختراع، وهذه المكانة الكبيرة، والبيت الفخم، والمركبة الفارهة، كلها تنتقل إلى غيرك لمجرد أن يقف القلب، أو تنمو الخلايا نمواً سرطانياً، أو يتجمد الدم في الأوعية، فكل شيء تملكه منوط بدقات القلب، فإذا توقفت دقات القلب انقلب هذا المال إلى غيرك لذلك:

﴿ وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾

( سورة الحديد : 10)

 ولا تعلم أنت كيف ينفق مالك من بعدك، أقسم لي صديق أنه طلب من رجل من أهل العلم أن يعيره كتاباً لليلة واحدة فامتنع، لأن الكتاب عنده له مكانة كبيرة جداً، كتاب قيم، أقسم بالله أنه بعد وفاة هذا الإنسان رآه في الحاوية، لا تعلم هذه الكتب ما مصيرها من بعدك؟ لا تعلم هذا المال من يأخذه بعد موتك؟ كيف ينفق بعد موتك، لا تكن تحت رحمة ورثتك.
 أيها الإخوة، حديث شريف والله يقصم الظهر:

 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( ما ينتظر أحدكم إلا غنىً مطغياً، أو فقراً منسياً، أو مرضاً مفسداً، أو هرماً مفنداً، أو موتاً مجهزاً، أو الدجال والدجال شر غائب ينتظر، أو الساعة والساعة أدهى وأمر ))

[ حديث صحيح، أخرجه الحاكم في المستدرك ]

 قد يأتي الفقر فجأةً، وأنت تملك وكالة فتنزع من يدك، تملك مالاً فيصادر، والأمثلة كثيرة جداً.
 ولئلا يقع الإنسان في حالة ندم، يقول الله عز وجل:

﴿ وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ ﴾

( سورة المنافقون : 10)

 الإنفاق بين الشح والإسراف :

 أيها الإخوة الكرام، المؤمن من صفاته أنه معتدل في إنفاقه، قال تعالى:

 

﴿ وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً ﴾

( سورة الإسراء : 29)

 جاء في الأثر: ليس منا من وسع الله عليه، ثم قتر على عياله.
 الفضيلة بين رذيلتين، الشح رذيلة، والإسراف رذيلة، قال تعالى:

﴿ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ﴾

( سورة الأعراف : 31)

﴿ وَآَتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً (*)إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً ﴾

( سورة الإسراء : 26-27)

 الإسراف في المباحات، والتبذير في المعاصي والآثام.
 فالفضيلة: الإنفاق المعتدل بين الشح والإسراف والتبذير، قال تعالى:

﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً ﴾

( سورة الفرقان : 67)

﴿ لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آَتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آَتَاهَا ﴾

( سورة الطلاق : 7)

 أيها الإخوة الكرام، أحياناً تضغط الزوجة على زوجها كي يأتي لها بأثاث جديد، بأجهزة كهربائية جديدة، كي يقتني لهم مركبة، هذا الإنسان أحياناً يستجيب لهذا الضغط، ويمد يده للحرام، وحينما يأتي يوم القيامة يرى أن هذه الزوجة هي سبب وروده النار، لذلك قال تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوّاً لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ ﴾

( سورة التغابن : 14)

 أي: كما قال علماء التفسير: هذه عداوة مآل، وليس عداوة حال، حينما يستحق الإنسان عذاب الله عز وجل، لأنه أخذ مالاً حراماً إرضاءً لزوجته وأهله، يرى أن هذه الزوجة سبب شقائه الأخروي، لذلك، امرأة أحد الصحابة طلبت منه حاجات الدنيا، فقال لها: إن في الجنة من الحور العين ما إن أطلت إحداهن على الأرض لغلب نور وجهها نور الشمس والقمر، فلأن أضحي بك من أجلهن أهون من أن أضحي بهن من أجلك.

الإنفاق من المحبوبات والطيبات :

 الإنفاق أيها الإخوة، ينبغي أن يكون مما تحب، لذلك قال تعالى:

 

﴿ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾

( سورة آل عمران : 92)

الإنفاق تثبيت لمقامك عند الله :

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآَخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ﴾

( سورة البقرة : 267)

 علامة المؤمن، أنه إن لم يتح له الإنفاق يتألم أشد الألم، قال تعالى:

﴿ وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ ﴾

( سورة التوبة : 92)

 أيها الإخوة الكرام، حقيقة دقيقة نستخدمها في حياتنا العامة نقول: فلان مركزه قوي عند فلان، فلان له مكانة علية عند فلان، فلان وضعه قوي، يقول تعالى:

 

﴿ وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ ﴾

( سورة البقرة : 265)

 يثبت مكانته عند الله، يثبت مركزه عند الله، يجعل نفسه في مكان عالٍ عند الله، فإنفاق المال يقوي موقفك من الله، لذلك:

 عن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( لا حَسَدَ إلا في اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتاهُ اللَّهُ الْحِكْمَةَ، فهو يَقضِي بها ويُعَلِّمُها، ورجلٌ آتَاهُ اللَّهُ مالا فَسَلَّطَهُ على هَلكَتهِ في الحقَّ ))

[ حديث صحيح، أخرجه البخاري ومسلم ]

 بإنفاق المال تثبت مكانة الإنسان عند الله، بل إن إنفاق المال يعد من أعظم القربات عند الله، قال تعالى:

﴿ وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ ﴾

( سورة التوبة : 99)

 الإنفاق العلني وفوائده :

 وإنفاق المال يكون علانيةً أحياناً، أنت واثق أنك تبتغي وجه الله، لكنك بهذا الإعلان عن إنفاقك تشجع الأغنياء لينفقوا.
 مرة، في بعض اللقاءات من أجل التبرع للأيتام كان التبرع علنياً، في أحد أيام رمضان في سنوات سابقة، بلغ المجموع ستة ملايين، فلما جعل التبرع من دون إعلان بلغ ستمئة ألف، لذلك قال تعالى:

 

﴿ إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ ﴾

( سورة البقرة : 271)

 أحياناً، الإنسان إذا كان واثقاً من إخلاصه لله، وقال: أنا أنفق مئة ألف، يأتي إنسان مثيله يقول: وأنا مئة ألف، فأحياناً ترى المال جاء وفيراً بسبب المنافسة المشروعة، قال تعالى:

﴿ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ ﴾

( سورة المطففين: 26)

 هذا التنافس المحمود.

 

 النصح بديل الإنفاق :

 شيء آخر، الإنسان، أيها الإخوة، قد لا يجد ما ينفق، فماذا يفعل؟ يتألم أشد الألم، لكن الله سبحانه وتعالى لكرمه جعل لهذا الإنسان عملاً يقترب من الإنفاق، قال تعالى:

 

﴿ لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾

( سورة التوبة : 91)

 الدال على الخير كفاعله، تعرف إنساناً ميسوراً غنياً، وله ثقة بك، وتعرف إنساناً فقيراً معدماً، وهذا الفقير تعلم وضعه تماماً، فلو ذهبت إلى هذا الغني، وطلبت منه أن يساعد هذا الفقير أكاد أقول لك: لك أجر يقترب من أجر الغني، وهذا معنى القاعدة الشهيرة: الدال على الخير كفاعله، حتى إن لم تجد ما تنفق، وكنت وسيطاً بين ميسور وبين معدم فلك أجر المنفق.

من صفات المنفقين :

 من آداب الإنفاق، قال تعالى:

 

﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنّاً وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾

 

( سورة البقرة : 262)

 هذه القاعدة، أنك إذا فعلت معروفاً مع إنسان ينبغي أن تنسى هذا المعروف، وأنه إذا فعل معك معروفاً ينبغي ألا تنساه طوال حياتك، هذا أدب المؤمن، لا يمن أبداً، الذي يفعله مع الناس يفعله ابتغاء وجه الله، وينساه كلياً، لا يمنن، ولا يلفت النظر، ولا يشير، ولا يعرض، ولا يلمح، قدمت هذا العمل لوجه الله، أما إذا فعل معك معروفاً، فينبغي ألاّ تنساه طوال حياتك، بل إن المن والأذى يبطل الصدقة، قال تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ﴾

( سورة البقرة : 264)

 قاعدة: كل مال مهما كان كبيراً، إذا أديت زكاته ليس بكنز، وأي مال مهما كان قليلاً إذا لم تؤدِّ زكاته فهو كنز.
 أيها الإخوة، أهل الدنيا الشاردون عن الله عز وجل، ينفقون أموالهم رئاء الناس، وبعضهم ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله، والله عز وجل يقول لهؤلاء المنفقين:

﴿ قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فَاسِقِينَ ﴾

( سورة التوبة : 53)

 بل إن البخيل لا يكتفي أنه هو بخيل، بل يحض الناس على البخل، قال تعالى:

﴿ هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ ﴾

( سورة المنافقين : 7)

زكاة المال رأس الإنفاق :

 أيها الإخوة الكرام، هذه بعض الآيات التي تتعلق بالإنفاق، والزكاة تقع في رأس قائمة الإنفاق، قال تعالى:

 

﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ ﴾

( سورة التوبة : 103)

 أيها الإخوة، الزكاة تطهر الغني من الشح، تطهر الفقير من الحسد، تطهر المال من تعلق حق الغير به، فالحجر المغصوب في دار رهن بخرابها.
 والزكاة تنمي نفس الغني، يرى محبة الناس له، يرى البسمة ظاهرة على وجوههم حينما يلقوه، يرى عمله طيباً، تنمو نفسه عند الله، كأن عمله يرفعه عند الله.
 ونفس الفقير تنمو حينما يرى أن مجتمعه لم ينسه، إن مجتمعه يحرص عليه، يحرص على سعادته وعلى سلامته، والمال ينمو إما بطريقة اقتصادية، فالفقير إذا وضعت في يده قوة شرائية عاد نفعها على الغني، وإما أن المال ينمو بعناية الله عز وجل، وما تلف مال في بر أو بحر إلا بحبس الزكاة، فحصنوا أموالكم بالزكاة.
 شيء أخير، أن دافع الزكاة أو دافع الصدقة أحياناً يتوهم أنه لمجرد أن تخرج هذه الزكاة من حوزته انتهى الأمر، وقضي الأمر؟ لا، ينبغي أن تضعها في مكانها الصحيح، هناك جهد كبير في وضع الصدقة في مكانها الصحيح، الأقربون أولى بالمعروف، لا تقبل زكاة مال وفي أقرباء الغني محاويج، لذلك، الصدقة على القريب صدقة وصلة، أجر مضاعف.
 وشيء آخر، ينبغي أن تسعى جهدك لإنفاق زكاة مالك في أكثر مصارف الزكاة، وفي كل مصرف أكثر من واحد أو أثنين، لقوله تعالى:

﴿ إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ ﴾

( سورة التوبة : 60)

 جاءت جمعاً، فكلما انتفع من الزكاة أكبر شريحة كان هذا أقرب إلى السنة.  

أفضل الزكاة ما يغني الفقير :

 وينبغي أن تكون الزكاة مغنية للفقير، لا أن تعطيه شيئاً لا يسمن ولا يغني من جوع، بل إن أعظم ما في الزكاة أن تحول آخذ الزكاة إلى دافع للزكاة، أن تعلمه حرفة، أن تشتري له آلة، أن تسكنه في بيت، لذلك قالوا: لا تطعمني سمكاً، ولكن علمني كيف أصطاد السمك.
 أعظم طريقة لأداء الزكاة، أن تحول آخذ الزكاة إلى دافع للزكاة، يعني أن تغنيه.

 

 أفضل مستحقي الزكاة :

 

 شيء آخر، وحقيقة مهمة جداً، أن هذا الذي يلح عليك، ويتضعضع أمامك، ويقتحم عليك، ويأتيك بالوثائق، وقد جُلِّدَتْ بالنايلون من أجل أن يستخدمها مئات المرات، هذا الذي يلح، ويتضعضع، ويطلب ليس معنياً بالصدقة، ولا بالزكاة، لأن الذين يستحق الزكاة والصدقة يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف، ومادام هذا الذي يستحق الزكاة والصدقة فلا يسألك، ويتعفف عن زكاتك، ينبغي أن تبحث أنت عنه، الآن ترتب عليك مهمة لا تقلّ عن مهمة دفع الزكاة، أن تبحث عن إنسان متعفف متجمل لا يسأل، ولا يتضعضع من أجل أن تعطيه.
 أيها الإخوة، هذا يحتاج إلى بحث، فلذلك قال تعالى:

﴿ وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (*)لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ﴾

( سورة المعارج : 24-25)

 السائل يقتحم عليك، ويلح، ويطلب، وقد يطلب بقسوة، أما الذي أعفه الله عن أموال الناس، وجعله عفيفاً متجملاً لا يسأل فيحرم، فالأولى أن تعطي من إن لم يسأل يحرم، لا أن تعطي من يلح عليك بالسؤال، هذا ملمح دقيق أيها الإخوة.

وأخيراً :

 أيها الإخوة الكرام، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، و زنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وسيتخطى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا، الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني.

 

* * *

الخطبة الثانية:
 الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

زكاة الفطر :

 أيها الإخوة الكرام، الزكاة شيء، وزكاة الفطر شيء آخر.
 لأن صيامنا وقيامنا لا يرفع إلى الله تعالى إلا بتأدية زكاة الفطر، فقد فرض الله علينا زكاة الفطر، طهرة للصائم مما بدر منه من لغو أو رفث، وطعمة للمسكين، وإغناء له عن السؤال، وصدقة الفطر تجب على كل مسلم يملك قوت يومه، وحكمتها أن هذا الذي لا يملك إلا وجبة طعام واحدة فهو فقير جداً، أراد الله منه أن يذوق طعم الإنفاق مرةً في العام، وقد يأخذ الزكاة، لكن تجب على كل مسلم يملك قوت يومه، وحدّها الأدنى مائة ليرة، ولا حد لأكثرها.
تجب على كل مسلم يملك قوت يومه حراً كان، أو عبداً، ذكراً أو أنثى، صغيراً أو كبيراً، غنياً أو فقيراً، يخرجها الرجل عن نفسه أولاً، وعن كل من يمونه، ويلي عليه، ومن ينفق عليه، ويتولى شؤونه كزوجته، وأولاده، وأمه، وأبيه، وإخوته، وأخواته، إن كان ينفق عليهم.
 أيها الإخوة، لا إسراف في الخير، ولا خير في الإسراف، حدها الأدنى مائة ليرة، ولا حد لأكثرها، والإنسان يستحي أن يأخذ الحد الأدنى، وفي إمكانه أن ينفق أضعافاً مضاعفة.
 يا أيها الإخوة الكرام، زكاة الفطر ينبغي أن تؤدى قبل صلاة العيد، وسمح الفقهاء أن تؤدى في رمضان، بل وفي أول رمضان، فلا ضير أن تدفع الزكاة في وقت مبكر كي يتدبر الفقير أمره لشراء حاجيات أهله وأولاده.

 

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق، ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك.
 اللهم اهدنا لصالح الأعمال لا يهدي لصالحها إلا أنت، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت.
 اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين.
 اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك.
 اللهم لا تؤمنا مكرك، ولا تهتك عنا سترك، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين.
 اللهم بفضلك ورحمتك أعلِ كلمةَ الحق والدين، وانصر الإسلام، وأعز المسلمين، وأذل الشرك والمشركين، أذل أعداءك أعداء الدين يا رب العالمين، شتت شملهم، فرق جمعهم، خالف فيما بينهم، اجعل الدائرة تدور عليهم يا رب العالمين، اللهم أرنا قدرتك بتدميرهم كما أريتنا قدرتهم في تدميرنا يا رب العالمين، إنك سميع قريب مجيب الدعاء.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018