الخطبة : 0938 - أسباب دخول الجنة. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0938 - أسباب دخول الجنة.


2004-10-01

الخطبة الأولى:

 الحمد لله نحمده، ونستعين به، ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته، وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله، سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عين بنظر، أو سمعت أذن بخبر، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، أمناء دعوته، وقادة ألويته، وارضَ عنا وعنهم يا رب العالمين.
 اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمتنا، إنك أنت العليم الحكيم.
 اللهم علِّمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

أسباب دخول الجنة :

 أيها الإخوة الكرام، هذه الدنيا التي ترونها، فيها بلاء كبير، وفيها متاعب كثيرة، ولا يمكن أن تستقيم عقيدة المسلم إلا إذا آمن باليوم الآخر.

 

الحساب في اليوم الآخر :

 في اليوم الآخر تسوَّى الحسابات، ويؤخذ للضعيف من القوي، وللمظلوم من الظالم، وللمستبَدّ به من المستبِدّ، وللضعيف من المستكبر، اليوم الآخر تسوى فيه الحسابات:

﴿ وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ﴾

( سورة الروم : الآية 27)

﴿ لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى ﴾

( سورة طه : الآية 15)

 أيها الإخوة الكرام، ما من ركنين من أركان الإيمان تلازما في القرآن كالإيمان بالله واليوم الآخر، أنت حينما تؤمن بالله ينبغي أن تحمل نفسك على طاعته، وحينما تؤمن باليوم الآخر ينبغي أن يردعك إيمانك باليوم الآخر عن أن توقع أذىً بأحد من عباد الله، لأن الله سيقتص منك يوم القيامة.
 ثلاث كلمات أيها الإخوة، حينما تؤمن أن الله يعلم، وسيحاسب، وسيعاقب، لا يمكن أن تعصيه، ولا يمكن أن توقع أذىً بمخلوق ظلماً وعدواناً.
 أيها الإخوة الكرام، لا تنسجم الحياة الدنيا بما فيها من عمر قصير، ومتاعب جمّة، وقلق وخوف ومصائب، وأمراض وأحزان، وقهر وفقر، لا تنسجم الحياة الدنيا في فهمها إلا مع اليوم الآخر، في اليوم الآخر تسوّى الحسابات.
 أيها الإخوة الكرام، من المألوف عند علماء العقيدة أن الإيمان باليوم الآخر إيمان إخباري، لكن بعض العلماء الكبار يرى أن الإيمان باليوم الآخر إيمان بدليل عقلي، وتفاصيله بدليل نقلي.
 لأن هذا الكون فيه كمال مطلق، وكمال الخلق يدل على كمال التصرف، ولا يعقل أن يكون في الدنيا فقير يموت جوعاً، وغني يموت تخمة، وعشرة بالمئة من أهل الأرض يملكون تسعين بالمئة من ثروات الأرض، وتنتهي الحياة هكذا؟
 بيوت تهدم، بشر يُقتلون، ثروات تنهب، وتنتهي الحياة هكذا؟
 هذا شيء لا يمكن للعقل أن يقبله، لابد من يوم آخر:

﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ ﴾

( سورة إبراهيم : الآية 42)

الدنيا ليست مكافأة :

 أيها الإخوة الكرام:
 لا يمكن أن تفهم الحياة الدنيا إلا إذا أيقنت أن الإنسان مخلوق للجنة، وأن الجنة فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وأن الدنيا أحقر من أن تكون عطاء لإنسان، وفي الحديث عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

 

(( لو كَانت الدُّنيا تَعْدِلُ عند الله جَناحَ بَعُوضَةٍ، ما سقَى كافراً منها شَرْبَة ))

[ حديث حسن، أخرجه الترمذي ]

 وهي أحقر من أن تكون مكافأة لإنسان:

 

(( إن الدنيا عرض حاضر، أكل منها البر والفاجر، وإن الآخرة وعد صادق، يحكم فيها ملك قادر ))

[ من حديث رواه الطبراني في الكبير، وفي سنده رجل ضعيف جداً ]

 أيها الإخوة الكرام:

﴿ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً (*) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً ﴾

( سورة الكهف 103-104)

﴿ وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً ﴾

( سورة الفرقان : الآية 23)

 أيها الإخوة الكرام، هذه الجنة التي وعد الله بها المؤمنين، تحتاج إلى إيمان، وإلى عمل، وإلى إخلاص.
 موضوع الخطبة اليوم يبين أن هناك ثلاثين سبباً مستنبطاً من الكتاب والسنة هي وسائل لدخول الجنة.
 من نعمة الله علينا أن الأمور المتعلقة بالله عز وجل واضحة وضوح الشمس:

(( قد تركتكم على البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك ))

[ من حديث أخرجه ابن ماجة والحاكم، في سنده ثقات ]

 أيها الإخوة الكرام، هناك ثلاثون سبباً، وكلها متاحة لكل مسلم، بين يديه.
 حياة فيها نعيم مقيم إلى أبد الآبدين، تملك أنت أسبابها، بشرط أن تنضبط، هذه السنوات المعدودة التي تمضي.
 لم يكلفك الله ما لا تستطيع:

﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا ﴾

( سورة البقرة : الآية 286)

 ليس في الإسلام حرمان، ولكن فيه تنظيم.
 ثلاثون سبباً يمكن إذا أديتها أن تكون من أهل الجنة، ولا تقبل سبباً ولا كلمة ولا اقتراحاً من دون دليل من كتاب الله، ومما صح من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم:

1) الإيمان :

﴿ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾

( سورة البقرة : الآية 82)

 مما يلفت النظر أن كلمة الإيمان في القرآن الكريم، لم ترد إلا مقترنة بالعمل الصالح:

2) العمل الصالح :

 لأن الإيمان من دون عمل صالح هو إيمان إبليسي:

﴿ قَالَ فَبِعِزَّتِكَ ﴾

( سورة ص : الآية 82)

 آمن به رباً، وآمن به عزيزاً:

﴿ قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾

( سورة الأعراف : الآية 14)

﴿ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ﴾

( سورة الأعراف : الآية 12)

 آمن إبليس بالله رباً، وآمن به عزيزاً، وآمن به خالقاً، وآمن ظاهرياً باليوم الآخر، وهو إبليس، ومصيره إلى جهنم، لذلك إياك، ثم إياك، ثم إياك، أن تتوهم أن الإيمان وحده له عند الله وزن، أبداً:

﴿ وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً ﴾

( سورة الفرقان : الآية 23)

﴿ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾

( سورة البقرة : الآية 82)

 لا تعتزّ بإيمانك إلا إذا حملك على طاعة الله، لا تعتزّ بإيمانك إلا إذا حجزك عن محارم الله، لا تعتزّ بإيمانك إلا إذا حملك على فعل الخيرات، لا تعتزّ بإيمانك إلا إذا دفعك إلى إنفاق المال، هذا الإيمان النظري، هذا الإعجاب الصامت، هذا الإعجاب السلبي لا قيمة له إطلاقاً في موازين الله عز وجل.
 إذاً: السببان الأول والثاني: الإيمان والعمل الصالح.

3) التقوى :

 التقوى في التعريف الدقيق: أن تشكره فلا تكفره، وأن تطيعه فلا تعصيه، وأن تذكره فلا تنساه.
 وهي: الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والقناعة بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيم.
 وهي: أن تعمل بطاعة الله، على نور من الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله، تخاف عقاب الله.

﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴾

( سورة آل عمران : الآية 133)

(( سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أكثر ما يدخل الناس الجنة؟ قال: تقوى الله وحسن الخلق، قال: ما أكثر ما يدخل الناس النار؟ قال: الأجوفان: الفم والفرج ))

[ حديث حسن، أخرجه الترمذي ]

 السببان الأول والثاني: الإيمان والعمل الصالح.
 والسبب الثالث: التقوى.

 

4) طاعة الله تعالى :

﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَاباً أَلِيماً ﴾

( سورة الفتح : الآية 17)

 في صحيح البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( كلُّ أُمَّتي يدخلون الجنة إلا مَن أبى، فقالوا: يا رسولَ الله، مَن يأبى؟ قال: مَن أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى ))

[ حديث صحيح، أخرجه البخاري ]

5) الجهاد في سبيل الله :

 والجهاد كما تعلمون أنواع منوعة، يتاح بعضها في كل عصر، بل وفي كل مصر:
 فمن الجهاد النفسي، أي جهاد النفس والهوى، فالمنهزم أمام نفسه لا يستطيع أن يقابل نملة، إلى الجهاد الدعوي:

﴿ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيراً ﴾

( سورة الفرقان : الآية 52)

 أي بالقرآن، إلى الجهاد المالي:

﴿ وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ ﴾

( سورة التوبة : الآية 20)

 إلى الجهاد القتالي، والجهاد ذروة سنام الإسلام:

﴿ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآَنِ ﴾

( سورة التوبة : الآية 111)

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (*) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ﴾

( سورة الصف 10)

6) التوبة :

 يقول الله عز وجل:

﴿ إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئاً ﴾

( سورة مريم : الآية 60)

 عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( التَّائِبُ مِنْ الذَّنْبِ، كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ ))

[ حديث حسن، أخرجه ابن ماجة ]

7) الاستقامة على دين الله :

﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ﴾

( سورة فصلت : الآية 30)

 عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيِّ قَالَ: قُلْتُ: يا رسول الله، قل لي في الإسلام قولاً لا أسألُ عنه أحداً بعدك، قال:

(( قل: آمَنْتُ بالله، ثم استقم ))

[ حديث صحيح، أخرجه مسلم ]

﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا ﴾

( سورة فصلت : الآية 30)

 لا قيمة للإيمان من دون استقامة على أمره.

8) طلب العلم لوجه الله :

 في صحيح مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( وَمَن سلكَ طريقاً يَلْتَمِسُ فيه عِلْماً، سَهَّلَ اللهُ لهُ بِهِ طريقاً إِلى الجنَّةِ، وَمَا اجْتَمَعَ قوم في بيت من بيوتِ اللهِ يَتْلُونَ كتابَ اللهِ تعالى، ويتَدَارَسُونَهُ بينهم، إِلا نَزَلَتْ عليهم السكينةُ، وَغَشيَتهم الرحمةُ، وحَفَّتهمُ الملائكةُ، وذَكَرهُمُ اللهُ فيمن عِندَهُ، ومَن بطَّأَ به عَملُهُ لم يُسْرِعْ بِهِ نَسبُهُ ))

[ من حديث صحيح، أخرجه مسلم ]

 أيها الإخوة الكرام، لازلنا في أسباب دخول الجنة، وهي في الكتاب والسنة ثلاثون نصاً قرآنياً ونبوياً، وضعها الله في متناول أيدي المؤمنين.

9) بناء المساجد :

 عن عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

(( مَن بنى مسجداً يبتغي به وجه الله، بنى الله له بيتاً في الجنة ))

[ حديث صحيح، أخرجه البخاري ومسلم ]

 الذي يسهم في بناء المساجد، وفي تأمين مرافقها، وفي تأثيثها، وفي الإنفاق عليها، فهذا جزاؤه الجنة.

10) حسن الخُلُق :

 عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( أنا زعيم ببيت في رَبَض الجَنَّة، لمن ترك المِراء وإن كان مُحِقّاً ))

[ من حديث أخرجه أبو داود بإسناد صحيح ]

 الجدال، الخصومات حتى في العقائد، حتى في أمور الدين، هذا النفَس الطويل في الخصومة، تركوا العمل، فكان عملهم هذا الجدل:

(( أنا زعيم ببيت في رَبَض الجَنَّة، لمن ترك المِراء وإن كان مُحِقّاً ))

[ من حديث أخرجه أبو داود بإسناد صحيح ]

 وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:

(( سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أكثر ما يدخل الناس الجنة؟ قال: تقوى الله وحسن الخلق، قال: ما أكثر ما يدخل الناس النار؟ قال: الأجوفان: الفم والفرج ))

[ حديث حسن، أخرجه الترمذي ]

قال سعد بن هشام بن عامر:

(( يا أمَّ المؤمنين، أنبئيني عن خُلُق رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، قالت: ألسْتَ تقرأْ القرآنَ؟ قلت: بلى، قالتْ: فإن خُلُقَ نبيِّ الله صلى الله عليه وسلم كان القرآنَ ))

[ من حديث صحيح، أخرجه مسلم ]

 كان صلى الله عليه وسلم، قرآناً يمشي.

11) ترك المراء والجدال :

 قد ورد في الحديث السابق:

(( أنا زعيم ببيت في رَبَض الجَنَّة، لمن ترك المِراء وإن كان مُحِقّاً ))

[ من حديث أخرجه أبو داود بإسناد صحيح ]

12) ترك الكذب ولو مازحاً :

 عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( أنا زعيم ببيت في رَبَض الجَنَّة لمن ترك المِراء، وإن كان مُحِقّاً، وببيت في وَسَط الجنة، لمن ترك الكذب، وإن كان مازحاً ))

[ من حديث أخرجه أبو داود بإسناد صحيح ]

 أيها الإخوة الكرام، وقد تعجبون أن من أسباب دخول الجنة:

13) الوضوء وركعتين بعد كل حدث وأذان :

 عن بريدة بن الحصيب رضي الله عنه، قال: أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً، فدعا بلالاً، فقال:

(( يا بلال، بم سبقتني إلى الجنة، إني دخلت البارحة الجنة فسمعت خشخشتك أمامي؟ فقال بلال: يا رسول الله ما أذنت قط إلا صليت ركعتين، وما أصابني حدث قط إلا توضأت عنده، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بهذا ))

[ حديث صحيح، أخرجه الحاكم في مستدركه ]

14) الغدو إلى المسجد والرواح منه :

 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( من غدا إلى المسجد أو راح، أعد الله له نزلاً في الجنة كلما غدا أو راح ))

[ حديث صحيح، أخرجه ابن خزيمة ]

15) الإكثار من السجود :

 عن ربيعة بن كعب الأسلمي رضي الله عنه، قال:

(( كنتُ أبيتُ مع رسولِ الله، فآتيه بوَضوئه وبحاجته، فقال لي: اسألني، فقلتُ: إني أسألك مرافَقتكَ في الجنة، قال: أوَ غيرَ ذلك؟ قلتُ: هو ذاك، قال: فأعِنِّي على نَفْسِك بكثرةِ السجود ))

[ حديث صحيح، أخرجه مسلم وأبو داود ]

16) الحج المبرور :

 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

(( من حج لله عز وجل فلم يَرْفُثْ ولم يَفْسُقْ، رجع كيوم وَلَدَتْهُ أمُّه ))

[ حديث صحيح، أخرجه البخاري ومسلم ]

 وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( والحجُّ المبرور، ليس له جزاء إلا الجنة ))

[ من حديث صحيح، أخرجه البخاري ومسلم ]

17) آية الكرسي دبر كل صلاة :

 عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(( من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة مكتوبة، لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت ))

[ حديث أخرجه الطبراني في الكبير بإسناد جيد ]

 وسيد الاستغفار كما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:
 فعن شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( سَيِّدُ الاستغفار أَن يقول العبدُ: اللَّهُمَّ أَنتَ رَبي، لا إِلهَ إِلا أنتَ، خَلَقْتَني، وَأَنا عبدُك، وَأَنَا على عَهْدِكَ ووَعدِكَ مَا اسْتَطَعتُ، أَعُوذُ بِكَ مِن شَرِّ ما صَنَعتُ، أَبُوءُ لَكَ بِنعْمَتكَ عَليَّ، وَأَبُوءُ لك بِذَنْبي، فاغْفِر لِي ذُنُوبي، فَإنه لا يغفرُ الذنوبَ إِلا أنتَ، مَن قالها من النَّهَارِ مُوقِناً بها، فماتَ من يومه قبلَ أَنْ يُمسيَ، فهوَ مِن أهلِ الجنة، ومن قَالها من الليل وهو مُوقِنٌ بِهَا، فماتَ قبل أَن يُصبِح، فهو من أَهلِ الجنة ))

[ حديث صحيح، أخرجه البخاري والترمذي ]

18) اثنتا عشرة ركعة نافلة كل يوم :

 عن أم حبيبة أم المؤمنين رضي الله عنها، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

(( من صلى اثنتي عشرة ركعة في يوم، بنى الله له بيتاً في الجنة: أربعاً قبل الظهر، واثنتين بعدها، وركعتين قبل العصر، وركعتين بعد المغرب، وركعتين قبل الصبح ))

[ حديث أخرجه الحاكم في مستدركه بإسناد صحيح ]

19) الأعمال الأربعة :

 إفشاء السلام، وإطعام الطعام، وصلة الأرحام، والصلاة بالليل والناس نيام:

 عن عبد الله بن سلام رضي الله عنه، قال: أول ما قدم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم المدينةَ انْجَفَل الناس إليه، فكنتُ فيمن جاءه، فلما تأمَّلْتُ وجهه واسْتَثْبَتُّه، عرفتُ أنَّ وجهه ليس بوجهِ كَذَّاب، قال: فكان أولَ ما سمعتُ من كلامِهِ أن قال:

(( يا أيُّها الناس، أفْشُوا السلام، وأطعموا الطعام، وصَلُّوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنةَ بسلام ))

[ حديث صحيح، أخرجه الترمذي ]

20) الأعمال الستة :

 الصدق في الحديث، والوفاء بالعهد، وأداء الأمانة، وحفظ الفرج، وغض البصر، وكف اليد:
 عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

(( اضمنوا لي ستاً أضمن لكم الجنة: اصدقوا إذا حدثتم، وأوفوا إذا وعدتم، وأدوا إذا ائتمنتم، واحفظوا فروجكم، وغضوا أبصاركم، وكفوا أيديكم ))

[ حديث صحيح لغيره، أخرجه أحمد في مسنده ]

21) أعمال تخصّ النساء :

 ورد في صحيح ابن حبان عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

(( إذا صلت المرأة خمسها، وصامت شهرها، وحصنت فرجها، وأطاعت بعلها، دخلت من أي أبواب الجنة شاءت ))

[ حديث صحيح، أخرجه ابن حبان ]

22) تربية ثلاث بنات :

 قد تكون البنت عانساًَ، في النهاية ليس لها إلا أخوها، فهذا الأخ قد يظلمها، قد يبالغ في إهانتها، وقد يسلط زوجته عليها، فلذلك ورد: أنك إذا أعلت، وربيت ثلاث بنات، أو أخوات فلك الجنة:
 فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( لا يكون لأحدكم ثَلاثُ بنات، أو ثلاثُ أخواتٍ، فيُحْسِنَ إليهنَّ إلا دخل الجنة ))

[ حديث حسن، أخرجه الترمذي ]

23) الصبر على موت الولد :

 فعَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( من احْتَسَب ثلاثة من صُلْبِهِ دخل الجنة، فقامت امرأة، فقالت: أو اثنان؟ فقال: أو اثنان ))

[ من حديث صحيح، أخرجه النسائي ]

 وفي حديث آخر:

(( ما من مسلميْنِ، يموت بينهما ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث، إلا أدخلهما الله الجنة بفضل رحمته إياهم ))

[ حديث صحيح لغيره، أخرجه النسائي وأحمد ]

 ما من مسلِمَيْن، أي: الأب والأم.

 

 وعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: إِنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال:

(( يقول الله: ما لعبدي المؤمن عندي جزاء، إِذا قَبضتُ صَفِيَّه من أهل الدنيا ثم احتسبه، إِلا الجنة ))

[ حديث صحيح، أَخرجه البخاري ]

24) كفالة اليتيم :

 ورد في صحيح البخاري عَنْ سَهْلٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا، وأشار بالسبابة والوسطى، وفَرَّج بينهما شيئاً ))

[ حديث صحيح، أخرجه البخاري ]

25) عيادة المريض :

 أو زيارة أخ في الله:
 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( مَنْ عاد مريضاً، أو زَارَ أخاً له في الله، ناداه مناد: أنْ طبتَ، وطابَ مَمْشاك، وتَبوَّأتَ من الجنة منزلاً ))

[ حديث حسن، أخرجه الترمذي ]

26) التسبيح والتحميد والتكبير :

 عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( خَصلَتَانِ، أَو خَلَّتَان، لا يُحْصِيهما رجلٌ مسلم إِلا دخل الجنةَ، وهما يَسيرٌ، ومَن يعملُ بهما قليل: يُسبِّح الله في دُبُرِ كل صلاة عَشْراً، ويحمَدُهُ عشراً، ويكَبِّرُهُ عشراً، فلقد رأَيتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يَعْقِدُهَا بيده، قال: فتلك خمسون ومائة باللسان، وألف وخمسمائةٍ في الميزان، وإِذَا أخذت مَضْجَعَكَ تُسَبِّحهُ، وتُكَبِّرُهُ، وتحمَدُهُ مائة، فتلك مائةٌ باللسان، وأَلف في الميزان، فأيُّكم يعملُ في اليوم والليلة ألفين وخمسمائةِ سيئَةٍ؟ قالوا: فكيف لا نُحصيها؟ قال: يأتي أحدَكم الشيطانُ وهو في صلاته، فيقول: اذكُر كذا، اذكر كذا، حتى يَنْفَتِلَ، فَلَعلَّهُ أن لا يفعلَ، ويأْتيه وهو في مَضْجَعه، فلا يزالُ يُنوِّمُهُ حتى ينامَ ))

[ حديث صحيح، أخرجه الترمذي والنسائي ]

27) السماحة في البيع والشراء :

 عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( غَفرَ الله لرجل كان قبلكم: سهلاً إذا باع، سَهلاً إذا اشترى، سهلاً إذا اقتضى ))

[ حديث صحيح، أخرجه الترمذي ]

28) التجاوز عن المعسر :

 روى الإمام مسلم رحمه الله تعالى في صحيحه عَنْ حُذَيْفَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( أنَّ رجلاً ماتَ، فَدَخل الجنَّةَ، فقيل له: ما كنت تعمل؟ قال: فإمَّا ذَكَر، وإمَّا ذُكِّرَ، فقال: إني كنتُ أبايِعُ النَّاسَ، فكنت أُنظِر المعسر، وأتَجَوَّزُ في السِّكَّةِ، أو في النقد، فغُفِرَ له ))

[ حديث صحيح، أخرجه مسلم ]

29) اجتماع أعمال صالحة :

 روى الإمام مسلم في صحيحه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال يوماً:

(( من أصبحَ منكم اليوم صائماً؟ قال أبو بكر الصِّدِّيق: أنا، قال: فمن تَبِع منكم اليوم جنازة؟ قال أبو بكر: أنا، قال: فَمَنْ أطعم منكم اليومَ مِسْكِيناً؟ قال أبو بكر: أنا، قال: فمن عاد منكم اليوم مريضاً؟ قال أبو بكر: أنا، قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: ما اجْتَمَعْنَ في رجل إلا دخل الجنة ))

[ حديث صحيح، أخرجه مسلم ]

30) الصبر على فقد البصر :

 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ:

(( من أَذْهَبْتُ حَبِيبَتَيْهِ، فصبر واحتسب، لم أرضَ له ثواباً دون الجنةِ ))

[ حديث صحيح، أخرجه الترمذي ]

وأخيراً :

 أيها الإخوة الكرام، هذه الأسباب الثلاثون التي وردت في الكتاب والسنة بين أيدي كل المؤمنين، لدخول الجنة التي فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وهي الفوز الحقيقي:

﴿ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾

( سورة آل عمران : الآية 185)

 أيها الإخوة الكرام، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وسيتخطى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا، الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني.

* * *

الخطبة الثانية:
 الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

 المصلح والمفسد والنادم :

 أيها الإخوة الكرام، عَنْ عَمْرِو بْنِ عَوْفِ بْنِ زَيْدِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( إن الدِّين بدأ غريباً، وسيعود كما بدأ، فطوبى للغرباء، وهم الذين يُصْلحون ما أفسد الناسُ، من بَعْدي من سُنَّتي ))

[ من حديث حسن، أخرجه الترمذي ]

 المصلِح :

 من هم المصلحون؟
 هم الذين يصلحون إذا فسد الناس، لا توحشهم الغربة، ولا قلة الأنصار والأتباع.
 هم الذين لا يلتفتون إلى الكثرة، إذا كانت الكثرة تسير في اتجاه الباطل أو الهلاك.
 هم الذين ينطقون بالحق، ولو دفعوا ثمن هذه الدعوة كل ما يملكون.
 هم الذين لا يبالون بمرضاة الناس في سبيل مرضاة رب الناس، فمرضاة الناس غاية صعبة لا تدرك، ومرضاة الخالق سهلة تدرك لمن يسرها الله له.
 هم الذين يدورون مع الحق حيث دار، لا يلتفتون عنه، ولو كان ذلك على حساب أشلائهم ومصالحهم الشخصية.
 هم الذين يصدعون بالحق للحق، لا يعبؤون بترهيب ولا بترغيب.
 هم الذين لا ينتظرون الثناء والمكافأة على أعمالهم من أحد سوى الله تعالى.

 

المفسِد :

 ومن هم المفسدون؟
 هم الذين يواكبون ويمالئون الخط العريض في المجتمع، خشية أن تنصرف عنهم وجوه الناس.
 هم الذين يخذلون الحق من أجل فتات يسير يرمى إليهم.
 هم الذين يأكلون بألسنتهم كما تأكل المرأة أحياناً بثدييها.
 هم الذين يستشرفون العطاء والإحسان مما في أيدي الناس.
 هم الذين يرضون الناس بسخط الله.
 هم الذين يتقدمون في المواضع التي ينبغي فيها التأخر، ويتأخرون في المواضع التي ينبغي فيها التقدم.
 هم الذين لا يعرفون إلا أنفسهم، ولا يرون إلا أنفسهم، ولا يهمهم مجد إلا مجد أنفسهم، ولو كان ذلك مؤداه إلى زهق الأرواح بغير حق، وإلى ضياع الحقوق والبلاد.

 

النادم :

 أيها الإخوة الكرام، ومن هو النادم؟
 النادم بسبب موقف خانته فيه أعصابه فلم يصدع بالحق.
 والنادم بسبب موقف خاف فيه من الباطل وجنده.
 والنادم بسبب موقف لم ينصر فيه الحق وأهله خوفاً على نفس أو رزق.
 هذا يندم لسببين:
 لأنه لا يقدر أن يعيد عقارب الساعة والزمن إلى الوراء.
 ولأنه قد تبين له أن الخوف من المخلوق لا يقدم أجلاً، ولا يقطع رزقاً، ولا يجلب نفعاً، ولا يدفع ضراً.
 أيها الإخوة الكرام:

 

(( إن الدِّين بدأ غريباً، وسيعود كما بدأ، فطوبى للغرباء، وهم الذين يُصْلحون ما أفسد الناسُ، من بَعْدي من سُنَّتي ))

[ من حديث حسن، أخرجه الترمذي ]

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق، ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك.
 اللهم اهدنا لصالح الأعمال لا يهدي لصالحها إلا أنت، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا أنت.
 اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين.
 اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك.
 اللهم لا تؤمنا مكرك، ولا تهتك عنا سترك، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين.
 اللهم بفضلك ورحمتك أعلِ كلمةَ الحق والدين، وانصر الإسلام، وأعز المسلمين، وأذل الشرك والمشركين، أذل أعداءك أعداء الدين يا رب العالمين، شتت شملهم، فرق جمعهم، خالف فيما بينهم، اجعل الدائرة تدور عليهم يا رب العالمين، اللهم أرنا قدرتك بتدميرهم كما أريتنا قدرتهم في تدميرنا يا رب العالمين، إنك سميع قريب مجيب الدعاء.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018