الخطبة : 0937 - التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0937 - التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم.


2004-09-24

الخطبة الأولى:

 الحمد لله نحمده، ونستعين به، ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته، وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله، سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عين بنظر، أو سمعت أذن بخبر، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، أمناء دعوته، وقادة ألويته، وارضَ عنا وعنهم يا رب العالمين.
 اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمتنا، إنك أنت العليم الحكيم.
 اللهم علِّمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم :

 أيها الإخوة الكرام، قبل أيام مرت ذكرى الإسراء والمعراج، وكان موضوع الخطبة السابقة: الدروس والعبر التي يمكن أن نستنبطها من هذه المناسبة العظيمة.
 ولكن كلما مرت بنا مناسبة دينية كعيد الهجرة، وكالإسراء والمعراج، وكفتح مكة، وكمعركة بدر، هذه المناسبات الدينية، ما الموقف الذي ينبغي أن نقفه منها؟
 الحقيقة أنه ليس في الإسلام إطلاقاً ما يسمى بالإعجاب السلبي، أنا أعجب بهذا الموقف البطولي، أشيد به، أتحدث عنه، أتيه به، وليس لهذا الموقف البطولي الذي وقفه النبي عليه الصلاة والسلام أي منعكس في حياتي.
 الحقيقة، أنّ الإعجاب السلبي مرفوض، والمطلوب التأسي.

التأسي وما يناقضه :

 موقفنا من أيّة مناسبة دينية متعلقة بالسنّة النبوية: أن نتأسى، والأصل في التأسي أن الله سبحانه وتعالى يقول:

﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ﴾

( سورة الأحزاب : الآية 21)

 هو قدوتنا، ومن لم يكن رسول الله قدوته فليس من المؤمنين:

﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً ﴾

( سورة الأحزاب : الآية 21)

 إذاً: محور هذه الخطبة اليوم، إن شاء الله تعالى، هو: التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم.
 والذي يناقضه: هو مسايرة الواقع، مسايرة العادات والتقاليد، تلقي الضغوط بالقبول والخضوع.
 هذه مشكلة المشكلات، إما أن تتأسى برسول الله صلى الله عليه وسلم، وإما أن تقبل ضغوط الواقع، وضغوط العادات والتقاليد، وضغوط الطغاة.

التأسي بين الإفراط والتفريط :

 أيها الإخوة الكرام، ولكن لابد من وقفة وتأمل:
 التأسي إما أن يقع فيه إفراط يخرجه عن غايته، وإما أن يقع فيه تفريط يؤدي إلى الطعن في صاحب الرسالة، فالتأسي الذي أراده الله من خلال هذه الآية بين الإفراط والتفريط، ولكن لا أدري، ولا يدري كثير من الناس كيف أن هذا التأسي الذي ورد في آيات كثيرة، قد أسأنا فهمه وتطبيقه، وفي مقدمة هذه الآيات:

﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ ﴾

( سورة الأحزاب : الآية 21)

 الآية الثانية:

﴿ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ﴾

( سورة الحشر : الآية 7)

 الآية الثالثة:

﴿ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾

( سورة النور : الآية 63)

 الآية الرابعة:

﴿ هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ﴾

( سورة الجمعة : الآية 2)

 آيات خمس تحدثت عن التأسي، وعن الأخذ عن النبي صلى الله عليه وسلم، في أقواله، وفي أفعاله، وفي إقراره، وفي صفاته، وفي أخلاقه.
 هذا التأسي وقع المسلمون في تطبيقه في حالتين مرضيتين:
 حالة إفراط في التأسي، إلى درجة أن الأشياء التي كان لا يأكلها النبي عليه الصلاة والسلام تعدّ نهياً كلياً، وإلى درجة أن المتبع لم يفرق بين عاداته وخصوصياته صلى الله عليه وسلم، وبين تشريعاته.
 وحالة تفريط في التأسي، إلى درجة أن النبي عليه الصلاة والسلام يمثل حقبة من الزمن انقضت، ولنا أحكام أخرى، ومواقف أخرى.
 فالتأسي وصل إلى الإفراط في حال، وإلى التفريط في حال آخر.

التأسي المسخ :

 أيها الإخوة الكرام، ولكن الشيء الذي يلفت النظر كيف أن هذا النبي العظيم صلى الله عليه وسلم الذي هو قمة البشر، والذي خُلِقنا لنكون على شاكلته، وليكون رمزاً للكمال البشري، ثم إنَّ تأسينا به، ضُغِط ومُسِخ إلى التأسي الفقهي فقط، إلى التأسي في الحلال والحرام فقط.
 هذه الدعوة العظيمة التي أنقذت البشرية، هذه الدعوة العظيمة التي ارتقت بالإنسان، هذه الدعوة العظيمة التي صنعت أبطالاً عظاماً، كيف مسخت إلى حلال وحرام؟
 ثم كيف هذا الحلال والحرام طوِّر في آخر الزمان إلى حلال وحلال؟
 أيها الإخوة الكرام، هذه قضية تستدعي التوقف والتأمل:
 النبي صلى الله عليه وسلم جاء بالإسلام، جاء بهذا الدين العظيم، والإسلام ليس تشريعاً فقط، ليس افعل، ولا تفعل، ليس حكماً في أنواع المياه، والطلاق والظهار واللعان فقط، ولكن الإسلام منهج كامل، هو سبب لسلامةٍ وسعادةٍ كبرى، سبب نقلة نوعية من أن تكون راعي غنم إلى أن تكون قائد أمم.
 هذا الإسلام العظيم لا يمكن أن يفهم على أنه تشريع فقط، وأحكام فقهية، ليس غير، بل هو هداية للإنسان في كل أبعاد شخصيته.

 

حقائق عن التأسي :

 أيها الإخوة الكرام، لابد من وقفة متأنية حول الدوائر التي يمكن أن تكون موضوعاً للتأسي.
 التشريع له مركز هام، ولكن التشريع وحده، أيْ الحلال والحرام فقط ليس هو الإسلام.
 هذا التأسي ينبغي أن يبنى على أسس متينة تنطلق من فهم حقيقة التأسي، وتنطلق أيضاً من معايشة الصحابة لهذه الحقيقة، كيف عاشوا مع النبي صلى الله عليه وسلم، كيف تأسوا بأخلاقه، كيف فهموا فهمه، كيف أدركوا إدراكه، كيف انطلقوا إلى العمل، كيف كانوا أبطالاً حينما اقتربوا منه.
 أيها الإخوة الكرام: النبي عليه الصلاة والسلام قال:

 

(( خيرُكم قرني، ثم الذين يَلونهم، ثم الذين يلونهم ))

[ من حديث صحيح، أخرجه النسائي ]

 وقال أيضاً:

(( إن الله اختارني واختار لي أصحاباً ))

[ من حديث رواه الطبراني في الكبير وفي سنده مجهول ]

 إذاً: يمكن أن يكون فهمُ معايشة الصحابة الكرام لرسول الله عليه الصلاة والسلام، يمكن أن نفهم هذه المعايشة على أنها ركيزة أساسية للتأسي.
 ذلك أن الصحابة الكرام شهدوا نزول الوحي، وعاصروا النبي صلى الله عليه وسلم، يسدّدهم، ويصحّح مفهوماتهم وأعمالهم، ويوجّه بصائرهم إلى معاني الهداية والاقتداء.
 حققوا صفة الخيرية بشهادة الله، وشهادة رسوله، الخيرية في تحقيق الوعي، أي وعي الرسالة والعمل والاتباع والطاعة، هذا من جهة.

﴿ لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ ﴾

( سورة الفتح : الآية 18)

 شهد الله لهم بالخيرية، وشهد النبي صلى الله عليه وسلم لهم بالخيرية، حينما قال:

(( خيرُكم قرني، ثم الذين يَلونهم، ثم الذين يلونهم ))

[ من حديث صحيح، أخرجه النسائي ]

 هؤلاء الصحابة الذين كانوا قلّة فرفرفت راياتهم في أرجاء الدنيا، كيف قلّدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ كيف فهموا عنه؟ كيف سَمَتْ نفوسهم بمتابعته؟
 يمكن أن يكون فهمُ معايشة النبي عليه الصلاة والسلام منهجاً في التأسي.

التأسي لا يلغي الشخصية :

 أيها الإخوة الكرام، الشيء الذي يلفت النظر أن التأسي الذي كان في قمة الكمال في عهد أصحاب رسول الله، لم يلغِ شخصية كلٍّ منهم:
 تابعوه، وارتقوا، وكانوا أبطالاً، وحافظ كل منهم على شخصيته التي تعد نموذجاً بشرياً متنوعاً لكل من يأتي من بعد من أمة محمد صلى الله عليه وسلم:
 أي إذا كنت شاباً من أسرة غنية، ولأنك سلكت طريق الإيمان حرمت من كل شيء، فلَكَ في مصعب بن عمير أسوة حسنة.
 وإن كنت شيخاً كبيراً، فلك في أبي أيوب الأنصاري الذي تابع الجهاد حتى الثمانين، لك فيه أسوة حسنة.
 كأن الإسلام هرم، في مقطعه العلوي، القرآن، ثم السنة، ثم السيرة، ثم سيرة أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم.
 ما منا واحد إلا ويجد في أصحاب رسول الله قدوة له، إذاً: الصحابة الكرام منهم الغني، ومنهم الفقير، منهم الذي أكثر الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومنهم الذي كان مُقِلاً في الرواية، وإنما أتيحت له أبواب البطولة في الجهاد، فلذلك أيها الإخوة، بتنوع الصحابة بتنوع شخصياتهم، بتنوع هوياتهم، بخصائصهم، بأنواع بطولاتهم، يمكن أن يكون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قدوة لكل شرائح المجتمع، ولكل نماذج المجتمع.
 إذاً، نحن بصدد الحديث عن التأسي، لأنه الموقف العملي من أيّة مناسبة دينية.
 تحدثت في الأسبوع الماضي عن أن كل محنة وراءها منحة، وكيف أن النبي عليه الصلاة والسلام كانت محنته في الطائف كبيرة، وكان العطاء بعدها كبيراً، محنة كبيرة، ومنحة كبيرة، شِِدّة شديدة، وشَدّة عظيمة إلى الله عز وجل.

 

 التأسي أنواع متعددة :

 أيها الإخوة الكرام، لو أننا اخترنا من هؤلاء الصحابة الكرام عملاق الإسلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
 هذا الصحابي الجليل كان أقرب الصحابة إلى النبي عليه الصلاة والسلام بعد أبي بكر رضي الله عنه.
 مرةً، كان هذا الصحابي الجليل بين أصحابه، فقال أحدهم تقرباً إليه: واللهِ ما رأينا أفضل منك بعد رسول الله، فحدّ فيهم النظر، وبدا عليه الغضب الشديد، إلى أن قال أحدهم: لا، واللهِ، لقد رأينا من هو خير منك، قال: من؟ قال أبو بكر رضي الله عنه، فقال: كنت أضل من بعيري، وكان أبو بكر أطيب من ريح المسك، لقد كذبتم جميعاً، أي حينما سكتم، وصدق حينما قال: لا، والله لقد رأينا من هو خير منك.
 هذا الصحابي الجليل، كان أقرب الصحابة إلى النبي عليه الصلاة والسلام بعد أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وكان أكثرهم حضوراً في نشوء الدعوة والدولة والأمة، وأتيحت له في عهد النبي صلى الله عليه وسلم فرصة الإفتاء، والوزارة في عهد أبي بكر رضي الله عنه، والخلافة لمدة تزيد على عقد من الزمن، وأنشأ الدواوين، وأحدث من العمال الكثير، وتوسعت في عهده رقعة الدولة الإسلامية، وهو أول من جمع القرآن في المصحف، وموافقاته لآيات القرآن الكريم ميزة رائعة يشهد بها له كل من قرأ السيرة والسنة.
 أيها الإخوة الكرام، ومع ذلك لم تكن مروياته عن رسول الله كثيرة، بل كانت قليلة.
 إذاً: التأسي أنواع: يمكن أن تلازم النبي صلى الله عليه وسلم، فتنقل عنه كل شيء، ويمكن أن يتاح لك أن تنشر هذا الدين في الآفاق، هناك خطوط كثيرة للبطولات.
 ليس أصحاب النبي عليهم رضوان الله صوراً مطابقة لشخصية النبي صلى الله عليه وسلم أبداً، كانوا علماء، حكماء، كادوا من فقههم أن يكونوا أنبياء.

 

 

 التأسي فهم لروح الدين :

 أيها الإخوة الكرام، يشهد النبي عليه الصلاة والسلام لهذا الخليفة الراشد، لأن الله جعل الحق على لسانه وقلبه:

 

 

 عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، قال:

(( استأذن عمرُ على النبيِّ صلى الله عليه وسلم وعنده نسوة من قريش يُكلِّمْنَه، عَالِيةً أصواتُهنَّ على صوته، فلما استأْذن عمرُ قُمْنَ يَبْتَدِرْنَ الحِجاب، فأذن له النبيُّ صلى الله عليه وسلم، فدخل عمر والنبيُّ صلى الله عليه وسلم يضحك، فقال عمر: أضحَك الله سِنَّكَ، بأبي وأُمِّي، قال: عجبتُ من هؤلاءِ اللاتي كُنَّ عندي، فلما سَمِعْنَ صوتَك ابْتَدَرْنَ الحِجاب، قال عمر: فأَنتَ يا رسولَ الله لأحق أن يَهَبْنَ، ثم قال عمر: أيْ عَدُوَّاتِ أنفسهنَّ، أَتَهَبْنَنِي، ولا تَهَبْنَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم؟ قلن: نعم، أنت أفظُّ وأغلظ من النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: إِيه يا ابن الخطاب، والذي نفسي بيده، ما لَقِيَكَ الشيطانُ سالكاً فجّاً إِلا سَلكَ فجّاً غير فجِّك ))

[ حديث صحيح، أخرجه البخاري ومسلم ]

 لو أن التأسي فقط برواية الحديث لما كان عمر عملاق الإسلام.
 لو أن التأسي إعمال لما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم دون فهم لما اتسع من الاجتهاد بعد وفاة النبي عليه الصلاة والسلام، لما ناقش عمر النبي صلى الله عليه وسلم في قضايا كثيرة.
 ولكن التأسي يتطلب فهماً عميقاً، أن يفهم هذا الإنسان مقاصد هذا الدين، وحكم هذا الدين، وروح النصوص، وأن يكون المتأسي معطاء يغني من حوله بفهم عميق، وبطولة فذة، وما شاكل ذاك.

التأسي تسليم واتباع :

 أيها الإخوة الكرام، حينما نقرأ السيرة يجب أن نعلم علم اليقين أن هذه السيرة تشريع، كما أن النبي عليه الصلاة والسلام كان مشرعاً بأقواله فهو بأعماله مشرع أيضاً.
 أيها الإخوة الكرام، هذا الخليفة العظيم كان يعدّ أن القرآن الكريم الذي هو كتاب الله، ينبغي أن يكون الاهتمام به في الدرجة الأولى.
 أحياناً عند بعض المتأخرين يهمل القرآن الكريم، ويقع الإنسان في جزئيات بعيدة عن روح الدين، ولهذا لا يعطي صورة دقيقة لحقيقة هذا الدين.
 هذا الخليفة الراشد، حينما يرى النبي صلى الله عليه وسلم يفعل شيئاً لا يفهمه يصدقه، ويعتقد الحكمة من أفعال النبي صلى الله عليه وسلم، ليس معنى التأسي أن الشيء الذي لم يفهمه عقلك لا تفعله:
 فعن عابس بن ربيعة رحمه الله، قال:

(( رأَيتُ عُمَرَ يُقَبَّلُ الْحَجَرَ، ويقول: إنَّي لأعْلَمُ أنَّكَ حَجَرُ، ما تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ، ولولا أنَّي رأَيتُ رسولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم يُقَبَّلُكَ ما قَبَّلْتُكَ ))

[ حديث صحيح، أخرجه البخاري ومسلم ]

التأسي توازن وأخلاق :

 أيها الإخوة الكرام، كان عمر يفهم التأسي سلوكاً اجتماعياً، فيه جانب كبير من متابعة النبي صلى الله عليه وسلم في أخلاقه، في شمائله، في تواضعه، في محبته، في وسطيته، في ليونته، في مؤانسته.
 هناك أناس يفهمون الدين أحكاماً شرعية، ليس غير، وينشرونها بقسوة ما بعدها قسوة، وكأنهم غفلوا عن أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم التي تحض مَنْ حوله على أن يحبه، وعلى أن يقتدي به.
 أيها الإخوة الكرام، سيدنا عمر رضي الله عنه في حالات متعددة في الحرب والسلم كان قاضياً، وكان حاكماً، وكان مبلغاً، وكان داعياً، وكان مجتهداً، وكان أباً، وكان زوجاً، وكان أخاً، هذا كله يجعله في مقدمة الصحابة الذين فهموا التأسي فهماً عميقاً.
 مرة ثانية، أيها الإخوة، نحن حينما تمر بنا مناسبة دينية كالإسراء والمعراج، كالهجرة، هذه المناسبات الدينية يجب أن نعلم علم اليقين، أنه لابد من أن نتخذ موقفاً منها، أن نتابع النبي صلى الله عليه وسلم، أن نقتدي بالنبي عليه الصلاة والسلام، أن نفهم فهم النبي عليه الصلاة والسلام، أن نسلك سلوك النبي عليه الصلاة والسلام، أن نحتاط كاحتياط النبي عليه الصلاة والسلام.

 

  فتنة مسايرة الواقع والضغوط :

 أيها الإخوة الكرام، ماذا يقابل هذا التأسي؟
 يقابل هذا التأسي فتنة خطيرة جداً، سميتها فتنة مسايرة الواقع، ندع التأسي، ونساير الواقع، نتلقى الضغوط فنستجيب لها، تحكمنا العادات والتقاليد فلا نضيع مكانتنا، فننصاع لها، تأتينا ضغوط خارجية فنستسلم لها.
 الذي يناقض التأسي هو مسايرة الضغوط والواقع، والحقيقة أن الله سبحانه وتعالى يقول:

﴿ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ ﴾

( سورة إبراهيم : الآية 27)

 فالذي ثبته الله بالقول الثابت بقي متبعاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يعبأ بتلك الضغوط، ولا بهذا الواقع الضاغط أيضاً، ولا بهذه الفتن المستعرة، ولا بهذه الصرعات المنتشرة، بل بقي متبعاً للنبي عليه الصلاة والسلام، وفي هذا يقول الله عز وجل:

﴿ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ ﴾

( سورة النور : الآية 37)

﴿ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً ﴾

( سورة الأحزاب : الآية 23)

 ويقول الله عز وجل:

﴿ وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً ﴾

( سورة الإسراء : الآية 74)

من أهداف أعدائنا :

 أيها الإخوة الكرام، الآية الكريمة:

﴿ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ ﴾

( سورة الإسراء : الآية 73)

 توحي أن جهد الطرف الآخر يتوجه لأن يفتري الإنسان تشريعاً آخر يساير الواقع، يرضي الطرف الآخر، يخضع لإملاءات الآخرين، هذا كله يعد أكبر فتنة يمكن أن يقع المسلم أمامها:

﴿ وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً ﴾

( سورة الإسراء : الآية 74)

 ذم القرآن لمسايرة الواقع :

 أيها الإخوة الكرام، نماذج الآيات التي ترفض مسايرة الواقع، وترفض الخضوع للضغوط كثيرة جداً، من هذه الآيات: يقول الله عز وجل على لسان قوم نوح:

﴿ مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آَبَائِنَا الْأَوَّلِينَ ﴾

( سورة المؤمنون : الآية 24)

 وعن قوم صالح:

﴿ قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوّاً قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا ﴾

( سورة هود: الآية 62 )

 وقال سبحانه عن قوم فرعون:

﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا ﴾

( سورة لقمان : الآية 21)

 هذه قضية قديمة ومستمرة، هناك العادات والتقاليد، هناك ما ألِفه الأجيال من فعل الآباء، هناك ما رسخ في العادات التي لا ترضي الله عز وجل، فبدل أن نتأسى نستجيب لضغوط الواقع، وندعو إلى مسايرة الواقع، وأن نكون واقعيين..

  الساقطون والناجون :

 الحقيقة أيها الإخوة، أن الدعاة إلى الله على نوعين:
 نوع يهبط إلى المستوى الواقعي فيفتي بافتاءات ما أنزل الله بها من سلطان، وعندئذ يكون عالِمَ العصر، عالماً متفتحاً متبصراً، تعطى له كل الصفات الرائعة.
 أما الذي يسعى لرفع الناس إلى مستوى الشرع، الذي يسعى إلى الدعوة إلى التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم، دون أن يلتفت إلى هذه الضغوط فهو عالم متزمت، متقوقع، ليس واقعياً، هو بعيد عن المرونة، بعيد عما ينبغي أن يكون عليه الدعاة إلى الله، هكذا يحكمون عليه.

 

 عن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما، أنه كتب إِلى عائشة رضي الله عنها، أن اكتبي لي كتاباً تُوصِيني فيه، ولا تُكْثري عليَّ، فكتبت عائشة إِلى معاوية:
 سلام الله عليك، أما بعد، فإِني سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول:

(( مَنِ التَمَسَ رِضَى الله بسَخَط الناس، كفاه الله مُؤونة الناس، وَمَنِ التَمَسَ رضى الناس بسخط الله، وكَلَهُ الله إِلى الناس، والسلام عليك ))

[ حديث حسن، أخرجه الترمذي ]

 أي: من أرضى الناس بسخط الله سخط الله عنه، وأسخط عنه الناس، ومن أرضى الله بسخط الناس رضي الله عنه، وأرضى عنه الناس.
 ذكرت هذا الموضوع أيها الإخوة بإيجاز شديد كي ننطلق إلى موضوعات أخرى، إن شاء الله، فيها التفاصيل حول النقاط التي ينبغي أن نحذر منها حينما تأتينا ضغوط المجتمع، ضغوط العادات والتقاليد، ضغوط خارجية، حينما تأتي ضغوط تخالف منهج ربنا جل جلاله.

 طريق النجاة والنصر :

 لابد من أن نتمسك بهذا الدين العظيم، ولابد من أن نتأسى بهذا النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، ولابد من أن نعتقد اعتقاداً جازماً أن الآمر هو الضامن، مادام الله قد أمر، فهو يضمن لك سلامتك وسعادتك.
 وهذا امتحان صعب، حينما ترى كل شيء يدعوك إلى التساهل، كل شيء حولك يدعوك إلى أن تستجيب لهذه الضغوط، كل ما حولك يدعوك إلى أن تكون مرناً، لا أن تكون متشدداً.
 أما حينما تعلم علم اليقين أن الله إلهك:

﴿ وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ ﴾

( سورة الزخرف : الآية 84)

 وأن الأمر كله بيده، وأنه:

﴿ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً ﴾

( سورة الكهف : الآية 26)

 وأن الله بيده الخلق والأمر، وإليه يرجع الأمر كله، حينئذ نتمسك بهذا الدين حق التمسك.
 آيات التوحيد، نحن في أمسّ الحاجة إليها، آيات التوحيد تدعونا إلى أن نعتقد أن الله سبحانه وتعالى لا يسلمنا إلى أعدائنا، لكنه يحفظنا ما دمنا معه، لذلك المؤمن بطولته أن يكون تحت مظلة الشرع، مادام تحت مظلة الشرع والأمر والنهي فالله يحفظه، والمعنى الدقيق في معية الله عز وجل أن الله عز وجل يقول:

﴿ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

( سورة الأنفال : الآية 19)

 مع الصادقين، ومع المتقين:

﴿ واعلموا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ﴾

( سورة البقرة : الآية 194)

 معية التوفيق، معية الحفظ، معية التأييد، معية النصر.


 أيها الإخوة الكرام، إن شاء الله، نتابع في خطب قادمة المواطن التي يمكن أن تكون سبباً لابتعادنا عن ديننا، ونتوهم أننا نساير الواقع، ونقترب من المرونة، ونكون حكماء حينما نتخلى عن مبادئ هذا الدين العظيم، وحينما نستجيب لضغوط الآخرين.

 التأسي يقينا من فتن عظيمة :

 عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( لا يكُنْ أحَدُكُمْ إِمّعَة، يقول: أنا مع الناس، إِن أحْسَنَ الناسُ أحسنتُ، وإن أساءوا أسأتُ، ولكن وَطِّنُوا أنفسكم إن أحسن الناسُ أن تُحْسِنُوا، وإن أساءوا أن لا تظلِمُوا ))

[ حديث حسن، أخرجه الترمذي ]

 وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( بَدَأَ الإِسلامُ غريباً، وسَيَعُودُ غريباً كما بدَأَ، فطُوبَى للغرباءِ ))

[ حديث صحيح، أَخرجه مسلم ]

 أيها الإخوة الكرام، لولا أنها فتنة واسعة الانتشار لما جعلتها موضوعاً لخطبة:
 الفتنة بمسايرة الواقع، وما اعتاده الناس، وهذه كثيرة في هذا الزمن، لا يسلم منها إلا من رحمه ربُّه، وجاهد نفسه مجاهدة كبيرة، لأن ضغط الفساد، ومكر المفسدين، وترويض الناس عليه ردحاً من الزمن، جعل القابض على دينه اليوم كالقابض على الجمر.

 عن أبي أمية الشعباني رحمه الله، قال: سألتُ أبا ثعلبةَ الخُشَنيَّ رضي الله عنه قال: قلت: يا أَبا ثعلبةَ، كيف تقول في هذه الآية: عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ، المائدة: 105 ؟ قال: أَمَا والله لقد سألتَ عنها خبيراً، سألتُ عنها رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، فقال:

(( ائتَمِروا بالمعروف، وانْتَهُوا عن المُنْكَرِ، حتى إِذا رأَيتم شُحاً مُطَاعاً، وهوى مُتَّبَعاً، ودُنيا مُؤثَرةً، وإعجابَ كلِّ ذي رأي برأيِه، فعليكَ بنفسِكَ، ودَعْ عَنْكَ العَوَامَّ، فإِن من ورائِكم أيامَ الصَّبْرِ، الصَّبْرُ فيهنَّ مثلُ القَبْضِ على الجَمرْ، للعاملِ فيهنَّ مثلُ أجر خمسينَ رَجُلاً يعملونَ مِثلَ عَمِلكُم ))

[ حديث حسن، أخرجه الترمذي وأبو داود ]

 قال: مثل أجر خمسين رجلاً من الصحابة، فلما سئل: لماذا منا؟ قال: لأنكم تجدون على الخير معواناً، ولا يجدون.
 فيا أيها الإخوة الكرام، طوبى لمن وسعته السنّة، ولم تستهوه البدعة، كم من البدع دخلت بيوتنا فحجبتنا عن ربنا، وجعلت العلاقة بين أفراد الأسرة علاقة مادية محضة؟
 الأب يسعى طول النهار ليطعم هؤلاء فقط، وهم يتلقون توجيهاً إباحياً، وتوجيهاً إلحادياً من خلال برامج ماكرة صنعها لنا الأعداء دون أن نشعر.
 أيها الإخوة الكرام، أحقر إنسان على وجه الأرض بإمكانه أن يفجّر البارود، لأن طبيعته متفجرة، يكفي أن تقرب منه النار فينفجر، وكذلك بعض الشهوات أودعها الله في الإنسان لحكمة بالغة لتؤسس أسرة، لتنجب أولاداً صالحين، هذه الشهوة التي أودعت في الإنسان يمكن أن تفجر عن طريق صورة، أو مشهد، أو موقع، أو فيلم، أو قضية، عندئذ تشل قوى هذه الأمة، لأنهم خضعوا لغزو ثقافي.
 في القديم كانوا يجبروننا بالقوة المسلحة على أن نفعل ما يريدون، لكنهم اليوم يجبروننا بالقوة الناعمة، المرأة، على أن نريد ما يريدون.
 فيا أيها الإخوة الكرام، الأمر يقتضي التأمل، ويقتضي التأني، ويقتضي التوقف، حول فتنة واسعة الانتشار، يمكن أن تهلك المسلمين والمؤمنين، من دون شعور بالخطر، لأن هذا الخطر ألِفوه، وهذه الفتن استمرؤوها، وعاشوها، ورأوها أمراً عادياً، لا شيء فيها.

 وأخيراً :

 أيها الإخوة الكرام، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وسيتخطى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا، الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني.

* * *

الخطبة الثانية:
 الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

 الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق، ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك.
 اللهم اهدنا لصالح الأعمال لا يهدي لصالحها إلا أنت، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت.
 اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين.
 اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك.
 اللهم لا تؤمنا مكرك، ولا تهتك عنا سترك، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين.
 اللهم بفضلك ورحمتك أعلِ كلمةَ الحق والدين، وانصر الإسلام، وأعز المسلمين، وأذل الشرك والمشركين، أذل أعداءك أعداء الدين يا رب العالمين.
 اللهم شتت شملهم، فرق جمعهم، خالف فيما بينهم، اجعل الدائرة تدور عليهم يا رب العالمين، اللهم أرنا قدرتك بتدميرهم كما أريتنا قدرتهم في تدميرنا يا رب العالمين، إنك سميع قريب مجيب الدعاء.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018