الخطبة : 0936 - الإسراء والمعراج. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0936 - الإسراء والمعراج.


2004-09-17

الخطبة الأولى:

 الحمد لله نحمده، ونستعين به، ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته، وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله، سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عين بنظر، أو سمعت أذن بخبر، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، أمناء دعوته وقادة ألويته، وارضَ عنا وعنهم يا رب العالمين.
 اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمتنا، إنك أنت العليم الحكيم.
 اللهم علِّمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

الإسراء والمعراج :

 أيها الإخوة الكرام، قبل أيام عدة، مرت ذكرى الإسراء والمعراج، وهذه من المناسبات الدينية التي اعتاد خطباء المساجد أن يتحدثوا عنها.
 أيها الإخوة، هذه المناسبات وقائعها معروفة عند كل مسلم، لكثرة الحديث عنها، ولكن الذي أتمنى أن أوفق إليه في هذه الخطبة، الحديث عن دلالات هذه الوقائع، ذلك لأن النبي عليه الصلاة والسلام هو قدوة لنا وأسوة، قال تعالى:

﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ﴾

( سورة الأحزاب : الآية 21)

 أقواله سنة، وأفعاله ومواقفه سنة، وسكوته وإقراره سنة، وصفاته سنة.
 فالسنة النبوية المطهرة التي أمرنا أن نأخذ بها من دون استثناء، لأنه لا ينطق عن الهوى هي: أقواله، أي الأحاديث الشريفة الصحيحة، ومواقفه من الأحداث التي مرت به، وإقراراته، وصفاته.

 

كيف نفهم الإسراء والمعراج :

 أيها الإخوة الكرام، لا يفهم الإسراء والمعراج إلا بدءاً من الطائف، حيث قال النبي عليه الصلاة والسلام:

(( اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي، وهواني على الناس، أرحم الراحمين، أنت أرحم الراحمين، إلى من تكلني؟ إلى عدو يتجهمني؟ أم إلى قريب ملكته أمري؟ إن لم تكن غضبان علي فلا أبالي، غير أن عافيتك أوسع لي، أعوذ بوجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، أن ينزل بي غضبك، أو يحلَّ بي سخطك، لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بالله ))

[ من حديث رواه الطبراني وفيه مدلس ثقة ورجاله ثقات ]

 أيها الإخوة الكرام، إذا كان من خط بياني لدعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد بلغ هذا الخط أخفض نقاطه في الطائف، الكل يُكذّب النبيَّ عليه الصلاة والسلام، والكل يتآمر على النبي عليه الصلاة والسلام، فماذا قال؟
قال: يا رب إن كانت هذه الشدة تعني أنك غاضب عليّ، فلك العتبى حتى ترضى، وإن كانت لا تعني أنك غاضب علي، فأنا صابر عليها، ولكن عافيتك أوسع لي.
 مع البون الشاسع الشاسع الشاسع، بين حاله صلى الله عليه وسلم، وحال المسلمين اليوم، على تقصيرهم، وعلى انحرافهم، وعلى بعدهم عن منهج ربهم، وعلى تنافسهم، وعلى تباغضهم، وعلى تفلتهم، لكنهم في محنة شديدة، محنة لم تمر محنة مثلها، العالم كله يحاربهم، ويتهمهم، ويتآمر عليهم.
 أيها الإخوة الكرام، لا حاجة للشرح، فما ترونه وتسمعونه كل يوم عما يحل بهم في فلسطين والعراق شيء لا يصدق، وما تسمعونه وما تشاهدونه عن الضغوط التي لا تحتمل، شيء لا يصدق.
 ومع ذلك: بين أن يفهم المسلمون أن هذا قهر لهم، وبين أن يفهم المسلمون أن هذا تسليط عليهم وامتحان لهم، فالبون شاسع جداً.
 إن كان فهمهم أنه قهر، فالقهر يؤدي إلى اليأس، واليأس إلى الموت قهراً.
 أما إذا فهموا حكمة الله عز وجل، في أن هذا الذي يجري هو رسالة من الله عز وجل، فحواها: أن يا عبادي غيِّروا حتى أغيِّر، ارجعوا إلي، توبوا إلي، اصطلحوا معي..
 إن لم نغير فالله جل جلاله لا يغير.

الدرس الأول : للمحن حكم جليلة :

 فالدرس الأول: أن هذا النبي العظيم الذي هو أسوة لنا، على علوّ مقامه، وعلى عصمته، وعلى تألقه، وعلى محبة ربه، ابتلاه الله عز وجل.
 وأعيد وأكرر: فرق كبير بين ابتلاء النبي وبين حال المسلمين اليوم، ولكن الذي يجمع الأمرين أن هناك ابتلاء، عَنْ سَعْدٍ قَالَ: قُلْتُ:

 

(( يا رسول الله، أيُّ الناس أشَدُّ بلاء؟ قال: الأنبياءُ، ثم الأمثلُ فالأمثلُ، يُبْتَلَى الرَّجُلُ على حَسْبِ دِينه، فإن كان دِينُهُ صُلْباً، اشتَدَّ بلاؤه، وإن كان في دِينه رِقَّة، على حَسبِ دِينه، فما يَبْرَحُ البلاءُ بالعبد حتى يتركَهُ يَمْشِي على الأرض وما عليه خطيئة ))

[ حديث صحيح، أخرجه الترمذي ]

 أيها الإخوة الكرام، هذه الضغوط، وهذه الأحداث الجسيمة التي تحيط بالمسلمين ينبغي ألا تسلمنا إلى اليأس، أكبر خطر أن نهزم من الداخل.
 يا أيها الإخوة الكرام، الدرس الأول من دروس الإسراء والمعراج: يجب أن نتعلم منه أن للمحن والمصائب حكماً جليلة.
 وأنا أؤكد لكم، واللهِ الذي لا إله إلا هو: أن مستقبلاً لهذا الدين ينتظرنا، مع أن هناك شدة لا تطاق، مع أن هناك ضغطاً لا يحتمل، لكن المستقبل لهذا الدين، لأن الله سبحانه وتعالى أراد أن يوقظنا، أراد أن يحركنا، أراد أن يدفعنا إلى بابه، بعد أن ظهر الطرف الآخر على حقيقته.

ظهور حقيقة الأعداء :

 قد يكون أعظم إنجاز للإسلام أن الطرف الآخر تعرّى تماماً.
 أن الطرف الآخر فقد مصداقيته، فقد قيمه الحضارية التي يدعيها، فقد مكانته الإنسانية، هذا أكبر إنجاز.
 والدليل أن الطريق إلى الله لن يكون سالكاً إلا إذا كفرت بالطرف الآخر:

 

﴿ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى ﴾

( سورة البقرة : الآية 256)

 شكراً لهم، لقد أعانونا على أن نكفر بهم، أعانونا على أن نكفر بهذه الحضارة المادية التي لا تسعد الإنسان، والإنسان لا يسعده إلا أن يكون مع الله:

﴿ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾

( سورة الرعد : الآية 28)

 لاشك أن هذه الأمة في الخمسينيات انبهرت بالغرب، وقلّلت من شأن دينها، وقلّلت من شأن حضارتها الإسلامية، فانساقت إليه، وظنت أن عنده الحرية، وعنده حقوق الإنسان، وعنده الديمقراطية، وعنده حق التقاضي، فإذا بالطرف الآخر ينكشف على حقيقته.

الطريق لصدّ كيدِ الأعداء :

 إنها أول خطوة لكي نصطلح مع ربنا، إنها الطريق الذي لابد منه كي نكفر بهم.
 المحن والمصائب لها حكم جليلة، نحن الآن تحت الضغوط، وتحت الاتهامات الباطلة، وتحت الكيد الذي قال الله عنه:

﴿ وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ ﴾

( سورة إبراهيم : الآية 46)

 إله عظيم يبيّن أن حجم مكرهم يزيل الجبال، هل في الأرض كلها قوة يمكن أن تنقل هذا الجبل الصغير إلى بلد بعيد؟ إلهنا وربنا ومولانا يقول: إن مكرهم تزول منه الجبال، ومع كل هذا المكر الشديد، ومع كل هذه المؤامرات:

﴿ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً ﴾

( سورة آل عمران : الآية 120)

 الطريق واضح، الطريق هو: الصلح مع الله وطاعته والانقياد لمنهجه، ومع صبر قليل يكون هذا طريق النصر، أما المعصية مع الصبر فهو طريق إلى القبر، لا إلى النصر، بينما الطاعة مع الصبر، طريق إلى النصر.
 بلغت الشدة التي نزلت بالنبي صلى الله عليه وسلم في الطائف حداً لا يحتمل، كذبوه، وسخروا منه، ونالوه بالأذى حتى ألجؤوه إلى بستان، وقال:

(( اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي، وهواني على الناس، أرحم الراحمين، أنت أرحم الراحمين، إلى من تكلني؟ إلى عدو يتجهمني؟ أم إلى قريب ملكته أمري؟ إن لم تكن غضبان علي فلا أبالي، غير أن عافيتك أوسع لي، أعوذ بوجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، أن ينزل بي غضبك، أو يحل بي سخطك، لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بالله ))

[ من حديث رواه الطبراني وفيه مدلس ثقة ورجاله ثقات ]

 والله أيها الإخوة، ما من دعاء ينطبق على حالتنا مع الفرق الذي لا يصدق بين حال هذا الإنسان العظيم، وبين حال المسلمين، كهذا الدعاء.
 أيها الإخوة، أول درس من دروس الإسراء والمعراج: أن الله سبحانه وتعالى أعقب محنة الطائف بمنحة الإسراء والمعراج.
 علم النبي في المعراج أنه سيد ولد آدم، وأنه سيد الأنبياء والمرسلين، وارتقى إلى مرتبة لم يصل إليها أحد من خلق الله عز وجل، بلغ سدرة المنتهى:

﴿ فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى ﴾

( سورة النجم : الآية 10)

 بلغ من القرب درجة لم يستطع مَلَك أن يصل إليها، ماذا نستنبط؟
 أن كل محنة تصيب المسلم الصادق وراءها منحة تعوض عليه.

 من حكم الإسراء والمعراج :

 إن الإسراء والمعراج مسح لجراح الماضي، وتطمين للنبي على سلامة هذه الدعوة، وإكرام له، وإيناس له، وقد جفاه أهل الأرض.
 إذا كنت مؤمناً صادقاً، إذا كنت مؤمناً منيباً، مؤمناً تائباً، مؤمناً مقبلاً، وجاءتك محنة فليكن النبي عليه الصلاة والسلام قدوة لك، تأكد أن بعد هذه المحنة منحة.
 إذا كنت مؤمناً صادقاً مطبقاً لمنهج الله مقبلاً عليه، منيباً إليه، وألمَّتْ بك شدة، فاعلم علم اليقين أن بعد هذه الشِّدة شَدّةً إلى الله عز وجل.
 مهمة المصيبة أن تدفعك إلى باب الله، أن تقربك إليه، وقد قلت لكم، وأنا أعني ما أقول مرات ومرات: إن الرخاء الشديد، وإن الترف، وإن المال الوفير، قد يكون في معظم الحالات، حجاباً بين العباد وبين ربهم.
 فإذا ذهبت إلى بلاد غنية، ورأيت الحاجات ميسرة، والبيوت فخمة، والطرقات نظيفة، والنظام قائماً، وحاجات الإنسان الثانوية جداً موفرة، تلاحظ أن هناك بعداً عن الله، وأن هناك انغماساً في الملذات، وأن هناك قسوة في القلب.
 أما إذا جئت إلى بلاد تعاني ما تعاني، وتقاسي ما تقاسي، رأيت إقبال الناس على بيوت الله، ورأيت إقبالهم على الله، ورأيت محبتهم لله شيئاً متميزاً.
 هذا بفضل المحن التي أرادها الله لهذه الأمة، ما أرادها لذاتها، لأن الشر المطلق لا وجود له في الكون، هذا شر نسبي موظف للخير المطلق، لأن الله علم أن فينا خيراً، ونرجو أن نكون كذلك، فنحن في العناية المشددة:

 

﴿ وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ ﴾

( سورة الأنفال : الآية 23)

 ونسأل الله ألا نكون من الذين نسوا ذكر الله عز وجل، فأنساهم أنفسهم، نسأل الله عز وجل ألا تنطبق علينا هذه الآية:

﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ﴾

( سورة الأنعام : الآية 44)

 البطولة أيها الإخوة، أن تفهم ما يجري، ربما أعطاك فمنعك، وربما منعك فأعطاك، وقد يكون المنع عين العطاء.
 لكن أنا لا أقصد هذا العاصي المتفلت، ضعيف الثقة بالله، الذي يعاني ما يعاني، هذا خسر الدنيا والآخرة، والطرف الآخر ربح الدنيا، هذا من أشقى خلق الله، ضيع دنياه، وضيع آخرته.
 أنا أقصد إنسانًا مؤمنًا مستقيمًا يقيم الإسلام في نفسه، وفي بيته، وفي عمله، ومع ذلك يعاني ما يعاني، يعاني من قلة الدخل، ويعاني من مشكلات لا تنتهي، هذا الإنسان قدوته رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الموضوع بالذات.
 هو في محنة، إذاً: بعد هذه المحنة منحة، هو في شِدّة، إذاً: بعد هذه الشِدّة شَدَّة إلى الله عز وجل:

﴿ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾

( سورة البقرة : الآية 216)

 الدرس الأول للمؤمن المستقيم: أنك إذا كنت في محنة فلك برسول الله صلى الله عليه وسلم قدوة، ولك برسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة، فبعد هذه المحنة منحة، وبعد هذه الشدة شّدة إلى الله عز وجل.
 هذا هو الدرس الأول.

الثبات والانهيار عند المحنة :

 لأن هذا الحدث ما كان له أن يكون لولا أن الله أراده، ولأن النبي عليه الصلاة والسلام يشرع لنا لا بأقواله فقط، ولكن بمواقفه وأفعاله، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

 

(( لقد أوذيت في الله، وما يؤذى أحد، ولقد أخفت في الله، وما يخاف أحد، ولقد أتت علي ثلاث من بين يوم وليلة، ومالي طعام إلا ما واراه إبط بلال ))

[ حديث صحيح، أخرجه الترمذي ]

 امتحِن، ونجح في الامتحان، امتحِن في الطائف، فكان الرد الإلهي الإسراء والمعراج، الرد التكريمي:

﴿ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً ﴾

( سورة ص : الآية 44)

 ينبغي ألا يتزلزل إيمانك:

﴿ إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (*)هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً ﴾

( سورة الأحزاب 10-11)

  المنهارون الساقطون :

 والله هذا الذي يجري في العالم الإسلامي هو زلزال ما بعده زلزال:

 

﴿ وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً ﴾

( سورة الأحزاب : الآية 12)

 هناك والله في هذه الأيام من يشكك في أصل الدين، من يرى الدين وهماً من أوهام الحياة، هناك من ترك الصلاة، يقول: أين الله؟ أين هذا الإله العظيم؟ لمَ لا ينصرنا؟

﴿ هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً ﴾

( سورة الأحزاب : الآية 11)

الثابتون الصادقون :

 لكن الله عز وجل يقول:

﴿ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً ﴾

( سورة الأحزاب : الآية 23)

 هو مع الله، واثق من ألوهيته:

﴿ وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ ﴾

( سورة الزخرف : الآية 84)

 واثق أن الأمر يرجع إليه:

﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ﴾

( سورة هود : الآية 123)

 واثق أنه بيده مقاليد السماوات والأرض:

﴿ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً ﴾

( سورة الكهف : الآية 26)

 عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( لكل شيء حقيقة، وما بلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه ))

[ حديث رواه أحمد والطبراني ورجاله ثقات ]

 أما إذا قال شخص من الشاردين: أنا لا يوجد عندي مشكلة، فهذه أكبر مشكلة: أن تنسلخ من أمتك، هذه أكبر مشكلة: ألا تحمل همَّ الأمة، ألا تتألم لما يؤلمها، ألا يتفطر قلبك ألماً لِما يصيبها، هذه أكبر مشكلة، وهذا الإنسان هو المشكلة.
 هذا الذي لا ينتمي لأمته، لا ينتمي إلى مقدساته، لا ينتمي إلى مبادئه، لا ينتمي إلى قيمه، ينتمي فقط إلى شهواته وحظوظه، ولا شيء يسعى إليه الطرف الآخر إلا أن يبني إنساناً شهوانياً خانعاً منافقاً كذاباً، هذا هو النموذج الذي يرضي الطرف الآخر.

الدرس الثاني : الآمر هو الضامن والناصر :

 أيها الإخوة الكرام، الدرس الثاني من دروس الإسراء والمعراج: أن الإسراء والمعراج يعلمنا أن الله مادام هو الآمر فلا شك أنه هو الضامن، والحافظ والناصر.
 أتطيعه، ويتخلى عنك؟
 أتطيعه ويسلمك إلى عدوك؟
 أتطيعه ولا ينصرك؟
 أتطيعه ولا يحفظك؟
 هذا أخطر شيء في العقيدة، هذا يؤدي إلى الشرك، مادام الله هو الآمر، فهو حتماً الضامن:
 أمرك أن تستقيم على أمره، فهو يضمن لك نجاحك في الحياة.
 أمرك أن تحجِّب بناتك، فهو يضمن لك سلامتهن وزواجهن.
 أمرك أن تأخذ المال الحلال، فهو يضمن لك الرزق الوفير.
 مادام الله هو الآمر فلا شك أنه هو الضامن والحافظ والناصر.
 ينبغي أن تكون ثقتك بهذا الدين عظيمة، نستنبط هذا من بعض الآيات القرآنية:

 

﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (*)أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (*)وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ (*)تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (*)فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ ﴾

( سورة الفيل )

 لمَ قال تعالى: أَلَمْ تَرَ؟ من منكم رأى هذا؟ أراد الله عز وجل أن تأخذ وعده وإخباره كأنك تراه.
 ألم تروا وأنتم تعاصرون هذا الحدث أن أكبر قوة في الأرض في الشرق والغرب، تداعت من الداخل، كيف؟
 عندها من الأسلحة النووية ما تدمر بها القارات الخمس خمس مرات، كيف أصبحت دولة في مؤخرة الدول، ألم ترَ؟ هناك أحداث أيها الإخوة نراها كل يوم، والمستقبل لهذا الدين:

﴿ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ ﴾

( سورة التوبة : الآية 33)

ساحات القيم والمبادئ :

 إخواننا الكرام، قبل خمسين عاماً تقريباً، إن صح أن في الأرض ما يسمى ساحةَ القيم والمبادئ، كان هناك ثلاث كتل كبيرة من القيم والمبادئ:
 قيم الإسلام، وقيم الشرق، وقيم الغرب.
 وكانت الحرب الباردة بين الشرق والغرب، فلما تداعى الشرق من داخله وانتهى:

 

﴿ وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ ﴾

 

( سورة الأحزاب : الآية 25)

 بقيت على ساحة القيم والمبادئ كتلتان كبيرتان:
 قيم الغرب ومبادئُه، وقيم الإسلام ومبادئُه
 لا أكتمكم أن الغرب بسبب قوته المفرطة، ولغناه الذي لا يعقل، ولذكائه وخبرائه، استطاع أن يطرح قيماً خطف بها أبصار أهل الأرض، طرح قيم الحرية، قيمة الحرية ينبغي ألا تفهم الآن، صعب أن نفهمها، أما وقتها فقيمة رائعة جداً، وقيم العدالة، وحقوق الإنسان، وحق المقاضاة، وتكافؤ الفرص، واحترام جميع الأديان..
 هذه القيم والمبادئ التي طرحها الغرب خطف بها أبصار أهل الأرض، صارت أُمنية كل إنسان أن يملك هذه البطاقة الخضراء، وكأنه بها يملك الجنة، الذي معه بطاقة خضراء كأنه دخل الجنة، هذا الذي حدث في الحقيقة نافس الدين، وجعل الأضواء كلها تسلط على الغرب.
 أحداث أيلول، من إيجابياتها أن الغرب سقط في الوحول، انتهى كحضارة، انتهى كقيم، انتهى كمصداقية، بقي قوة غاشمة، بقي قوة مجرمة، بقي قوة طاغية، هذا أكبر إنجاز لهذا الدين.
 لم يبق على ساحة القيم والمبادئ إلا قيم الإسلام ومبادئُه.

في الإسلام خلاص العالم :

 هذه الكلمة التي أرددها كثيراً وكثيراً: أن عالماً في بلاد الغرب هداه الله إلى الإسلام، والتقى بالجالية الإسلامية في بريطانيا، وقال لها: أنا لا أصدق أن يستطيع العالم الإسلامي اللحاق بالغرب في المدى المنظور لاتساع الهوة بينهما، ولكنني مؤمن أشد الإيمان أن العالم كله سيركع أمام أقدام المسلمين، لأن في الإسلام خلاص العالم.
 أيها الإخوة الكرام، شيء لا يصدق، مع أن الضغوط على المسلمين لا تحتمل، ومع أن كل مسلم في أي مكان في العالم متّهم سلفاً ومجرم، هكذا يُقيّم، ومع هذا الضغط الذي لا يحتمل، والله أقول لكم كلمة: من سفرتي الأخيرة، كل القيم الديمقراطية والحرية مطبقة على غير المسلمين، ولكن المسلمين في أي بلد الآن يعاملون معاملة يشيب لهولها الولدان، هناك من اضطر إلى تغيير اسمه من شدة الضغط، ومع كل هذه الضغوط، الدين الأول الذي يزداد بشكل غير معقول، هو الإسلام.
 أنا التقيت في بلاد بعيدة مع أناس قمم في المجتمع أسلموا حديثاً، لماذا أسلموا؟ لماذا دخلوا في دائرة الاتهام؟ لماذا دخلوا في دائرة الضغط؟ لأن في هذا الدين خلاص العالم.
 قال هذا العالم الذي هداه الله إلى الإسلام: ولكن العالم كله سيركع أمام أقدام المسلمين، لأن في الإسلام خلاص العالم، بشرط: أن يحسنوا فهمه، أن يحسنوا عرضه، أن يحسنوا تطبيقه، وأنتم مدعوون إلى فهمه فهماً عميقاً، وإلى عرضه عرضاً إنسانياً راقياً، وإلى تطبيقه حتى يسمح الله لنا أن ينصرنا على الطرف الآخر.

 

الدرس الثالث : نتائج الجهاد والصبر :

 أيها الإخوة الكرام، درس آخر من دروس الإسراء والمعراج: إنه يعلمنا أنه لولا الجهاد والصبر ما عبد الله في الأرض.
 يجب أن تعلم علم اليقين أن هناك معركة أزلية أبدية في كل مكان على وجه الأرض، بين الحق والباطل، هذه المعركة في كل مكان:

 

﴿ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ ﴾

( سورة محمد : الآية 4)

 كان من الممكن أن يخلق الله الكفار في بلد، في قارة، والمؤمنين في بلد، ولكن شاءت حكمة الله أن يمتحن هؤلاء بهؤلاء، وأن يمتحن هؤلاء بهؤلاء، هذا الخلط بين الاتجاهات المتناقضة رحمة بالجهتين.
 أيها الإخوة الكرام، إذاً: يعلمنا الإسراء والمعراج أنه لولا الجهاد والصبر ما عبد الله في الأرض، ولما انتشر الإسلام في الخافقين، ولا كنا في هذا المكان نوحد الله سبحانه وتعالى،
 هذه بلاد لم تكن إسلامية فيما مضى، لولا جهاد الصحابة الكرام، جاؤوا لهذه البلاد، وبذلوا الغالي والرخيص، والنفس والنفيس، لولا جهودهم وصبرهم لَما عبدنا الله في هذه البلاد.

لذة الحياة في وجود رسالة وهدف :

 أيها الإخوة الكرام، الحياة ليست طعاماً وشراباً، تلك حياة البهائم، الحياة رسالة تؤديها، الحياة مبدأ تتمسك به، الحياة دعوة تدعو إليها:

﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾

( سورة فصلت : الآية 33)

 الحياة هدف كبير، والله أيها الإخوة في هذه السفرة الأخيرة، ما رأيت إنساناً أتفه من إنسان بلا هدف، يأكل ويشرب ويستمتع، يستمتعون بالدنيا إلى أقصى درجة، وهم يشقون بها شقاءً لا يعقل، لماذا؟ لأنهم فقدوا إنسانيتهم، فقدوا قيمتهم الإنسانية، فقدوا رسالتهم التي أناطها الله بهم.
 فالإنسان حينما يتخلى عن مبادئه وعن قيمه، ويسعى لتلبية شهواته الحيوانية، إنسان لا يقيم الله له يوم القيامة وزناً، إنسان له صَغار عند الله.
 قل لي ما الذي يهمك أقل لك من أنت، ماذا يهمك؟ أن تأكل، وأن تشرب، أم أن تربي أولادك؟ أم أن تدعو إلى الله؟ أم أن تكون قدوة لمن حولك؟ أن تبث هذا الدين العظيم، أن توضح كتاب الله الكريم، أن تبين سنة سيد المرسلين، ما الذي يقلقك؟ قيمتك عند الله بقدر همومك وهمتك.

 أيها الإخوة الكرام، سيد الخلق، وحبيب الحق، صلى الله عليه وسلم، مشى على قدميه إلى الطائف ليلقى التكذيب والاستهزاء، والنيل بالأذى، ومع ذلك يقول: إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، وهو على ما هو عليه من رفعة الشأن، ومن الحب ومن الطاعة ومن العلم، فكيف بمسلم معه وحي السماء، معه أعظم منهج في الأرض، معه الدين الصحيح، وهو مقصر في فهمه وفي تطبيقه، وفي نشره؟
 أيها الإخوة الكرام، ينبغي أن تهتم بموضوع مهم، إلا أنه بعد نهاية هذا الموضوع تبدأ متاعبك، تحمل رسالتك، تتبين مهمتك، تعرف سر وجودك، وغاية وجودك، فتسعد في حياتك وآخرتك.

وأخيراً :

 أيها الإخوة الكرام، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وسيتخطى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا، الكيّس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني.

 

* * *

الخطبة الثانية:
 الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

 

اليسر مع العسر :

 أيها الإخوة الكرام، بقي درس أخير من دروس الإسراء والمعراج: أنه يعلمنا أن اليسر مع العسر، وأن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، فهذه الشدة التي يحياها المسلمون شدة أرادها الله.
 لكن الله بيده كل شيء، بيده أن يزيحها عنهم، ولكن لابد من أن يصطلحوا معه، هذه الشدة زوالها مرهون بتوبتنا فالكرة في ملعبنا، وإن تعودوا نعد، إن تغيروا يغيّر اللهُ ما بنا، بهذا المعنى يقول الله عز وجل:

﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (*)وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (*)الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (*)وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (*)فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً ﴾

( سورة الشرح 1-5)

 لم يقل الله عز وجل: بعد العسر يسراً، قال: إِنَّ مَعَ، هذه الشدة معها بوادر الفرج.

 

التوبة طريق الفرج :

 البيت الذي تقام فيه الصلوات، البيت الذي يتقى الله فيه، المحل التجاري الذي لا يكذب صاحبه، يبيع بضاعة جيدة بسعر معتدل، يبتغي البائع وجه الله عز وجل.. هذا مجتمع صالح.
 أنا لا أقول: إنه يمكن أن نعود إلى الله جميعاً، أنا أبدأ بالأفراد شخصاً شَخصاً، عليك أن تصطلح مع الله، عليك أن تتوب إليه، عليك أن تراجع حساباتك، عليك أن تجدد حياتك، أقم أمر الله فيما تملك يكفِكَ ما لا تملك.
 إذا عاد الأفراد إلى الله عز وجل جاء الفرج الجماعي، فكل شخص منا مسؤول عن بيته، وعمله، ونفسه فقط، عباداته، أذكاره، طاعته، غض بصره، بيته هل فيه معصية؟ هل فيه ملاهٍ؟

 

المعاصي تحجب الفرج :

 قد يكون في البيت نوادٍ ليلية باسم حضارة ورقي وتقدم واطلاع على ما في العالم.
 هذا النادي الليلي في البيت يحول بينك وبين الله، ويحول بينك وبين التوبة، ويحجب الفرج عن الأمة.
 إطلاق البصر يحجبك عن الله عز وجل، أكل المال الحرام يحجبك عن الله عز وجل:
 عَنْ عَمْرِو بْنِ الْأَحْوَصِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ لِلنَّاسِ:

(( ألا وإن الشيطان قد أيس أن يُعْبَدَ في بلدكم هذا أبداً، ولكن سيكونُ له طاعةٌ فيما تحتقرون مِنْ أعمالكم، فسيَرْضى به ))

[ من حديث صحيح، أخرجه الترمذي ]

 أي لن تجد في العالم الإسلامي صنماً بالمعنى التقليدي الوثني، ولكن تجد مخالفات لا تعد ولا تحصى، تجد ما يسميه الناس صغائر، إن الشيطان قد يئس أن يعبد في أرضكم، ولكن رضي فيما دون ذلك مما تحقرون من أعمالكم.
فهذا البعد عن الله سببه هذه المخالفات، فما لم تضبط أمرك، وما لم تجهد في طاعة الله الطاعة التامة، حتى تنعقد هذه الصلة مع الله، وحتى يأتيك الفرج، وحتى تأتي المعاملة التي تأخذ بالألباب، معاملة الله لك بعد توبتك، فإنك لن تفلح أبداً.

 ادخل الجنة وأنت في الدنيا :

 أيها الإخوة الكرام، في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة، إنها جنة القرب من الله:

﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ﴾

( سورة الرحمن : الآية 46)

﴿ وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ ﴾

( سورة محمد : الآية 6)

 فاسعَ وأنت في الدنيا، وأنت حي، وأنت في أوج شبابك أن تذوق جنة القرب، ندعو كثيراً، ونقول: اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم، إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات، والله عز وجل جنته في الدنيا في متناول يديك، يكفي أن تضبط جوارحك، وأن تضبط عينك وأذنك ولسانك وبيتك وعملك فأنت مع الله، وأنت في جنة القرب، وحينما تذوق طعم القرب تعذر الذين ضحوا بالغالي والرخيص من أجل هذا القرب.

 الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق، ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك.
 اللهم اهدنا لصالح الأعمال لا يهدي لصالحها إلا أنت، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت.
 اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين.
 اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك.
 اللهم لا تؤمنا مكرك، ولا تهتك عنا سترك، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين.
 اللهم بفضلك ورحمتك أعلِ كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام، وأعز المسلمين، وأذل الشرك والمشركين، أذل أعداءك أعداء الدين يا رب العالمين، شتت شملهم، فرق جمعهم، خالف فيما بينهم، اجعل الدائرة تدور عليهم يا رب العالمين.
 اللهم أرنا قدرتك بتدميرهم كما أريتنا قدرتهم في تدميرنا يا رب العالمين، إنك سميع قريب مجيب الدعاء.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018