الخطبة : 0931 - الصلاة1 ، لماذا الحديث عن الصلاة ؟ - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0931 - الصلاة1 ، لماذا الحديث عن الصلاة ؟


2004-07-09

الخطبة الأولى:

 الحمد لله نحمده ، ونستعين به ، ونسترشده ، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مُضل له ، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقراراً بربوبيته ، وإرغاماً لمن جحد به وكفر ، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله ، سيد الخلق و البشر ، ما اتصلت عين بنظر ، أو سمعت أذن بخبر ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه و على ذريته و من والاه و من تبعه إلى يوم الدين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علِّمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

الصلاة :

 أيها الأخوة الكرام : موضوع هذه الخطبة عن الصلاة ، لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول :

(( بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَالْحَجِّ وَصَوْمِ رَمَضَانَ ))

[ متفق عليه عن ابن عمر ]

 هذه الأركان الخمس شهادة أن لا إله إلا الله يمكن أن ننطق بها في العمر مرة واحدة ، والصيام قد يسقط في المرض أو السفر ، والحج يسقط في المرض والفقر من استطاع إليه سبيلاً ، والصيام يسقط ، والحج يسقط ، والزكاة تسقط عن الفقير ، والنطق بالشهادة يؤدى مرة واحدة ، ما الفرض المتكرر الذي لا يسقط بحال ؟ إنه الصلاة ، الصلاة عماد الدين من أقامها فقد أقام الدين ، ومن هدمها فقد هدم الدين ، ولماذا الحديث عن الصلاة ؟ لأن النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا حزبه أمر بادر إلى الصلاة ، وهو لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ، بقدر اتصالك بالله تستمد منه القوة ، تستمد منه اليقين ، تستمد منه الانبعاث إلى كل خير ، تستمد منه الرحمة ، تستمد منه العدل ، إن مكارم الأخلاق مخزونة عند الله تعالى فإذا أحبّ الله عبداً منحه خلقاً حسناً .

 

أفضل الأعمال الصلاة على وقتها :

 أيها الأخوة الكرام : هذا الموضوع يعنينا جميعاً وأنا واحد منكم حينما نطلع على الأحاديث الشريفة الصحيحة التي تتحدث عن الصلاة ينبغي أن يقيّم كل منا نفسه ، الإنسان إذا عالج موضوعاً ينبغي أن يعالج بأعلى مستوياته ، أما أن يكون أحدنا مقصراً إنها فرصة كي نصحح ، إنها فرصة كي نبالغ في أن نعتني بصلاتنا ، إنها فرصة كي نصلي الصلاة في وقتها، إنها فرصة كي نحقق فيها الخشوع ، فكلنا جميعاً معنيون في هذه الخطبة وأنا واحد منكم.
 أيها الأخوة الكرام : حينما قال الله عز وجل :

﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً ﴾

[ سورة النساء : 103]

 أي كتبت علينا هذه الفريضة في مواعيد محددة ، فلذلك أفضل الأعمال أن تصلي الصلاة على وقتها ، ومن أخّر الصلاة عن وقتها أذهب الله البركة من عمره ، الحديث الآخر :

((عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ : كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ فَأَصْبَحْتُ يَوْمًا قَرِيبًا مِنْهُ وَنَحْنُ نَسِيرُ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ وَيُبَاعِدُنِي عَنْ النَّارِ قَالَ لَقَدْ سَأَلْتَنِي عَنْ عَظِيمٍ . . . . رَأْسُ الْأَمْرِ الْإِسْلَامُ وَعَمُودُهُ الصَّلَاةُ وَذِرْوَةُ سَنَامِهِ الْجِهَادُ))

[ الترمذي عن معاذ بن جبل ]

 القضية الأولى التي ينبغي أن تشغلك الإسلام وعاموده الصلاة ، وحينما وصف النبي عليه الصلاة والسلام الصلاة بأنها عماد الدين ، تصور خيمةً دائريةً قائمةً على عمود واحد إنها الصلاة ، مكان الصلاة من الدين كمكان العمود من الخيمة ، فإذا سحب هذا العمود تداعت الخيمة ولم تؤد وظيفتها .
 أيها الأخوة الكرام : حديث آخر :

((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ نَهَرًا بِبَابِ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسًا مَا تَقُولُ ذَلِكَ يُبْقِي مِنْ دَرَنِهِ قَالُوا لَا يُبْقِي مِنْ دَرَنِهِ شَيْئًا قَالَ فَذَلِكَ مِثْلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الْخَطَايَا))

[ متفق عليه عن أبي هريرة]

 أول وظيفة للصلاة أنها عبادة تكفر الخطايا ، أحد أكبر أهداف الصلاة أنك بهذه الفريضة المتكررة التي تؤدى في اليوم خمس مرات هذه الفريضة تكفر الخطايا :

(( أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ نَهَرًا بِبَابِ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسًا مَا تَقُولُ ذَلِكَ يُبْقِي مِنْ دَرَنِهِ قَالُوا لَا يُبْقِي مِنْ دَرَنِهِ شَيْئًا قَالَ فَذَلِكَ مِثْلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الْخَطَايَا))

[ متفق عليه عن أبي هريرة]

الصلاة فريضة و أول ركن من أركان الإسلام :

 أيها الأخوة الكرام : المسلم الورع يحافظ على الصلاة في أول وقتها ، قال العلماء : أول وقتها تقريباً نصف ساعة من الأذان ، ضمن هذا الوقت إذا صليت الصلاة في نصف الساعة التي تلي الأذان فقد حافظت على الصلاة في وقتها ، الحديث الذي يملأ القلب أملاً :

(( الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ وَالْجُمْعَةُ إِلَى الْجُمْعَةِ وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ))

[ الترمذي عن أبي هريرة]

 هناك خطايا تكفر من صلاة إلى صلاة ، وهناك خطايا تحتاج إلى شحنة أكبر صلاة الجمعة ، وهناك خطايا تحتاج إلى شحنة أكبر وأكبر صيام رمضان ، وهناك شحنة تحتاج إلى شحنة أكبر وأكبر حج بيت الله الحرام .
 أحد أصحاب رسول الله سأل النبي عليه الصلاة والسلام ذات مرة :

((عَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : أَرَأَيْتَ إِذَا صَلَّيْتُ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ وَصُمْتُ رَمَضَانَ وَأَحْلَلْتُ الْحَلَالَ وَحَرَّمْتُ الْحَرَامَ وَلَمْ أَزِدْ عَلَى ذَلِكَ شَيْئًا أَأَدْخُلُ الْجَنَّةَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قَالَ : وَاللَّهِ لَا أَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ شَيْئًا ))

[ مسلم عن جابر ]

 إِذَا صَلَّيْتُ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ ، وَصُمْتُ رَمَضَانَ ، وَأَحْلَلْتُ الْحَلَالَ ، وَحَرَّمْتُ الْحَرَامَ ، دخلت جنة الله عز وجل ، ويقول عليه الصلاة والسلام :

(( مِفْتَاحُ الْجَنَّةِ الصَّلَاةُ وَمِفْتَاحُ الصَّلَاةِ الْوُضُوءُ ))

[ الترمذي عن جابر بن عبد الله]

 يقول الله عز وجل :

﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾

[ سورة الذاريات : 55]

 لا شك أنه ما من واحد منا جميعاً إلا ويعلم علم اليقين أن الصلاة فريضة ، وأول ركن من أركان الإسلام ، وأنها الفرض الوحيد المتكرر الذي لا يسقط بحال ، وأن في الصلاة معنى الحج لأنك تتوجه بها إلى بيت الله الحرام ، و أن في الصلاة معنى الزكاة لأنه اقتطاع من وقتك ، والوقت أصل في كسب المال ، و من معاني الصلاة الصيام لأنك في الصلاة تدع الطعام والشراب و الكلام و الحركة ، و أبلغ من الصيام ففيها معنى الصيام ، و فيها معنى الزكاة ، و فيها معنى الحج ، و فيها نطق بالشهادة ، و فيها اتصال بالله عز وجل ، فكأن هذه الفريضة الجامعة المانعة الأصيلة التي هي عمود الدين هي أول العبادات في الإسلام ، فإن صحت صحّ العمل و إن فسدت فسد العمل ، و أول ما يحاسب المرء يوم القيامة عن صلاته ، فإن صحت فاز وربح ، و إن لم تصح خاب و خسر .

 

الصلاة شفاء من أدران النفس و اتصال بالله :

 أيها الأخوة الكرام : قبل أن يغادر النبي الدنيا ، و قبل أن ينتقل إلى الرفيق الأعلى أوصى أصحابه بالصلاة فقال :

(( عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ : كَانَ مِنْ آخِرِ وَصِيَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّلَاةَ الصَّلَاةَ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ . . . .))

[ ابن ماجه عن أم سلمة]

 و في حديث آخر صحيح يقول عليه الصلاة و السلام :

(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُهَجِّرُ ، قَالَ : فَصَلَّيْتُ ثُمَّ جِئْتُ فَجَلَسْتُ إِلَيْهِ فَقَالَ : يَا أَبَا هُرَيْرَةَ اشِكَمَتْ دَرْدْ ؟ قَالَ : قُلْتُ : لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : صَلِّ فَإِنَّ فِي الصَّلَاةِ شِفَاء ً))

[ ابن ماجه عن أبي هريرة]

 شفاء من أدران النفس ، شفاء من الحقد ، شفاء من الحسد ، شفاء من الكبر ، شفاء من رعونات النفس ، علامة أنك اتصلت بالله عز وجل اشتققت من الله الذي اتصلت به خلقاً كريماً ، الدليل :

﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾

[ سورة آل عمران : 159]

 لنت يا محمد ، رحمتك بأمتك بسبب رحمة استقرت في قلبك ، من خلال اتصالك بالله عز وجل :

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾

[ سورة آل عمران : 159]

 أيها الأخوة الكرام : النبي عليه الصلاة والسلام متى ابتسم حتى بدت نواجذه صلى الله عليه و سلم ؟ قبل أن ينتقل إلى الرفيق الأعلى نظر إلى أصحابه و هو يصلون فابتسم وامتلأ قلبه سروراً ، و قال : علماء حكماء كادوا من فقههم أن يكونوا أنبياء . سيدنا عمر حينما طعن ، أول كلمة نطق بها بعد أن صحا من إغمائه قال : هل صلى المسلمون الفجر؟ كلما رأينا الأعداء يبالغون في انتهاك حرمات المسلمين ، يبالغون في التعدي عليهم ، في قتل أبنائهم، في العبث بحرماتهم ، يذكر الإنسان أن الصلاة هانت على المسلمين فهانوا على الله ، أرحنا بها يا بلال .
 دققوا أيها الأخوة كان إذا حزبه أمر بادر إلى الصلاة ، إنك بالصلاة تتصل بالقوي، بالذي ينصر وحده ، تتصل بالذي يعز وحده ، تتصل بالذي يعطي وحده ، إنك إن اتصلت بالله عز وجل أبدل الله ذلك عزاً ، و ضعتك رفعة ، و فقرك غنى ، و شقاءك سعادة .

 

الصلاة تكفير للذنوب و ذهاب للسيئات :

 أيها الأخوة الكرام : يجب أن نفهم فهماً عميقاً أن هذه الصلاة التي تؤدى أداء شكلياً والله ما أرادها الله عز وجل ، ليست هذه العبادة تليق بأمر خالق السموات و الأرض ، كان عليه الصلاة و السلام يحدثنا و نحدثه - كما تقول السيدة عائشة - فإذا حضر وقت الصلاة فكأنه لا يعرفنا و لا نعرفه .
 دقق في إنسان يدخل على إنسان عظيم كيف يهتم بمظهره ، كيف يضبط كلماته ، كيف يعتني بشكله ، كيف يحاسب نفسه على كل حرف نطق به من دون فائدة ، أنت إذا دخلت على إنسان قوي أو ذي شأن لك هذا الموقف ، فكيف إذا وقفت بين يدي خالق الأرض والسموات ؟ يقول عليه الصلاة و السلام مرة :

(( عَنْ نُعَيْمٍ الْمُجْمِرِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : أَخْبَرَنِي صُهَيْبٌ أَنَّهُ سَمِعَ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَمِنْ أَبِي سَعِيدٍ يَقُولَانِ : خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فَقَالَ : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ أَكَبَّ فَأَكَبَّ كُلُّ رَجُلٍ مِنَّا يَبْكِي لَا نَدْرِي عَلَى مَاذَا حَلَفَ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فِي وَجْهِهِ الْبُشْرَى فَكَانَتْ أَحَبَّ إِلَيْنَا مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ ثُمَّ قَالَ : مَا مِنْ عَبْدٍ يُصَلِّي الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ وَيَصُومُ رَمَضَانَ وَيُخْرِجُ الزَّكَاةَ وَيَجْتَنِبُ الْكَبَائِرَ السَّبْعَ إِلَّا فُتِّحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ فَقِيلَ لَهُ : ادْخُلْ بِسَلَامٍ ))

[ النسائي عَنْ نُعَيْمٍ الْمُجْمِرِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ]

 رجل في عهد النبي عليه الصلاة والسلام أصاب ذنباً فأتى النبي عليه الصلاة والسلام فأخبره فأعرض عنه النبي عليه الصلاة والسلام فأنزل الله تعالى :

﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾

[ سورة هود : 114]

 قم فصلِّ و أتبع السيئة الحسنة تمحها إن الحسنات يذهبن السيئات .
 أيها الأخوة الكرام : قال أحدهم و قد سمع هذا الحديث ألي هذا يا رسول الله ؟ فقال عليه الصلاة و السلام : بل لأمتي جميعاً ، حينما سأل أصبت ذنباً فماذا أفعل ؟ أعرض عنه فلما نزل قوله تعالى :

﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾

[ سورة هود : 114]

 قال هذا السائل : يا رسول الله هذا لي وحدي ؟ فقال عليه الصلاة و السلام : بل لأمتي جميعاً ، رواه الإمام البخاري .
 و لما سئل عليه الصلاة و السلام :

((عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ ؟ قَالَ : الصَّلَاةُ لِمِيقَاتِهَا ، قَالَ : قُلْتُ : ثُمَّ مَاذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ : بِرُّ الْوَالِدَيْنِ ، قَالَ : قُلْتُ : ثُمَّ مَاذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّه))

[ متفق عليه عن عبد الله بن مسعودٍ]

 أول عمل مفضل عند الله عز وجل أن تؤدي الصلاة على وقتها .

 

تواضع الرسول صلى الله عليه و سلم :

 أيها الأخوة : أعرابي دخل على النبي عليه الصلاة والسلام فقال : أيكم محمد ؟ و لكم أن تستنبطوا من هذا السؤال أشياء كثيرة ، ليس له مقام خاص ، و لا كرسي خاص ، و لا جلسة خاصة ، و لا ثياب خاصة ، و لا عظمة خاصة :

(( عَنْ ثَابِتٍ قَالَ عَفَّانُ حَدَّثَنَا ثَابِتٌ قَالَ أَنَسٌ : كُنَّا نُهِينَا فِي الْقُرْآنِ أَنْ نَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ شَيْءٍ قَالَ : وَكَانَ يُعْجِبُنَا أَنْ يَجِيءَ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ الْعَاقِلُ يَسْأَلُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : فَجَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ أَتَانَا رَسُولُكَ وَزَعَمَ لَنَا أَنَّكَ تَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَرْسَلَكَ ؟ قَالَ : صَدَقَ ، قَالَ : فَمَنْ خَلَقَ السَّمَاءَ؟ قَالَ : اللَّهُ ، قَالَ : فَمَنْ خَلَقَ الْأَرْضَ ؟ قَالَ : اللَّهُ ، قَالَ : فَمَنْ نَصَبَ هَذِهِ الْجِبَالَ ؟ قَالَ : اللَّهُ قَالَ : فَبِالَّذِي خَلَقَ السَّمَاءَ وَخَلَقَ الْأَرْضَ وَنَصَبَ الْجِبَالَ آللَّهُ أَرْسَلَكَ ؟ قَالَ : نَعَمْ - هل يستطيع أحد من عامة الناس أن يخاطب قوياً بهذه البساطة ؟ - قَالَ : وَزَعَمَ رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي يَوْمِنَا وَلَيْلَتِنَا ؟ قَالَ : صَدَقَ ، قَالَ : فَبِالَّذِي أَرْسَلَكَ آللَّهُ أَمَرَكَ بِهَذَا ؟ قَالَ: نَعَمْ ، قَالَ : وَزَعَمَ رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا زَكَاةً فِي أَمْوَالِنَا ؟ قَالَ : صَدَقَ ، قَالَ : فَبِالَّذِي أَرْسَلَكَ آللَّهُ أَمَرَكَ بِهَذَا ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قَالَ : وَزَعَمَ رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا صَوْمَ شَهْرِ رَمَضَانَ فِي سَنَتِنَا ؟ قَالَ : صَدَقَ ، قَالَ : فَبِالَّذِي أَرْسَلَكَ آللَّهُ أَمَرَكَ بِهَذَا ؟ قَالَ : نَعَمْ ، وَزَعَمَ رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا الْحَجَّ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ؟ قَالَ : صَدَقَ ، قَالَ : فَبِالَّذِي أَرْسَلَكَ آللَّهُ أَمَرَكَ بِهَذَا ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قَالَ عَفَّانُ : ثُمَّ وَلَّى ثُمَّ قَالَ : وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَا أَزِيدُ وَلَا أَنْتَقِصُ مِنْهُنَّ شَيْئًا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَئِنْ صَدَقَ لَيَدْخُلَنَّ الْجَنَّةَ ))

[ متفق عليه عن ثابت ٍ]

 بساطة ما بعدها بساطة ، و صراحة ما بعدها صراحة ، و تواضع من رسول الله ما بعده تواضع .

 

من توضأ فأحسن الوضوء غفر الله له ما بين الصلاتين :

 أيها الأخوة الكرام : روي عن سيدنا عثمان رضي الله عنه أنه توضأ ثم قال : إني محدثكم حديثاً حدثني به رسول الله صلى الله عليه و سلم و والله لولا آية في القرآن الكريم ما حدثتكم به ، و الآية :

﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾

[ سورة آل عمران : 187]

 قالوا و ما هو ؟ قال :

(( عَنْ حُمْرَانَ مَوْلَى عُثْمَانَ قَالَ سَمِعْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ وَهُوَ بِفِنَاءِ الْمَسْجِدِ فَجَاءَهُ الْمُؤَذِّنُ عِنْدَ الْعَصْرِ فَدَعَا بِوَضُوءٍ فَتَوَضَّأَ ثُمَّ قَالَ : وَاللَّهِ لَأُحَدِّثَنَّكُمْ حَدِيثًا لَوْلَا آيَةٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَا حَدَّثْتُكُمْ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : لَا يَتَوَضَّأُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ فَيُحْسِنُ الْوُضُوءَ فَيُصَلِّي صَلَاةً إِلَّا غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّلَاةِ الَّتِي تَلِيهَا ))

[ متفق عليه عن ثابت ٍ]

 و روي عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال :

(( عَنْ حُرَيْثِ بْنِ قَبِيصَةَ قَالَ : قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ قَالَ : قُلْتُ : اللَّهُمَّ يَسِّرْ لِي جَلِيسًا صَالِحًا فَجَلَسْتُ إِلَى أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : فَقُلْتُ : إِنِّي دَعَوْتُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُيَسِّرَ لِي جَلِيسًا صَالِحًا فَحَدِّثْنِي بِحَدِيثٍ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَنْفَعَنِي بِهِ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : إِنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ بِصَلَاتِهِ فَإِنْ صَلَحَتْ فَقَدْ أَفْلَحَ وَأَنْجَحَ وَإِنْ فَسَدَتْ فَقَدْ خَابَ وَخَسِرَ))

[ النسائي عَنْ حُرَيْثِ بْنِ قَبِيصَةَ]

من حافظ على صلاة الفجر و صلاة العصر دخل الجنة :

 أيها الأخوة الكرام : يقول عليه الصلاة و السلام :

(( مَنْ صَلَّى الْبَرْدَيْنِ دَخَلَ الْجَنَّةَ ))

[ متفق عليه عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي مُوسَى عَنْ أَبِيهِ ]

 و البردان هم الصبح و العصر . إذا حافظت على صلاة الفجر و صلاة العصر دخلت الجنة .
 أيها الأخوة الكرام :

(( من صلى الصبح في جماعة فهو في ذمة الله ))

[ الطبراني عن أبي بكرة]

 و في حديث آخر يقول عليه الصلاة و السلام :

(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ وَصَلَاةِ الْعَصْرِ ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ فَيَسْأَلُهُمْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي فَيَقُولُونَ تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ ))

[ متفق عليه عن أبي هريرة]

 و في حديث آخر أيها الأخوة يقول عليه الصلاة و السلام :

(( لَا يَلِجُ النَّارَ مَنْ صَلَّى قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا . . .))

[مسلم عن ابن عمارة]

 ورد في بعض الآثار القدسية : " عبدي لا تعجز عن ركعات قبل طلوع الشمس و قبل غروبها أكفك ما بينهما " ما بينهما أنت في حفظ الله ، و أنت في ذمة الله ، و أنت في توفيق الله ، و أنت في نصر الله ، و أنت في تأييد الله ، و أنت في رعاية الله .
أيها الأخوة الكرام : و روي عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه :

(( عَنْ أَبِي بَصْرَةَ الْغِفَارِيِّ قَالَ صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعَصْرَ بِالْمُخَمَّصِ قَالَ : إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ عُرِضَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ فَضَيَّعُوهَا وَمَنْ حَافَظَ عَلَيْهَا كَانَ لَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ . . . ))

[مسلم عن أبي بصرة الغفاري ]

 أي من حافظ على صلاة العصر في أول وقتها كان له أجر ، و من حافظ على صلاة الفجر كان له أجر ، هاتان الصلاتان متميزتان عن بقية الصلوات .
 أيها الأخوة الكرام : هذه الفريضة هي الفريضة الوحيدة التي فرضت ليلة الإسراء والمعراج بتكليف من الله تعالى مباشرة و مبادرة بغير واسطة الوحي ، الصلاة فرضت في معراج رسول الله إلى السموات ، في سدرة المنتهى بغير واسطة الوحي .

 

التحذير من ترك الصلاة :

 لو وصلنا إلى التحذير ، إلى الوعيد ، يقول الله عز وجل :

﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ * لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ ﴾

[ سورة الحجر : 43-44]

 أحد هذه الأبواب باب شديد اسمه سقر :

﴿ وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ * لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ * لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ * عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ ﴾

[ سورة المدثر : 27-30]

 و في آية ثانية :

﴿ مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ * فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ * فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ ﴾

[ سورة المدثر : 42-49]

 وعيد آخر ، الوعيد الأول من الله عز وجل في قرآنه الكريم :

﴿ مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ َ ﴾

[ سورة المدثر : 42-43]

من ترك الصلاة فقد كفر :

 و الوعيد الثاني يقول عليه الصلاة و السلام فيما رواه الإمام مسلم :

(( بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ الْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلَاةِ ))

[ مسلم عن جابر]

 أي كفر عملي ، أما الكفر الذي يخرج من الملة فأن تنكر فرضيتها ، إذا كنت مقصراً في أدائها شيء و إذا كنت منكراً لأصل فرضيتها شيء آخر .
 في بعض الأحاديث أيها الأخوة أن تارك الصلاة يحشر مع فرعون و هامان لأنه متكبر ، رأى نفسه أكبر من أن يضع جبهته على الأرض سجوداً لله عز وجل . و كلما بالغت في تذللك في أعتاب الله عز وجل رفع الله قدرك ، و أعلى مكانتك ، و رفع ذكرك ، علاقة عكسية كلما تواضعت لله رفع الله مكانتك ، و رفع لك اسمك ، و جعلك متألقاً ، و أسبغ عليك هيبة يهابك كل من رآك .
 أولياء أمتي إذا رؤوا ذكر الله بهم ، تارك الصلاة يحشر مع فرعون و هامان لأنه متكبر ، و يقول عليه الصلاة و السلام من باب التحذير :

(( لَا تَتْرُكْ الصَّلَاةَ مُتَعَمِّدًا فَإِنَّهُ مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ مُتَعَمِّدًا فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ ذِمَّةُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ))

[ أحمد عن أم أيمن]

 ما معنى برئت منه ذمة الله ؟ لا رعاية و لا حماية و لا حراسة و لا توفيق و لا تأييد و لا حفظ و لا إلهام .
 وعيد آخر :

(( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ ذُكِرَ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ نَامَ لَيْلَهُ حَتَّى أَصْبَحَ قَالَ : ذَاكَ رَجُلٌ بَالَ الشَّيْطَانُ فِي أُذُنَيْهِ ، أَوْ قَالَ : فِي أُذُنِهِ ))

[ متفق عليه عن عبد الله]

 و يقول عليه الصلاة و السلام في حديث الإسراء و المعراج : " رأيت ليلة أسري بي أناساً من أمتي ترضخ رؤوسهم بالحجارة كلما رضخت عادت ، فقلت : من هؤلاء يا جبريل ؟ قال : هؤلاء الذين كانت رؤوسهم تتكاسل عن الصلاة "
 أيها الأخوة الكرام : قال تعالى :

﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾

[ سورة مريم : 59]

 يقول ابن عباس رضي الله عنه و هو الذي أوتي التأويل : " ليس معنى أضاعوا الصلاة أنهم تركوها بالكلية و لكنهم كانوا يؤخرونها عن وقتها و يجمعونها من غير عذر " و الغي :

﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً ﴾

[ سورة مريم : 59]

 الغي : الذي ترونه كل يوم ، الذي يصيب المسلمين كل يوم ، و قد أصبنا بذلك الغي .

 

تأخير الصلاة من صفات المنافقين :

 أيها الأخوة الكرام : يقول عليه الصلاة و السلام :

(( عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ قَالَ : كُنَّا مَعَ بُرَيْدَةَ فِي غَزْوَةٍ فِي يَوْمٍ ذِي غَيْمٍ فَقَالَ : بَكِّرُوا بِصَلَاةِ الْعَصْرِ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ تَرَكَ صَلَاةَ الْعَصْرِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ ))

[ البخاري عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ]

 و الذي تفوته صلاة العصر كأنما :

(( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : الَّذِي تَفُوتُهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ كَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ . . .))

[ متفق عليه عن عبد الله بن عمر]

 بالمقابل من حافظ على هذه الصلوات كانت له نوراً و برهاناً و نجاة يوم القيامة ، و من لم يحافظ عليهن لم تكن له نوراً ولا برهاناً و لا نجاة و حشر يوم القيامة مع فرعون و هامان وقارون و كل متكبر . و الله عز وجل يقول :

﴿ فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ ﴾

[ سورة الماعون : 4-5]

 يقول بعض العلماء الكبار ابن القيم : دخلت على أستاذي و قد حبسه التتار فبكيت لحاله فقال لي : لا تبك لست أنا المحبوس ، لست أنا المأسور ، المحبوس من حبسه شيطانه ، و المأسور من أسره هواه ، أما تأخير الصلاة أيها الأخوة فهي من صفات المنافقين ، لقوله تعالى :

﴿ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً﴾

[ سورة النساء : 142]

 أيها الأخوة الكرام : حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، و زنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، و اعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا و سيتخطى غيرنا إلينا ، فلنتخذ حذرنا ، الكيس من دان نفسه و عمل لما بعد الموت ، و العاجز من أتبع نفسه هواها و تمنى على الله الأماني .

* * *

الخطبة الثانية :

 الحمد لله رب العالمين ، و أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

من صحت صلاته صحّ عمله و سعد في الدنيا و الآخرة :

 أيها الأخوة الكرام : مرة ثانية نحن جميعاً من دون استثناء نعرف أن الصلاة فرض لا يسقط بحال ، و أن الخشوع من فرائضها لا من فضائلها ، و في خطبة قادمة إن شاء الله تعالى سأتحدث عن أسباب الخشوع في الصلاة .
 و مرة ثالثة أقول : نحن جميعاً معنيون بهذا الخطاب و أنا واحد منكم ، نسأل الله أن يذكر بعضنا بعضاً ، أن يلح بعضنا على بعض لأداء الصلاة بخشوع و في وقتها ، و أن تؤدى كاملة في ركوعها و سجودها .
 أيها الأخوة الكرام : ورد في بعض الآثار القدسية : " ليس كل مصل يصلي ، إنما أتقبل الصلاة ممن تواضع لعظمتي ، و كفّ شهواته عن محارمي ، و لم يصر على معصيتي ، و أطعم الجائع ، و كسا العريان ، و رحم المصاب ، و آوى الغريب ، كل ذلك لي ، و عزتي و جلالي إن نور وجهه لأضوأ عندي من نور الشمس أ على أن أجعل الجهالة له حلماً ، و الظلمة نوراً ، يدعوني فألبيه ، و يسألني فأعطيه ، و يقسم عليّ فأبره ، أكلؤه بقربي ، و أستحفظه ملائكتي ، مثله عندي كمثل الفردوس لا يمس ثمرها و لا يتغير حالها ".
 أيها الأخوة الكرام : إذا صحت الصلاة صحّ العمل ، و سلم الإنسان و سعد في الدنيا والآخرة ، و إذا لم تصح الصلاة فسد العمل و شقي الإنسان في الدنيا و الآخرة و حينما قال الله عز وجل :

﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ ﴾

[ سورة مريم : 59]

 أجمع العلماء على أن إضاعة الصلاة لا يعني تركها و لكن يعني تفريغها من مضمونها .

 

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ، ولا يقضى عليك ، وإنه لا يذل من واليت ، ولا يعز من عاديت ، تباركت ربنا وتعاليت ، ولك الحمد على ما قضيت ، نستغفرك و نتوب إليك ، اللهم اهدنا لصالح الأعمال لا يهدي لصالحها إلا أنت ، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق التي لا يهدي لأحسنها إلا أنت ، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير ، واجعل الموت راحة لنا من كل شر ، مولانا رب العالمين ، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك ، اللهم لا تؤمنا مكرك ، ولا تهتك عنا سترك ، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين ، اللهم بفضلك ورحمتك أعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام ، وأعز المسلمين ، وأذل الشرك والمشركين ، أذل أعداءك أعداء الدين يا رب العالمين ، شتت شملهم ، فرق جمعهم ، خالف فيما بينهم ، اجعل الدائرة تدور عليهم يا رب العالمين ، اللهم أرنا قدرتك بتدميرهم كما أريتنا قدرتهم في تدميرنا يا رب العالمين ، إنك سميع قريب مجيب الدعاء .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018