الخطبة : 0926 - النقد1 ـ النقد وأصوله الشرعية - فوائد اللبن . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0926 - النقد1 ـ النقد وأصوله الشرعية - فوائد اللبن .


2004-06-04

الخطبة الأولى:

 الحمد لله نحمده، ونستعين به، ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهدهِ الله فلا مُضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته، وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله، سيد الخلق والبشر، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، أمناء دعوته وقادة ألويته، ما اتصلت عين بنظر، أو سمعت أذن بخبر، وارضَ عنا وعنهم يا رب العالمين.
 اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمتنا، إنك أنت العليم الحكيم.
 اللهم علِّمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

النقد البنّاء 1 :

 أيها الإخوة الكرام، أردّد هذه المقولة كثيراً: الحقيقة المرة أفضل ألف مرة من الوهم المريح.
 فالعالم الإسلامي أطبق عليه التخلف من أقصاه إلى أقصاه، وهذا من الناحية العلمية والدعوية والاجتماعية والسياسية، على المستوى الفردي والمستوى الجماعي.
 هذا التخلف أيها الإخوة، يشمل كل مجالات الحياة من دون استثناء، فلابد من أن نعالج موضوعاً لعله موضوع جديد، مفاده: كيف ينزاح عنا هذا التخلف.
 ما الأداة الفعالة التي ينبغي أن نستخدمها لإزاحة هذا الكابوس الأليم، الذي جعلنا في مؤخرة الأمم؟

 

نحن لا نقبل النقد :

 أيها الإخوة الكرام، النقد له أصل شرعي، إنما هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو النصيحة، أي أن هذا المصطلح حديث، يقابله في أصول الدين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو النصيحة.
 أيها الإخوة الكرام، نحن توهمنا أن الذي ينتقدنا عدوّ لنا، وأن الذي ينتقدنا ينتقص من قدرنا، وأن الذي ينتقدنا يجب أن يكون في خندق معادٍ لنا، وأن الذي ينتقدنا ينبغي أن نسحقه.
 هذا الوهم الخطير في حياة المسلمين هو عقبة كأداء أمام إزاحة التخلف عنا.
 أيها الإخوة الكرام:
 لسنا مؤهلين أن نقبل النقد، كل شخص منا يدّعي أنه محور العالم، وأنه لا يخطئ، وأن خصمه جاهل، وأن خصمه حسود، وأن خصمه يريد أن ينتقص منه، لذلك باب النقد مغلق في حياة المسلمين.
 أيها الإخوة الكرام:
 لكن لابد من تحفظ، فهناك من يعترف اعترافاً مجملاً بالنقص والتقصير، طبعاً يقول لك: أنا لست معصوماً، نقول: ومن قال لك: إنك معصوم؟ من توهمك نبياً، وعدك معصوماً؟ هذا لا معنى له، يقول: أنا أخطئ، نقول: من قال لك إنك لا تخطئ:

 

 عن أنس بن مالك رضي الله عنه، أن رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قال:

(( كُلُّ بَني آدمَ خطَّاء، وخيرُ الخَطَّائينَ التَّوابونَ ))

[ حديث أخرجه الترمذي بإسناد حسن ]

 طبعاً هناك من يعترف بالخطأ وبالنقص، لكنه اعتراف إجمالي، أما لو دخلت معه في التفصيلات، لو ذكرت له أن هذه الفكرة خاطئة، هذا النص ليس صحيحاً، هذه الحقيقة ليست قطعية، هذا العرض ليس إسلامياً، هذا الطرح ليس شرعياً، هذا الكلام لا ينطبق على منهج الله عز وجل ، لأقام عليك النكير.
 هو يقبل أن يعترف اعترافاً مجملاً، بأنه بشر، ويعترف بأنه ليس معصوماً، ولكن هذا الاعتراف لا يسمن ولا يغني من جوع، ولا ينفعنا في قليل ولا كثير، ما لم تتبعه شجاعة تقبل مناقشة الآخرين في التفاصيل.

النقد في حياة السلف :

 أيها الإخوة الكرام، في المنهج الإلهي وفي الهدي النبوي، وفي كل شأن من شؤون المسلمين، في عصورهم المتألقة، هناك من ينصح، وهناك من يستجيب للنصيحة، ألم يقل الله عز وجل لنبيه المعصوم:

﴿ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ﴾

( سورة آل عمران : 159)

 هو المعصوم الأول الذي لا يخطئ، لا في أقواله، ولا في أفعاله، ولا في إقراره، قال له:

﴿ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ﴾

( سورة آل عمران : 159)

 ووصف جماعة المؤمنين بأن أمرهم شورى بينهم.

 النبي عليه الصلاة والسلام، لحكمة تشريعية بالغة، غيَّبَ الله عنه الموقع المناسب في معركة بدر، غيبه عنه وحياً، وغيبه عنه إلهاماً، وغيبه عنه اجتهاداً، مُنع أن يجتهد، وأن يلهم، وأن يوحى إليه، فاختار موقعين، فجاء صحابي في أعلى درجات الأدب والحب، قال له: يا رسول الله، هذا الموقع أوحاه الله إليك؟
 أي: إذا كان الله قد أوحاه إليك فلا يمكن أن أنطق بحرف، وإذا كان هو الرأي والمشورة فلي كلام؟
 فقال عليه الصلاة والسلام بكل بساطة: بل هو الرأي والمشورة، فقال: والله يا رسول الله هذا ليس بموقع، فقال له: أين الموقع المناسب؟ دله عليه، قال: جزاك الله خيراً، وأمر أصحابه أن يتحولوا إليه.
 لماذا غيب الله عن النبي عليه الصلاة والسلام الموقع المناسب وحياً وإلهاماً واجتهاداً؟
 الجواب: ليكون قدوة لنا في قبول النصيحة.
 هو المعصوم الذي لا يخطئ، لذلك يصعب أن يكون قدوة لنا في قبول النصح، لكن الله غيب عنه الموقع المناسب وحياً وإلهاماً واجتهاداً، ليقف الموقف الأكمل في قبول النصيحة.

النقد سبب الخير في الأمة :

 أيها الإخوة الكرام، ليس الذي يقبل النصيحة بأقل أجراً من الذي يسديها، وليس هناك إنسان أصغر من أن ينقُد، وليس هناك إنسان، عدا الأنبياء، أكبر من أن يُنتَقَد.
 لو تواصينا بالحق، لو أمر بعضنا بعضاً بالحق، لو تناصحنا، لو أمرنا بالمعروف ونهينا عن المنكر، لكنا في حال غير هذا الحال.
 أيها الإخوة الكرام، بل إن هذه الأمة التي وصفها الله بالخيرية، علة هذه الخيرية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾

( سورة آل عمران : 110)

 فعلّة هذه الخيرية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولعل سبب هلاك بني إسرائيل أنهم كانوا لا ينتاهون عن منكر فعلوه.
 وهذا شأن المسلمين اليوم يؤثرون السلامة، يؤثرون المجاملة، لا ينطقون بالحق، بل إن الدعاة إلى الله عز وجل لو نطقوا بخلاف ما يعتقدون لانتهت دعوتهم كلها:

﴿ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلا اللَّهَ ﴾

( سورة الأحزاب : 39)

 لو أنهم خافوا غير الله فسكتوا عن الحق خوفاً من القوي، أو نطقوا بالباطل إرضاءً له انتهت دعوتهم، وأيّ صفة أخرى لا قيمة لها إطلاقاً، أيّ صفة في الداعية أخرى لا قيمة لها، لأنه إذا خشي غير الله سينطق بالباطل إرضاءً له، وسيسكت عن الحق إرضاءً له، إذاً انتهت دعوته.

أعداؤنا يقبلون النقد :

 أيها الإخوة الكرام، الحقيقة أن المسلمين لا يقبلون نقداً في كل المجالات ، أما أعداء المسلمين الذين ابتعدوا عن الله عز وجل ذكاؤهم دلهم على أن يأخذوا بهذا المنهج.
 والشيء الغريب أيها الإخوة، أن هذا المنهج موضوعي، فأي إنسان، ولو كان ملحداً، أخذ به سيقطف ثماره.
 في العالم الغربي يألفون النقد والتحليل والتوجيه، ويصفون مجتمعهم بأنه مجتمع الحرية، بل إن فريق العمل يعني عندهم أنك إذا رأيت أخاً لك قد زلت قدمه ينبغي أن تنصحه فيما بينك وبينه، لأن مصلحة المجموع واحدة.
 لكن المنتسبين إلى الإسلام شكلاً سلوكهم فرعوني، ما هو السلوك الفرعوني؟

﴿ مَا أُرِيكُمْ إِلا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلا سَبِيلَ الرَّشَادِ ﴾

( سورة غافر : 29)

 نحن أصحاب مبدأ الشورى، نحن أصحاب مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، نحن أصحاب النصيحة التي تركناها، واستغلها أعداؤنا فتألقوا، وملكوا ناصية الأرض بنقدهم لأنفسهم.

معاني النقد :

 أيها الإخوة الكرام: للنقد معنيان:

1)تمييز النقود :

 النقد له معنى لطيف جداً:
 الناقد في أصل اللغة هو إنسان يقبع في الأسواق، يعرف النقد الصحيح من المزيف، أي تمييز الجيد من الرديء من الدراهم والدنانير، تقول: نقدت الدراهم، أي ميزت جيدها من رديئها، وأخرجت زائفها.

2) العيب والتجريح :

 المعنى الآخر هو العيب والتجريح، وهو مرفوض.
 قال أبو الدرداء رحمه الله تعالى: الناس إن نقدتهم نقدوك، وإن تركتهم لم يتركوك.

أنواع النقد :

 إما أن يكون النقد بنّـاءً ينطلق من غيرة على المصلحة العامة، وإما أن يكون النقد هداماً.
 النقد البناء مطلوب، والنقد الهدام مرفوض.

 

1) النقد البنّاء :

 أيها الإخوة الكرام، معرفة الخطأ والصواب والثناء على الخير ومدحه، وذم الشر ونقده، سواء أكان هذا الخير أو الشر في شخص، أو في كتاب، أو في عمل، أو في هيئة، أو في جماعة، أو في أمة، أو غير ذلك، هو المعروف الذي أمِرنا أن نأمر به، والشر في كل هذه المجالات هو المنكر الذي أمِرنا أن ننكره.
 والذي يلفت النظر أن المعروف سمي بهذه التسمية، لأن الفطر السليمة تدركه وتعرفه، أنت مفطور على الحق والكمال والجمال، ففطرتك وحدك ترشدك إلى الحق والخير والجمال إذا كانت سليمة، وليست مطموسة كما هي حال فِطَرِ كثيرٍ من الناس اليوم.

2) النقد الهدّام :

 المعنى الثاني للنقد، الذي هو السلب والعيب والتجريح، هو الغالب على أهل الزمان، الذين يعدون النقد صورة من صور العداوة والبغضاء، والتشهير والتأليب على الشخص المنتقَد، أو على الجهة المنتقَدة، لذلك لا يقبل النقد من هذا الباب، لأنه عداوة صريحة لمن ينتقَد، والناس دائماً لا ينتقدون شخصاً إلا إذا أبغضوه.
 وعين الرضا عن كل عيب كليلة كما أن عين السخط تبدي المساويا
 هم ينتقدون من يعاديهم، أما أصدقاؤهم فيقومون على ركام من المعاصي والآثام ولا ينتقدون.
 لذلك يقول الإمام علي كرم الله وجهه: الشرك أخفى من دبيب النملة السمراء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء، وأدناه أن تبغض على عدل، وأن ترضى على جور.
 إذا كان صديقك ظالماً، ولك منه نفع كبير فسكتَّ عن نصحه، وأمرِه بالمعروف ونهيِه عن المنكر، فهذا نوع من الشرك، وإذا انتقدك منتقد، وهو على صواب، وأنت على خطأ، فغضبت، وأخذتك العزة بالإثم، فأنت على نوع من الشرك أيضاً.
 أيها الإخوة الكرام: إلى هذا المعنى أشار النبي عليه الصلاة والسلام:

 عن أبي الدرداء رضي الله عنه، قال زيد بن أسلم: إن عبد الملك بن مروان بعث إلى أم الدرداء بأنجاد من عنده، فلما أن كان ذات ليلة قام عبد الملك من الليل، فدعا خادِمَه فكأنه أبطأ عليه، فلعنَه، فلما أصبَحَ قالت له أم الدرداء: سمعتُك الليلةَ لعَنْتَ خادَمكَ حِين دعوتَه، فقالت: سمعتُ أبا الدرداء يقول: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم:

(( لا يكون اللعَّانون شهداءَ ولا شفعاءَ يوم القيامة ))

[ حديث صحيح، أخرجه مسلم ]

 هؤلاء الذين ينتقدون من أجل التجريح، من أجل الانتقاص من قدر الإنسان، من أجل تحطيمه، من أجل تأليب الناس عليه، سلوكهم سلوك شيطاني.
 إذاً: نحن مضطرون أن نقول: هناك نقد بنّـاء، أساسه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتناصح، وهناك نقد هدّام، أساسه التشفي، وتحطيم الآخرين، وتأكيد فردية الإنسان، والكيد والمكر لهذا الذي تنتقده.

نموذج من النقد الهدَّام :

 أيها الإخوة الكرام، أقدم لكم نموذجاً من هؤلاء:
 إذا ذكر عند أحد هؤلاء إنسان عابد قال: نعم هو عابد، ولكنه ليس بعالم، انتقاصاً من قدره.
 وإذا ذكر عنده شخص بعلم قال: هو عالم، لكن المهم في النوايا، إنما الأعمال بالنيات.
 وإذا ذكر عنده شخص بجهاد قال: ربّ قتيل في الصفين الله أعلم بنيته.
 وإذا ذكر عنده شخص بالإنفاق قال: فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة.
 كيفما ذكر أمامه إنسان، إن كان بعبادة يقول لك: ليس بعالم، وإن كان بعلم، يقول: المهم النوايا، وإن كان بإنفاق، قال: المهم النوايا، وإن كان بجهاد، قال: لعله جاهد ليقال عنه شجاع، وقد قيل، خذوه إلى النار.
 مهمته القنص، مهمته تسفيه مواقف الآخرين، مهمته سحب البساط من تحت أرجلهم، مهمته التجريح، مهمته التنكيل، ليبني مجده على أنقاض الناس، هذا هو النقد الهدام، وهذا هو النقد المحرم، وهذا هو النقد الشيطاني.

عقوبة المنتقد الكاذب :

أيها الإخوة الكرام:
 شكا أهل الكوفة سعداً، وكان والياً عليهم إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وذكروا أنه لا يحسن أن يصلي، فأرسل إليه عمر، قال له: يا أبا إسحاق، إن هؤلاء يزعمون أنك لا تحسن الصلاة، فقال سعد رضي الله عنه: أما أنا والله فإني كنت أصلي بهم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما أخرم عنها هكذا.
 لكن عمر لم يكتف بقناعته الشخصية بسعد بن أبي وقاص، لأنه أمام شكوى من رعية هذا الصحابي الجليل، فلابد من التحقق والتثبت من هذه الشكوى بروح محايدة، وعدل، وإنصاف، لأن سعداً طرف وخصم، وأهل الكوفة طرف وخصم، فأرسل عمر لجنة لتقصي الحقائق، والحال: سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين، هذا هو العدل.
 أيها الإخوة الكرام، لم تذهب هذه اللجنة لتسأل أعيان البلد وخواصهم الذين يفترض أن الأمير قد يدنيهم إليه، وقد يكسب رضاهم بأيّ وسيلة، وبأي ثمن، بل إنها تذهب لتقف في المساجد والأسواق، ويقولون لأهل المساجد: ماذا تقولون في أميركم سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه؟ فكانوا كلما ذكروه في مسجد أثنوا عليه خيراً، حتى جاؤوا مسجداً من مساجد بني عبس، فقالوا: ما تقولون في أميركم سعد بن أبي وقاص؟ فأثنوا عليه خيراً، فقام رجل يقال له أسامة بن قتادة فقال:
 أما إذا نشدتنا، فإن سعداً كان لا يسير بالسرية، ولا يقسم بالسوية، ولا يعدل في القضية، أي وصفه بالجبن، والظلم، والحيف، والعياذ بالله، فغضب سعد بن أبي وقاص من ذلك أشد الغضب، لأنه يعلم أن هذا الرجل كاذب، فقام، وقال: أما والله لأدعون عليه بثلاث، اللهم إن كان عبدك هذا كاذباً قام رياءً وسمعةً فأطل عمره، وأطل فقره، وعرضه للفتن.
 قال أحد رواة الحديث: فأنا رأيته بعد، قد سقط حاجباه على عينيه من الكِبَر، وإنه ليتعرض للجواري في الطرق، وكان إذا سئل يقول: شيخ كبير مفتون أصابتني دعوة سعد.
 أي هذا الذي ينتقد إنساناً صالحاً هو يعلم أنه صالح، يعلم أنه مخلص، يعلم أنه يبتغي وجه الله عز وجل، وقاف عند كتاب الله، منضبط بالسنة، يعلم هذا علم اليقين، ولكن روح التشفي والحقد والحسد والغش حملته على هذا النقد، فلينتظر من الله عقاباً أليماً، كهذا الذي انتقد صحابياً جليلاً من أجَلِّ أصحاب رسول الله.

 

دوافع النقد الهدّام :

 أيها الإخوة الكرام:
 عن أبي هريرة رضي الله عنه، أَنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال يوماً:

(( أتدرون ما الغيبة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ذِكرُ أحدكم أخاه بما يكره، فقال رجل: أرأيتَ إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إِن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بَهتَّه ))

[ حديث صحيح، أخرجه مسلم وأبو داود ]

 أيها الإخوة الكرام، هؤلاء الذين ينتقدون نقداً هداماً، ليس دافعهم الإصلاح، ولا تصحيح الأخطاء، بل دافعهم الحسد، والبغي، والحقد، والظلم:

﴿ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ ﴾

( سورة آل عمران : 19)

 هناك اختلاف طبيعي، أساسه نقص المعلومات، وهناك اختلاف محمود أساسه التنافس، أما الاختلاف المذموم فهو الذي ينطلق من الحسد والضغينة والحقد والبعد عن الله عز وجل.

النصيحة هي أصل النقد :

 أيها الإخوة الكرام، الأصل الديني للنقد في قول الله عز وجل:

﴿ لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾

( سورة التوبة : 91)

 فالنصيحة عمل عظيم اقترن بالجهاد في سبيل الله، فذِكْرُ النصيحة، وهي عمل عظيم من أجلِّ الأعمال، جاء في سياق الحديث عن الجهاد، وبذل الغالي والرخيص، والنفس والنفيس.

 وفي حديث للنبي عليه الصلاة والسلام، رواه الإمام مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه في حق المسلم على المسلم:

(( وإِذَا استنصحَكَ فانْصَحْ له ))

[ من حديث صحيح، أخرجه مسلم ]

 وقال النبي عليه الصلاة والسلام في حديث آخر آمراً المسلمين:

(( وأن تناصِحوا ولاةَ الأمر ))

[ من حديث أخرجه الطبراني ورجاله حديثهم حسن إلا واحداً ]

 وفي الحديث المشهور:
 عن تميم الداري رضي الله عنه، أَنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال:

(( إِنَّ الدِّينَ النصيحة، قلنا: لِمَنْ يا رسول الله؟ قال: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأَئمة المسلمين، وعامتهم ))

[ حديث صحيح، أخرجه مسلم ]

 الدين بتعريف جامع مانع، النصيحة لله: أي أن تنصح الناس باتباع كتاب الله، وفي حديث آخر:
 عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

(( المؤمن مرآة المؤمن ))

[ من حديث حسن، أخرجه الترمذي ]

 لذلك ينبغي أن تنصحه ليبتعد عن عيوبه، لأنك مرآة له.
 أيها الإخوة الكرام، النصيحة إذاً، هي من صلب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والنصيحة من صلب موضوع النقد الذي هو موضوع هذه الخطبة.

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر :

 يدخل في باب النقد أيضاً الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يقول الله عز وجل:

 

﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾

 

( سورة آل عمران : 110)

 الآية الثانية من خصائص المؤمنين:

﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ﴾

( سورة التوبة : 71)

الأمر والنهي بين الصحابة :

 كان الصحابة رضي الله عنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ولا يستثنون أحداً من ذلك، لا أميراً ولا مأموراً، ولا كبيراً ولا صغيراً، ولا يجاملون فيه أحداً قط.
 أيها الإخوة الكرام، لما رأى ابن عباس معاوية بن أبي سفيان يستلم أركان البيت كلها، ويقول: ليس شيء من البيت مهجوراً، انتقده ابن عباس علانيةً، وذلك أن معاوية كان يطوف بالبيت وعن يساره عبد الله بن عباس، فطفق معاوية يستلم أركان الكعبة كلها، فقال له ابن عباس: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يستلم هذين الركنين، فقال معاوية: دعني منك، يا ابن عباس، فإنه ليس منها شيء مهجور، فطفق ابن عباس لا يزيده كلما وضع يده على شيء من الركنين إلا أن قال له ذلك القول، ولم يرَ معاوية أن في هذا حطاً من قدره، ولا بخساً لمكانته، كما لم يرَ ابن عباس أن مكانة معاوية تمنعه أن يؤمر بالمعروف وأن ينهى عن المنكر، هكذا كان الصحابة الكرام.
 بل إن النبي عليه الصلاة والسلام حينما أنكر على سيدنا خالد ما كان في فتح مكة سأل: أراجعه أحد؟ قالوا نعم، قال: من؟ قالوا حذيفة، قال الحمد لله.
 حمِدَ الله على أنه ربّى صحابة لا يسكتون عن الخطأ.
 والمجتمع الإسلامي لا يتقدم إلا إذا تناصح أفراده، لا يتقدم إلا إذا أمر أفراده بالمعروف ونهوا عن المنكر.
 إليكم هذا الحديث الخطير: يقول عليه الصلاة والسلام:

 

(( كيف بكم إذا لمْ تأمروا بالمعروفِ ولم تَنْهَوْا عن المنكر؟ قالوا : يا رسول الله، وإنَّ ذلك لكائن؟ قال: نعم، وأشد، كيف بكم إذا أمرتُم بالمنكر، ونهيُتم عن المعروف؟ قالوا: يا رسول الله وإنَّ ذلك لكائن؟ قال: نعم، وأَشدُّ، كيف بكم إذا رأيتُمُ المعروفَ منكراً والمنكرَ معروفاً؟ ))

[ من حديث ضعيف، أخرجه زيادات رزين ]

 في المرحلة الأولى معصية:
 المعروف معروف والمنكر منكر، لكنكم لن تأمروا بالمعروف، ولن تنهوا عن المنكر.
 المرحلة الثانية عملتم العكس، أمرتم بالمنكر، لكن المنكر منكر، ونهيتم عن المعروف، والمعروف معروف.
 المرحلة الخطيرة تبدل القيم:

(( كيف بكم إذا رأيتُمُ المعروفَ منكراً والمنكرَ معروفاً؟ ))

 لذلك يقول عليه الصلاة والسلام عن آخر الزمان:

(( لَيأْتينَّ على الناس زمان، لا يدري القَاتِلُ في أَيِّ شيء قَتَلَ، ولا يدري المقتولُ في أَي شيء قُتِلَ؟ ))

[ من حديث صحيح، أخرجه مسلم ]

 أيها الإخوة الكرام، إذاً الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفق منهج الله عز وجل هو لون من ألوان النقد، وأصل أصيل في هذا الدين، يتوافق مع النقد البناء، لا النقد الهدام.

النقد الذاتي :

 شيء آخر، محاسبة النفس.
 الإنسان ينتقد نفسه من دون أن يحتاج إلى أن ينتقده غيره، كذلك الجماعة ينبغي أن تنتقد نفسها، كذلك الأمم ينبغي أن تنتقد نفسها.
 والله أيها الإخوة، لا شيء يؤلم الآن إلا المديح، إن جلس العلماء فيما بينهم كالوا المديح بشكل لا يتصور، التجار، الأعيان، الفضلاء، ديدننا المديح في لقاءاتنا، مديح ما بعده مديح.
 والحقيقة أن الواقع مؤلم إلى درجة لا تقدَّر، فكيف نوفق بين هذا المديح، وهذا الواقع المؤلم، لاشك أن في أحد الموقفين كذباً واضحاً.
 أيها الإخوة الكرام، سيدنا عمر يقول: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وتزينوا للعرض الأكبر، وإنما يخف الحساب يوم القيامة على من حاسب نفسه في الدنيا، والرواية المشهورة: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا وسيتخطى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا.
 أيها الإخوة الكرام، من حاسب نفسه في الدنيا حساباً عسيراً، كان حسابه يوم القيامة يسيراً، ومن حاسب نفسه في الدنيا حساباً يسيراً، كان حسابه يوم القيامة عسيراً.

 

محاسبة الصحابة لأنفسهم :

 عن حنظلة بن الربيع الأسيدي رضي الله عنه، قال:

(( لَقيَنِي أبو بكر، فقال: كيف أنتَ يا حنظَلَةُ؟ قال: قُلتُ: نَافَقَ حَنْظَلَةُ قالَ: سبحان الله، ما تَقُولُ؟ قال: قُلْتُ: نكونُ عند رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، يُذكِّرُنا بالنَّار والجنَّةِ حتَّى كأنَّا رأيَ عَيْنٍ، فإذا خرجنا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، عافَسْنا الأزْواج والأولاد والضَّيْعات، ونسينا كثيراً، قال أبو بكر رضي الله عنه: فوالله إنَّا لَنَلْقَى مثل هذا، فانطَلَقْتُ أنا وأبو بكر حتى دخلنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: نَافَقَ حنظلَةُ يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وما ذاك؟ قلتُ: يا رسول الله، نكون عندك تُذكِّرُنا بالنار والجنة حتى كأنَّا رأيَ عَيْنٍ، فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضَّيْعاتِ، ونَسينا كثيراً، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده، لو تَدومُونَ على ما تكونون عندي، وفي الذِّكرِ، لصافَحَتْكم الملائكة على فُرُشِكُم، وفي طُرُقِكم، ولكن يا حنظلةُ ساعَةً وساعَةً، ثلاث مِرار ))

[ حديث صحيح، أخرجه مسلم ]

 فسيدنا حنظلة انتقد نفسه نقداً ذاتياً.

 

 أيها الإخوة الكرام، السلف الصالح كانوا من صدق عبوديتهم، وخالص إيمانهم، وحرارة تقواهم، وصفاء قلوبهم، لم يكن هناك أحد أكثر منهم محاسبة لنفسه.
 أما اليوم، أيها الإخوة، فالإنسان يمدح نفسه دائماً، يقول: أنا، وأنا، يثني على إيمانه، وعلى عبادته، وعلى استقامته، وعلى إنفاقه، ويطعن بالآخرين، وينام مرتاح البال.
 رجل من السلف الصالح كان في الحج، يقول اللهم: لا تردهم من أجلي، ظن نفسه أسوأ الناس في عرفة، يقول: لا ترد دعواهم من أجلي يا رب.
 أيها الإخوة الكرام، أحد التابعين يقول: أدركت أربعين من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، كلهم يخاف النفاق على نفسه، ما منهم أحد يقول: إنه على إيمان جبريل وميكائيل.

 فهذا القلق، والشك بالنفس من صفات الصالحين، والاعتداد بها، والتبجح بقوة الإيمان، وقوة اليقين، والعمل الصالح، والاستقامة، هذا ليس من شأن المؤمنين.

النهي عن المديح بغير علم :

 عن خارجة بن زيد رضي الله عنه:

(( أن أم العلاء، امرأة مِنَ الأنصار، بايعتِ النبي صلى الله عليه وسلم، أخبرته: أنه اقتُسِمَ المهاجرون قُرعة، فطار لنا عثمان بن مَظْعون، فأنزلناه في أبياتنا، فَوَجِعَ وجَعَه الذي تُوُفِّي منه، فلما توفي وغُسِّل وكفِّن في أثوابه، دخل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: رحمة الله عليك أبا السائب، فشهادتي عليك: لقد أكرمك الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وما يدريك أن الله أكرمَه؟ فقلت: بأبي أنت وأُمِّي يا رسول الله، فمن يكرمه الله؟ فقال: أمّا هو فقد جاءه اليقين، والله إِني لأرجو له الخير، والله ما أدري، وأنا رسول الله، ما يُفعَلُ بي؟ قالت: فوالله لا أُزَكِّي أحداً بعده أبداً يا رسول الله ))

[ حديث صحيح، أخرجه البخاري ]

 فليت الذي بيني وبينك عامر وبيني وبين العالمين خراب

 أيها الإخوة الكرام، لو أن أهل الأرض أثنوا عليك، لا ينفعك هذا الثناء شيئاً إذا كان الله ليس راضياً عنك، ولو أن أهل الأرض ذموك، وكنت مرضياً لله عز وجل، هذا الذم لا قيمة له عند الله، ولكن المؤمن يجبُّ المغيبة عن نفسه.
 أيها الإخوة الكرام، هذا الموضوع يحتاج إلى تتمة، نتابعه في خطب قادمة إن شاء الله، لكن لو أن الأب أصغى إلى أولاده، لو أن الزوجة أصغت إلى زوجها، لو أن الزوج أصغى إلى زوجته، لو أن صاحب العمل أصغى إلى موظفيه، لو أن كل إنسان بموضع قيادي أصغى إلى من هو دونه، لصرنا في أحسن حال، لأنه قد يكون كل منا واقعاً تحت ضغط ما، هذا الضغط يجعل رؤيته غير صحيحة، لكن الذين حوله ليس عليهم هذا الضغط، فربما أعطوه الحل السديد، لذلك من صفات المؤمن أنه يشاور من حوله، ومن صفات المؤمن أنه ينصح من حوله، يشاور وينصح.

وأخيراً :

 أيها الإخوة الكرام، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وسيتخطى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا.
 الكيِّس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني، والحمد لله رب العالمين.

 

 

* * *

 

 

الخطبة الثانية:
 الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وليّ الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

فوائد اللبن :

 أيها الإخوة الكرام، وردت كلمة اللبن في القرآن الكريم في عدة مواضع، منها:
 قال تعالى:

﴿ وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَناً خَالِصاً سَائِغاً لِلشَّارِبِينَ ﴾

( سورة النحل : 66)

 آية ثانية:

﴿ مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آَسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى ﴾

(سورة محمد : 15)

 وذكر عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح:

(( إذا أكل أحدكم طعاماً فليقل: اللهم بارِكْ لنا فيه، وأطْعِمْنا خيراً منه، وإذا سُقي لَبنا فليقُل: اللهم بارك لنا فيه، وزِدنا منه، فإنه ليس شيء يُجْزِئ من الطعام والشراب إلا اللبن ))

[ من حديث صحيح، أخرجه البخاري ومسلم ]

ما يمتاز به اللبن :

 أيها الإخوة الكرام، عالم مشهور ونحرير، ومتحقق، وله باع طويل في علم الأغذية يقول بشكل مختصر:
 أظهرت الدراسات الحديثة أن اللبن الرائب يفيد في القضاء على الجراثيم المسببة للتسمم الغذائي.
 ودلت الدراسات الأخرى من أمريكا وإيطاليا، أن بإمكان اللبن الرائب منع حدوث الزحار.
 ومن العادات المتبعة في مستشفيات وسط أوربا إعطاء اللبن للأطفال المصابين بالإسهالات.
 وإن اللبن الرائب يفيد في منع حدوث الإسهالات والزحار أكثر منه في علاجها.
 ولا يقوم اللبن بفعل مضاد للجراثيم فحسب، بل إن الأبحاث الحديثة تؤكد أن اللبن يقوي الوظيفة المناعية في خلايا الجسم.
 واللبن الرائب يفيد في الوقاية من سرطان القولون، وهذا مرض خطير يفتك بألوف الناس.
 واللبن يمكن أن يثبط الأنزيمات التي تحول المواد الكيماوية غير الضارة في الأمعاء إلى مواد مسببة للسرطان.
 وبعض العلماء في فرنسا لاحظ أن أكثر النساء تناولاً للبن هن أقلُّ عرضةً للإصابة بسرطان الثدي من غيرهن.
 أيها الإخوة الكرام، حتى الذين يريدون تخفيض أوزانهم، فإن المئة غرام من اللبن يساوي خمس وعشرين سعراً حرارياً فقط، بينما مئة غرام من الرز تعطي ستمئة سعر.
 أيها الإخوة الكرام:
 يفيد اللبن في طعام الرضيع حين يبدأ بأكل الطعام بعد انتهاء الرضاع.
 اللبن غذاء سهل الهضم، وهناك مجلة طبية نشرت أنه في حين أن ثلاثاً وثلاثين بالمئة من الحليب يهضم بعد ساعة، فإن واحد وتسعين بالمئة من اللبن يهضم فوراً.
 أيها الإخوة الكرام، حتى إن اللذين لا يحتملون الحليب، لأن سكره يسبب غازات شديدة وإسهالات، فإن اللبن ليس له هذه المضاعفات السلبية.

 

أثر اللبن على الأعمار :

 أيها الإخوة الكرام، أعلن عالم كبير في روسيا سابقاً أن الذين يعيشون فوق المئة عام هم من آكلي اللبن، لأن مادة اللبن تحوي على البكتريا التي تصل إلى الأمعاء، وتكوّن بيئة تمنع دخول الجراثيم غير المرغوب فيها، وقد أطلق عليه في البلقان غذاء العمر الطويل، لاحتوائه على مواد بروتينية ذات قيمة حيوية عالية، وعلى أغلب المواد المعدنية اللازمة للجسم.
 أيها الإخوة الكرام، بعض الشعوب تعتني باللبن عناية كبيرة جداً، وهم الأتراك، لا تخلو مائدة من اللبن، هؤلاء الذين تزيد أعمارهم عن مئة عام نسبتهم عندهم اثني عشر بالمليون، يعني اثنا عشر شخصاً بكل مليون شخص، يزيد عمرهم عن مئة عام.

عناصر يحتويها اللبن :

 أيها الإخوة الكرام، شيء أخير، هذا الغذاء طعام الصغار والكبار، طعام بسيط ورخيص، طعام تحبه النفس، لذلك في باللبن بالمئة غرام:
 سبعة عشر مليغرام مغنيزيوم.
 وستة وثمانين بالمئة ماء.
 ومئة وأربعين مليغرام فوسفور.
 وبروتين خمسة بالمئة.
 ومئة وأربعين مليغراماً كلور.
 وواحد بالمئة دهون.
 وسبعة مليغرام مواد أخرى، كالفيتامين، أو سكر اللاكتوز، وفيتامين ب واحد، وسكاكر أخرى، وفيتامين ب اثنان، وصوديوم، وحمض النيكوتين، وبوتاسيوم، وفيتامين ي، وكالسيوم.
 هذا اللبن غذاء متداول بين أيدي الناس، لكن الناس أحياناً يقبلون على شرابات تأتينا من الخارج، ليس فيها ذرة واحدة من المواد الطبيعية، مواد كيماوية محضة، فالناس يقبلون على هذا الشراب الغالي والكيماوي فقط، ويدعون هذا اللبن الذي جعله الله بين أيدينا.

 

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق، ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك.
 اللهم اهدنا لصالح الأعمال لا يهدي لصالحها إلا أنت، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا أنت.
 اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحةً لنا من كل شر، مولانا رب العالمين.
 اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك.
 اللهم لا تؤمنا مكرك، ولا تهتك عنا سترك، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين.
 اللهم بفضلك ورحمتك أعلِ كلمةَ الحق والدين، وانصر الإسلام، وأعز المسلمين، وأذلَّ الشركَ والمشركين، أذلَّ أعداءك أعداء الدين يا رب العالمين.
 اللهم شتت شملهم، فرق جمعهم، خالف فيما بينهم، اجعل الدائرة تدور عليهم يا رب العالمين.
 اللهم أرنا قدرتك بتدميرهم كما أريتنا قدرتهم في تدميرنا يا رب العالمين، إنك سميع قريب مجيب الدعاء.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018