الخطبة : 0924 - رحمة النبي صلى الله عليه وسلم. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0924 - رحمة النبي صلى الله عليه وسلم.


2004-05-14

الخطبة الأولى:

 الحمد لله نحمده، ونستعين به، ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته، وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله، سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عين بنظر، أو سمعت أذن بخبر، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، أمناء دعوته، وقادة ألويته، وارضَ عنا وعنهم يا رب العالمين.
 اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمتنا، إنك أنت العليم الحكيم.
 اللهم علِّمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

رحمة النبي عليه الصلاة والسلام :

 أيها الإخوة الكرام: نحن في مناسبة مولد سيدنا محمد، صلى الله عليه وسلم.
 ونحن نشاهد كل يوم قسوة الإنسان، وظلم الإنسان، وقهر الإنسان، وأثرة الإنسان.
 نشاهد قسوة، لم يسبق لها مثيل:
 أنا أتيت من جنوب السودان، كنت في مهمة هناك، فالذي رأيته، واللهِ، لا يمكن أن يصدقه بشر، حرب أهلية أهلكتهم أربعين عاماً، لا ماء، ولا طعام، ولا كساء، ولا تعليم، ولا صحة، وملايين النازحين الذين يعيشون حياة لا تحتمل.
 أيها الإخوة الكرام:
 قسوة البشر، وجريمة البشر، وطغيان البشر، عناوين دعتني إلى اختيار موضوع الرحمة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 

نِعَمُ الله لا تعدّ ولا تحصى :

 واللهِ نحن في نعمة، أيها الأخوة، لا يمكن تصورها، نعمة أن هناك كأس ماء تشربه، أن هناك بيتاً تسكنه، أنه عليك ثياب تستر عورتك، أناس كثيرون لا ثياب عليهم إطلاقاً، من شدة القحط والفقر، نحن في نعم، أيها الإخوة، لا تعد ولا تحصى:

 

 

 عن أبي هريرة، رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(( انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فهو أجدرُ أن لا تزدَرُوا نعمة الله عليكم ))

[ حديث صحيح، أخرجه مسلم ]

 وقد قدَّم بلدنا الطيبُ، بفضل الله عز وجل، لهذا الجنوب مساعدات مجزية جداً من بلدنا.
 أيها الإخوة الكرام: الحديث عن جنوب السودان يحتاج إلى أشهر، لكن هذا مختصر.

الرحمة المهداة :

 أيها الإخوة الكرام: في تاريخ البشرية كلها بروّادها، بصفوتها، بقادتها، لا نكاد نعرف حياةً نقلت إلينا أنباؤها، وحفظت لنا وقائعها في وضوح كامل، وتفصيل عميم شامل، كما حفظت ونُقِلت إلينا حياة محمد بن عبد الله، رسولِ الله رب العالمين، ورحمته المهداة إلى الناس أجمعين، عليه أفضل الصلاة والتسليم.
 فكل كلمة قالها، وكل خطوة خطاها، وكل بسمة تألقت على محياه، وكل دمعة تحدرت من مآقيه، وكل نفسٍ تردد في صدره، وكل مسعى سار لتحقيق أمره، كل مشاهد حياته، حتى ما كان منها من خاصة أمره، وأسرار بيته، وأهله، كل ذلك نقل إلينا بحروف كبيرة، موثقاً بأصدق ما عرَفَ التاريخ الإنساني من وسائل وبينات.

 

معرفته من خلال سيرته :

 لقد رحل النبي، عليه الصلاة والسلام، عن دنيانا من قرابة ألف وأربعمئة عام، ومع هذا فنحن حين نقرأ سيرته وتاريخه اليوم لا نحس أننا نقرأ عنه، بل كأننا نسمعه، ونراه، ونعيش المشاهد كلها التي نطالعها مكتوبة ومسطورة، ولا عجب في هذا، فمادام الله قد اختاره ليختم به النبوة والأنبياء، فمن الطبيعي أن تكون حياته منهجاً جليلاً لأجيال لا منتهى لأعدادها، وأن تكون هذه الحياة بكل تفاصيلها أشدَّ وضوحاً وتألقاً من فلق الصبح ورابعة النهار، لا بالنسبة إلى عصره فحسب، بل بالنسبة لكل العصور والأجيال.
 حياة النبي عليه الصلاة والسلام، وشمائله، وجوانب شخصيته، ونتائج دعوته، لا تستوعبها المجلدات، ولا خطب في سنوات، فالرحمة مهجته، والعدل شريعته، والحب فطرته، والسمو حرفته، ومشكلات الناس عبادته، وحسبنا في هذه الخطبة أيها الإخوة أن نقف عند رحمته، عليه الصلاة والسلام.

 

الرحمة والصلة بالله :

 وقبل أن نقف عند رحمته، صلى الله عليه وسلم، ينبغي أن تعلموا علم اليقين أنكم ترحمون الناس بقدر اتصالكم بالله، وأنكم تقسون عليهم بقدر بعدكم عن الله، فإذا كان للإيمان مؤشر، وللرحمة مؤشر، فالمؤشران يتحركان بتناسق تام، وفي الأثر القدسي: إذا أردتم رحمتي فارحموا خلقي.

 

 

 عن عبد الله بن عمرو بن العاص، رضي الله عنهما، أَنَّ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قال:

(( الرَّاحِمُونَ يرحمهم الرحمن، ارحَمُوا مَن في الأرض، يرحمْـكم من في السماءِ، الرَّحِمُ شِجْنَة مِن الرحمنِ، فَمَن وصلَهَا وَصَلهُ الله، ومن قطعها قطعهُ الله ))

[ حديث صحيح، أخرجه الترمذي ٍ]

 النبي عليه الصلاة والسلام رحمة مهداة، ونحن في ذكرى مولده لا يسعنا إلا أن نقتدي به، فنتراحم، ونتعاطف، ونتباذل، ويضحّي بعضنا من أجل بعض حتى يحبنا الله عز وجل، وينصرنا على أعدائنا الكثر.
 أيها الإخوة الكرام: قال عليه الصلاة والسلام:

 

(( إنما أنا رحمة مهداة ))

 

[ من حديث صحيح، أخرجه الحاكم في مستدركه ]

 لكن الطغاة إنما هم قسوة حلَّت بالبشر.
 هذه الرحمة التي وصف النبي صلى الله عليه وسلم بها نفسه هي رحمة الأقوياء الباذلين، لا رحمة الضعفاء البائسين.
 عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، أَنَّ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قال:

(( الرَّاحِمُونَ يرحمهم الرحمن ))

[ من حديث صحيح، أخرجه أبو داود والترمذي ]

 ورد في بعض الآثار: إذا أردتم رحمتي فارحموا خلقي.

رحمته بالنفس :

 لقد أعلن النبي عليه الصلاة والسلام أن الرحمة عنده خير من الإفراط في العبادة، وأزكى.
 عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما:

 

(( أَنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، خَرَجَ عام الفتح إِلى مكةَ في رمضانَ، فصامَ حتى بلغَ كُراعَ الغَميم، فصام الناسُ، ثم دعا بِقَدح من ماء، فرَفَعَه حتى نَظَرَ الناسُ، ثم شَرِبَ، فقيل له بعد ذلك: إِنَّ بعضَ الناس قد صام؟ فقال: أولئكَ العُصاةُ، أولئكَ العُصاةَ ))

 

[ حديث صحيح، أخرجه مسلم ]

 ماذا نفهم من هذه القصة؟
 إن مشقة السفر عذر مبيح للإفطار في رمضان، وإن الرفق بالنفس يفوق في ميزان رسول الله صلى الله عليه وسلم كل شيء.
 هؤلاء الذين صاموا في السفر حتى أجهدوا، فلم يتخلوا عن صيامهم يصفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعصاة، لأنهم رفضوا رخصة الله، ورفضوا رحمة الله عز وجل، ولاسيما الرحمة بالنفس واستبقاء عافيتها وقوتها، لأن عافية النفس رأسمالها الوحيد.
 البند الأول في هذه الخطبة: كان عليه الصلاة والسلام يأمرنا أن نرحم أنفسنا.
 نفسك مطيتك فارفق بها.

 

 الرحمة بالنفس أفضل من الإسراف في العبادة، والمؤمن يقبل رخص الله عز وجل.
 أيها الإخوة الكرام: حينما توضع الرحمة في كفة، والعبادة في كفة، ترجح كفة الرحمة على كفة العبادة.

رحمته بالوالدين :

 أيها الإخوة: رجل يسرع الخطى إلى النبي عليه الصلاة والسلام، يغشاه فرح كبير، تغمره فرحة عارمة ليبايع النبي عليه الصلاة والسلام على الهجرة معه، وعلى الجهاد في سبيل الله تحت رايته:
 عن عبد الله بن عمرو بن العاص، رضي الله عنهما، قال:

 

(( أقبل رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أبَايِعُكَ على الهجرة والجهاد، أبتَغِي الأجرَ من الله، قال: فهل من والديك أحد حَيّ؟ قال: نعم، بل كلاهما حَيّ، قال: فتبتَغِي الأجرَ من الله؟ قال: نعم، قال: فارجع إلى وَالِدَيكَ فأحْسِنْ صُحْبَتَهُما ))

 

[ حديث صحيح، أخرجه مسلم ]

 إكرام الوالدين يفوق الجهاد في سبيل الله، قال له:

 

(( فارجع إلى وَالِدَيكَ فأحْسِنْ صُحْبَتَهُما ))

 

 يسأله رجل آخر، يقول:

(( إني أشتهي الجهاد، ولا أقدر عليه، قال صلى الله عليه وسلم: هل بقي من والديك أحد؟ قال: أمي، قال صلى الله عليه وسلم: فأبل الله في برها، فإن أنت فعلت ذلك فأنت حاج، ومعتمر، ومجاهد ))

[ من حديث صحيح لغيره، أخرجه أبو يعلى ]

 الرحمة بالوالدين.
 البند الأول: الرحمة بالنفس.
 البند الثاني: الرحمة بالوالدين.

 

 إن بسمة تعلو شفتي أب حنون، وتكسو وجه أم لاهفة، لا تقدَّر عند النبي صلى الله عليه وسلم بثمن، حتى حينما يكون الثمن جهاداً في سبيل الله.
 أيها الإخوة، العبادة تتحول إلى عقوق إذا تمت على حساب الرحمة بالوالدين، هذا عن رحمته بالنفس، وعن رحمته بالوالدين، فماذا عن رحمته بالأهل والزوجة؟

رحمته بالأهل والزوجة :

 أما رحمته بالأهل فشيء عجيب، لقد ربط النبي عليه الصلاة والسلام الخيرية المطلقة برحمة المرء بأهله، وإحسانه إليهم، فقال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح:
 عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

 

(( خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي ))

 

[ من حديث صحيح، أخرجه الترمذي ]

 وقال عليه الصلاة والسلام:

 

(( ألا واستَوصوا بالنساء خيراً، فإنَّهُنَّ عَوان عندكم ))

 

[ من حديث صحيح، أخرجه الترمذي ]

 ومعنى قوله: عوان عندكم، يعني أسرى في أيديكم.

 

 وقال عليه الصلاة والسلام:

(( أحرِّجُ مال الضعيفين، اليتيم والمرأة ))

[ حديث حسن، أخرجه ابن ماجة وأحمد ]

 وفي الأثر:
 أكرموا النساء، فوالله ما أكرمهن إلا كريم، ولا أهانهن إلا لئيم.
 وفيه أيضاً:
 يغلبن كلَّ كريم، ويغلبهن كلُّ لئيم، وأنا أحب أن أكون كريماً مغلوباً من أن أكون لئيماً غالباً.

 

 وقال عليه الصلاة والسلام:

(( خيركم خَيركم للنساء ))

[ حديث صحيح الإسناد، أخرجه الحاكم ]

 أيها الإخوة الكرام:
 عن مالك بن الحويرث رضي الله عنه، قال:

(( أتينَا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ونحن شَبَبَة مُتقارِبون، فأقمنا عنده عشرينَ ليلة، وكان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم رحيماً رفيقاً، وظن أنَّا قد اشتَقْنا أهلَنا، فسألنا عمَّنْ تركنا من أهلنا؟ فأخبرناه، فقال: ارجعوا إلى أهليكم، فأقيموا فيهم، وعلموهم ومروهم فليصلُّوا صلاةَ كذا في حين كذا، وصلاةَ كذا في حينِ كذا، وإذا حضرتِ الصلاةُ فليؤذِّنْ لكم أحدُكم، وليُؤمكم أكبَركم ))

[ حديث صحيح، أخرجه البخاري ومسلم ]

 كان يشعر، عليه الصلاة والسلام، أن هذا الإنسان له زوجة ينبغي أن يجلس معها، اشتاق إليها، واشتاقت إليه، كان رحيماً بالأهل إلى درجة تفوق حد الخيال.
 زوجة الصحابي الجليل عثمان بن مظعون رضي الله عنه دخلت على السيدة عائشة تشكو بثها وحزنها، فعثمان زوجها مشغول عنها بالعبادة، يقوم الليل، ويصوم النهار، فلقي النبي عليه الصلاة والسلام عثمان بن مظعون، فقال له:

(( يا عثمان أما لك فيَّ أسوة؟ قال: وما ذاك يا رسول الله فداك أبي وأمي؟ قال: أما أنت فتقوم الليل وتصوم النهار، وإن لأهلك عليك حقاً، وإن لجسدك عليك حقاً، صلِّ ونمْ، وصمْ وأفطرْ ))

[ من حديث صحيح لغيره، أخرجه أبو يعلى ]

 وامتثل عثمان لنصيحة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتزم أمره، وقرر أن يؤدي حق أهله، وفي صبيحة اليوم التالي ذهبت زوجة عثمان إلى بيت النبي عليه الصلاة والسلام عطرة نضرة كأنها عروس، واجتمع حولها النسوة، وأخذن يتعجبن من فرط ما طرأ عليها من بهاء وزينة، قلن لها: ما هذا يا زوج ابن مظعون؟ قالت وهي تضحك: أصابنا ما أصاب الناس.

 فقد روى الإمام أحمد عن عائشة، زوج النبي صلى الله عليه وسلم، قالت:

(( دخلت عليَّ خويلة بنت حكيم بن أمية بن حارثة بن الأوقص السلمية، وكانت عند عثمان بن مظعون، قالت: فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم بذاذة هيئتها، فقال لي: يا عائشة، ما أبذَّ هيئة خويلة، قالت: فقلت: يا رسول الله، امرأة لا زوج لها، يصوم النهار، ويقوم الليل، فهي كمن لا زوج لها، فتركت نفسها وأضاعتها، قالت: فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عثمان بن مظعون فجاءه فقال: يا عثمان، أرغبتَ عن سنتي؟ قال: لا والله يا رسول الله، ولكن سنتك أطلب، قال: فإني أنام وأصلي، وأصوم وأفطر، وأنكح النساء، فاتقِ الله يا عثمان، فإن لأهلك عليك حقاً، وإن لضيفك عليك حقاً، وإن لنفسك عليك حقاً، فصمْ وأفطر، وصلِّ ونمْ ))

[ حديث أخرجه الإمام أحمد في مسنده ]

 هذه رحمته بالأهل.
 بل إن النبي عليه الصلاة والسلام وعد المرأة التي تحسن التبعل لزوجها بأن لها درجة عند الله تعدل درجة المجاهد في سبيل الله، فقد ورد في الأثر:

 

 اعلمي أيتها المرأة، وأعلمي من دونك من النساء، أن حسن تبعل المرأة زوجها يعدل الجهاد في سبيل الله.

 هذا عن رحمته بالنفس وبالوالدين وبالزوجة، فماذا عن رحمته بالأولاد؟

رحمته بالأولاد والصبيان :

 كان عليه الصلاة والسلام إذا رأى طفلاً يظهر له البشر والسرور إيناساً له.
 كان يأخذ أطفال أصحابه بين يديه يحملهم، ويداعبهم.
 كان إذا مرّ بصبية يقرئهم السلام، يقول: السلام عليكم أيها الصبية.

 

 وقد ورد في الأثر: أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى صبية يتسابقون فجرى معهم، سابقهم تطييباً لهم، وكان يلقى الصبي، وهو يركب ناقته فيدعوه إلى ركوب الناقة ليدخل على قلبه السرور.

 وعن عائشة رضي الله عنها، قالت:

(( جاء أعرابيّ إِلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إِنَّكُمْ تُقبِّلونَ الصِّبيان، ولا نُقَبّـِلُهم؟ فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: أَوَ أَملِكُ لَكَ أَن نَزَعَ اللهُ الرَّحْمَةَ مِن قَلبِكَ؟ ))

[ حديث صحيح، أخرجه البخاري ومسلم ]

 عن أسامة رضي الله عنه، قال:

(( أرسلتْ بنتُ النبي صلى الله عليه وسلم إليه: إن ابنتي قد حُضِرَتْ، فاشهَدنا، فأرسل يقرأ السلام، ويقول: إنَّ للَّه ما أخذَ، وله ما أعطى، وكلّ عِندَهُ بأجل مُسمَّى، فَلْتَصْبِرْ ولتحتسب، فأرسَلَتْ إليه تُقْسِمُ عليه ليأتينَّها، فقام ومعه سعدُ بنُ عبادةَ، ومعاذُ بنُ جبل، وأُبيُّ بنُ كعب، وزيد بنُ ثابت، ورجال، فرُفِعَ إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم الصبيُّ، فأقعده في حَجْرِه، ونفسُه تقعقع كأنَّها في شَنّ، ففاضت عيناه، فقال سعد: يا رسولَ الله ما هذا؟ فقال: هذه رحمة جعلها الله في قلوب من شاء من عباده، وإنَّما يرحمُ الله من عبادهِ الرحماءَ ))

[ حديث صحيح، أخرجه البخاري ومسلم والنسائي ]

 وقد ورد في الأثر:
 أول من يمسك بحِلَق الجنة أنا، فإذا امرأة تنازعني تريد أن تدخل الجنة قبلي، قلت: من هذه يا جبريل؟ قال: هي امرأة مات زوجها، وترك لها أولاداً، فأبت الزواج من أجلهن.

 

 أيها الإخوة الكرام: ماذا عن رحمته بالصبيان عامة؟
 عن المعرور بن سويد رضي الله عنه، قال:

(( رأيتُ أبا ذرّ وعليه حُلَّة، وعلى غلامه مثلُها، فسألته عن ذلك؟ فذكر أنه سَابَّ رجلاً على عهدِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فعيَّره بأُمِّه، فأتى الرجلُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فذكر ذلك له، فقال له النبيُّ صلى الله عليه وسلم: إِنك امْرُؤ فيك جاهلية، قلت: على ساعتي هذه من كِبرَ السنّ؟ قال: نعم، هم إِخوانُكم وَخَوَلُكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فلْيُطْعِمْه مما يأكلُ، ولْيُلْبِسه مما يَلْبَسُ، ولا تُكلِّفُوهم ما يغلبهم، فإن كلّفتموهم فأعينوهم عليه ))

[ حديث صحيح، أخرجه البخاري ومسلم ]

 وحينما رأى النبي عليه الصلاة والسلام أبا مسعود البدري يضرب غلامه قال:

 

(( اعلم أبا مسعود، أن الله أَقْدَرُ عليك منك على هذا الغلام ))

 

[ من حديث صحيح، أخرجه مسلم ]

 وعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

(( ليس من أمتي من لم يجلَّ كبيرنا، ويرحم صغيرنا، ويعرف لعالمنا حقه ))

[ حديث أخرجه أحمد والطبراني بإسناد حسن ]

 وعن أبي قتادة رضي الله عنه، أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال:

(( إني لأقومُ في الصلاة أريدُ أن أطوِّل فيها، فأسمعُ بكاءَ الصَّبيِّ فأتجوَّزُ في صلاتي، كراهية أن أشقَّ على أُمِّه ))

[ حديث صحيح، أخرجه البخاري وأبو داود والنسائي ]

رحمته بالجار :

 أما عن الجار:
 فعن عائشة رضي اللَّه عنها، أن رسولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم قال:

 

(( ما زال جبريل يُوصيِني بالجار، حتى ظننتُ أنه سيُوَّرِّثُه ))

 

[ حديث صحيح، أخرجه البخاري ومسلم ]

 وعن أبي هريرة رضي الله عنه، أَنَّ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قال:

(( واللهِ لا يُؤْمِن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، قيل: مَن يا رسول الله؟ قال: الذي لا يأمَن جارُه بَوائِقَهُ ))

[ حديث صحيح، أخرجه البخاري ومسلم ]

 وفي رواية أخرى: قالوا: وما بوائقه؟ قال: شره.

 

 بل إن النبي عليه الصلاة والسلام يحدثنا عن امرأة تذكر أنها تكثر من صلاتها وصدقتها وصيامها، غير أنها تؤذي جيرانها بلسانها:

 فعن أبي هريرة رضي الله عنه:

(( أن رجلاً قال: يا رسول الله، إن فلانةً ذكر من كثرة صلاتها وصيامها، غير أنها تؤذي جيرانها بلسانها، قال: هي في النار، قال: إن فلانة ذكر من قلة صلاتها وصيامها، وإنها ما تصدقت بأثوار أقط، غير أنها لا تؤذي جيرانها، قال: هي في الجنة ))

[ حديث صحيح، أخرجه أحمد والحاكم ]

 عن معاوية بن حيدة رضي الله عنه قال:

(( قلت: يا رسول الله، ما حق جاري؟ قال: إن مرض عدته، وإن مات شيعته، وإن استقرضك أقرضته، وإن أعوز سترته، وإن أصابه خير هنأته، وإن أصابته مصيبة عزيته، ولا ترفع بناءك فوق بنائه فتسد عليه الريح، ولا تؤذه بريح قدرك إلا أن تغرف له منها ))

[ حديث أخرجه الطبراني وفي سنده رجل ضعيف ]

 أيها الإخوة الكرام: هذه رحمة النبي عليه الصلاة والسلام بالصغار عامةً، ورحمته بالجوار، من لا يرحم لا يرحم.

نتائج الرحمة ونتائج القسوة :

 نلخص هذه الخطبة بقوله تعالى:

 

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ﴾

 

( سورة آل عمران : 159)

 يعني: بسبب رحمة استقرت في قلبك يا محمد كنت ليناً لهم، فلما كنت ليناً لهم التفوا حولك، وفدوك بأنفسهم وأرواحهم، وقدموا لك الغالي والرخيص، والنفس والنفيس، ولو كنت فظاً غليظ القلب، لو كنت منقطعاً عن الله، لامتلأ القلب قسوة، وانعكست القسوة غلظة، فانفضوا من حولك.
 إذاً: هناك معادلة دقيقة جداً:
 اتصال بالله، يورث رحمة، تنعكس ليناً، يسبب التفاف الناس حولك.
 انقطاع عن الله، يورث قسوة، تنعكس غلظةً، تسبب انفضاض الناس من حولك.
 لذلك الأنبياء ملكوا القلوب برحمتهم، والأقوياء ملكوا الرقاب بقوتهم، وترون الآن بأم أعينكم، وتسمعون ماذا يفعل الأقوياء في السجون، كيف يقهرون الإنسان، كيف يذلونه، كيف يتجاوزون كل الخطوط الحمراء، كيف يبنون مجدهم على أنقاض الشعوب.
 أيها الإخوة الكرام:
 عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

 

(( لا تقوم الساعة حتى تملأ الأرض ظلماً وعدواناً، ثم يخرج رجل من أهل بيتي أو عترتي، فيملأها قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وعدواناً ))

 

[ حديث صحيح، أخرجه أبو يعلى والحاكم ]

 والله الذي لا إله إلا هو لقد ملئت الأرض قسوةً وظلماً.

وأخيراً :

 أيها الإخوة الكرام: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وسيتخطى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا.
 الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني، والحمد لله رب العالمين.

 

* * *

الخطبة الثانية:
 الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

 

معجزة انشقاق القمر :

 أيها الإخوة الكرام: رجل بريطاني مقيم في بريطانيا، ليس مسلماً، لكنه يبحث عن الأديان، أراد أن يتأمل فيها، أن يدرسها ليتخذ أحدها ديناً له، فقال هذا الرجل:
 أهداني أحد الطلاب المسلمين ترجمة لمعاني القرآن الكريم فشكرته عليها، وأخذتها إلى البيت، وفتح هذا الكتاب صدفة، فإذا بتفسير سورة القمر، يقول: كانت أول سورة اطلعت عليها، وقرأت قوله تعالى:

 

 

﴿ اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ ﴾

 

( سورة القمر : 1)

 فقلت: هل يعقل هذا الكلام؟ هل يمكن للقمر أن ينشق، ثم يلتحم، وأية قوة تستطيع عمل ذلك؟ يقول هذا الرجل: بصراحة، هذه الآية صدتني عن متابعة الكتاب، واعتقد أن هذا الكتاب كتاب فيه خرافات، يقول: هذه الآية التي قرأتها أول ما قرأتها صدتني عن متابعة القراءة، وانشغلت بأمور الحياة، لكن الله تعالى يعلم إخلاصي في البحث عن الحقيقة، فأجلسني ربي أمام التلفاز البريطاني، وكان هناك حوار يدور بين معلق بريطاني، وثلاثة من علماء الفضاء، وكان المذيع يعاتب هؤلاء العلماء على الإنفاق الشديد على رحلات الفضاء، في الوقت الذي تمتلئ الأرض بمشكلات الجوع والفقر والمرض والتخلف، وكان يقول المذيع: لو أن هذا المال أنفق على عمران الأرض كان أجدى وأنفع، وجلس هؤلاء العلماء الثلاثة يدافعون عن وجهة نظرهم، ويقولون: إن هذه التقنية تطبق في نواح كثيرة في الحياة، حيث إنها تطبق في الطب والصناعة والزراعة، فهذا المال ليس مالاً مهدراً، لكنه أعاننا على تطوير تقنيات متقدمة للغاية.
 ومن خلال هذا الحوار جاء ذكر رحلة إنزال رجل على سطح القمر، باعتبار أنها أكثر رحلات الفضاء كلفةً، قالوا: لقد كلفت هذه الرحلة مئة ألف مليون دولار، حتى صعد إنسان إلى سطح القمر، فقال المذيع البريطاني: وأي سفه هذا؟ مئة ألف مليون دولار؟ كي تضعوا علمكم على سطح القمر؟ قالوا: لا، لم يكن الهدف وضع العلم فوق سطح القمر، وإنما كنا ندرس التركيب الداخلي للقمر، فوجدنا حقيقة لو أنفقنا أضعاف هذا المال لإقناع الناس بها ما صدقنا أحد، فقال المذيع: وما هذه الحقيقة؟ قالوا: هذا القمر انشق في يوم من الأيام، ثم التحم، قال لهم: كيف عرفتم ذلك؟ قالوا: وجدنا حزاماً من الصخور المتحولة يقطع القمر من سطحه إلى جوفه إلى سطحه، فاستشرنا علماء الأرض وعلماء الجيولوجيا، فقالوا: لا يمكن هذا إلا أن يكون قد حدث في القمر شيء، أي لابد من أن القمر قد انشق ثم التحم.
 فهذا الرجل البريطاني الذي صدته هذه الآية عن متابعة الكتاب قفز من الكرسي، قال: قفزت من الكرسي الذي أجلس عليه، وقلت: معجزة تحدث عنها محمد صلى الله عليه وسلم قبل ألف وأربعمئة عام يسخّر الله أمة قوية لإنفاق أكثر من ألف مليون دولار لإثباتها للمسلمين، لابد من أن يكون هذا الدين حقاً، قال تعالى:

﴿ اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (*)وَإِنْ يَرَوْا آَيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (*)وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ ﴾

( سورة القمر : 1-2)

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق، ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك.
 اللهم اهدنا لصالح الأعمال لا يهدي لصالحها إلا أنت، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت.
 اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين.
 اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك.
 اللهم لا تؤمنا مكرك، ولا تهتك عنا سترك، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين.
 اللهم بفضلك ورحمتك أعلِ كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام، وأعز المسلمين، وأذل الشرك والمشركين، أذل أعداءك أعداء الدين يا رب العالمين.
 اللهم شتت شملهم، فرق جمعهم، خالف فيما بينهم، اجعل الدائرة تدور عليهم يا رب العالمين.
 اللهم أرنا قدرتك بتدميرهم كما أريتنا قدرتهم في تدميرنا يا رب العالمين، إنك سميع قريب مجيب الدعاء.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018