الفقه الحضاري - الندوة : 17 - العلم بالله وبأمره وبخلقه 2 العلم بخلق الله آيات كونية، والعلم بفعل الله، آيات تكوينية . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠30برنامج الفقه الحضاري - قناة سوريا الفضائية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الفقه الحضاري - الندوة : 17 - العلم بالله وبأمره وبخلقه 2 العلم بخلق الله آيات كونية، والعلم بفعل الله، آيات تكوينية .


2003-07-10

المذيع:

 تحدثتم في حلقة ماضية عن جوانب عديدة فيما يتصل بالعلم بالله تعالى من خلال المكونات، والنعم التي خلقها، وكانت لعباده، وعن الجنة للمتقين، فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وعن الغشاء العاقل، وإذا كانت المخترعات الحديثة قد سُمِّيت بأسماء متعددة يعنون بها مزيداً من العلم والتقدم، فإذا الغشاء العاقل هو من إحدى النعم التي أهداها الله تعالى لعباده يفوق كل شيء، ومما أذكر أن في جسم الإنسان مادتين جبذتا إلى نفسيهما قدرة مغناطيسية بسيطة، وهذه المادة إذا وضع منها كأس في بيروت، وهذه المادة إذا ذهب إنسان إلى اللاذقية، وغرف من ماء البحر، وحلل يمكن أن يجد آثار هذه المادة، فالجاذبية بسيطة، هذه الجاذبية لو ألغيت نهائياً لتسمم جسم الإنسان، وتبارك الله أحسن الخالقين، أشياء عديدة، وكما ذكرتم سابقاً،

 

﴿ وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ { ﴾

 لابد للإنسان من أن يتابع، ويدرس ليدرك عظيم نعم الله تعالى عليه، وكما ذكرتم باب العلم أنه أقرب، وأوسع الأبواب للتحدث عن الله تعالى، ومعرفة شيء عنه، الآن وبعد أن ذكرتم أشياء متعددة في حلقة سابقة نتابع عن أفعاله تعالى، وكتابه القرآن الكريم.

 

 

الأستاذ:

بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
 الحقيقة أننا في الحلقة سابقة تحدثنا عن الله عز وجل، عن أن العلم هو علم بخلقه، وبأمره، ويحتاجان إلى مدارسة، كل إنسان أتيح له وقت فراغ، أعطي قوة إدراكية جيدة، أتيح له معلم وكتاب يبرع في هذا العلم، ثم بينت أن العلم بالله شيء آخر، فالعلم بالله ثمنه باهظ، لكن نتائجه باهرة، من بنود الثمن التفكر في خلق السماوات والأرض، وهذا التفكر بخلق الله عز وجل، وهذا الكون كما قلت في حلقة سابقة: مظهر لأسماء الله الحسنى، وصفاته الفضلى، والتفكر في خلق السماوات والأرض أوسع باب ندخل منه على الله، وأقصر طريق إليه، إنك تقف وجهاً لوجه أمام عظمة الله عز وجل، بل إن الله سبحانه وتعالى يبين في بعض الآيات الكريمة أن خلق السماوات والأرض هو سبب معرفة الله عز وجل:

 

 

﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً (12)﴾

 

(سورة الطلاق)

والذي يلفت النظر في الآية أن الله اختار من أسمائه القدير والعليم، وهذان الاسمان كافيين كي يستقيم الإنسان على أمر الله.
 أنت حينما ترى الإشارة حمراء لا تتجاوزها، لأن الشرطي واقف، هذا عين واضع القانون، لكن تتجاوزها في الثالثة ليلاً، لأن واضع القانون لا يطول المواطن، يستطيع أن يتلفت، فمتى يستقيم الإنسان ؟ إذا أيقن أن خالق السماوات والأرض يطوله علمه، وتطوله قدرته في كل وقت وزمان.
لذلك هذا الأعرابي قال له سيدنا عمر: بعني هذه الشاة، وخذ ثمنها، قال: ليست لي، قال: قل لصاحبها: ماتت، أو أكلها الذئب، قال: والله إني لفي أشد الحاجة إلى ثمنها، ولو قلت لصاحبها: ماتت، أو أكلها الذئب لصدقني، فإني عنده صادق أمين، ولكن أين الله ؟ هذا هو الدين، هذا الأعرابي وضع يده على جوهر الدين، فالدين أن تطيع الله، وتخشاه، أن تقول: أين الله، وأن تلتزم بما أمر، وتنتهي عما عنه نهى وزجر، فالتفكر في خلق السماوات والأرض يشعر بالخشية، لأن الله عز وجل يقول:

﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾

(سورة فاطر)

 أنت حينما تتفكر في خلق السماوات والأرض تعرف من هو الله، وماذا عنده إذا أطعته، وماذا ينتظر العاصي إذا عصاه.

 

المذيع:

 يمكن أن نتوقف قليلاً، وكنت قد طرحت مثل هذا السؤال في حلقات قديمة جداً، لأن بعض الإخوة المشاهدين يمكن أن يتطرق إلى أذهانهم أن بعض العلماء كما تحدثتم يؤمنون، وبعض العلماء الآخرين على غير إيمان، رغم أنهم علماء ومتخصصون، ووصلوا إلى مرحلة مترقية جداً في موضوع اختصاصهم، ترى لماذا لم يؤمنوا ؟ على حين أن الله:

 

 

﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾

 

الأستاذ:

 الإجابة واضحة جداً، الإنسان حينما يتخذ قراراً أولياً لطلب معرفة الله أيّ شيء يدل على الله، فالبعرة تدل على البعير، والأقدام تدل على المسير، والماء على الغدير، أفسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، ألا تدلان على الحكيم الخبير ؟ فالإنسان حينما يتخذ قراراً أولياً لطلب معرفة الله أيّ شيء يدله على الله، وحينما لا يتخذ هذا القرار لو كان في أضخم محطة فضاء في العالم، وهو يرى المجرات كل يوم بألوانها الزاهية، لو كان في مخبر فيه مجهر إلكتروني يرى الخلية، وعمل الخلية، هذا الإنسان الذي لم يتخذ قرارًا بمعرفة الحقيقة مثله كمثل آلة تصوير غالية جداً، ومتطورة، لكن ليس فيها فيلم، فكل هذه التجريبات والتقنيات والخصائص المتميزة لا معنى لها من دون فيلم يلتقط هذه الصور، فالإنسان على بساطته ومعطيات بيئته المتواضعة إذا اتخذ قراراً بمعرفة الله عز وجل أيّ شيء يدله على الله، ويوصله إليه، ثم يسعد بقربه من الله، والذي يطلب الشهوة والدنيا، والسمعة والمال، والجاه والشأن الكبير في الأرض، ولم يتخذ قراراً لمعرفة خالق السماوات والأرض فقد يعيش مع آيات، واحد بالمليار منها يجعل الإنسان يخشع لله، لكنه لا يخشع، لذلك:

 

﴿إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ (3)﴾

 

(سورة الجاثية)

 هذه الآية عجيبة، كنت أظن أن الإنسان يفكر في الآية فيؤمن ‍‍!!! إذا اتخذ قراراً أن يكون مؤمناً داخلياً، وقراراً أولياً أن يطلب الحقيقة، تأتي هذه الآيات فتعرفك بالله عز وجل لذلك:

 

﴿ إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ (3)﴾

فالإيمان أولاً.
 إن للإنسان في الحياة خيارات، فحينما يختار معرفة الحقيقة أيّ شيء في الكون يدله عليها، وحينما لا يختار معرفة الحقيقة لو عاش مع آيات باهرات ناصعات واضحات لا يتأثر بها، والإنسان شهوته قد تعمي بصيرته، حبك الشيء يعمي، هذه إجابة عن أسئلتكم.

 

 

المذيع:

 مع هذا كيف يأتي قوله تعالى:

 

 

﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾

 

الأستاذ:

 الحقيقة كلمة علماء يجب أن نفهمها على نحو يتناسب مع الآيات الأخرى، العلماء الذين أرادوا معرفة الحقيقة.

 

المذيع:

 البعض شبّه الأمر بإنسان حلق في طائرة مثلاً من مكان عالٍ مرتفع، ونظر إلى حي من الأحياء، رأى شوارعه، وكيف تتصل، وتلتقي، وإلى أين نهايتها، ومن أين تبدأ، وأين تنتهي، الآن أنزلناه إلى ساحة في وسط هذا الحي يستطيع أن يتحرك في الاتجاهات كلها، فقد سبق عنده هذه المعلومات التي عبرت عنها بأنه إرادة المعرفة والإيمان، وعلم هذا الإنسان، وذكاؤه نفسه لن نضعه في مكان عال، أتينا به مباشرة إلى هذه الساحة في هذا الحي، وقلنا له: انطلق من هذا المكان، وأوصل نفسك إلى المكان الفلاني، لا يعرف ماذا يختار، ومن أين يبدأ، وأين ينتهي، فلا بد في البداية من معرفة الشمولية التي هي تدل على الله تعالى.

 

 

الأستاذ:

 نضيف إلى العلم بخلق الله العلم بفعل الله، العلم بخلق الله آيات كونية، والعلم بفعل الله، آيات تكوينية، المؤمن ينطلق من أن الله سبحانه وتعالى لا يقبل، ولا يعقل أن يقع في ملكه ما لا يريد } إِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ {، ما أمرك أن تعبده إلا بعد أن طمأنك أن الأمر كله عائد إليه، المؤمن يعتقد أن أفعال الله حكمة كلها، ورحمة، وعدل كلها.
 فحينما ترى أن في الأرض آلهة غير الله عز وجل هذا نوع من الشرك، الله عز وجل يقول:

 

﴿ وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾

(سورة الزخرف)

﴿ مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾

(سورة فاطر)

 المؤمن حينما يتأمل أفعال الله يكتشف حقيقة أن هذه الأفعال فيها تأديب، وإكرام، وعدل، ورحمة، وسوق الإنسان إلى بابه، فحينما نفهم المصائب التي تقع على بني البشر هذا الفهم التوحيدي ترتاح نفوسنا، والقوة في ملعبنا، أما حينما نفهمها قهراً وظلماً وسحقاً لهذا الإنسان نصاب بحالة خطيرة جداً، اسمها اليأس والخنوع والسوداوية، فالمؤمن حينما يصاب بمصيبة يوقن يقيناً قطعياً أن هذه المصيبة من عند الله، ولكن السبب منه.

 

﴿ أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾

 

(سورة آل عمران)

المذيع:

 من أفعال الله تعالى يمكن أن يقال: الزلازل والبراكين هي عندما تبرز من ناحية علمية يدرك الدارس أن الأمور الجيولوجية لها تأثير، وهي من الأسباب التي وضعها الله تعالى، ومن النواميس التي تؤدي للزلازل والبراكين، لماذا لا نقول: إن هؤلاء الذين يعيشون في هذه المناطق، والذين يعيشون في مناطق بعيدة عن هذه الأماكن هؤلاء ابتلوا بها، والآخرون لم يبتلوا بهذه الزلازل والبراكين، أفيكون تأديب الله تعالى أو ابتلاؤه أو امتحانه حتماً بهذه الزلازل والبراكين، ويكون بعيداً عمن كانوا بعيدين عن هذه الأرض ؟

 

الأستاذ:

 الحقيقة أن الزلازل والبراكين لها أسباب أرضية، لكن من هو مسبب الأسباب ؟ لا يتناقض مسبب الأسباب الأرضية، كما أنه مقبول أن نفهم أن مسبب الأسباب أراد هذا الشيء، لكن لحكمة بالغة، والآية الكريمة:

 

 

﴿ قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ﴾

 

(سورة الأنعام)

 الصواعق قد تكون الصواريخ.

 

﴿ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾

 الزلازل.

 

 

﴿ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾

 الحروب الأهلية.

 

 

﴿ قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾

 هذا تفسير توحيدي، وهو لا يتناقض مع التفسير المادي للمصيبة، من سبب هذه الأسباب وحركها ؟ هو الله عز وجل، لكن المصائب في الحكم الشرعي لها حكم دقيق جداً، هناك مصائب تصيب المؤمن.

 

 

﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (157)﴾

 

(سورة البقرة)

 المصائب التي تصاب للمؤمنين من أجل دفعهم إلى مزيد من الأعمال الصالحة، أو ردعهم، لكن المصائب التي تصيب الشاردين من أجل سحقهم، أو ردعهم، مصائب ردع أو قصم، إنسان كتلة شر، لا يحب الخير إطلاقاً، يحب أن يعيش وحده، هذا ربنا يقصمه أحياناً، يأتيه سؤله، ثم يقصمه، أو يردعه، فهي قصم للشاردين عن الله، ورفع للمؤمنين به، وكشف لأنبيائه.
 قد تقع طائرة، وفيها مئة راكب، كل يموت على نيته، من السذاجة أن نتوهم أن هذه المصيبة عامة، ومصيرهم واحد، لا !!! فقد يكون أحد الركاب يطلب العلم بمكان يموت شهيداً، والثاني لسياحة، فحينما تأتي مصيبة عامة كل إنسان له حال مع الله، وشتان بين الحالتين، إنسان أراد الطاعة، وإنسان يريد المعصية، وهما راكبان في طائرة واحدة.
الإنسان أحياناً يعد نفسه ذكياً جداً، إذا فعل شيئاً ضرب عصفورين بحجر، خالق الأكوان يحقق مليون هدف بعمل واحد، هذا الشيء له تفسير في القرآن الكريم.

 

المذيع:

 علماً سيدي، أن في موضوع الزلازل والبراكين صحيح أنها يمكن أن تكون باتجاه أناس سكنوا في هذه المنطقة دون أن يسكنوا في منطقة أخرى، فهنا ولدوا، وهنا عاشوا، وهنا قضوا أعمارهم وحياتهم، فالله سبحانه وتعالى الذي يسبب هذه الأسباب جعل للإنسان عقلاً، يفكر بكيفية التخلص، وتجنب هذه الكوارث الطبيعية، وكثيراً ما نسمع هزة أرضية حدثت في مكان ما بلغت درجتها الدرجة الفلانية، ولا تؤذي أحداً، على حين أنها بلغت أقل من ذلك في مكان آخر، وتهدمت الأبنية، حتى في مجال الكوارث الله وهب للإنسان عقلاً، كيف يحيط نفسه بسياج آمن من خلال ما وهبه الله تعالى ليكون بعيداً عن هذه الكوارث الطبيعية ؟

 

 

الأستاذ:

 لذلك أنت حينما تتأدب مع قوانين الله عز وجل هذا نوع من العبادة، فالزلزال قانون، وهناك أبنية تقاوم الزلازل، فنحن حينما نكشف قوانين الزلزال، ونبني أبنية تقاوم قوانين هذا الزلزال هذا أخذ بالأسباب، أقول دائماً: إن الإيمان الكامل أن تأخذ بالأسباب، وكأنها كل شيء، ثم تتوكل على الله، وكأنها ليست بشيء.
سهل جداً أن آخذ بالأسباب، وأعتمد عليها، وأؤلهها، كما هي حال الغرب، وسهل جداً ألا آخذ بها، وأتوكل توكلاً ساذجاً على الله، لكن البطولة أن تأخذ بها، وكأنها كل شيء، ثم نتوكل على الله، وكأنها ليست بشيء، البطولة أن تأخذ بها تأدباً مع الله.
 النبي عليه الصلاة والسلام في هجرته أخذ بكل الأسباب، هيأ من يمحو له الآثار، ومن يأتي له بالأخبار، واختار دليلاً ليس مسلماً، بل مشركاً، غلّب الخبرة على الولاء، ترك ابن عمه سيدنا علي في الفراش، أخذ بكل الأسباب، وتوكل على الله، فوصلوا إليه، لو أن اعتماده كان على الأسباب لانهار، لكن اعتماده على مسبب الأسباب، عَنْ أَبِي بَكْرٍ رَضِي اللَّه عَنْه قَالَ: قُلْتُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا فِي الْغَارِ:

 

 

(( لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ تَحْتَ قَدَمَيْهِ لَأَبْصَرَنَا، فَقَالَ: مَا ظَنُّكَ يَا أَبَا بَكْرٍ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا ؟ ))

 

(صحيح البخاري)

 هذه البطولة أن نأخذ بالأسباب، وكأنها كل شيء، ونتوكل على الله، وكأنها ليست بشيء، كأن الطريق الكامل هو طريق عن يمينه واد سحيق، وعن يساره واد سحيق، إذا أخذنا بالأسباب، واعتمدنا عليها سقطنا في الشرك، إن لم نأخذ بها سقطنا في المعصية، وكأنني ألخص أن مشكلة الغرب أخذ بالأسباب وألهها، وأن مشكلة الشرق الإسلامي كلاهما وقع في المعصية، البطولة أن نأخذ بها.
مثل بسيط، عندي سفر، أراجع مركبتي مراجعة تامة، وأنا معتقد في أعماق أعماقي أن الله هو الحافظ، آخذ بالأسباب تأدباً مع الله، وأدعو الله عز وجل أن يحفظني في هذا السفر.
الذي يقول: أنا سيارتي ممتازة، قد تصيبه مشكلة كبيرة، والذي لا يراجع السيارة هذا عصى الله عز وجل، لم يأخذ بالأسباب.

 

المذيع:

 في هذا الميدان أفترض أني أريد أن أنشئ عمارة ما لي، وأتيت بأحسن المهندسين، وأخذت آراء من سيسكن في هذه العمارة، كيف تريدون أن تكون مساحة الشرفات، وكل الحاجات الموجودة، نقلها من مكان إلى مكان، درستها، وفصلت فيها، وأخذت الآراء، وأعدت دراستها، وبعد هذه الدراسة المستفيضة من المتخصصين أنشأت العمارة، أنا متأكد أنني سأقول بعد انتهائي من العمارة: لو أنني فعلت هكذا، بإضافة كذا لكان أفضل، ولو فعلت الشيء الفلاني بمقدار كذا، ودليل ذلك ما نشاهده في المقتنيات، السيارات في كل حين نجد تطوراً جديداً، الذي أدخل على أمور السيارات، وكل ما نشاهده في الكون، مع وجود الاختصاصين، والأخذ بالأسباب، وإعمال العقل لم يوصلنا عقلنا للمدى الذي نريده، أما الإنسان المؤمن فيفعل هذا كله، ثم يا رب، توكلت عليك، هذه هي الأسباب التي أقدر عليها فوفقني.

 

 

الأستاذ:

لي مأخذ على موقف بعض المسلمين أنهم يكتفون بالدعاء، وقد قال العلماء: الدعاء من دون سعي استهزاء بالله عز وجل.
 سيدنا عمر مر بأعرابي معه ناقة جرباء سيدنا قال: يا أخا العرب سيدنا ماذا تفعل بهذه الناقة ؟ قال: أدعو الله أن يشفيها، قال: يا أخي سيدنا هلا جعلت مع الدعاء قطرانا ؟ هذا الذي ينقصنا، ينبغي أن نتوكل على الله بعد الأخذ بالأسباب.
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ يَقُولُ: قَالَ رَجُلٌ:

 

(( يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَعْقِلُهَا، وَأَتَوَكَّلُ، أَوْ أُطْلِقُهَا، وَأَتَوَكَّلُ ؟ قَالَ: اعْقِلْهَا، وَتَوَكَّلْ ))

(الترمذي)

 يمكن أن نتعرف إلى الله من خلال خلقه وأفعاله، والدليل:

 

﴿ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (11)﴾

 

(سورة الأنعام)

 أنا مكلف أن أفهم الأحداث الكبرى فهما توحيدياً، هذا يعينني على معرفة أن الله هو المتصرف، شيء آخر، أعرف الله من كلامه، قال الله عز وجل:

 

﴿ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾

 

(سورة البقرة)

 ومن أجمل ما قرأت في تفسير هذه الآية أن نتلوه حق تلاوته، تعني قراءته قراءة صحيحة، تعلموا العربية، فإنها من الدين، ثم تقرأه وفق قواعد التجويد، هذا معروف، ثم تفهم هذه الآيات، لأن النبي عليه الصلاة والسلام فيما ورد في الأثر:

 

(( ليس للمرء من صلاته إلا ما عقل منها ))

 

(ورد في الأثر)

 ثم إنه ينبغي أن تتدبر القرآن، فيجب في كل آية فيها نهي أو تفكر أو أمر، أي أين أنا من هذه الآية ؟ هل مطبق لهذا الأمر ؟ هل أنا مجانب لهذا النهي ؟ هل أنا متفكر في هذه الآية ؟ فأن تدرس حالتك من خلال هذه الآية من التدبر، ثم ينبغي أن تطبقه، فالتلاوة حق التلاوة تعني أن تقرأه قراءة صحيحة، أن تفهم معاني القرآن الكريم، ثم تتدبره، بمعنى أن تحافظ نفسك في أوامره ونواهيه، ثم تطبقه، فعَنْ صُهَيْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

 

(( مَا آمَنَ بِالْقُرْآنِ مَنْ اسْتَحَلَّ مَحَارِمَهُ))

 

(الترمذي)

 الآن حينما أتعرف إلى الله من خلال خلقه وأفعاله وكلامه أكون قد قطعت شوطاً في معرفة الله عز وجل.

 

المذيع:

الله عز وجل أن نكون على هذا الطريق لقطع هذا الشوط الذي به نعرف الله تعالى.
 في ختام هذا اللقاء كل الشكر لسماحة الشيخ محمد راتب النابلسي، الأستاذ في كلية التربية في جامعة دمشق، وكل الشكر للإخوة المشاهدين، وموعدنا معكم بإذن الله في مثل هذا الوقت من الأسبوع القادم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018