الفقه الحضاري - الندوة : 16 - العلم بالله وبأمره وبخلقه 1 الإنسان في الأصل مخلوق للجنة . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠30برنامج الفقه الحضاري - قناة سوريا الفضائية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الفقه الحضاري - الندوة : 16 - العلم بالله وبأمره وبخلقه 1 الإنسان في الأصل مخلوق للجنة .


2003-07-03

الأستاذ عدنان:

 السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أحييكم عبرة القناة الفضائية السورية في هذه الحلقة الجديدة من برنامج الفقه الحضاري في الإسلام، ويسرنا أن نلتقي اليوم مع سماحة الشيخ الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي، الأستاذ في كلية التربية في جامعة دمشق.
أهلاً ومرحباً بكم.

 

الأستاذ راتب:

أهلاً بكم أستاذ عدنان، جزاكم الله خيراً.
 كل ما يمكن أن يُتحدث عن الإنسان تجد نفسه ضائعاً، ذلك إذا كانت الجنة، إذا أراد الإنسان وصفها بأي وصف فإنها تنفر من أي وصف، لأنها فوق أي وصف، فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فما يتصل بالله تعالى هو أكثر من ذلك وصفاً وأدق، لا يستطيع الإنسان إلا أن يتحدث عن آثار خلقه، إلا عن الأشياء التي يراها أحياناً من قدرته تعالى، من هذه الأشياء التي يراه ومن الآثار التي يراها منعكسة أمام عينيك ما كان بسبب العلم، والعلم له إطارات واسعة، يمكن أن يكون الإنسان قد درس عن الله تعالى موضوع التوحيد، توحيد الألوهية والربوبية، يمكن أن يكون قد درس آثار قدرة الله تعالى مما في الكون من أشياء معجزة، ونواميس كثيرة، يمكن أن يدرس عن الله تعالى قدرته العجيبة، فهو الذي إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون، الآثار إذاً كثيرة، وما يريد الإنسان أن يتحدث عنه يبقى إطاره واسعاً كبيراً، لكن الحد الذي سوف نتناوله في هذه الحلقة بإذن الله ما يتصل بالعلم عنه، وبالعلم عن بعض الأمور المتعلقة بخلقه، أي بخلق الله تعالى للمكونات، ممكن أن نتناول هذا الموضوع.

 

الأستاذ راتب:

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
 أستاذ عدنان، جزاكم الله خيراً، قبل أن نبدأ البحث لا بد من تعقيب لطيف على الحديث الذي تفضلتم به، وهو في السيرة، وفي أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَالَ اللَّهُ:

(( أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ، فَاقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ ﴾ ))

[ أخرجه البخاري ومسلم و أحمد في مسنده والترمذي وابن ماجة]

 هناك دائرة المرئيات، وهي محدودة، فالواحد منا يسافر إلى بضعة بلدان في العالم، لكن الذي يسمعه عن بلدان الأرض كثير جداً، نسبة المرئيات إلى المسموعات قليل جداً ، فالله عز وجل يقول في الحديث القدسي:

(( أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ ـ لكن دائرة الخواطر لا تعد ولا تحصى ـ ولا خطر على قلب بشر ))

 الإنسان في الأصل مخلوق للجنة، والبشر يمكن أن يقسموا إلى زمرتين لا ثالث لهما.

 

﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6)﴾

 

( سورة الليل )

 الحسنى هي الجنة، الذي يصدق أنه مخلوق للجنة يحرص حرصاً بالغاً على طاعة الله، ثم إنه يتقرب إلى الله بالأعمال الصالحة، يعني اتقى أن يعصيه، وبنى حياته على العطاء لأنه صدق بالحسنى، الرد الإلهي أنه ييسره إلى ما خلق له من الجنة:

 

﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى ﴾

 الزمرة الثانية: البشر طبعاً على اختلاف انتماءاتهم وأعراقهم وألوانهم ومذاهبهم ودياناتهم هم زمرتان، الزمرة الثانية:

 

 

﴿ وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9)﴾

 

( سورة الليل )

 كذب بهذه الجنة، كذب بأنه مخلوق لجنة عرضها السماوات والأرض، آمن بالدنيا فقط، ولا شيء غير الدنيا.

 

﴿ يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآَخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (7)﴾

 

( سورة الروم )

 لأنه آمن بالدنيا، وآمن بالمادة، وآمن بالمتعة، إذاً هو مستغنٍ عن طاعة الله، الآن بين المؤمن وغير المؤمن بون شاسع، المؤمن بنى حياته على العطاء، يعطي من وقته، من ماله، من خبرته، من عضلاته، من جهده ليتقرب إلى الله لخدمة خلقه، بينما الذي لم يؤمن يبني حياته على الأخذ، المؤمن يعطي، والذي لم يؤمن يأخذ، لذلك حينما ألف بعضهم كتاباً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم له تقديماً رائعاً قال له: " يا من جئت الحياة فأعطيت ولم تأخذ، يا من قدست الوجود كله، ورعيت قضية الإنسان، يا من زكيت سيادة العقل ونهنهت غريزة القطيع، يا من هيأك تفوق لتكون واحداً فوق الجميع، فعشت واحداً بين الجميع، يا من كانت الرحمة مهجتك، والعدل شريعتك والحب فطرتك، والسمو حرفتك، ومشكلات الناس عبادتك ".
 شيء دقيق جداً أن هؤلاء البشر ستة آلاف مليون هؤلاء زمرتان، زمرة صدقت بالحسنى، أن هذا الإنسان هو المخلوق الأول عند الله، مخلوق للجنة، يقتضي هذا الإيمان أن يتقي أن يعصي الله، له منهج يسير عليه، هناك ضوابط، في حياته ممنوعات، في حياته مباحات، في حياته أوامر نواهٍ، إنسان يتحرك وفق منظومة قيم، وفق منظومة مبادئ، ويقتضي ذلك التقرب إلى الله عز وجل، إذاً بنى حياته على العطاء، الآن الله عز وجل ييسره لهذه الجنة، إما يلهمه الأعمال الصالحة، أو يمكنه من الدعوة إلى الله، أو يمكنه من أعمال البر.
الزمرة الثانية: آمنت بالدنيا، آمنت بالمادة فقط، آمنت بالشهوة، أعضاء الفريق الآخر جعلوا شهوتهم إلههم.

 

﴿ أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾

 

( سورة الجاثية الآية: 23 )

 هذا الذي أمن بالدنيا فقط، واستغنى عن الإيمان بالآخرة لا يجد حاجة إلى أن ينضبط، استغنى عن طاعة الله، ثم إنه بنى حياته على الأخذ، يرى بطولته في أن يعيش على أنقاض الآخرين، في أن يبني حياته على موتهم، في أن يبني عزه على إذلالهم، كما نسمع ونرى فيما يجري في العالم، فهذه الآية دقيقة جداً، إنها تفرز البشر على اختلاف انتماءاتهم إلى زمرتين، ولا ثالث لهاتين الزمرتين، هذا تعقيب سريع على ما تفضلتم به من الحديث الشريف الذي يروي النبي عن ربه:

 

(( أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ))

 

 موضوع هذا اللقاء الطيب إن شاء الله قضية العلم، الإنسان هو المخلوق الأول رتبةً، ميزه الله بأن أودع فيه قوة إدراكية، فالإنسان حينما يعزف عن طلب الحقيقة وعن طلب المعرفة، حينما يعزف عن أن يعرف الذي خلقه، والذي كونه، ولماذا خلقه، الإنسان حينما يعرض عن طلب الحقيقة يهبط إلى مستوى لا يليق به، لأنه ما من صفة في الإنسان غير العلم والإيمان إلا وفي المخلوقات ما يفوقه بها، تصور أن أكبر عالم في الأرض في الزلازل لا يستطيع أن يتنبأ بالزلزال ولا قبل ثانية، إن بعض البهائم تتنبأ قبل ربع ساعة، ما من صفة في الإنسان إلا وفي المخلوقات ما يفوقه بها، لكن الإنسان متفوق في طلب الحقيقة، وفي معرفة الله عز وجل، فالإنسان حينما يلغي من حياته طلب العلم يهبط عن مستوى إنسانيته إلى مستوى لا يليق به.
فلذلك يقول الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: " إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم، وإذا أدرتهما معاً فعليك بالعلم ".
لكن الإمام الغزالي رحمه الله تعالى يقول: " العلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك، فإذا أعطيته بعضك لم يعطيك شيئاً ".
وقيل: " يظل المرء عالماً ما طلب العلم فإذا ظن أنه قد علم فقد جهل ".
 فلمجرد أن تشعر أنك أحطتَ بالعلم فهذا عين الجهل، وفي العقيدة الإسلامية مقولة رائعة: " عين العلم بالله عين الجهل به، وعين الجهل به عين العلم به "، لأن الله عز وجل يقول:

﴿ وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً (85)﴾

( سورة الإسراء )

﴿ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾

( سورة البقرة الآية: 255 )

 إذا اتجه الإنسان إلى معرفة الله عز وجل يمكن أن يصل إليه، لا أن يحيط به، وفرق كبير بين أن أركب مركبة، واتجه بها إلى الساحل، هذه المركبة توصلني إلى الساحل، ولكنني لا أستطيع بهذه المركبة أن أغوص في عباب البحر، فأنا أصل إلى الله، ولكن لا أستطيع أن أحيط به.
إذاً العلم من اختصاص هذا الكائن الأول الذي خلقه الله عز وجل، قال تعالى:

 

﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً (72)﴾

 

( سورة الأحزاب )

 الإنسان قَبِل حمل الأمانة، إذاً:

 

﴿ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ﴾

 

( سورة الجاثية الآية: 13 )

فالمسخر له أعظم عند الله من المسخر، فالإنسان الكائن الأول، ولو عرف الإنسان قيمته، وعرف أنه المخلوق الأول لذاب في محبة الله، والعمل من أجل التقرب إليه.
 إذاً العلم هو الذي يميز الإنسان، ولكن هناك من العلماء من أعطى لهذا العلم بعض التبويبات، هناك علم بخلقه، الله عز وجل خلق المجرات، وخلق الشمس والقمر، وخلق الأرض ببحارها وبحيراتها، وبجبالها ووديانها، وصحاريها، وخلق الأطيار، وخلق الأسماك، وخلق النباتات، هذا كله خلق الله، لذلك هناك علم بالفلك، هناك علم بالنبات، علم بالحيوان، علم بالإنسان، علم الطب، هناك الفيزياء والكيمياء، هناك الجيولوجيا، هناك الجغرافيا، هناك الفيزياء النووية، هذه كلها علوم الأرض، هذه كلها من اختصاص الجامعات في العالم، كل هذه العلوم تبحث عن القانون، عن العلاقة الثابتة بين المتغيرات، وهذه العلوم تصل إلى أعلى درجة حينما تقلب أوصافها إلى علاقات رياضية، الهدف الأول لهذه العلوم الوصول إلى علاقات ثابتة بين المتغيرات، القانون ما فائدته ؟ إنه يعيننا على التنبؤ، قانون التمدد، المعادن تتمدد بالحرارة، فلو أننا لم نراعِ القانون في بناء البيوت لتتداعى البناء في الصيف، إذاً حينما نكشف هذا القانون يمكن نتنبأ بما سيكون فيما لو خالفنا، فهذه كلها علوم الأرض، العلم بخلق الله، يحتاج إلى ما يسمى المدارسة، المدارسة كلمة جامعة في نشاطات عديدة، تحتاج ليكون لك أستاذ، تحتاج إلى أن تحضر محاضراته، تحتاج إلى كتاب، تحتاج إلى قراءة، تحتاج إلى مراجعة، تحتاج إلى مذاكرة، تحتاج إلى أداء امتحان، تحتاج إلى أن تعيد الامتحان، تحتاج إلى أن تنال شهادة، تحتاج إلى أن تنال ورقة عمل، فالحضور والدوام، والقراءة والمراجعة، والبحث والدرس، والرجوع إلى المراجع، والاستفسار من الأستاذ، ثم حفظ هذه المعلومات، ثم أداؤها في الامتحان، ثم نيل الشهادة، هذه العمليات المتعددة يمكن أن نلخصها بكلمة

(( المدارسة ))

، وعلوم الأرض تحتاج إلى مدارسة، ما هي المدارسة ؟ أو ما هدف هذه المدارسة ؟
 أن يستقر في ذهن الإنسان مجموع هذه الحقائق، ومجموع هذه القوانين، ومجموع المشكلات، وكيف تحل، هذا هو العلم، لكن الذي يلاحظ أن الإنسان حينما يجمع هذه الحقائق، ويخزنها في ذاكرته، ويتفوق في الحديث عنها هذا الجانب عقلي فقط، أما جانبه النفسي فقد يكون على حالة لا ترضي، أما سلوكه فقد يكون على حالة لا ترضي، فهذا العلم، العلم بخلق الله يحتاج إلى مدارسة، ولكن نتائجه أنها لا تزيد على معلومات دقيقة محفوظة في دماغ هذا الإنسان.
 يمكن أن نضيف إلى هذا العلم، العلم بأمر الله، هناك علم الفقه، وهناك علم أصول الفقه، وهناك تاريخ الشريعة، وهناك الفقه المقارن، وهناك أحكام الزواج والطلاق، أحكام العارية، وأحكام والحوالة والكفالة، هذه كلها معلومات أيضاً معلومات وأدلة شرعية، وعقلية، ونقلية، وفروع، وكتب، ومؤلفات، وجامعات إسلامية، وكليات شريعة، العلم بأمره أيضاً يقتضي المدارسة.
ولكن التركيز في هذا اللقاء الطيب على علم قلّمَا ينتبه الناس إليه، المدارسة ثمن مقدور عليه، وأيّ إنسان يتمتع بوقت فارغ، وعنده إدراك جيد، وأتيح له معلم كبير، وكتاب واضح، ومتفرغ، فهذا الثمن مقدور عليه، والنتائج أنه يتفوق في هذا الاختصاص.
 ولكن العلم بالله شيء آخر، ثمن العلم بالله ليس المدارسة فقط، ثمن هذا العلم المجاهدة، فالإنسان حينما يتعرف إلى الله من خلال خلقه، ويتعرف إلى الله من خلال فعله، ويتعرف إلى الله من خلال كلامه، اصطُلِح على أن هناك آيات كونية، وآيات تكوينية، وآيات قرآنية، الآية العلامة الدالة على عظمة الله عز وجل، فهناك آية كونية كالشمس والقمر، والليل والنهار، والجبال، والماء، والأمطار والنبات، والطعام والشراب، كل شيء تقع عينك عليه من آيات الله الدالة على عظمته، بل إن هذا الكون بأكمله هو مظهر لأسماء الله الحسنى وصفاته الفضلى، آياته الكونية تدل عليه، الآن أفعاله تدل عليه، قد يقوي هؤلاء، يضعف هؤلاء، ينصر هؤلاء، لا يسمح لهؤلاء أن ينتصروا، هذه أفعاله، ولها حكمة بالغة، وحكمة ناصعة.
 مثلاً من آياته الخلقية التكوينية أو الكونية، وقع تحت يدي قبل أيام بحث معنون بالغشاء العاقل، فالبحث لطيف جداً، لكن فيه آيات صارخة في الدلالة على عظمة الله عز وجل، المرأة حينما تحمل، وحينما تلد ينزل مع الجنين قطعة لحم دائرية على شكل قرص يسميها علماء الطب المشيمة، ويسميها عامة الناس الخلاص، حقيقة هذه المشيمة أنها مكان تلتقي به دورة دم الأم ودورة الجنين، الجنين له دورة دموية، والأم لها دورة دموية، هاتان الدورتان الدمويتان تلتقيان في المشيمة، والشيء الذي يلفت النظر أنه قد تكون زمرة دم الأم غير زمرة دم الجنين، الزمرتان مختلفتان، وتلتقيان، ولا تختلطان، زمرتان مختلفتان تلتقيان في المشيمة، ولا تختلطان، بين الزمرتين غشاء هذا الغشاء يقوم بوظائف يعجز عنها العلماء، بماذا يقوم هذا الغشاء ؟ هذا الغشاء ينتقي بحكمة بالغة من دم الأم ما يحتاجه الجنين، ينتقي البوتاس، المعادن، الفيتامينات، البروتينات، المواد الدسمة، السكريات بنسب دقيقة جداً تتناسب مع الجنين، بل إن هذا الانتقاء يتبدل يومياً، بحسب نمو الجنين، ما هذا الغشاء الذي يختار من دم الأم ما يحتاجه الجنين بحكمة بالغة، وبعلم بالغ، وبنسب دقيقة جداً، وهذه النسب متبدلة ومتطورة مع نمو الجنين ؟!

الأستاذ عدنان:

 حتى إن حليب الأم يختلف تقريباً من رضعة إلى أخرى حسب متطلبات ونمو الطفل الرضيع.

 

الأستاذ راتب:

 تأكيداً لما تفضلتم به فإن نسب الدسم في حليب الأم تتبدل في أثناء الرضعة الواحدة، فتبدأ الرضعة بـ 60% ماءً، و40 % دسما، في نهاية الرضعة تكون النسبة معكوسة 60 % دسمًا، 40 % ماء، في أثناء الرضعة الواحدة، لذلك هناك شعار تلتزم به كل معامل حليب الأطفال، " لا شيء يعادل حليب الأم ".
فهذا الغشاء العاقل يأخذ من دم الأم ما يحتاجه الجنين، الآن إذاً هو جهاز هضم، هذه المشيمة جهاز هضم، ثم إنه يأخذ من دم الأم الأوكسجين، ويعطيه لدم الجنين كي يسهم هذا الأكسجين في خرق المواد الدسمة، إذاً هو جهاز تنفس.
 ثم إن هذا الغشاء يأخذ من دم الأم المناعة التي تملكها، هذه الأم مرت بمناعات وتلقيحات، وخبرات في جسمها، محصلة هذه الأمراض التي أصيبت بها، ومحصلة اللقاحات التي تناولتها تشكل عندها مناعة، هذه المناعة تنتقل من دم الأم إلى دم الجنين عبر هذا الغشاء العاقل، هذا الغشاء العاقل له عمل معاكس، الجنين ينمو، ويأخذ أوكسجين،، ويأخذ مواد دسمة، وهذه المواد احترقت، وأصبحت إما بناء أو طاقة، فنواتج هذا الاحتراق ثاني أوكسيد الكربون، نواتج هذا الاحتراق المواد السامة، نتائج هذا الاحتراق حمض البول، الغشاء العاقل ينقلها من دم الجنين إلى دم الأم، إذاً هذه المشيمة كليتان، المشيمة بالضبط جهاز تنفس، جهاز هضم، جهاز مناعة مكتسب، كليتان، الشيء الذي لا يصدق أن الأم قد تصاب بمرض في أثناء الحمل، فقد يكون مرضًا جرثوميًا، الغشاء العاقل لا يسمح لهذه الجراثيم التي في دم الأم أن تنتقل إلى الجنين.

 

﴿ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (14)﴾

( سورة المؤمنون )

 شيء آخر، هذا الغشاء العاقل يقوم بدور البنكرياس، فهو الذي يفرز الأنسولين الذي يعين على حرق السكري في الجنين، بل إن هذا الغشاء العاقل له خاصة دقيقة جداً، وهي أنك إذا أدخلت إلى الجسم شيئاً غريباً يرفضه، وكم من عملية زرع كلية لم تنجح، لأن الجسم رفض هذه الكلية، الغشاء العاقل يستطيع أن يرسل مضادات تمنع رفض الجنين كائنًا غريبًا في جسم المرأة، ثم إن الغشاء العاقل يسهم في تهيئة الحليب في ثدي الأم التي توشك أن تلد، كل هذه الوظائف قوم بها هذا الغشاء، قال تعالى:

 

﴿ وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (21)﴾

 

( سورة الذاريات )

 لو أن الإنسان تفكر في خلقه فقط، وجسمه أقرب شيء إليه لذاب تعظيماً لله عز وجل، و لذاب محبة له.

 

﴿ أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (8) وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ (9) وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (10)﴾

 

( سورة البلد )

 أستاذ عدنان، الإنسان إذا تفكر في مخلوقات الله دخل من أوسع باب إلى الله، ومن أقصر طريق إليه، التفكر في خلق السماوات والأرض أوسع باب ندخل منه على الله، وأقصر طريق نصل به إليه.
شيء آخر، مثلاً، الله عز وجل قال:

 

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾

 

( سورة البقرة الآية: 26 )

 آية قرآنية، وما من مخلوق أهون على البشر من البعوضة، الله عز وجل ذكرها في القرآن،

 

﴿ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً ﴾

 البعوضة في رأسها مئة عين، وفي فمها 48 سناً، وفي صدرها 3 قلوب، قلب مركزي، وقلب لكل جناح، وفي كل قلب أذينان، وبطينان، ودسامان، والبعوضة تملك أجهزة لا تملكها الطائرات، تملك جهاز استقبال حراريًّا، فهي ترى الأشياء لا بشكلها، ولا بحجمها، ولا بلونها، ولكن بحرارتها فقط، فإذا كان الطفل نائمًا في سرير لا ترى البعوضة إلا الطفل، لأن حرارته 37 درجة، تتجه إلى جبينه، طبعاً البعوضة ما كل دم يناسبها، معها جهاز تحليل، فقد تختار أخاً، وتدع الثاني، معها جهاز تخدير حتى لا تُقتَل في أثناء امتصاص الدم، ومعها جهاز تمييع.
هذه البعوضة خرطومها فيه ست سكاكين، أربع سكاكين تحدث جرح مربعاً في الوعاء الدموي، وسكينان تلتئمان على شكل أنوب، والبعوضة مزودة بمخالب كي تقف على السطح الخشن، ومزودة بمحاجم كي تقف على السطح الأملس،

 

 

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً ﴾

البعوضة تشم رائحة عرق الإنسان من 60 كيلومترا.
 فالله عز وجل حينما يذكر في كتابه أمراً فهذا الأمر يقتضي الوجوب، وحينما يذكر نهياً فهذا النهي يقتضي الترك، وحينما يذكر آية كونية، فهذه الآية الكونية تقتضي التفكر، الله عز وجل يقول:

 

 

﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191)﴾

 

( سورة أل عمران )

الأستاذ عدنان:

 الحقيقة:

 

﴿ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾

 

( سورة إبراهيم الآية: 34 )

 هذه أشياء من أشياء كثيرة وكثيرة جداً من نعم الله تعالى على عبادة، ولكن الحديث عن هذه الموضوعات حديث طويل وشيق في الوقت نفسه، نؤجل بقية الكلام لحلقة تأتي فيما بعد بأذن الله تعالى.
 في ختام هذا اللقاء كل الشكر لسماحة الشيخ الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي، الأستاذ في كلية التربية بجامعة دمشق، وكل الشكر أيضاً للإخوة المشاهدين، وموعدنا معكم بإذن الله في مثل هذا الوقت من الأسبوع القادم.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018