الخطبة : 0324 - كسب المال1 ( نعمة المال ) - البنكرياس.- - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0324 - كسب المال1 ( نعمة المال ) - البنكرياس.-


1990-11-23

الخطبة الأولى:
 الحمد لله ثمّ الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنّا لِنَهْتَدِيَ لولا أن هدانا الله ، وما توفيقي ولا اعتصامي ولا توكّلي إلا على الله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقرارًا برُبوبيَّته ، وإرغامًا لمن جحد به وكفر ، وأشهد أنّ سيّدنا محمّدًا صلى الله عليه وسلّم رسول الله ، سيّد الخلق والبشر ما اتَّصَلَت عين بنظر ، أو سمعت أذنٌ بِخَبر ، اللَّهمّ صلّ وسلّم وبارك على سيّدنا محمّد ، وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريّته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدّين، اللّهمّ علّمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علّمتنا ، وزدْنا علمًا ، وأرنا الحقّ حقًّا وارزقنا اتّباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممَّن يستمعون القول فيتّبعون أحْسنه ، وأدْخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

الحياة الدنيا دارُ ابتلاء :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ جرَتْ العادة أن تكون الخُطب المتعدّدة حَوْل موضوعٍ واحد ، وكنتُ بِفَضْل الله تعالى وبِتَوفيقه قد اخترْتُ لكم موضوع العبادة ؛ لأنّ الله سبحانه وتعالى يقول :

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾

[سورة الذاريات: 56 ]

 واخترتُ لكم موضوع العلم ، لأنّ الله سبحانه وتعالى يقول :

﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا﴾

[سورة الطلاق : 12]

 أيْ أنَّ عِلَّة خلق السموات والأرض أنْ يعلمَ الإنسان أنّه لا إله إلا الله ، واخْترْتُ لكم موضوع الصَّبْر ، لأنّ طبيعة الحياة الدنيا دارُ ابتلاء ، والله سبحانه وتعالى كما قال في كتابه :

﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾

[سورة الملك : 2]

 واخْترْتُ لكم أيضًا موضوع البيت المسلم ؛ لأنّ البيت المسلم هو اللَّبِنَة الأولى في المجتمع الإسلامي ، فإذا صلَحَ البيت صلح المجتمع ، وإذا فسدَ البيت فسدَ المجتمع . واخْترْتُ لكم موضوعًا جديدًا سأجْعلهُ إن شاء الله تعالى موضوع خُطَبٍ عديدة ، الموضوع الأوّل هو المال ، لأنّ تِسْعة أعشار المعاصي في كسْب المال ، وفي إنفاقه ، وقبل أن يتحرّك الإنسانُ حركةً لا بدّ من أن يمْلِكَ تَصَوُّرًا صحيحًا ، قبل أن يقْبض ، وقبل أن يدْفع ، وقبل أن يأخذ ، وقبل أن يُعطي ، يجبُ أن يمْلِكَ عقيدةً صحيحةً فيما يتعلّق بالمال ، ما حقيقتهُ ؟ ما جوْهرهُ ؟ ما دَوْرُه ؟ من مالكُه ؟ فلعلّ الله سبحانه وتعالى ينْفعني وإيّاكم بهذا الموضوع ؛ الذي هو موضوع حيَوِيّ كما يُقال .

 

المال مال الله ولا نمْلكُ نحن إلا حقّ الانتفاع به :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ الرّجلُ قد يُحصِّلُ مالاً بِكَسْبِهِ ، وبِعَرَقِ جَبينِهِ كما يقولون ، ويظنّ خطأً أنَّ هذا المال مالُهُ ، كما ظنّ قارون ، قال تعالى :

﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾

[سورة القصص : 78]

 أيْ حصَّلْتُهُ بِجُهْدٍ مِنِّي ، وبِخِبْرتي ، وبِتَجربَتي ، وبِمَعرفتي ، وبِعَضلاتي ، وبِعَرق جبيني ، وما دام هذا المال قد حصَّلْتُه بِعِلمي ، فأنا مالِكُهُ ، وأنا حرّ التصرّف فيه ، هذه هي الفِكرة التي لا يريدها الله سبحانه وتعالى أن تعْلقَ في أذهانكم :

﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾

[سورة القصص : 78]

 فأجابه قومه كما قال تعالى :

﴿وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾

[سورة القصص : 77]

 فلمّا أصرّ على عقيدته ، وعلى تصوُّره ، وعلى فهْمه لِحَقيقة المال ، خسَفَ الله به وبِدارِهِ الأرض ، فإذا ظنّ الإنسان أنَّ هذا المال مالهُ ، ومِلْكُهُ ، مِمّا يتْبعُ هذه النَّظرة الخاطئة أن ينفقهُ كيفما يشاء ، وكما يريد ، ينفقهُ تبذيرًا ، ينفقهُ في المحرّمات ، وينفقهُ إسرافًا، والله سبحانه وتعالى يؤكّد لنا في القرآن الكريم في مواطِنَ كثيرة أنَّ المال هو مال الله ، والدليل قوله تعالى :

﴿وَآَتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آَتَاكُمْ﴾

[سورة النور : 33]

 نُسِبَ المال إلى الله تعالى ، فسمَّى المال الموجود في أيدي الناس مالَ الله تعالى.
 أيها الأخوة الأكارم ؛ ولكنّ هذا المال الذي هو مالُ الله ، وضَعَهُ الله بين أيدينا، لِيَنظرَ كيف نعمل ؟ واسْتخلفَنا ، نحن مُسْتخلفون في هذا المال ، لا نمْلكُه مُلْكًا قطْعِيًّا ، ولكن نمْلكُ حقّ الانتفاع به ، وشتّان بين من يملكُ أصْل المال ، أو رقبة المال ، كما يقول الفقهاء ، وبين من يمْلك حقّ الانتفاع به ، لذلك قال تعالى :

﴿آَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾

[سورة الحديد : 7]

 في آيةٍ نسَبَ المال إليه ، وفي آيةٍ جَعَلَهُ مُسْتَخْلفًا بين أيدينا ، إذًا المال مالُ الله ، ولا نمْلكُ نحن إلا حقّ الانتفاع به .
 والعبْدُ أيّها الأخوة ، لا يمْلكُ إلا التصرُّف الذي يُرضي الله ، فيُثيبَهُ عليه الجنة، والذي لا يرضي الله فيُثيبَهُ عليه النار ، يقول الإمام الزمخشري في تفسير قوله تعالى : " مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِيَن فِيهِ ، إنَّ الأموال التي في أيديكم هي أموال الله ، بخَلقِهِ وإنشائِهِ لها ، وإنما موَّلَكُم إيَّاها ، وخوَّلَكم حقّ الاستمتاع بها ، وجعلكم خلفاء في التصرّف فيها ، وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ، ورفع بعضكم فوق بعض درجات لِيَبْلُوَكم فيما آتاكم " أي يخْلُف بعضكم بعضًا في حقّ الاستمتاع بهذا المال . حديثٌ نبويّ شريف رواه الإمام مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال عليه الصلاة والسلام :

((إن الدنيا حلوة خضرة ، وإن الله مستخلفكم فيها ، فينظر كيف تعملون ، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء ، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء ))

[مسلم عن أبي سعيد الخدري ]

إضافة المال إلى الإنسان إضافة انتفاعٍ به :

 وقد يسأل سائلٌ لماذا في بعض الآيات أُضيف المال إلى الإنسان ؟ كقوله تعالى:

﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾

[سورة آل عمران : 186]

 وقوله تعالى :

﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾

[سورة المعارج : 24-25]

 وقوله تعالى :

﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾

[سورة التوبة : 111]

 قال علماء الأصول : إنّ إضافة المال إلى الإنسان ليْسَت إضافة ملكِيَّة لأصل المال ، بل هي إضافة انتفاعٍ به ، لأنّ القاعدة تقول : يكفي في الإضافة أقلّ الأسباب ، قد يقول لكم مُسْتخدَم في دائرة : عيَّنَّا فلانًا سفيرًا في هذه البلدة ، وهو مستخدمٌ في هذه الدائرة ، قد يقول لك عامل في بناء : أنشأنا هذا البناء ، يكفي في إضافة الشيء إلى شيءٍ آخر أدنى الأسباب ، يقول ربّنا عز وجل :

﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً﴾

[سورة النساء : 5]

 نُسِبَ المال إلى الوصيّ لأنَّ هناك تعلُّق سببٍ في التصرّف به ، إذًا إذا أُضيف المال إلى الإنسان إضافة انتفاعٍ فقط ، إضافة استخلافٍ فقط ، إضافة امتحانٍ فقط ، وابتلاء ونظرٍ فقط ، ليَنظر كيف تعملون ، ماذا تفعل بهذا المال ؟ أتَتَّخِذُهُ وسيلةً لك إلى دُخول الجنّة ؟ أتفْعَلُ به الأعمال الصالحة ؟ أتنفقُهُ في إطعام الجائع ورِعاية اليتيم ؟ وقد ورَدَ في الحديث القدسي أنّ الله يوقفُ عبْدًا من عبيده يوم القيامة ، ويقول له : عبدي أعْطَيْتُكَ مالاً فماذا صنعْت فيه ؟ يقول : يا ربّ لم أُنفق منه شيئًا على أحدٍ مَخافة الفقر على أولادي من بعدي ! فيقول الله عز وجل : إنّ الذي خشيتَهُ على أولادك من بعدك قد أنْزلْتُهُ بهم ، ألَمْ تعلَم بأنِّي أنا الرّزاق ذو القوّة المتين ؟ ويقول الله عز وجل لِعَبدٍ آخر : أنْ يا عبدي أعْطَيْتُكَ مالاً فماذا صنعتَ فيه ؟ فيقول : يا ربّ أنفقْتهُ على كلّ محتاجٍ ومِسكين لِثِقَتي أنَّك خيرٌ حافظًا ، وأنت أرحمُ الراحمين، فيقول الله عز وجل : أنا الحافظ لأولادك من بعدك .

 

المال نعمة من نعم الله عز وجل :

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ المال في وصْف الله له نِعمةُ الله ، أو نعمةٌ من نِعَم الله عز وجل ، والدليل أنّ الله امْتَنَّ على رسوله الحبيب فقال له :

﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآَوَى * وَوَجَدَكَ ضَالّاً فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى﴾

[سورة الضحى : 6-7]

 اِمْتَنَّ الله على عبده ورسوله وحبيبه وسيّد خلقِه بِنِعمةِ أنَّه كان عائلاً مفتقرًا فأغناهُ الله عز وجل ، المال إذًا في نصّ هذه الآية نِعمةٌ ، وفي آيةٍ أخرى قال تعالى :

﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً﴾

[سورة الإسراء : 6]

 إذًا هذه نِعمةٌ أيضًا ، والنبي عليه الصلاة والسلام فيما رواه الإمام مسلم حدثنا أنس قال : جاءت بي أمي - أم أنس - إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقد أزرتني بنصف خمارها وردتني بنصفه ، فقالت : يا رسول الله! هذا أنيس ، ابني ، أتيتك به يخدمك ، فادع الله له ، فقال : اللهم أكثر ماله وولده ، قال أنس : فو الله إن مالي لكثير ، وإن ولدي وولد ولدي ليتعادون على نحو المئة اليوم .
 ما الفرق بين اللهمّ أكثر ماله وولده وبين وبارك فيما أعطيْتهُ ؟ قد يكْثُر مالك ، ولكنّ كثْرة المال تحْمِلُ صاحبهُ على الطّغيان ، إذًا أكْثر الله مالهُ ، ولم يبارك له فيه ، فمعنى بارك له فيه أي يا ربّ لِيَكن هذا المال في طاعتك ، في خِدمة خلقك ، لينفق في سبيلك ، ليكون سببًا إلى جنّتك ، لِيَكون عَوْنًا على طاعتك ، ليَكون حِصناً من حاجة أهلك ، ألَمْ يقل أحد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم ، وهو سيدنا أبو ذرّ رضي الله عنه : حبَّذَا المال أصونُ به عِرضي ، وأتقرَّبُ به إلى ربِّي ، إذًا النبي عليه الصلاة والسلام دعا لسيّدنا أنس فقال: اللهم أكثر ماله وولده .

 

تسمية الله عز وجل المال خيراً :

 شيءٌ آخر ، ربّنا سبحانه وتعالى سمَّى المال خيرًا ، فقال تعالى :

﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾

[سورة البقرة : 180]

 قال القرطبي رحمه الله تعالى في تفسيره : الخيرُ هنا هو المال من غير خِلاف، ربّنا سبحانه وتعالى سمّى المال خيرًا . وروى الإمام أحمد عن عمرو بن العاص رضي الله عنه حدثنا موسى بن علي بن رباح اللخمي عن أبيه قال : سمعت عمرو بن العاص يقول : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم :

((يا عمرو اشدد عليك سلاحك وثيابك ، وائتني ، ففعلت فجئته وهو يتوضأ فصعد فيَّ البصر وصوبـه وقال : يا عمرو إني أريد أن أبعثك وجهاً فيسلمك الله ، ويغنمك ، وأرغب لك من المال رغبة صالحة ، قال : قلت : يا رسول الله إني لم أسلم رغبة في المال إنما أسلمت رغبة في الجهاد والكينونة معك ، قال : يا عمرو نعما بالمال الصالح للرجل الصالح))

[أحمد عن عمرو بن العاص]

 وقْفةٌ قصيرة عند هذه الكلمة النبويَّة ، مالٌ صالحٌ لِرَجلٍ فاسد ، بئس المال الصالح للرجل الفاسد ، مالٌ فاسدٌ للرجل الصالح ، بئس المال الفاسد للرجل الصالح ، أما مالٌ صالح اكْتُسِبَ حلالاً ، وصاحبُه مؤمن ، فهو في أصله حلال ، وسوف ينفقُ في طريق حلال ، وهذا يذكِّرنا بِقَول النبي عليه الصلاة والسلام حينما قال : " يُحشرُ الأغنياء أربعَ فِرَقٍ يوم القيامة؛ فريقٌ جمَعَ المال من حلال ، وأنفقهُ في حرام ، فيُقال : خُذوه إلى النار - تِجارة مَشروعة، أما الإنفاق فعلى الملاهي والموبقات - وفريقٌ جمع المال من حرام ، وأنفقه في حلال - كسْبُه للمال حرام ، عندهُ ملهى ، اشترى بيتًا ، وتزوَّج ، جمَعَ المال من حرام ، وأنفقه في حلال - فيُقال : خُذوه إلى النار ، وفريقٌ جمَعَ المال من حرام ، وأنفقهُ في حرام ، فيُقال : خُذوه إلى النار ، بقيَ الرابع الذي جمَعَ المال من حلال ، وأنفقهُ في حلال ، يُقال : قِفُوه فاسْألوه " هذا الذي يُحاسَب ، هل حَمَلهُ غِناه على أن يتْرُك فرْض صلاة ؟ هل قال جيرانه فيمن حوله : يا ربّ لقد أغْنيْتهُ بين أظهرنا وها هو قصَّرَ في حقّنا ؟ هل حَمَلَهُ مالهُ على الكِبْر وأن يرى نفسهُ فوق عباد الله ؟ هذا الذي يُحاسب ، من جَمَع المال من حلال ، وأنفقهُ في حلال .

 

المال قوام الحياة :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ والمال أيضًا جَعَلَهُ الله قِيامًا للناس ، قال تعالى :

﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً﴾

[سورة النساء : 5]

 قِيامُ حياتك بالمال ، فإذا ضيَّعْتهُ ، وأنفقْتهُ إسرافًا ، وتبذيرًا ، إذا أنفقتهُ في المباحات التي لا طائل منها ، إذا أنفقتهُ في المعاصي فقد حرمْت منه ذريَّتك من بعدك ، قال تعالى :

﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً ﴾

[سورة النساء : 5]

 قال الإمام الزمخشري رحمه الله تعالى : " تقومون بها ، وتنتعِشون ، ولو ضيَّعتموها لَضِعْتُم ، فكأنّ فيها قيامكم وانتعاشَكم " هكذا يقول المفسّرون ، لهذا أيّها الأخوة نهى النبي أشدَّ النَّهْي عن إضاعة المال ، الموضوع طويل ، ولكنْ أردْتُ في هذه الخطبة أنَّ حقيقة المال هو مال الله تعالى ، وهو في أيدينا لِنُمْتَحَنَ به ، اسْتَخْلفنا الله فيه ، جعلنا مستخلفين فيه ، المال مالُ الله بِنَصّ القرآن الكريم ، ونحن مستخلفون فيه بِنَصّ القرآن الكريم ، وإذا أُضيفَ إلينا فإضافة انتفاعٍ لا إضافة مُلْكِيَّة ، فالمالكُ الحقيقيّ هو الله عز وجل ، إذا انطلقْت من هذا التَّصوُّر ، إذا انطلقتَ من هذه الحقيقة تشْعرُ أنّ هذا المال أمانةٌ بين يديك ، هل تنفقهُ على ملذّاتِكَ ولو كانت مُباحة وإخوانك يتضوَّرون جوعًا ؟! والله ما آمن ، والله ما آمن ، والله ما آمن من باتَ شبعان وجارُه إلى جانبِهِ جَائع ، وهو يعلم ، لذلك الإنسان إذا عرف أنّ هذا المال مالُ الله تعالى ، وأنّ في أموالهم حقّ معلومٌ للسائل والمحروم ، ينفقُ منه باعْتِدالٍ ، وبالقَدْر الأساسي، ويتقرّب إلى الله عز وجل بما فاضَ عنه من حاجاته .

 

علامات قيام الساعة :

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ لذلك نهى النبي عليه الصلاة والسلام أشدّ النَّهْي عن إضاعة المال ، فقد روى الإمام مسلم أخبرنا محمد بن عبيد الله الثقفي عن وارد قال : كتب المغيرة إلى معاوية : سلام عليك ، أما بعد : فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

((إِنَّ الله حرّم عليكم عقوق الأمّهات ، ووأد البنات ، ومَنْعا وهاتَ , وكره لكم قيل وقال ، وكثرة السؤال ، وإِضاعة المال))

[متفق عليه عن المغيرة بن شعبة]

 عُقوق الوالدين معروف ، هذه الفكرة معروفة ، لقول النبي عليه الصلاة والسلام:

((لِيَعمل العاقّ ما شاء أن يعمل فلن يُغفر له))

 وفي رواية :

((فلن يدخل الجنّة))

[ الحاكم في تاريخه عن معاذ ]

 إنّ الذي يُسيء إلى والدَيه ليس فيه ذرّة خيرٍ إلى أيّ جِهَةٍ أخرى . ومن علامات قيام الساعة أنّ الرجل يبُرّ صديقهُ ، ويعقّ أباه ، أقْربُ الناس إليه يعُقّهم ، وأبْعَد الناس عنه يبُرُّهم ، على كلٍّ الموضوع موضوع آخر :

((إِنَّ الله حرّم عليكم عقوق الأمّهات ، ووأد البنات ، ومَنْعا وهاتَ...))

[متفق عليه عن المغيرة بن شعبة]

 وقد فسّر الإمام النووي رحمه الله تعالى منعًا وهات كما يلي : أيْ أن تمْنَعَ حقًّا وجَب عليك ، كيف تقول : لا ، لا أفعل ، هل أنت حرّ أم أنت عبْد ؟ إنَّك عبْدٌ لله ، وهذا شرْع الله تعالى ، ونفقَةُ أمّك عليك ، كيف تقول لا أنفقُ عليها ؟ فكلمة لا عبَّرَ بها النبي عن منْع الحُقوق ، وكلمة هات حرَّمَ عليك أن تأخذ ما ليس لك ، كيف تقول : هات ولم تفعل شيئًا ؟ تأخذ هذا المال بلا مُقابل ، لا بدّ من مُعاوضَة ، فلا كِنايَة عن مَنْع الحُقوق ، وهات وهو فِعل أمْر خاص ، يُبنى على الكَسْر ، وهات بِمَعنى أن تأخذ ما ليس لك ، أو أن تُطالِبَ بما ليس لك به حقّ :

((إِنَّ الله حرّم عليكم عقوق الأمّهات ، ووأد البنات ، ومَنْعا وهاتَ , وكره لكم قيل وقال ، وكثرة السؤال ، وإِضاعة المال))

[متفق عليه عن المغيرة بن شعبة]

ونهـى عن ثلاث : قيل وقال ، أمْضَيْت العُمُر كلّه في قيل وقال ، قالوا وقلنا ، الدِّين له جَوْهر ، وجوهرُه أن تعرف الله عز وجل ، وأن تُطيعهُ ، جوْهرُه أن تتقرَّب إليه ، أما أن تستهلك عمرك كلّه في الخلافيّات ، وفي قيل وقال ، وفي أخْذٍ وردّ ، وفي منْعٍ وصدّ ، ليس هذا من عَمل الموفّقين ، يقولون : هذا عندنا غير جائزٍ فقلتُ : فمن أنتم حتى يكون لكم عنْدُ ؟

 

قضاء الله نوعان ؛ قضاءُ تشريع وقضاء تَكويني :

 قال تعالى :

﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾

[سورة الأحزاب : 36]

 وقضاء الله نوعان ؛ قضاءُ تشريع ، وقضاء تَكويني ، أي إذا قضى الله أنَّ إطلاق البصَر حرام ، فمَنْ أنت حتى تقول : أنا لا أرى أن هذه الآية يمكن أن تُطبَّق في هذا العصْر ، لا يكلّف الله نفسًا إلا وُسْعها ، أن تختارَ بين أن تُطبّق ، أو ألا تطبّق ، ليس هذا من شأن العبْد إطلاقًا ، يمحق الله الربا ويربي الصّدقات ، هذا حُكم الله التشريعي ، من أنتَ حتى تناقشَ هذا الحُكم وتقول : الربا الاستثماري غير الربا الإقراضي ، الإقراض شيء ، والاستثمار شيء ، يقولون : هذا عندنا غير جائزٍ فقلتُ : من أنتم حتى يكون لكم عنْدُ ؟ ليس للعبْد أن يقول : أرى أو لا أرى ، فيما يتعلّق في الأمْر والنّهي إذا حكَمَ الله في أمْرٍ حكمًا انتهى الأمْر ، قال تعالى :

﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾

[سورة الأحزاب : 36]

 وأما الحكم التكويني فإذا جعَلَ الرّجُل عقيمًا ، هذا حُكم تَكويني يجبُ أن ترضى به ، وهبَكَ إناثًا فقط ، هذا حُكم تكويني يجبُ أن ترضى به ، وهبَك ذُكورًا فقط ، وهبَك زوجة صالحة ، أو سيّئة ، هذا أمْر الله التكويني ، أمرُ الله التشريعي شيء ، وأمْرُه التكويني شيءٌ آخر، لذلك ونهى عن ثلاث ، عن قيل وقال ، عن أن تستهلك حياتك في الأخذ والردّ ، قال : وكثرة السؤال ، وإضاعــة المال ، وهذا الحديث رواه الإمام مسلم ، إضاعة المال نهى عنها النبي عليه الصلاة والسلام .

 

النهي عن صرْف المال في غيرِ وُجوهه الشرعيّة وتعريضه للتَّلَف :

 أما الإمام النووي رحمه الله تعالى فقد فسَّر إضاعة المال فيما يلي قال : إضاعة المال صرْفُهُ في غيرِ وُجوهه الشرعيّة ، وتعريضُه للتَّلَف ، وسبب النَّهْي أنّ في هذا العمل إفسادًا، والله لا يحبّ المفسدين ، وسبب النّهْي أنَّه إذا ضاع مالك تشوَّفْتَ إلى ما في أيدي الناس، وقعْتَ في ذلّ المسألة ، اِحْتَج إلى الرّجُل تكن أسيرهُ ، اسْتغْنِ عنه تكن نظيره ، أحْسِن إليه تكن أميرهُ ، إذا أنْفقْت المال في غير وُجوهه الشرعيّة ، وعرَّضْتهُ للتّلف في هذا العمل إفساد، وإنّ الله لا يحبّ المفسدين ، إذا ضاع مالك تشوَّفْتَ إلى ما في أيدي الناس ، وقعْتَ في ذلّ المسألة ، أو وقعْت في الكسب الحرام ، أو ما شاكل ذلك ، فهذا المال مالُ الله جعلهُ الله قيامًا للناس .
 لهذا الموضوع تَتِمّات طويلة أرجو الله سبحانه وتعالى أن يوفِّقَني إلى معالجتها إلى ما بعد الخطبة القادمة ، والحمد لله رب العالمين .

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

البنكرياس :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ كلّكم يسمع بمرض السّكري ، وهذا المرض الشائع أساسه أنّ الله سبحانه وتعالى أوْدَعَ في الإنسان غدّة اسمها البنكرياس ، البنكرياس غدّة عجيبة ، إذا نزل الطعامُ إلى المعدة ، وتفاعل مع العصارات الهاضمة صار قِوامهُ حامضِيًّا ، والقِوام الحامضي يُنبِّهُ أعصابًا أودعها الله في جدار الأمعاء ، هذه الأعصاب تنبّهُ مراكز في المخّ ، الذي يأمُر البنكرياس بِفَرْز مواد وعصارات تُعدِّلُ حُموضة الطعام ، فأوّل وظيفة خطيرة للبنكرياس أنّه يفرزُ بأمْر من الدّماغ مواد وعصارات تجعل الطعام قلوِيًّا ، تعديلُ حموضته ، وفي هضْم البروتينات ، وهضم النشويّات ، وتحويلها إلى سُكريّات ، هذه هي الوظيفة الأولى.
 والوظيفة الثانيَة ؛ تُحَدِّدُ السُّكر المخزون في الكبد ، والعضلات ، مِن سُكرٍ تَخزيني إلى سُكّر قادرٍ للاحتراق ، فالسُّكر نوعان ؛ سكّر للتخزين ، وسكّر للاستهلاك ، لابدّ من تدخُّل عصارات البنكرياس كي تُحوِّل هذا السُّكر من حالة إلى حالة .
 والوظيفة الخطيرة جدًّا ، وهي الثالثة أنّ البنكرياس يفرزُ الأنسولين ليمكن استهلاك السكّر وإحراقهُ ، فإذا قصَّر البنكرياس في إفراز الأنسولين ظهر السكّر في البول ، وضعف احتراق هذه المواد في الجسم ، غدَّة صغيرة لا نعبأُ لها ، تقومُ بأخطر الأعمال ، هذا من صُنع الحكيم الخبير ، هذا من صُنْع الخالق ، قال تعالى :

﴿ وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ﴾

[ سورة الذاريات: 21 ]

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ في جِسمكم من الآيات لو أمْضيْتُم الحياة كلّها في التأمُّل في دقائقها لما انتهيْتُم من ذلك ، فسبحان الله رب العالمين الذي خلق الإنسان ، فصوَّرَهُ ، وأحْسنَ تصويرهُ ، والذي خلق الإنسان فصَنَعَهُ وأتْقنَ صُنعهُ .

 

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولَنا فيمن تولَيت ، وبارك اللهم لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت ، فإنك تقضي ولا يقضى عليك ، اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك ، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا ، ومتعنا اللهم بأسماعنا ، وأبصارنا ، وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا ، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا ، مولانا رب العالمين ، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك ، اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً وسائر بلاد المسلمين ، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين ، ولا تهلكنا بالسنين ، ولا تعاملنا بفعل المسيئين يا رب العالمين ، اللهم بفضلك ورحمتك أعلِ كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين ، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018