الدرس : 3 - سورة التحريم - تفسير الآية 6 ، مسؤولية الأب عن أهله - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 3 - سورة التحريم - تفسير الآية 6 ، مسؤولية الأب عن أهله


1997-12-08

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين:
الآية السادسة من سورة التحريم وهي قوله تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (6)﴾

أيها الأخوة الكرام:
 هذه الآية تؤكد مسئولية الأب عن أهله، لأن الله عز وجل يقول:

﴿ قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً﴾

 الرجل مسؤول عن زوجته وعن أولاده، ذكوراً وإناثاً، ليس مسؤولاً عن إطعامهم، وإكسائهم، وإوائهم فحسب، بل هو مسؤول عن دينهم، وعن خلقهم، وعن صلاتهم.
وقد قال الله عز وجل:

 

﴿ وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها ﴾

 

( سورة طه: 132 )

جزء من مهمة الأب، أن يهتم بدين أولاده.
 سيدنا عمر رضي الله عنه حينما طعن، قبيل وفاته بساعات حينما طعن وغاب عن الوعي، ثم صحا، قد تستغربون أو لا تصدقون ماذا قال ‍‍؟! هل صلى المسلمون الفجر ؟ ما قال من طعنني ؟ من قتلني ؟ قال هل صلى المسلمون الفجر ؟ أنت كأب، هل تسأل زوجتك أصلى العشاء أولادي، تعشوا تعشوا، طيب، هل صلى العشاء، فلان فإذا كنت أباً كم ينبغي أن تكون، تطبق هذه الآية، وهي قوله تعالى:

﴿أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾

 فأنت مأمور أن تقي نفسك النار، وأن تقي أهلك، كيف تقي أهلك النار ؟ أولاً حينما تكون أب مثالياً لأولادك، أو زوج مثالياً لزوجتك، قلب الزوجة يميل إليك، وقلب الأولاد يميل إليك، فالقاسي والغضوب، والذي يضرب بقسوة وعنف، والذي يبخل، لن يستطيع أن يوجه أولاده إطلاقاً، ولا زوجته، بالعكس إن الزوجة والأولاد ينفرون من منهج أبيهم أي منهج، فإذا كان ديناً في الظاهر كرهوا الدين لأجله، فالأب القاسي والبخيل لا يستطيع أن يوجه أولاده ولا زوجته فمن أجل أن تقيهم النار ينبغي أن يحبونك، أن يحبوك بالمعاملة الطيبة.
لذلك قال الله عز وجل:

 

﴿ وعاشروهن بالمعروف﴾

 

( سورة النساء: 19 )

 وقال العلماء: ليست المعاشرة بالمعروف أن تمتنع عن إيقاع الأذى بها بل !!! أن تحتمل الأذى منها، فالأب الصبور، والزوج الصبور، والكريم، والحريص، والرحيم، هذا فتح القلوب بإحسانه ليفتح العقول ببيانه، طريق إقناع الناس بالدين، أن تفتح قلوبهم بالإحسان، من أجل أن تفتح عقولهم ببيانك، الأب القاسي والغضوب والبخيل لو كان أفصح الفصحاء، لو ألقى عليهم كل يوم محاضرة لن يستجيب أحد إليه، أفتح قلوبهم بالإحسان ثم أفتح عقولهم بالبيان، لا تكن قمعياً كن مقنعاً، في آباء قمعيون، يعني قوم صلي، أو بضربك ليس هذا هو الأمر، تحجبي لو لم تفعلي ذبحتك، إذا مات مثل هذا الأب يتفلت أولاده أشد التفلت لا تكن قمعياً، كن مقنعاً، أقنع ولا تلزم.

 

﴿ لا إكراه في الدين ﴾

 

( سورة البقرة: 256 )

 أول مبدأ أحسن كي تفتح القلوب تمهيداً لفتح العقول.
الشيء الثاني:
لا تكن قمعياً، كن محسناً، مقنعاً.
الشيء الثالث:
 حاسب، كافئ على الإحسان وعاقب على الإساءة، إذا ما في مكافئة، ولا في عقاب ما في التزام، بعض الوسائل أن تقي أهلك وأولادك النار.

 

﴿أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾

 ينبغي أن تفتح القلوب بالإحسان لفتح العقول بالبيان، ينبغي ألا تكون قمعياً ينبغي أن تكون مقنعاً، ينبغي ألا تعري، ينبغي أن تربي لا تفضح ابنك أمام أخوته، لا تعنفه أمام الناس، تشكيه لأخوك، لعمه لأولاد عمه، تصغره، لن يحبك، اجعل معالجتك له فيما بينك وبينه اجعل له شخصية، نمي له هذه الشخصية، اجعل له مكانه ليشعر بقيمته، فإذا أخطأ حاسبه بينك وبينه، لابد من بذل جهد كبير لتربية الأولاد.
قال عليه الصلاة والسلام: أدبوا أولادكم على حب القرآن وحب آل بيتي.
 يعني ماذا تتصور من تنفيذ هذه الوصية ؟ تعال إلى هنا يا ابني حب رسول الله، حب أصحابه، لا مو هيك، هذا أسوأ أسلوب اجلس معهم واقرأ لهم سيرة أحد الصحابة، انظر إلى وفائه، انظر إلى رحمته، انظر إلى ورعه، انظر إلى حبه لله عز وجل، انظر إلى شجاعته، انظر إلى نصرته للنبي، الآن يحبون أصحاب رسول الله
إذاً:
 لا تكن قمعياً، كن مقنعاً، لا تكن ملزماً، كن مُبين، لا تكن واعظاً كن محسناً، بهذه الطرائق ممكن أن تستميل أولادك إليك، وأن تجلبهم إلى صف الحق، وأن تكون منقذاً لهم من النار، كم من بيت علم تفلت الأولاد وانحرفوا أشد الانحراف ؟ الأب قمعي، أنا أعرف رجل والله كان صالحاً، وكان مستقيماً، وكان ورعاً، وليس في بيته شيء منهي عنه، وبناته محجبات حتى الوجه حجاب كامل، لمجرد أن الله توفاه، خرجت بناته بالبنطال، بلا شيء، لأنه كان قمعي ما كان مقنع، وتجد بالمقابل أسر يموت الأب لا يتغير شيء في البيت الالتزام هو هو لأنه كان يقنعهم، بطولتك لا تكون بالقمع، بالعنف علموا ولا تعنفوا، فإن المعلم خير من المعنف.
فدرسنا اليوم:
 الكلمة واضحة، أما تفسيرها ؟ كيف أستطيع أن أقي أولادي وأهلي النار، لابد من أن يحبونني.
 إذاً:
 الإحسان، بعد الإحسان البيان لابد من أكون قدوة لهم، القدوة قبل الدعوة، لن أكون مؤثراً إلا بالإقناع لا بالقمع، لا تقمع أقنع، ثم استخدم أسلوب التدرج، قوم صلي قيام الليل، طول بالك، هو الخمس لم يصليهم بعد، ابدأ بالصلوات الخمس، واتغاضا عن وقت لم يصليه واستحى منك لا تضيق كثير، غض بصرك عن تسعة وحاسب العشرة ادرج معهم، فالتدرج لا تعريه أمام أقربائه، لا تفضحه، لا تعنفه أمام أخوته البنات، لا تخليه صغير، خليه كبير، وحاسبه بينك وبينه بعدين لا تخليه يبتعد عنك، خليه معك دائماً، في آباء يكره يمشي معه ابنه، اقعد خليك بالبيت، البيت فيه طريق والطريق فيه رفقاء سوء طبعاً إذا أخذته معك إلى هذا الاجتماع، أو إلى هذه السهرة، أو لهذا السيران بدك تلاحظه، متعب لكنك ضممته إليك، ولم ينفر عنك هذه كلها بعض الوسائل من أجل أن تقي أهلك وأولادك النار.
فلإنسان حينما يرى ابنه يصلي صلاة متقنه وهو صادق وأمين يدخل على قلبه من السرور مالا يوصف.

 

 

﴿ أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾

 الحجر لا يحترق، لكنه في نار جهنم يحترق، من أقسى أنواع الحجارة البازلت الأسود، هذا بالبراكين يسيل كالسائل، طبعاً من فوق 1500 درجة البازلت يصبح سائل ماء.

 

 

﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾

 هذه إشارة إلى ارتفاع حرارتها.

 

 

﴿ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (6)﴾

يعني نار محرقة، وعذاب أليم، وغلظة فائقة.
فلذلك منهجنا أن نقي أنفسنا، وأولادنا، وزوجاتنا النار بهذه الطريقة.

 

 

 بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، وأكرمن ولا تهنا وآثرنا ولا تؤثر علينا، وأرضنا وأرض عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم..

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018