الفقه الحضاري - الندوة : 13 - حلاوة الإيمان 2 يمتحن الله إيمان العبد . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠30برنامج الفقه الحضاري - قناة سوريا الفضائية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الفقه الحضاري - الندوة : 13 - حلاوة الإيمان 2 يمتحن الله إيمان العبد .


2003-06-12

الأستاذ عدنان:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، نحييكم عبر القناة الفضائية السورية في هذا اللقاء الجديد من برنامج الفقه الحضاري في الإسلام، ويسرنا أن نلتقي اليوم مع فضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي، الأستاذ في كلية التربية في جامعة دمشق أهلاً ومرحباً بكم.
الأستاذ راتب:
أهلا بكم يا سيدي.
الأستاذ عدنان:
في حلقة سابقة تحدثتم عن الإيمان بالله وبالرسول عليه الصلاة والسلام، وأن يحب الإنسان أخاه المؤمن لله وبالله، وأن يكره البعد عن الإيمان كما يكره أن يقذف في النار، وأشرتم إلى هذا بحديث نبوي يوضح هذه الناحية بشكل كامل، ثم عددتم موضوع السعادة، وعندما تكون من داخل الإنسان، واللذات عندما تكون من خارج الإنسان، واللذات الحسية تنتهي أو تتراجع، أو أن بواعثها لا تكتمل للإنسان، فإن اكتملت لفترة ما فإنها سرعان ما تنقضي، أو يطلب الإنسان مزيداً منها، وبالتالي تصيبه الكآبة، أما السعادة الداخلية فهي نبع فياض متنامٍ مستمر، تؤكده محبة الله تعالى وحبة رسوله، تؤكده بواعث الإيمان، تؤكده العبودية لله، تؤكده الحكمة التي يسلكها الإنسان، تؤكده العبودية كما قلت، ويؤكده الأمن الذي يشعر به هذا الإنسان المؤمن لا يشعر به سواه، وللحديث قلنا: إن هناك بقية نتابعها معكم بإذن الله تعالى.
الأستاذ راتب:
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
أستاذ عدنان، جزاك الله خيراً الحديث النبوي الشريف الذي ورد في الصحيحين عن سيدنا أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ، مَنْ كَانَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَمَنْ أَحَبَّ عَبْدًا لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَمَنْ يَكْرَهُ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ ))

[متفق عليه]

في الحلقة السابقة تحدثنا عن حلاوة الإيمان فقط، ونتابع للحديث: (( مَنْ كَانَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَمَنْ أَحَبَّ عَبْدًا لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَمَنْ يَكْرَهُ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ ))، هذا نص الحديث، فإذا شئنا أن نتابع شرح البند الأول:
أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، قد يفهم هذا الكلام فهماً سطحياً، لو سألت مليار مسلم ألا تحب الله ورسوله أكثر من أي شيء ؟ لقال: نعم، بلا تردد.
الأستاذ عدنان:
وهنا دكتور بالمناسبة في الحلقة الماضية عندما أشرت إلى موضوع الإيمان ونتائجه كنت أود أن أسألك هذا السؤال الذي أشرت إلى بدء في تفصيله من خلال ما يمكن أن يكون وقرَ في القلب، وما يمكن أن يكون على اللسان، هل أنت يا فلان تقول بالإيمان، وتلتزم ؟ نعم، جربه في الميدان العملي لا شيء.
الأستاذ راتب:
لا ينجح، لأنه:
كلٌ يدعي وصلاً بليلى وليلي لا تقر لهم بذاكا
بالمناسبة بعضهم قال:

﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾

( سورة المائدة الآية: 18 )

فأجابهم الله عز وجل:

﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾

( سورة المائدة الآية: 18 )

استنبط الإمام الشافعي رحمه الله تعالى أن الله لا يعذب أحبابه، لو أن الله قبل دعواهم أنهم أحبابه لما عذبهم، فحينما ترى أن المسلم يعاني ما يعاني من كثرة ذنوبه، ومن انحرافه ومن تقصيره، فهذا الذي يعانيه يلخص بكلمة واحدة هان أمر الله عليه فهان على الله، فأنا أقول: إنك لو سألت كل المسلمين في الأرض: ألا تحب الله ورسوله أكثر مما سواهما ؟ من دون تردد أجابوا جميعاً بالإيجاب، ولكن معنى الحديث أعمق من هذا بكثير، وأدق من هذا بكثير، أي يكون الله في قرآنه، في الأمر القرآني والنهي القرآني، ورسوله في سنته الصحيحة، في الأمر النبوي والنهي النبوي، أحب إليه مما سواهما عند التعارض، فحينما تتعارض مصلحتي التي أراها بعيني مع حكم شرعي قرآني، أو مع حكم شرعي نبوي، و أوثر طاعة الله عز وجل، ولا أعبأ بهذه المصلحة التي توهمتها مصلحة عندئذٍ أكون قد دفعت ثمن حلاوة الإيمان، عندئذٍ أذوق حلاوة الإيمان، سلعة الله غالية، سلعة الله ليست بالشيء السهل، فأنا حينما أوازن ولحكمة بالغةٍ بالغة قد يضعني الله عز وجل في ظرف صعب، فالأبواب كلها مغلقة، مفتوح باب في معصية، من أجل كسب المال في باب واحد مفتوح فيه معصية صريحة، والأبواب الأخرى لحكمة أرادها الله مغلقة، أنا ماذا أفعل ؟ حينما يغلب علي حب الله عز وجل، ويغلب علي خوفي من الله عز وجل، ويغلب علي طمعي بالآخرة، ويغلب علي خوفي من أن أنقطع عن الله عز وجل أضع مصالحي المادية المتوهمة القريبة تحت قدمي، وأقول: الله الغني، ولا أعصي الله يا رب، وليكن ما يكن، الآن تأتي الآية الكريمة:

﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً(2)﴾

( سورة الطلاق )

حينما يعلم الله من عبده هذا الإصرار، وهذا التمسك، وذاك الحرص، وهذا التوجه، وهذه المؤاثرة، وتلك التضحية، يخضعه لمنظومة قوانين أخرى لا نعلمها نحن، قوانين العناية الإلهية، فيجمع الله له بين عطاء الدنيا ورضاه عنها.
الأستاذ عدنان:
سيدي، لسنا الآن في مجال ذكر شواهد حقيقية عما تقول، لكنني أشير بشيء ما إلى ما يشبه الشاهد، إنسان في دولة ما متمسك بدينه، كان له مكان تجاري، حتى يكون على مرحلة متفوقة يجب أن تباع فيه أشياء بالنسبة للشرع الإسلامي هي ممنوعة، آثر أن يترك المكان كله حتى لا ينخرط في هذا، ومن حوله قالوا: إنها خسارة، بعث الله له من يأتي إليه في بلاد بعيدة ليقول له: سأشتري مكانك الذي فتحته في المكان الفلاني بالسعر الذي ترغب، فباعه بأكثر مما يستحقه سعراً، ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ﴾.
الأستاذ راتب:
جزاك الله خيراً، أنا أعتقد أن زوال الكون أهون على الله من أن مؤمناً آثر رضوان الله عز وجل، ولا يجد ثمرة لهذا الإيثار، مستحيل، دققوا في هذا القول:

(( ما ترك عبد لله أمرا لا يتركه إلا لله إلا عوضه الله منه ما هو خير له منه في دينه ودنياه ))

[ أخرجه ابن عساكر عن ابن عمر ]

الأستاذ عدنان:
لكن بالمناسبة دكتور علينا أن لا نقول في مثل هذا المثال: أن طبقوه، وانتظروا فوراً النتائج، قد تكون النتائج سريعة، وقد تكون بطيئة.
الأستاذ راتب:
جزاك الله خيراً، الآن أنا مضطر أن أعالج الموضوع من هذه الزاوية، أنا حينما يكون في محلي التجاري تباع مادة محرمة، وحينما ألغي بيعها خوفاً من الله عز وجل كان من الممكن أن تتضاعف الغلة اليومية، والله على كل شيء قدير، لكن لحكمة بالغة تهبط الغلة إلى الربع، هذا شيء ينبغي أن يكون معلوماً لدينا، أن الله أراد بهذا أن يجعلك أيها الإنسان المؤمن الذي اتخذت هذا القرار الخطير، أن تدفع ثمن قرارك ليكون منزلة عالية في الجنة، بدليل: حينما نهى الله المؤمنين أن يستقبلوا الطرف الآخر في بلادهم قال:

﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾

( سورة التوبة الآية: 28 )

أنتم حينما تنفذون هذا التوجيه ربما تصابون، أو ربما تقعون في أزمة اقتصادية.

﴿فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾

( سورة التوبة الآية: 28 )

لا بد من مرحلة امتحان، محل تجاري يبيع مادة محرمة، صاحب هذا المحل حج بيت الله الحرام، وعاد تائباً، وألغى بيع هذه المادة، فإذا بالغلة تهبط إلى العشر، مثلاً، هذا امتحان، هل هو صادق في قراره، هل أراد بهذا القرار الله ورسوله، هل مستعد أن يدفع ثمن هذا القرار البطولي، حينما يعلم الله منه صدقاً بعد حين يأتي التوفيق الإلهي،

﴿ فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ﴾

هذا البند في الحديث دقيق جداً، يفهم فهمًا ساذجًا سطحيًّا، أنه نعم أنا أحب الله ورسوله أكثر مما سواهما، أن تحب الله في أمره القرآني، وفي نهيه القرآني، وأن تحب رسول الله في أمره النبوي الصحيح، وفي نهييه النبوي الصحيح عند التعارض، حينما تتعارض مصحلة مادية، يعني حينما تجد أن طريق الغنى يجب أن يكون معه نفاق، أو معه معاصٍ، أو معه بيع محرمات مثلاً، فحينما تؤثر الغنى مطلقاً على طاعة الله ورسول الله هنا المشكلة، أما حينما يكون طريق الغنى سالكاً وفق منهج الله ينبغي أن تسلكه، لأن المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف.
أستاذ عدنان، الممكَّن في الأرض كلما مكنه الله أكثر تتسع دائرة مسؤوليته، وتتسع دائرة أعماله الصالحة، يعني خياراته الممكنة في الأرض في الأعمال الصالحة لا تعد ولا تحصى، من هنا قال عليه الصلاة والسلام:

(( المُؤْمِنُ القَوِيُّ خَيْرٌ وَأحَبُّ إلى اللَّهِ تَعالى مِنَ المُؤْمِنِ الضَّعِيف ))

[ رواه مسلم عن أبي هريرة ]

فإذا كان طريق الغنى سالكاً وفق منهج الله ينبغي أن أكون غنياً، لأن الغني قوة، ولأن المؤمن القوي الغني يستطيع أن يفعل من الأعمال الصالحة ما لا يستطيعه الفقير، وإذا كان طريق القوة سالكاً وفق منهج الله عز وجل ينبغي أن أكون قوياً، لأن المؤمن القوي يستطيع أن يفعل من الأعمال الصالحة وهو زاده في الآخرة، ما لا يستطيع أن يفعله الفقير أما إذا كان طريق الغنى محفوفاً بالمعاصي والآثام، وإغضاب الواحد الديان، فالفقر وسام شرف للمؤمن، لأن المؤمن ولد في الحياة الدنيا من أجل أن يعبد الله، فلا يمكن أن يصرفه شيء مهما كان تهديداً أو إغراءً عن عبادة الله عز وجل، فالمؤمن الصادق المضحي لا تفتنه عن عبادته لا سبائك الذهب اللامعة، ولا سياط الجلادين اللاذعة، أحدٌ أحد، فهذا الذي أتمنى أن يكون واضحاً من أن البند الأول في الحديث أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما عند التعارض، لذلك قال تعالى:

﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾

( سورة الأنفال الآية: 33 )

حار علماء التفسير في هذه الآية، في حياة النبي e معنى واضح جداً، مادام النبي بين ظهرانيهم فالمعنى واضح، لكن ما معنى الآية بعد انتقال النبي إلى الرفيق الأعلى ؟ قال العلماء: ما دامت سنة النبي قائمة في حياتهم، في كسب أموالهم، في إنفاق أموالهم، في أفراحهم، في أتراحهم، في علاقاتهم، في كل شؤون حياتهم، مادام منهج النبي مطبقاً فهم في بحبوحة من عذاب الله، هم في مأمن من عذاب الله، وفي مأمن آخر:

﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (33)﴾

( سورة الأنفال )

وحينما يقع الإنسان في خطأ، حينما تزل قدمه، ويستغفر الله عز وجل هو في بحبوحة ثانية، لكن متى يأتي العقاب الأليم ؟ حينما يخرج المرء عن منهج الله، ويصر على هذا الخروج، ولا يعبأ عندئذٍ يأتيه العقاب الأليم، هذا هو البند الأول، أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، العلماء قالوا: هناك حب في الله، وحب مع الله، الحب في الله عين التوحيد، والحب مع الله عين الشرك، أنا حينما أجعل ولائي ومحبتي وتأييدي ونصري مع المؤمنين، ولو كانوا ضعافاً وفقراء فأنا مؤمن، أما حينما أجعل ولائي وحبي وتأييدي ونصري للطرف الآخر الذين يكيدون للمؤمنين فأنا في بذلك خرجت من أصل إيماني، لا يمكن أن يكون المؤمن مؤمناً إلا بالولاء والبراء، أن يوالي المؤمنين، وأنا أضيف ولو كانوا ضعافاً وفقراء، وأن يتبرأ من الطرف الآخر ولو كانوا أغنياء وأقوياء، لأن هوية المؤمن أنه من المؤمنين، المؤمنون بعضهم لبعض ولي، يعني يوالون بعضهم بعضاً، فنحن ولو عند من حولنا أخطاء يجب أن ننصحهم، يجب أن نرشدهم، يجب أن نحمل همومهم، يجب أن نبذل طاقتنا من أجلهم، هذا الذي يرتضيه الإيمان، أما الذي ينسحب من مجتمعه، من أمته، من وطنه ينسحب ويوالي الطرف الآخر فهو قد خرج من الإيمان، فلذلك أن يحب المرء لا يحبه إلا لله هذا هو الولاء والبراء، وأنا أرى أن الولاء والبراء فريضة ثالثة، فريضة، يجب أن توالي المؤمنين، أن تحبهم، أن تحمل همومهم، أن تسعد لما يسرهم، أن تتألم لما يؤلمهم، أن تجعل طاقاتك في خدمتهم، أن تسعى ولو بشكل بسيط إلى رفع شأنهم هذا علامة إيمانك، أما إذا انسحبت منهم ولم تنتمِ إليهم، ونظرت إليهم من فوق، واتهمتهم بالتخلف والضياع، وواليت أعداءهم، وأعنت أعداءهم عليهم وجعلت علمك في خدمة الطرف الآخر، فهذا مما يرقد إيمان المؤمن فالحب في الله أن تحب المؤمنين، الحب في الله أن تحب رسول الله فرع من محبته، وأن تحب المؤمنين، وأن تحب نشر هذا الدين، وأن تحب الأعمال الصالحة، هذا حب في الله عين التوحيد، لا يتناقض الحب في الله مع حب رسول الله، بدليل أن الله عز وجل يقول:

﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾

( سورة التوبة الآية: 62 )

بضمير المفرد، لأن إرضاء الله عز وجل عين إرضاء رسول الله e، ولأن إرضاء رسول الله e عين إرضاء الله، فأن يكون الله ورسوله أحب إليه البند الأول، أما وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله هذا هو الولاء والبراء.
الأستاذ عدنان:
قبل أن ننتقل إلى هذه الناحية دكتور، هناك ناحية أشرت إليها، وما سوف نتعرض لها ضمن هذا الجملة الاعتراضية، إن صح القول، لا تنطبق عليه البنود التي تحدثت عنها من صدق الإيمان، وصدق المحبة، وإلخ.... نحن في المجتمعات التي نعيشها هناك المؤمنون، هناك الشاردون، هناك المنكرون، يأتي الإنسان المسلم يقول: أنا أتعامل مع الجميع في حكم الحياة الاجتماعية، وقد تربطني مع فلان الشارد محبة قلبية، وفي الأصل هي علاقة عمل، ولكن توسعت إلى محبة قلبية، أما علاقتي مع فلان الآخر فهو دائم الارتباط بالأقوال الإسلامية، هنا وأود أن أقول: بالأقوال الإسلامية أتعامل معه، ولكن من بعيد لبعيد كما يقولون، أين الموضع:

(( وَأَنْ يُحِبَّ المَرْءَ ))

يعني في الحياة الاجتماعية نعيش هذا الواقع حتماً.
الأستاذ راتب:
الحقيقة أن الإجابة عن هذا السؤال دقيقة جداً، ذلك أن للإنسان فطرةً، لو أنه عامل إنساناً، ولم يكن منه، أو من عقيدته، أو من جبلته، لكن عامله فوجده صادقاً، أو وجده وفياً، أو وجده مخلصاً، ينبغي أن يحبه، هذا الحب لا علاقة له بهذا الموضوع، هذا حب فطري، لأن النفوس جبلت على حب من أحسن إليها، وبغض من أساء إليها، فأنا كإنسان ومؤمن أعرف أن محبتي للمؤمنين، ولكن هناك فرع من هذه المحبة للكاملين، فلو أنني عاملت إنسان لا ألتقي معه في عقيدتي، ولكن وجدت منه وفاء، وجدت منه صدقاً مثلاً، فأنا أميل إليه بطبعي بأصل فطرتي، فهذا الميل لإنسان متمسك ببعض القيم الأخلاقية هذا شيء ينطبق على الفطرة، ولا ألام عليه، أنا لا أحبه لشيء آخر، أحبه لمواقف أخلاقية وقفها مني، فأنا أحبه، وهذا يؤكده هذا الأثر: " يا داوود ذكر عبادي بإحساني إليهم فإن النفوس جبلت على حب من أحسن إليها ".
حينما يقول الله عز وجل:
﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾
( سورة التوبة الآية: 7 )

﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾

( سورة الممتحنة الآية: 8 )

فهذا فرع جزاك الله خيراً، وإشارتك مهمة جداً، إنني قد أحب إنساناً آخر لأنه وقف موقفاً أخلاقياً، أو وقف موقفاً معتدلاً أو كان منصفاً، فأنا أحبه، لكنني أنا أرى أن هذا الأخلاقي الصالح مادام وقف هذا الموقف، الله عز وجل يقول:
﴿وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ (196)﴾
( سورة الأعراف )
فأنا أرجو له في المستقبل أن يعيده الله إليه، وأن يلهمه سواء السبيل، وأن يلهمه رشده، لذلك عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قُلْتُ:

(( يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ أَشْيَاءَ كُنْتُ أَتَحَنَّثُ بِهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ صَدَقَةٍ، أَوْ عَتَاقَةٍ، وَصِلَةِ رَحِمٍ، فَهَلْ فِيهَا مِنْ أَجْرٍ ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَسْلَمْتَ عَلَى مَا سَلَفَ مِنْ خَيْرٍ ))

[ متفق عليه ]

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قِيلَ

(( يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ أَكْرَمُ النَّاسِ ؟ قَالَ: أَتْقَاهُمْ، فَقَالُوا: لَيْسَ عَنْ هَذَا نَسْأَلُكَ، قَالَ: فَيُوسُفُ نَبِيُّ اللَّهِ، ابْنُ نَبِيِّ اللَّهِ، ابْنِ نَبِيِّ اللَّهِ، ابْنِ خَلِيلِ اللَّهِ، قَالُوا: لَيْسَ عَنْ هَذَا نَسْأَلُكَ، قَالَ فَعَنْ مَعَادِنِ الْعَرَبِ تَسْأَلُونِ ؟ خِيَارُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فِي الْإِسْلَامِ إِذَا فَقُهُوا ))

[ رواه البخاري عن أبي هريرة ]

أنا أرى أن الإنسان حينما يكون قبل أن يصطلح مع الله إذا كان على خلق، فهذا يرجى منه الخير، الإمام ابن القيم يقول: " الدين كله خُلق فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الدين "، فأنت حينما ترى إنسانًا ليس يعتقد كما تعتقد، وليس يؤمن بما تؤمن، ولكنه على شيء من أخلاق، أنا أرجو له من أعماق قلبي الهداية لأن الله يأخذ بيده إن هو صالح، ولكن حتى أكون دقيقًا وموضوعيًّا هناك نمط آخر، هو أنني أستخدم القيم الأخلاقية كرأس مال بتجارتي، فقد أنضبط في مواعيدي، وبنوع بضاعتي من أجل أن أنتزع ثقة الزبائن، هذا خلق تجاري، لا ينتمي إلى خلق الديني الذي هو عبادة، لكن بالمناسبة ما أحسن من عبد مسلم أو كافر إلا وقع أجره على الله في الدنيا أم في الآخرة، العمل الصالح له أجره، أما المؤمن ينال أجر الدنيا والآخرة، والطرف الآخر ينال الدنيا لأنه أرادها فقط، ولم يريد الآخرة.
البند الأخير:

(( وَمَنْ يَكْرَهُ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ ))

هو في الأعماق، هناك حالة أخرى:

﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾

( سورة الحج الآية: 11 )

أي مادامت الأمور ميسرة فهو يعبد الله، فإذا جاءه ما يزعجه، فإذا امتحنه الله، فإذا ابتلاه الله بشيء انتكس وعاد إلى ما كان عليه، هذا يعبد الله على حرف، لكن المؤمن من علامة إيمانه القوي، ومن حلاوة الإيمان التي ذاقها يعني مستحيل وألف ألف مستحيل أن يعود كما كان قبل هدايته لله عز وجل.
إنسان كان غارقاً في وحول، في مياه آسنة، في مياه المجاري، خرج من هذه البركة كلها مياه وحول، ومياه مجارٍ، ومياه آسنة، ودخل إلى الحمام واغتسل، وانتعش، وتعطر، هل هناك بالواحد بالمليار رغبة أن يعود كما كان ؟ مستحيل، ذاق حلاوة الإيمان، ورضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولاً، والذي يشد الإنسان إلى الإيمان معاملة الله له، هو يشده إلى الإيمان ما في الإيمان من تصورات رائعة عن الكون والحياة والإنسان.
ولكن هناك شيء آخر، حينما اصطلح مع الله وجد من الله معاملة لم تكن من قبل، وجد التوفيق، وجد السداد في أقواله وفي أفعاله، وجد حلاوة الإيمان، وجد قلبه منتعشاً بذكر الله، تعامل مع الله، كل هذه الأحوال الجديدة جاءته بعد أن اصطلح مع الله، فلذلك مستحيل وألف ألف مستحيل أن يعود في الكفر، الإيمان الحقيقي يملك الإنسان شيئاً ثميناً، حتى أن أرى أن دوافع المؤمن للاستقامة على أمر الله هذه الحلاوة التي يجدها في نفسه يحرص عليها، ومن معاني رأس الحكمة مخافة الله هناك معناً آخر الخوف من الله، أن تخاف من أن تنقطع الصلة بينك وبين الله.
الأستاذ عدنان:
الحقيقة الأمور التي تحدثت عنها نرجو الله تعالى أن يعيها الإنسان المؤمن، وأن يطبقها فيستفيد، وما أسعد الإنسان عندما تكون سعادته نابعة من داخله وهي في تنامٍ على حين أن من يحصل على لذات الدنيا، فإنه لا يحصل عليها إلا وهي ناقصة، أو وهو ناقص، فلا يكتمل تمامه مع تمامها إلا ما كان على الإيمان، والإيمان بعد ذلك حلاوته لا تقاس بشيء يدركه الإنسان المؤمن، ولا يدرك ذلك الإنسان الشارد.
في ختام هذا اللقاء كل الشكر لفضيلة الشيخ الدكتور محمد راتب النابلسي، الأستاذ في كلية التربية في جامعة دمشق، وكل الشكر أيضاً للإخوة المشاهدين، وموعدنا معكم بإذن الله في مثل هذا الوقت من الأسبوع القادم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018