الدرس : 3 - سورة الطلاق - تفسير الآيات 7 - 10 ، مخافة الله. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 3 - سورة الطلاق - تفسير الآيات 7 - 10 ، مخافة الله.


1997-11-29

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين:
أيها الأخوة الكرام:
في آيات الطلاق، أو في آيات سورة الطلاق، الآية السابعة وهي قوله تعالى:

﴿ لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آَتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آَتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً (7)﴾

هذه الآية أيها الأخوة:
لها علاقة وشيجة بحياة المسلمين، فأية امرأة تكلف زوجها ما لا يطيق وتحمله على الكسب الحرام، تكون سبب لدخوله النار.
لذلك الإنسان الزوج ليس مكلفاً أن ينفق إلا مما آتاه الله، عليه أن يطعمها مما يأكل، وأن يلبسها مما يلبس، أما أن نتكلف ما لا نطيق إرضاءً لزوجاتنا، أما أن تمد اليد إلى الحرام إرضاء لزوجاتنا.
كانت الصحابية الجليلة تقول لزوجها قبل الخروج إلى العمل يا فلان أتقي الله بنا، نحن بك إن استقمت استقمنا، وإن اعوججت اعوججنا، نصبر على الجوع ولا نصبر على الحرام، هؤلاء نساء الصحابة الكرام.
مرة هكذا، في طرفة:
 امرأة في الطريق رأت شيخ من الأزهر، شيخ أزهري، قالت له يا سيدي أيحق للنبي عليه الصلاة والسلام، أن يتهمنا بأننا ناقصات عقلٍ ودين، معقول يعني هذا كلام النبي، فهو صاحب دعابة، قال لها والله ما له حق، بس هذا الكلام ليس لكنْ، هذا للصحابيات، أم أنتن لا عقل ولا دين، أنتن لا عقل ولا دين، ناقصات عقل ودين الصحابيات.
 وهذه الصحابية تقول لزوجها أتقي الله بنا، نحن بك وإليك إن استقمت استقمنا، وإن اعوججت اعوججنا، نصبر على الجوع ولا نصبر على الحرام، أعظم النساء بركة أقلهن مؤنةً، أعظم النساء بركة أقلهن مهراً، فالمرأة التي لا تحمل زوجها ما لا يطيق، امرأة صالحة، الصابرة، التي ترضى باليسير، يا عائشة إذا أردت اللحوق بي، أن تكون معي في الجنة، فليكفك من الدنيا كزاد الراكب، ولا تستخلفي ثوباً حتى ترقعي، وإياك والدخول على الأغنياء، لأنه كما قال سيدنا عمر: من دخل على الأغنياء خرج من عندهم وهو على الله ساخط.

﴿ لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾

 الإنسان غير مكلف أن يمد يده للحرام ليدخل على قلب امرأته السرور، أما ليس منا من وسع الله عليه ثم قتر على عياله، ليس منا ينفي النبي الكريم انتمائه لهذا الدين، البخيل، أما إنسان دخل محدود ليس محاسباً عند أحد، وليس عند الله محاسباً إذا أطعم أهله مما يأكل وألبسهم مما يلبس، أما المؤاخذة أن يعطيهم أخشن الطعام، وأن يأكل هو ما لذا وطاب مع أصدقائه في المطاعم، هذا لا يجوز، بل إن المؤمن الصادق، يأكل بشهوة أهله، أنا والله معجب بأزواج كثيرين لا يأكل لقمة في الطريق، ولا في مطعم، الأكلة التي أكلها دعوة وكانت طيبة، يأتي بمثلها إلى زوجته، كي يكون معها شريكاً في حلو الحياة ومرها.
إذاً:

 

﴿ لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آَتَاهُ﴾

 أما النقطة الدقيقة، الدقيقة جداً، أن الإنسان إن كان فقير ورضي عن الله عز وجل، وكان فقره فقر معذور به.
نحنا في عنا فقر كسل، صاحبه مذموم.
وفي عنا فقر قدر، صاحبه معذور.
وعنا فقر أنفاق، صاحبه مشكور.
 الذي ينفق كثيراً ما معه مال، قال له ماذا أبقيت لنفسك يا أب بكر، قال له الله ورسوله أنفق كل ماله، فهذا فقر الإنفاق، هذا وسام شرف، قال له والله إني أحبك، قال له أنظر ماذا تقول، قال له والله إني أحبك، قال له أنظر ماذا تقول، قال له والله إني أحبك، فقال عليه الصلاة والسلام: إذا كنت صادق فيما تقول للفقر أقرب إليك من شرك نعليك، هذا فقر ماذا ؟ فقر الإنفاق، فقر الحب في الله، فقر أن تؤدي كل ما عندك في سبيل الله، هذا موضوع ثالث، هذا ليس فرضاً على كل المسلمين.
من سيدنا عمر ما أخذ النبي إلا نصف ماله، أما من الصديق أخذ كل ماله ماذا أبقيت، قال الله ورسوله.
في عنا فقر الإنفاق، وعنا فقر الكسل، وعنا فقر القدر.
 إذا كان فقر الكسل، صاحبه مذموم، والله الذي لا إله إلا هو كسول لا يحب العمل، ينام إلى ساعة متأخرة، لا يتقن عمله، عمل يوم يرتاح عشرة، هذا فقر مذموم.
أما فقر القدر، بذل قصار جهده فحصل هذا الرزق، معذور سعى في الأرض يمنة ويسرة حصل هذا الرزق، هذا الفقير فقر القدر إذا رضي عن الله، وصبر.

 

 

﴿ سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً (7)﴾

 هذا الامتحان، يجب أن يعلم كل أخ مؤمن أنه في ثلاثة أطوار طور التأديب، وطور الابتلاء، وطور التكريم، لا بد من الابتلاء ولكن لا يطول محدود، والأمور لا تستقر إلا على التكريم، المؤمن أموره تستقر على التكريم ويمر بمرحلتين، التأديب والابتلاء.
إذاً:

 

 

﴿ لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾

 ليس منا من وسع الله عليه، ثم قتر على عياله، ليس منا.

 

 

﴿ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آَتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آَتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً (7)﴾

 هي الآية نزعناها من السياق من معناها العام، أما حينما نضعها في السياق الإنفاق على المرأة المطلقة.

 

 

﴿ لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾

 القاضي الآن كما دخلك يا أبني، ثلاثة آلاف، قيم لها خمسمائة أو ألف للزوجة المطلقة، ترك النفقة، فالنفقة التي يقررها القاضي بحسب دخل الإنسان أما الشيء الدقيق الآن، نحن في الطلاق، ونحن في تفاصيل الطلاق، تأتي آية يبدو أنه لا علاقة لها بالسياق.

 

 

﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَاباً شَدِيداً وَعَذَّبْنَاهَا عَذَاباً نُكْراً (8) فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْراً (9) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَاباً شَدِيداً فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آَمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً (10)﴾

 طيب هذه السورة مترابطة، وحدة معنوية كاملة، ما علاقة هذه الآية بسياق الطلاق ؟ أخوانا القضاة، ودارسوا الحقوق يعلمون ما هو المؤيد القانوني، لو طلع نظام للسير، يجب على المركبة أن تستحصل على شهادة، أو على موافقة وعلى.... الخ، بس فقط، أن تلزم اليمين، أن تعمل على تجديد المحرك كل فترة، بس ما في عقوبات، له قيمة النظام، ما في نظام من دون عقوبات له قيمة إطلاقاً، أما إذا وقفت في محل موقف في سحب إجازة، في حجز مركبة، فلولا العقوبات لما كان للأنظمة والقوانين من معنى إطلاقاً هذا اسمه في الحقوق المؤيد القانوني.
هنا، يعني أنت طلق طلاقاً سنياً، أعمل كذا، أنفق على زوجتك، أعطها نفقة، أفعل ولا تفعل، ثم يقول الله عز وجل:

 

 

﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَاباً شَدِيداً وَعَذَّبْنَاهَا عَذَاباً نُكْراً (8)﴾

 يعني أيها الزوج إن أردت السلامة، فعامل زوجتك وفق منهج الله، إن أردت السلامة طلقها طلاقاً سنياً لا طلاقاً بدعياً، إن أردت السلامة لا تفتري عليها لا تشوه سمعتها، القذف محصنة يهدم عمل مائة سنة، إن أردت السلامة أرحمها، إن أردت السلامة أرحم ضعفها، إن أردت السلامة أعطها ما تستحق أعطها مهرها كاملاً، إن طلقتها، وإن لم تفعل:

 

 

﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَاباً شَدِيداً وَعَذَّبْنَاهَا عَذَاباً نُكْراً (8)﴾

 قلت لواحد مرة يعني له عمل بقدر يؤذي بسهولة، قلت له كل هؤلاء الناس عباد الله، الله عنده سرطان، عنده خثره بالدماغ، عنده فشل كلوي، عنده جلطة، عنده تبديل صمام، عنده شلل، عنده فالج عنده مرض جلدي، ذكرت له أمراض وبيلة، يعني يخر لهولها الرجال، هذا الله عنده مؤيد قانوني، وكل هؤلاء الناس عباده، فإن كنت بطلاً هيئ لله عز وجل جواباً عن كل تصرف تفعل مع الناس هذا كلام لنا، إذا أنت بطل، وعندك قدر على الأذى، هيئ لله جواب عن كل شيء فعلته.
يعني إذا إنسان فرضاً يفرم خروف مدهوس ميت يطعمه للناس ما لازم نعاقبه ؟ يجب أن نعاقبه أشد العقاب، إنسان عما يطعم الناس أكل فاسد، معلبات منتهي مفعولها، أحياناً لحم قطط يوضع في الصفيحة، كشفوا مرة لحم قطط في الطريق يذبحها يضعها.
 فإذا إنسان قال إن الله يذع للسلطان ما لا يذع للقرآن، في مصر من حوالي شهر، كتبت الجرائد إنسان عما يطعم الناس لحم حمير، ففات للسجن قتلوه لشبعوا المساجين، بس واحد قتل كثير زيادة، قال له أنا آكل نصف حمار من عندك، بياع كباب هو عما يطعم الناس لحم حمير، المسيء يجب أن يعاقب وبلا رحمة.
والدليل:

 

 

﴿ ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله ﴾

 

( سورة النور: 2 )

 بعض المعامل عما يحطوا بالسكاكر أصبغه بلاط، بعض المعامل يحطوا بالطحينة اسبداج دهان مشان تصير ناصعة، فالمسيء والذي يتلاعب بغذاء المسلمين هذا يجب أن يعاقب، قلت لهذا الموظف أفعل ما تشاء، بس بطولتك أن تهيئ لله جواب، عن كل ضبط تكتبه لله جواب كبير، كلهم عباده.
إذاً هذه الآية:

 

﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَاباً شَدِيداً وَعَذَّبْنَاهَا عَذَاباً نُكْراً (8)﴾

 يعني أيها الأزواج لا تقول أنا رجل، هي زوجة مقطوعة أهلها فقراء ما لها مكان تأوي إليه، تضغط عليها، أتخلصها أموالها تكتب لك البيت، بعدين تطلقها، الله كبير، وفي آلاف الحوادث، إن لم تتقي الله في معاملة زوجتك الله عز وجل قد يحيجك إليها وأنت في أشد حالات الضعف، هي علاقة الآية:

 

 

﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَاباً شَدِيداً وَعَذَّبْنَاهَا عَذَاباً نُكْراً (8) فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْراً (9)﴾

 إذاً رأس الحكمة مخافة الله، بأعلى درجات الذكاء تخاف من الله، وكلما ضعف العقل قل الخوف، لدرجة أن الطفل الصغير يلي عمره سنتين ممكن يتلمس ثعبان ضخم طوله عشر أمتار لا يخاف منه لأنه ما في أدراك، إذا ما في إدراك ما في خوف، كلما نمى الإدراك نمى معه الخوف، وأعقل إنسان هو الذي يخاف من الله، يخاف من الله ويحسب حاسباً دقيقاً، أو يحاسب نفسه حساباً دقيقاً.
 بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، وأكرمن ولا تهنا وآثرنا ولا تؤثر علينا، وأرضنا وأرض عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم..

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018