الخطبة : 1126 - الاستقامة9 ، اجتناب الكبائر - ماذا ينبغي أن نفعل ؟ . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 1126 - الاستقامة9 ، اجتناب الكبائر - ماذا ينبغي أن نفعل ؟ .


2009-10-09

الخــطــبـة الأولــى :

     الحمد لله نحمده، ونستعين به، ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته، وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عين بنظر أو سمعت أذن بخبر، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه، وآل بيته الطيبين الطاهرين، أمناء دعوته، وقادة ألويته، وارضَ عنا وعنهم يا رب العالمين.

اجتناب الكبائر التي نهى الله ورسوله عنها :

     أيها الأخوة الكرام، موضوع كبير جداً بدأت به من أسابيع كثيرة ولا زلت فيه، ألا وهو الاستقامة، لأن الاستقامة عين الكرامة، ولأن الإنسان إن لم يستقم على أمر الله لن يقطف من ثمار الدين شيئاً، إسلام من دون استقامة ثقافة، تراث، عادات، تقاليد، بالتعبير المعاصر فلكلور، إسلام من دون استقامة، كل وعود الله عز وجل لا تحقق إلا بالاستقامة، أما أن نمدح هذا الدين، أن نعجب بهذا الدين، هذا لا يقدم ولا يؤخر، وترون ما يجري في العالم الإسلامي من انتهاك للمسلمين، من اعتداء على أراضيهم، وعلى ثرواتهم، وعلى حياة أبنائهم، هذا الذي يجري لأننا فهمنا الدين ثقافة، فكر، عادات، تقاليد، ولم نفهمه منهجاً ينبغي أن نطبقه.
     في هذه الخطبة الحديث عن اجتناب الكبائر التي نهى الله عنها ونهى عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول:

(( أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ ثَلَاثًا قَالُوا بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ))

[متفق عليه عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ عَنْ أَبِيهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ]

1 ـ الشرك الخفي:

     الشرك الخفي:

 

﴿ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ ﴾

( سورة يوسف )

     الشرك أخفى من دبيب النملة السمراء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء، وأدناه أن تغضب على عدل.
     إنسان نصحك نصيحة بعدل، بصواب، بحق، فغضبت، لأنه تطاول عليك فيما تتوهم، نال منك، أو أن ترضى على شرك، إنسان نالك منه خير كبير وهو ليس مؤمناً ترضى عنه، وتدافع عنه، حفاظاً على مصالحك، هذا نوع من الشرك، لذلك:

(( أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ ثَلَاثًا قَالُوا بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ))

[متفق عليه عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ عَنْ أَبِيهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ]

     ولا تنسوا أن الواو حرف عطف يفيد التماثل، وكأن الله عز وجلّ من خلال النبي عليه الصلاة والسلام الصادق الصدوق جعل عقوق الوالدين قريباً من الشرك.

2 ـ شهادة الزور:

(( وَكَانَ مُتَّكِئًا فَقَالَ أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ))

[متفق عليه عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ عَنْ أَبِيهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ]

     قد يتوهم بعضكم أن تذهب إلى القاضي، وتدلي بشهادة كاذبة، كل أنواع الغش في البيع والشراء ينطوي تحت هذه الكلمة، تعطي مواصفات للبضاعة ليست صحيحة، تشهد للشاري شهادة زور، تعلن عنها من مصدر دولة متفوقة جداً في صناعة الأقمشة، وتضع حاشية من صنعك أنها مصنوعة في هذا البلد وهي مصنوعة في بلد آخر، حينما تعطي صفات مخالفة للواقع في البيع والشراء هذا من باب شهادة الزور:

(( أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ قُلْنَا بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ وَكَانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ فَقَالَ أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ ))

[متفق عليه عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ عَنْ أَبِيهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ]

     إما قول تقول له: أفضل بضاعة، أو في معها شرح أنها بمواصفات ليست فيها.

3 ـ طاعة الوالدين في معصية:

  أيها الأخوة:

 

﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً ﴾

( سورة الإسراء الآية: 23 )

     أيضاً رفع الإحسان إلى الوالدين قريباً من العبادة، ولكن لا بد من حقيقة أضعها بين أيديكم، عبادة الله شيء والإحسان إلى الوالدين شيء آخر، الإحسان لا يعني أن تطيعهما فيما لا يرضي الله، والدليل:

﴿ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا(23)وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنْ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا(24) ﴾

( سورة الإسراء)

﴿ وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً ﴾

( سورة لقمان الآية: 15 )

     أم سيدنا سعد بن أبي وقاص قالت له: إما أن تكفر بمحمد وإما أن أدع الطعام حتى أموت، فقال يا أمي: لو أن لك مئة نفس فخرجت واحدة واحدة ما كفرت بمحمد فكلي إن شئت أو لا تأكلي .
     أحياناً يتوهم الشاب انه إذا طلق امرأته الصالحة، المؤمنة، المحجبة، تنفيذاً لأمر والده فقد أرضى والده، أبداً، هذا خطأ كبير في فهم أحكام الدين، الأب إن طلب منك طعاماً، ثياباً، بيتاً، غرفة، حاجة، دواءً، هنا الإحسان، أما إذا أمرك أن تطلق امرأة صالحة، مؤمنة، محجبة وهي زوجة مثالية لكنه لا يحب أهلها فأراد أن يغيظهم بطلاقها، ينبغي ألا تستجيب، ولا غضب له ولا رضا.
     مرة إنسان يبدو أنه طلق زوجته تنفيذاً لأمر والده، شعر بقلق، فلما سألني قلت له: لا يجوز أن تطلقها، قال: أليس سيدنا عمر أمر ابنه أن يطلق زوجته ؟ قلت له: إذا كان أبوك عمر فافعل، أبوك ليس عمر بن الخطاب، عمر بن الخطاب صحابي جليل، وخليفة راشد، لولا أنه رأى أن في تطليق زوجة ابنه مصلحة دينية لابنه ما أمر بذلك.

4 ـ السحر:

     أيها الأخوة، حديث آخر يقول النبي عليه الصلاة والسلام:

(( اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا هُنَّ ؟ قَالَ: الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَالسِّحْرُ ))

[ متفق عليه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]

     من سحر فقد كفر، من أتى كاهناً فصدقه فقد كفر بما أنزل على محمد.
     من أتى ساحراً فلم يصدقه لم تقبل له صلاة أربعين صباحاً ولا قيام أربعين ليلة.

5 ـ قتل النفس بغير حق:

(( وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ))

[ متفق عليه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]

     قتل النفس أية نفس، قد يكون حيوان هو في دائرته ولا يؤذيك، رغبة في القتل عشوائياً، أحياناً يدوس بقدمه كائناً متحركاً بلا سبب.

6 ـ أكل الربا:

(( وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا ))

[ متفق عليه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]

     من دخل السوق من غير فقه أكل الربا شاء أم أبى.
     مثل بسيط ؛ إنسان يريد أن يشتري بيتاً ثمنه عشرة ملايين، معه خمسة ملايين، عرض على صديقه أن يشترك معه في شراء البيت، صديقه وافق مقابل أجرة ثابتة، اتفقا على أجرة، إذا اشترط الأول على الثاني الذي أقرضه أن الرقم الخمسة ملايين أريدها بالتمام والكمال متى شئت، فالأجرة ربا، لماذا ؟ لأن صاحب البيت الذي يسكنه ضمن له المبلغ، أما لو أنه اشترى نصف البيت وبعد سنوات عدة أرادا أن يبيعا البيت، فبحسب سعر البيت، هو اشترى نصفه، يباع البيت ويعطى نصف ثمن البيت للمقرض، بهذه الطريقة الأجرة حلال، أحياناً شعرة بين الحلال والحرام.
     من دخل السوق من غير فقه أكل الربا شاء أم أبى، هناك آلاف التجار يعطون أرباحاً ثابتة على الأموال التي في حوزتهم للاستثمار، الأرباح الثابتة تعد فائدة، أما يوجد جرد لربح حقيقي، يوجد حساب البضاعة، الصندوق، الديون، والناس حينما يهملون أحكام البيوع يقعون في مخالفات أكثرها ربا محقق.

7 ـ قذف محصنة:

(( اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا هُنَّ ؟ قَالَ: الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلَاتِ ))

[ متفق عليه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]

     وقد ورد أن قذف محصنة يهدم عمل مئة سنة.

8 ـ قتل المؤمن متعمداً:

     أما الذي يقتل مؤمناً متعمداً:

 

﴿ وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا(93) ﴾

(سورة النساء)

     حينما تجري حروب أهلية بين المسلمين هل يدرون ماذا يفعلون ؟

﴿ وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا(93) ﴾

(سورة النساء)

     لذلك الآية تقول:

﴿ وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ ﴾

( سورة الأنفال الآية: 60 )

     يجب أن يكون عدوكم عدواً لله، أما إذا كان عدوكم مؤمناً فهناك مأساة كبيرة، ومشكلة كبيرة، وإثم كبير، وقد توعد الله من يقتل مؤمناً متعمداً فإن جزاؤه جهنم خالداً فيها، وغضب الله عليه، ولعنه، وأعد له عذاباً عظيماً، وفيما أتصور هذا أشد وعيد في القرآن الكريم لمن يقتل مؤمناً متعمداً.

9 ـ إعانة الظالم على المظلوم:

(( من أعان على خصومة لم يزل في سخط الله حتى ينزع ))

[ ورد في الأثر]

     أعان ظالماً على خصومة، قدم له قلماً ليوقع، هزّ برأسه بالإيجاب حينما سأله ألست على حق وهو على باطل ؟

(( من أعان على قتل مؤمن بشطر كلمة لقي الله يوم القيامة مكتوب بين عينيه آيس من رحمة الله ))

[ابن ماجه عن أبي هريرة ]

10 ـ أكل أموال اليتامى:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا(10) ﴾

( سورة النساء )

على الغني الذي يستثمر أموال الأيتام أن يستعفف عن أخذ الربح :

     لذلك أيها الأخوة، الفقهاء وقفوا وقفة متأنية، قال: حينما يكون معك مال يتيم تستثمره إن كنت غنياً ينبغي أن تستعفف عن أخذ الربح، مع أن الجهد منك:

﴿ وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ (6) ﴾

( سورة النساء )

     ما المعروف ؟ ـ قالوا كلاماً دقيقاً ـ قالوا: أجر المثل أو حاجتك أيهما أقل، معك مال ليتيم استثمرته ربح مئتي ألف، أنت حاجتك في السنة تقدر بمئة وخمسين ألفاً، نصيبك مئة ألف، تأخذ أجر المثل بالضبط لا تأخذ حاجتك، الربح الكامل مئتا ألف، لك مئة ولمال اليتيم مئة، أنت بحاجة إلى مئة وخمسين ألفاً، ينبغي أن تأخذ المئة ألف فقط، الآن أودع معك مبلغاً ضخماً، الأرباح مليونان لك مليون ولمال اليتيم مليون، أنت يكفيك في السنة مئة وخمسون ألفاً، تأخذ حاجتك، حاجتك أو أجر المثل أيهما أقل، هذا معنى فليأكل بالمعروف.

﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ(23) ﴾

( سورة النور )

11 ـ اجتناب الزنا وشرب الخمر والسرقة:

     أيها الأخوة الكرام، ما زلنا في الكبائر، ومن الكبائر اجتناب الزنا وشرب الخمر والسرقة، لذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(( لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلَا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلَا يَنْتَهِبُ نُهْبَةً ذَاتَ شَرَفٍ يَرْفَعُ النَّاسُ إِلَيْهَا أَبْصَارَهُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ))

[ متفق عليه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]

     المؤمن لا يزني، ولا يسرق، ولا يشرب الخمر، ولا ينهب، هذه صفات المؤمن فإذا كانت واحدة فيه تناقضت مع إيمانه، وحينما يرتكب هذه المعصية لا يعد مؤمناً إطلاقاً.

12 ـ اجتناب الكذب:

     أيضاً من الكبائر التي نحن في صدها اجتناب الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(( إِنَّ كَذِبًا عَلَيَّ لَيْسَ كَكَذِبٍ عَلَى أَحَدٍ فَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ ))

[ متفق عليه عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ]

     تحرى أن يكون الحديث الذي ترويه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم صحيحاً، وكتب الصحاح بين أيدي المؤمنين، والكتب الضعيفة بين أيدي المؤمنين، إذاً يقول الله عز وجل:

 

﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ(68)﴾

( سورة العنكبوت)

     وكأن النبي عليه الصلاة والسلام استنبط الحديث الأول من هذه الآية، لكن قد يقول قائل: أنا لا أكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم متعمداً، أنا قرأت حديثاً رويته للناس، بعد أن ألقيته على مسامعهم تبين أنه حديث ضعيف أو موضوع، نقول له:

(( مَنْ حَدَّثَ عَنِّي حَدِيثًا وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ كَذِبٌ فَهُوَ أَحَدُ الْكَاذِبِينَ ))

[ متفق عليه عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ]

لذلك تحرى الدقة فيما تروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

لا صغيرة مع الإصرار ولا كبيرة مع الاستغفار :

     أيها الأخوة الكرام، هذه بعض الأحاديث المتعلقة بالكبائر، والكبيرة كبيرة لكن لا كبيرة مع الاستغفار، والصغيرة تغدو كبيرة مع الإصرار، الكبيرة كبيرة ولكن لا كبيرة مع الاستغفار، والصغيرة تغدو كبيرة إذا رافقها الإصرار، لذلك ورد في بعض الأحاديث:

(( لا صغيرة مع الإصرار، ولا كبيرة مع الاستغفار ))

[ رواه ابن المنذر والديلمي عن ابن عباس ]

     أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه يغفر لكم، فيا فوز المستغفرين، أستغفر الله.

* * *

الخطبة الثانية :

     الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله بيته الطيبين الطاهرين، وصحبه أجمعين.

التنديد و التشديد و حرق الأعلام و إصدار البيانات أساليب لا تقدم و لا تؤخر :

     أيها الأخوة، لا شك أنكم تسمعون وتقرؤون وتشاهدون ما يجري في القدس، ودائماً وأبداً أردد هذه المقولة، أنّ الحقيقة المُرّة أفضل ألف مَرّة من الوهم المريح، أَلِف المسلمون في شتى بقاع الأرض في مثل هذه الأزمات أن ينددوا، وأن يستنكروا، وأن يشددوا، وأن يصدروا البيانات، وأن يشجبوا، وأن يحرقوا الأعلام والصور، وتنتهي المهمة عند هذا، بربكم هذا الذي كان يجري من خمسين عاماً هل أجدى شيئاً ؟ هل ردع العدو ؟ هل أخافه ؟ هل خفف من ظلمه ؟ لا، مع أن هناك من يضن بها أيضاً، مع أن هناك من التقت مصالحه مع العدو يضن بهذه، ومع ذلك هذه لا تقدم ولا تؤخر، لا الشجب، ولا الاستنكار، ولا التشديد على كذا، ولا إصدار بيان، ولا حرق علم، ولا حرق صورة.

منطق العصر و منطق الدين :

     ماذا ينبغي أن نفعل ؟ سؤال كبير والجواب دقيق، أنت تعيش في عصر ومعك دين، أتحب منطق العصر أم منطق الدين ؟ منطق العصر يجب أن تكون قوياً لتلقن العدو درساً لا ينساه، يجب أن تكون أقوى من عدوك، وعندئذ تسحقه، وعندئذ يحترمك، وعندئذ يخاف منك، وعندئذ يجلس معك، وعندئذ يصالحك، وعندئذ يتهيب أن يتحداك، هذا العصر أساسه القوة، لا يوجد قيم، لا يوجد مبادئ، لا يوجد أخلاق، لا يوجد استقامة، عصر مصالح، القوي يظن نفسه على حق وافعلوا ما شئتم، فلذلك إن أردت أن تبقى بعيداً عن الدين، أن تعيش كما تريد، كما يعيش الغرب، ينبغي أن تكون قوياً كي تلقن العدو درساً لا ينسى، هذا اتجاه، أما إذا كنت مؤمناً، وأردت منطق الدين ينبغي أن يحملك إيمانك على طاعة الله طاعة تامة، وينبغي أن تعد للعدو ما تستطيع تنفيذاً لقوله تعالى:

﴿ وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ ﴾

( سورة الأنفال الآية: 60 )

     إن أردت منطق القوة، إن أردت منطق العصر، ينبغي أن تكون قوياً حتى تلقن العدو درساً لا ينساه، وإن أردت منطق الدين وأنت مؤمن، وأنت مسلم، ينبغي أن تطبق منهج الله، وأن تصطلح معه، وأن تقيم أمر الله في نفسك، وفي بيتك، وفي عملك، وعندئذ تستحق وعود الله، وزوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين، وعندئذ تنفذ أمر الله في الإعداد للعدو، قال تعالى:

﴿ وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ ﴾

( سورة الأنفال الآية: 60 )

ما بعد الصبر و المعصية إلا القبر وما بعد الصبر والطاعة إلا النصر :

     إن كنت بعيداً عن مبادئ العصر القوة، وإن كنت بعيداً عن مبادئ الدين، فابكِ ما شئت، واندب الحظ ما شئت، واستنكر ما شئت، واشجب ما شئت، وأصدر بيانات بالقدر التي تريد، ولا أحد يصغي لك، ولا أحد ينتبه لك، ولا أحد يجلس معك، إما أن تكون في منطق العصر، القوة عند أعدائنا تعني الحق، القوة تعني الحق أما عند المؤمنين القوة ما وافقت وحي السماء وتحتاج إلى قوة.
     لذلك أيها الأخوة، كلام مؤلم جداً هناك من يتباكى، هناك من يستنكر، هناك من يشجب، هناك من يقيم الدنيا ولا يقعدها، الطريق مسدود، لا تأخذ لا بروح العصر ولا بمبادئ الدين، ما بعد الصبر و المعصية إلا القبر وما بعد الصبر والطاعة إلا النصر.

أنواع الجهاد :

     لذلك أيها الأخوة، هناك جهاد نفسي، جهاد النفس والهوى، رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر جهاد النفس والهوى.
     وهناك جهاد دعوي:

﴿ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا ﴾

( سورة الفرقان )

     وهناك جهاد بنائي:

﴿ وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ ﴾

( سورة الأنفال الآية: 60 )

     إذا نجحت في الجهاد النفسي، ونجحت في الجهاد الدعوي، ونجحت في الجهاد البنائي، ينتظر أن تنجح في الجهاد القتالي، هذا واحد.

النصر من عند الله فقط :

     النصر له آيات حاسمة:

﴿ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ ﴾

( سورة الأنفال الآية: 10 )

     ما دام المسلمون يتوهمون النصر أن تتلقى دعماً من هذه الجهة، أو دعماً من هذه الجهة، أو أن ترضى عنك هذه القوة، أو أن ترضى هذه القوة، فهذا هو الطريق المسدود:

﴿ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ ﴾

( سورة الأنفال الآية: 10 )

     تقدم لهم كل التنازلات ولا تأخذ منهم شيئاً:

﴿ هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ (119) ﴾

( سورة آل عمران)

     أقسم لكم بالله الغرب آخذ قراراً غير معلن بإفقارنا، وإضلالنا، وإفسادنا، وإذلالنا، وإبادتنا:

﴿ هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ (119) ﴾

( سورة آل عمران)

     صدقوا ربكم لن ننال منهم شيئاً، لذلك:

﴿ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ ﴾

( سورة الأنفال الآية: 10 )

من نصر دين الله نصره الله عز وجل :

     شيء ثان:

﴿ إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ ﴾

( سورة آل عمران الآية: 160 )

﴿ وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا (3) ﴾

( سورة الفتح )

     هناك نصر شكلي معه معاهدات، ومعه بذل ماء الوجه، ومعه تنازلات، ومعه إعطاء ميزات:

﴿ وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا (3) ﴾

( سورة الفتح )

     النصر من عند الله:

﴿ إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ ﴾

( سورة آل عمران الآية: 160 )

     نصر حاسم أما الثمن:

﴿ إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (7) ﴾

( سورة محمد )

     إن نصرت دينه ينصرك.

أنواع النصر :

     أيها الأخوة، هناك نصر استحقاقي:

﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ ﴾

( سورة آل عمران الآية: 123 )

     هناك نصر تفضلي:

﴿ غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ (5) ﴾

( سورة الروم)

     نصر تفضلي، وهناك نصر كوني، قوتان كبيرتان شاردتان عن الله الأقوى ينتصر فقط، الذي عنده سلاح مداه المجدي أطول ينتصر، الذي عنده أقمار صناعية ينتصر، الذي عنده سلاح نووي ينتصر، النصر بين قوتين كافرتين للأقوى، نصر كوني، والنصر بين مؤمن وغير مؤمن إما أنه استحقاقي، أو أن الحكمة أن ينتصر المؤمن المقصر تفضلي، بقي النصر المبدئي إنسان قتل أو مات على عقيدة سليمة، ومات عابداً لربه هذا انتصر في الدار الآخرة.
     فهناك نصر استحقاقي، ونصر تفضلي، ونصر كوني، ونصر مبدئي.

تخطيط الغرب لنا و عدم تخطيطنا له :

     أيها الأخوة الكرام، لكن دقق فيما سأقول: الغرب خطط لنا ولم نخطط له.
     هناك ملك فرنسي اسمه لويس التاسع ملك فرنسا، هذا كان في مصر، وقع في الأسر، أسر في دار ابن لقمان في المنصورة، وكتب هذه الوثيقة، والوثيقة محفوظة في دار الوثائق القومية في باريس، أي سنة ؟ سنة ألف ومئتين وخمسين ميلادية، أي قبل سبعمئة وخمسين سنة، قبل سبعمئة وخمسين سنة يقول هذا الملك لويس التاسع: لا يمكن الانتصار على المسلمين في الحرب، شجعان، أقوياء، يحبون الموت كما يحب أعداءهم الحياة، لا يمكن الانتصار على المسلمين من خلال الحروب، وإنما ننتصر عليهم باتباع ما يلي:
     * أولاً إشاعة الفرقة بين قادة المسلمين، واقع أم غير واقع ؟
     * عدم تمكين البلاد العربية والإسلامية أن يقوم فيها حكم صالح.
     * إفساد أنظمة الحكم في البلاد الإسلامية بالرشوة، والفساد، والنساء.
     * الحيلولة دون قيام جيش مؤمن بحق وطنه عليه.
     * العمل على الحيلولة دون قيام وحدة إسلامية.
     * العمل على قيام دولة غربية في المنطقة.
     كله وقع، دولة غربية في المنطقة إسرائيل، هذا الكلام قاله ملك فرنسا قبل سبعمئة وخمسين سنة، وكله محقق، إذاً خططوا لنا ولم نخطط لهم، ونحن ببطولتنا ينبغي أن نعكس كل هذه المبادئ، إذا عكسنا هذه المبادئ لن ينتصروا علينا في ساحة المعركة، فلابد من أن نقاوم هذه الدولة ـ إسرائيل ـ لا أن نقيم معها صلحاً، ولا أن نهادنها، لأنه على عملتها ـ الشيكل ـ الحدود من الفرات إلى النيل، هذا طموحها، وهذا الذي جرى بيننا وبين تركيا شيء رائع جداً، بين دولتين إسلاميتين، هذا الذي جرى بيننا وبين تركيا ينبغي أن يعمم على البلاد الإسلامية، كان هناك تقارب، صار هناك تعاون و اندماج، وكأنهما دولة واحدة، هذا شيء يبشر بخير، بدأنا نصحو من غفلتنا، هناك رحم إيمانية بيننا وبينهم، هناك لقاء لمئة عام.
     أيها الأخوة، هذا الذي قاله ملك فرنسا ينبغي أن ننقضه واحداً واحداً حتى ننتصر، يجب أن نقاوم هذه الدولة بل هناك تقرير لـ (س أي أ) يؤكد أنه لن تستمر أكثر من عشرين عام قادمة، قرأت هذا التقرير عليكم سابقاً.
     يجب أن نحارب الفساد بكل أنواعه، يجب أن ندعم الإنسان الصالح بكل ما نملك، يجب ألا نشيع الفرقة بين قادة المسلمين، هذا الذي قاله لويس التاسع قبل سبعمئة وخمسين عاماً، خطة محكمة طبقت علينا، والحل أن ننقضها بنداً بنداً، وإن شاء الله تنقض بنداً بنداً.

الدعاء :

     اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق، ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك و نتوب إليك، اللهم اهدنا لصالح الأعمال لا يهدي لصالحها إلا أنت، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك، اللهم بفضلك ورحمتك أعلِ كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام، وأعز المسلمين، انصر المسلمين في كل مكان، وفي شتى بقاع الأرض يا رب العالمين، اللهم أرنا قدرتك بأعدائك يا أكرم الأكرمين.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018