الفقه الحضاري - الندوة : 11 - سيدنا عمر بن الخطاب 2 عدل عمر . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠30برنامج الفقه الحضاري - قناة سوريا الفضائية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الفقه الحضاري - الندوة : 11 - سيدنا عمر بن الخطاب 2 عدل عمر .


2003-05-29

الأستاذ عدنان:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أحييكم عبر القناة الفضائية السورية في هذا اللقاء الجديد من برنامج الفقه الحضاري في الإسلام، ويسرنا أن نلتقي اليوم مع سماحة الشيخ الدكتور محمد راتب النابلسي، الأستاذ في كلية التربية جامعة دمشق، و خطيب جامع الشيخ عبد الغني النابلسي، أهلاً و مرحباً.
الدكتور راتب:
جزاكم الله خيراً.
الأستاذ عدنان:
في حلقة سابقة دكتور أنا لا أرى أنكم تحدثتم عن شخصية من الشخصيات، إنما تحدثتم في الحقيقة عن مبادئ الإسلام، ولكن أخذت هذه المبادئ من خلال التيسير العملي، فكانت هناك شخصية من الشخصيات، والشخصيات في الحقيقة شخصيات عديدة في تاريخنا الإسلامي، وعصورنا الذهبية، تشهد بهذا شهادة رائعة، حتى يكاد الإنسان يظن أن هؤلاء الذين نتحدث عنهم إنما نتحدث عن أمثلة خيالية، لكنها في الحقيقة هي أمثلة واقعية، كانت تجري الحوادث معها على سطح هذه البسيطة، ولكن بعد ما بيننا وبينهم، فكانوا على غير ما نحن عليه، فيا ليت مثل هذه اللقاءات تذكر الناس جميعاً بأن كونوا كما كانوا، لتصلوا إلى ما وصلوا، والوقفات التي نقف عندها، والمحطات التي تتحدثون من خلالها كما قلت قبل قليل هي من مبادئ الإسلام، ولكنها جسدت بشخصيات، ونتابع معكم هذه الوقفات المجسدة في شخصية اخترتموها، سيدي عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
الدكتور راتب:
بارك الله بكم أستاذ عدنان، الحقيقة أنني كما قلت في الحلقة السابقة: إن القدوة شيء أساسي في التوجيه، فسيدنا عمر مرة ترك أكل اللحم أشهراً عديدة في أيام المجاعة، فيبدو أن بطنه قرقر، هذه كلمة يستعملها العرب، فخاطب بطنه، وقال: قرقر أيها البطن، أو لا تقرقر، فوالله لن تذوق اللحم حتى يشبع منه صبية المسلمين.
كان هذا الخليفة العظيم ينبه إلى أن الإنسان حينما يبني مجده على أنقاض الناس، ويبني غناه على فقرهم، أو حينما يبني قوته على ضعفهم، أو حينما يبني أمنه على خوفهم يسارع إلى حتفه، فأرسل كتاباً إلى بعض ولاته قال فيه: " أما بعد، فقد نمي إلي أنه قد صار لك هيئة حسنة في مسكنك ومركبك، ومطعمك ومشربك ليست لعامة المسلمين، احذر يا عبد الله أن تكون كالدابة مرت بواد خصب فجعلت همها في السمن، وفي السمن حتفها.
هذه إشارة لطيفة جداً وواعية جداً إلى أن الإنسان ينبغي أن يكون مع الناس، وأن يعنيه ما يعنيهم، كان عليه الصلاة والسلام في سفر مع أصحابه فقال أحدهم: علي ذبح الشاة، فقال الثاني: علي سلخها، وقال الثالث: علي طبخها، فقال عليه الصلاة والسلام: وعلي جمع الحطب، فقالوا: يا رسول الله، نكفيك ذلك، قال: أعلم أنكم تكفونني، ولكن الله يكره أن يرى عبده متميزًا على أقرانه، فكان يقول: احذر يا عبد الله أن تكون كالدابة مرت بواد خصب فجعلت همها في السمن، وفي السمن حتفها، نحن نحتاج إلى تعاون.
لي صديق كان في بلد غربي، ولفت نظره في إعلان لوظيفة، كالعادة السن والشهادة والخدمة الإلزامية، لكن بندًا لفت نظره أن يصلح للعمل ضمن فريق، والمجتمع لا يرقى إلا إذا كان هناك تعاون وتنسيق بين أفراده، سيدنا عمر حينما توفي النبي عليه الصلاة والسلام جاءه الصديق، فقال: يا عمر، ابسط يدك لأبايعك، قال: يا أبا بكر، أي أرضٍ تقلّني، وأي سماء تظلني إذا كنت أميراً على قوم فيهم أبو بكر، فهذا فوق طاقتي، قال: يا عمر، أنت أقوى مني، قال: أنت أفضل مني، ثم اتفقا، قال له: قوتي إلى فضلك نتعاون، التعاون حضارة، التعاون أمر إلهي،

﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى ﴾

[سورة المائدة]

مرة كنت في جامعة في بلاد الغرب فرأيت حكمة كتب عليها فضيلة التنازل، ما التنازل ؟ من أجل مصلحة العامة أتنازل لأخي ليسير الركب نحو الأمام، فالتنافس من صفات المجتمعات الجاهلة، والتعاون من صفات المجتمعات الراقية، فقال له: قوتي إلى فضلك، أنا أتعاون معك، فالتعاون صفة رائعة في المؤمنين، ذلك أن في الإنسان طبعاً، ومع تكليف، فطبعه فردي، أما التكليف فتعاوني جماعي، فالإنسان يتعاون مع إخوانه ومع الآخرين ومع المؤمنين بقدر طاعته لله، وينافس معهم ويؤكد ذاته، ويكون فردياً بقدر تفلّته من منهج الله، قال له: قوتي إلى فضلك.
شيء آخر، أدرك هذا الخليفة العملاق أنه إذا فُتِحَ بابه لكل الناس من دون استثناء لا يستطيع من دونه أن يظلم، أنا أذكر أنه عُقد مؤتمر للتطوير الإداري في دمشق، الشيء الذي لا يصدق أن هذا المؤتمر بقي أياماً ثلاثة، وكانت توصيته الوحيدة ألا يكون هناك حاجز بين القاعدة وبين القيادة، قلت: سبحان الله ! هذه الحقيقة التي توصل إليها مؤتمر في أرقى العصور كشفها عمر بحديث خاص، عين والياً، فقال له: ولا تغلق بابك دونهم، فيأكل قويهم ضعيفهم، فإذا كان أي إنسان بإمكانه أن يصل إلى القيادة فالذي تحت القيادة يعدون للمليار قبل أن يظلموا.
الأستاذ عدنان:
دكتور، هنا قد يقول قائل: هل كانت هذه أقوالا، وكما نسميها في عصورنا شعارات مثلاً، ولكنها كانت بعيدة عن التطبيق، إذا قال لواليه: لا تغلق بابك دونهم، فإن أغلق بابه هل كان يغيب تصرف هذا الوالي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ؟
الدكتور راتب:
أبداً، كان يحاسبه حساباً شديداً، كيف حاسب عمرو بن العاص ؟ كيف جاءه هذا الأعرابي البدوي من فزارة، ودخل عليه، واشتكى على ملك، وكيف أخذ له حقه، وكيف جاءه، والي حمص سعيد، لو كانت قضية أقوال وشعارات والله ما خرج الإسلام من مكة، لأنها كانت ممارسات.
يروى أن سيدنا رسول الله أرسل عبد الله بن رواحة ليقيّم تمر خيبر، باتفاق من النبي عليه الصلاة والسلام وبين خيبر، فأغروه بحلي نسائهم، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ قَالَ:

(( أَفَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ خَيْبَرَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَقَرَّهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا كَانُوا، وَجَعَلَهَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ، فَبَعَثَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ فَخَرَصَهَا عَلَيْهِمْ، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ، أَنْتُمْ أَبْغَضُ الْخَلْقِ إِلَيَّ، قَتَلْتُمْ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَكَذَبْتُمْ عَلَى اللَّهِ، وَلَيْسَ يَحْمِلُنِي بُغْضِي إِيَّاكُمْ عَلَى أَنْ أَحِيفَ عَلَيْكُمْ، قَدْ خَرَصْتُ عِشْرِينَ أَلْفَ وَسْقٍ مِنْ تَمْرٍ، فَإِنْ شِئْتُمْ فَلَكُمْ، وَإِنْ أَبَيْتُمْ فَلِي، فَقَالُوا: بِهَذَا قَامَتْ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، قَدْ أَخَذْنَا فَاخْرُجُوا عَنَّا ))

[أحمد]

يعني لن أظلمكم، ولن أبخسكم حقكم، العدل أساس الملك.
سأل إنسان سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه إنسان: هل تحبني ؟ قال: والله إني لا أحبك، قال: هل يمنعك بغضك لي من أن تعطيني حقي ؟ قال: لا، والله قال، فقال: إذاً إنما يأسف على الحب النساء.
الأستاذ عدنان:
وزوجته أيضاً عندما قال لها: والله لأسوؤنك، قالت: وهل تستطيع أن تقيمني من مبدأ الإسلام ؟ قال: لا، فقالت له: إذاً فافعل ما شئت.
الدكتور راتب:
هناك نقطة دقيقة جداً، مرة سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يتفقد أحوال رعيته، وكان معه عبد الرحمن بن عوف، فرأوا قافلةً جالسةً في طرف المدينة، فقال: يا عبد الرحمن، تعال نحرسها، عمل صالح، فإذا بطفل يبكي بكاءً شديداً، فقال لأمه: أرضعيه، أرضعته، فعاد يبكي، قال: أرضعيه، فأرضعته، يبدو أنه غضب، أو أنه رآها لا ترضعه، ترضعه شكلاً، فقال: يا أمة السوء أرضعيه، عندئذ قالت له: وما شأنك بنا ؟ إنني أفطمه، قال: ولمَ ؟ قالت: لأن عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ لا يعطينا العطاء إلا بعد الفطام، تروي كتب السيرة أنه ضرب جبهته، و قال: ويحك يا ابن الخطاب، كم قتلتَ من أطفال المسلمين، ولما صلى الفجر إماماً ما سمع الصحابة قراءته من شدة بكائه، كان يقول: ربي، هل قبلت توبتي فأهنئ نفسي، أم رددتها فأعزيها ؟ قال: ويحك يا ابن الخطاب، كم قتلت من أطفال المسلمين، وأمر أن يعطى العطاء منذ الولادة، هذا موقف سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
عين والياً، وقال: خذ عهدك، وانصرف إلى عملك، واعلم أنك مصروف رأس سنتك، وأنك تصير إلى أربع خلال فاختر لنفسك، إن وجدناك أميناً ضعيفاً استبدلناك لضعفك، وسلمتك من معرتك أمانتك، وإن وجدناك خائناً قوياً استهنا بقوتك، وأوجعنا ظهرك، وأحسنا أدبك، وإن جمعت الجرمين جمعنا عليك المضرتين العزل والتأديب، إذا كان أميناً ضعيفاً يعزل، وإذا كان قوياً خائناً يعاقب، وإذا كان ضعيفاً وخائناً يعاقب ويعزل، قال: وإن وجدناك أميناً قوياً زدناك في عملك، ورفعنا لك ذكرك، وأوطأنا لك عقبك، أي لن نعبأ بخصومك، طبعاً بالمصطلح الحديث الأمانة الولاء والقوة الكفاءة، فالكفاءة والولاء هاتان الصفتان أساسيتان في أي إنسان يعمل لصالح جهة معينة، أخذًا من قوله تعالى:

﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (26)﴾

[ سورة القصص: 26]

وأنا أرى أن هذا مقياس دقيق جداً لتعيين الأمراء.
لهذا الخليفة الراشد لمحة رائعة، قال: أريد أميراً إن كان أميراً بدا وكأنه واحد من أصحابي، بتواضعه، وإن لم يكن أميراً بدا وكأنه أمير لهم، لغيرته على المصلحة العامة، فعلاً إنه مقياس دقيق، هذا الإنسان ليس أميراً، لكن انتماءه لأمته ودينه يجعله أميراً على مصالح الأمة، فيبدو كأنه أمير، وإذا كان أميرًا فعلاً يبدو كأنه واحد من أصحابه من تواضعه.
الأستاذ عدنان:
هنا حبذا لو توقفنا قليلاً دكتور، في الأصل الإنسان، وكما تحدثتم في حلقة سابقة ماضية حديثًا عن نفسه تدعوه لأن يأخذ الأشياء الكثيرة لنفسه، يريد أن يجمع لنفسه، يخاف أحياناً، جبل على أن ينظر إلى الأمور لمصلحته، لكن ليكون هذا الإنسان وجبلته الأساسية أنه يرغب بهذا مع هذا أنها اختلفت، لا فقط أنها اختلفت، بل زاد على ذلك أنها جمعت ما ترصده النفس، وما يقبله الصالح العام، رفضت كل مزلق، والتفتت إلى كل قوة، فالإنسان عندما يكون ضعيفاً من طبيعته لا ينظر إلى الأمور القوية حتى يفكر بها، أو يصل إليها،
على قدر أهل العزم تأتي العزائم
هنا جمع الشيئين في شخصية الإنسان الذي لا يرتبط بعقيدة، جمع الشيئين البعيدين عن بعضهما، كانت له العزيمة الرائدة، وكان في الوقت نفسه البسيط الخيّر العامل المنتج، هذه الناحية هل تستطيع عقيدة أو مبدأ وضعي أو مدرسة تعطي في الأخلاق أو مفكر يعطي في أصول التربية أن يصل إلى هذا، وأن يوجه أمة مثلما كان توجيه أمة محمد عليه الصلاة والسلام ؟
الدكتور راتب:
بارك الله بكم، تأكيداً لهذا الكلام الطيب المؤمن شخصيته فذة، المؤمن شخصيته تعني أنه في مرتبة أخلاقية، المؤمن تحكمه منظومة قيم، وفي الحديث حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُزَابَةَ حَدَّثَنَا إِسْحَقُ يَعْنِي ابْنَ مَنْصُورٍ حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ الْهَمْدَانِيُّ عَنْ السُّدِّيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ

((الْإِيمَانُ قَيَّدَ الْفَتْكَ لَا يَفْتِكُ مُؤْمِنٌ))

[أبو داود، أحمد]

أبرز صفة للمؤمن أنه أخلاقي، لذلك حينما لا تجد فرقاً بين المؤمن وغير المؤمن إلا الصلاة والصوم فهذا الفرق لا قيمة له إطلاقاً، لابد من أخلاق صارخة تراها في المؤمن، لابد من صدق، لابد من أمانة، لابد من عفة، ألم يقل سيدنا جعفر للنجاشي عندما سأله عن رسول الله  قال:

(( أَيُّهَا الْمَلِكُ، كُنَّا قَوْمًا أَهْلَ جَاهِلِيَّةٍ، نَعْبُدُ الْأَصْنَامَ، وَنَأْكُلُ الْمَيْتَةَ، وَنَأْتِي الْفَوَاحِشَ، وَنَقْطَعُ الْأَرْحَامَ، وَنُسِيءُ الْجِوَارَ، يَأْكُلُ الْقَوِيُّ مِنَّا الضَّعِيفَ، فَكُنَّا عَلَى ذَلِكَ حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْنَا رَسُولًا مِنَّا، نَعْرِفُ نَسَبَهُ وَصِدْقَهُ، وَأَمَانَتَهُ وَعَفَافَهُ، فَدَعَانَا إِلَى اللَّهِ لِنُوَحِّدَهُ، وَنَعْبُدَهُ، وَنَخْلَعَ مَا كُنَّا نَعْبُدُ نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ الْحِجَارَةِ وَالْأَوْثَانِ، وَأَمَرَنَا بِصِدْقِ الْحَدِيثِ، وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ، وَصِلَةِ الرَّحِمِ، وَحُسْنِ الْجِوَارِ، وَالْكَفِّ عَنْ الْمَحَارِمِ وَالدِّمَاءِ، وَنَهَانَا عَنْ الْفَوَاحِشِ، وَقَوْلِ الزُّورِ، وَأَكْلِ مَالَ الْيَتِيمِ، وَقَذْفِ الْمُحْصَنَةِ، وَأَمَرَنَا أَنْ نَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ، لَا نُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَأَمَرَنَا بِالصَّلَاةِ، وَالزَّكَاةِ، وَالصِّيَامِ، قَالَ: فَعَدَّدَ عَلَيْهِ أُمُورَ الْإِسْلَامِ ))

[أحمد]

فإذا تكلم فهو صادق، وإذا تعاملت معه فهو أمين، وإذا استثيرت شهوته فهو عفيف، الأمانة والصدق والعفاف أصول ثلاثة لمكارم الأخلاق، فسيدنا رسول الله كان بهذه الأخلاق، والله عز وجل حينما أثنى عليه، كان من الممكن أن يثني على بطولته، أو على شجاعته، أو على حكمته، أو على قيادته، أو على زعامته، أو على خطابته، أو على اجتهاده، أو على فتواه، أثنى على خلقه العظيم، لأن الخلق عملية ضبط، الإنسان أودعت فيه الشهوات وقد قال الله عز وجل:

﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ﴾

[ سورة آل عمران: 14]

وبإمكانه أن يتحرك انطلاقاً من هذه الشهوات مئة وثمانين درجة، إلا أن المؤمن مقيد بما سمح الله له به من الشرع، فلذلك المؤمن حركته مقيدة بمنهج الله عز وجل، وفي كل الآيات التي تبدأ بقوله تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾

يعني أن هناك عقدًا إيمانيًّا بينك وبين الله، يا من آمنت بي، يا من آمنت بعلمي، يا من آمنت بقدرتي، بخبرتي، برحمتي، بقدرتي، بحكمتي، افعل ولا تفعل، فالمؤمن بالدرجة الأولى إنسان منضبط بمنهج، فلذلك الإنسان الآخر إنسان غير منضبط، بل أكاد أن أقول: إن البشر على اختلاف ألوانهم وأجناسهم، وأعراقهم وأنسابهم، ومللهم ونحلهم، وطوائفهم ومذاهبهم لا يزيدون على رجلين، رجل عرف الله فانضبط بمنهجه، وأحسن إلى خلقه، فسعد في الدنيا والآخرة، ورجل غفل عن الله، فتفلت من منهجه، وأساء إلى خلقه، فشقي في الدنيا والآخرة، هذا الكلام تؤكده آية كريمة، قال تعالى:

﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6)﴾

[ سورة الليل: 5-6]

صدق أنه مخلوق لجنة عرضها السماوات والأرض، بناءً على هذه العقيدة اتقى أن يعصي الله وفق المنهج، والإنسان أعقد آلة في الكون، وله صانع حكيم، ولهذه الصانع تعليمات، فانطلاقاً من حبه لذاته، ولوجوده وسلامة وجوده، وكمال وجوده، واستمرار وجوده ينبغي أن يطيع الله عز وجل.
إذاً قضية الطاعة لله قضية هي الفوز العظيم، قال تعالى:

﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾

[ سورة الأحزاب: 71]

المؤمن له مرتبة أخلاقية، الآن له مرتبة علمية، المؤمن عرف الحقيقة الكبرى، المؤمن عرف سر وجوده، عرف غاية وجوده، عرف حقيقة الدنيا، عرف ما بعد الموت، عرف المنهج الذي ينبغي أن يسير عليه، عرف القيم التي ينبغي أن يقيمها، فالمؤمن عالم، وما اتخذ الله ولياً جاهلاً، لو اتخذه لعلمه، المؤمن عرف الحقيقة الكبرى في الكون.
هذا مثل للتوضيح، لو أن طالباً ذهب إلى بلد لينال دكتوراه، إذا كان هدفه واضحًا جداً جداً فأدق جزئيات حركته في هذا البلد متعلقة بهدفه، مثلاً يستأجر بيتاً قريباً من الجامعة، يرافق إنساناً يتعلم منه اللغة المحلية، يشتري كتاباً له علاقة باختصاصه، يزور مكتبة، ويطالع الكتب المتعلقة بدراسته، فيعني أدق جزئيات حياته مرتبطة بهدفه الكبير، فالمؤمن حينما يعرف لماذا هو في الدنيا ؟ علة وجودنا أن نعرف لماذا نحن في الدنيا، علة وجودنا أن نعبد الله عز وجل، قال تعالى:

﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾

[سورة الذاريات: 56]
والعبادة طاعة طوعية، ممزوجة بمحبة قلبية، أساسها معرفة يقينية، تفضي إلى سعادة أبدية، إذاً معرفة الله، وعبادته، والقرب منه هي هدف الإنسان، فلذلك سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان شخصية فذة، المؤمن شخصية فذة، مرتبة أخلاقية، مرتبة علمية، مرتبة جمالية، له أذواق راقية جداً، لأنه موصول بالله عز وجل، والله جميل، وهناك أعمال يفعلها الشاردون لا تليق بالإنسان، أما المؤمن فانضباطه وأذواقه عالية جداً، هذا الذي تفضلتم به قبل قليل.
أيضاً ملمح لطيف، توجيهات سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، جاءه سؤال من أحد الولاة، الحقيقة السؤال دقيق، قال: يا أمير المؤمنين، إن أناساً قد اغتصبوا مالاً ليس لهم، لست أقدر على استرجاعه منهم، إلا أن أمسهم بالعذاب، فإن أذنت لي فعلت، فقال عمر، وأرسل له الجواب: يا سبحان الله ! أتستأذنني في تعذيب بشر، وهل أنا لك حصن من عذاب الله، وهل رضائي عنك ينجيك من سخط الله ؟ أقم عليهم البينة، فإن قامت فخذهم بالبينة، فإن لم تقم فادعهم إلى الإقرار، فإن أقروا فخذهم بإقرارهم، فإن لم يقروا فادعهم لحلف اليمين، فإن حلفوا فأطلق سراحهم، وايم الله، لأن يلقوا الله بخيانتهم أهون من أن ألقى الله بدمائهم، ورع ما بعده ورع، وقنوات عدل ما بعدها من قنوات.
كان هذا الخليفة الراشد واقعياً، يروى أن أحد الأشخاص في أثناء الطواف حول الكعبة في موسم الحج وجد لوزة، فصاح بملء صوته: مَن صاحب هذه اللوزة ؟ من صاحب هذه اللوزة ؟ وشوش على الحجاج طوافهم، فقال عمر: وقد غضب: كُلْها يا صاحب الورع الكاذب، يعني كلها، وأرحنا، سيدنا عمر كشف ما يسمى النفاق.
الأستاذ عدنان:
هنا أيضاً يعلق على ما يمكن أن يوجد في بعض المجتمعات، والأمثلة الدارجة على الألسن أصبحت كثيرة في وصف أمثال هؤلاء، يقال: سبحَتُه تبلغ مترين، وأعمال لا تتناسب مع هذا الموقف، يشهد الصلوات، من أوائل الناس دخولاً إلى المسجد، ولكنه في أفعاله إن كانت تاجراً قد ينافي ما يجب عليه أن يكون التاجر المؤمن، هذا ليس حديثاً، بأن التجار هكذا، لكن فيهم الرائع المؤمن، التقي النقي، الورع، وفيهم من غير ذلك، كما نجد في أصناف المجتمع، كل فئاته وأعمالهم التي يقومون بها موضوع يا صاحب الورع الكاذب، حينما نجد في المجتمع أمثال هؤلاء ترى كيف نتعامل معهم ؟
الدكتور راتب:
ينبغي أن نرشدهم أولاً، وأن نبعد الناس عنهم، لأن في الحديث عَنْ ثَوْبَانَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ:

(( لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا، فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُورًا، قَالَ ثَوْبَانُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، صِفْهُمْ لَنَا، جَلِّهِمْ لَنَا، أَنْ لَا نَكُونَ مِنْهُمْ، وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ، قَالَ: أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ، وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ، وَيَأْخُذُونَ مِنْ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ، وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا ))

[ ابن ماجه ]

هم منافقون، هم يريدون انتزاع الإعجاب بسلوك ظاهر، أما في حقيقتهم فليسوا كذلك.
بالمناسبة أستاذ عدنان، الإنسان خارج البيت يلمع نفسه، يتكلم كلاماً لطيفاً، يرتدي ثياباً حسنة، يبتسم أحياناً، يصافح، حفاظاً على سمعته، لكنه إذا دخل البيت فلا رقيب عليه، قد يكون في البيت غير حال شخصيته خارج البيت، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام قال:

(( خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي ))

[الترمذي]

فجعل الخيرية المطلقة أخلاق الإنسان في البيت، قال:

(( وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي ))

أنا أعلق على هذا الكلام، أنه نحن عندما نفحص إنساناً لنيل شهادة القيادة، الفحص رجوع إلى الوراء، و بطريق متعرج وضيق، و يوجد علامات بلاستيكية، فلو مسّ علامة يسقط، لماذا يفحص هكذا ؟ هذا أصعب شيء في القيادة، أن تعرج إلى الوراء بطريق متعرج وضيق، وفيه شواخص بلاستيكية، أما الباقي فسهل جداً، فالنبي جعل خيرية الإنسان أخلاقه في بيته قال:

(( خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي ))

فلذلك قضية الانضباط الداخلي شيء دقيق جداً.
أيضاً شيء آخر، من موضوعية هذا الخليفة الراشد أراد من شخص أن يأتي بمن يعرفه، فجاء بشخص فقال: أتعرفه ؟ قال: أعرفه، قال له: هل سافرت معه ؟ قال: لا، قال: هل حاككته بالدرهم والدينار ؟ قال: لا، قال: هل جاورته ؟ قال: أنت لا تعرفه، فيا فلان إني لا أعرفك، لكن من شدة تواضعه قال: ولا يضرك أني لا أعرفك، قد تكون بأعلى مكان، لكني لا أعرفك، هذا الذي جئت به لا يعرفك.
وثمة ملمح آخر، سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه جاءه رجل من معركة نهاوند يحدثه عما جرى، فقال: والله يا أمير المؤمنين، مات خَلق كثير، قال: من هم ؟ قال: إنك لا تعرفهم، فبكى بكاءً شديداً، وقال: ما ضرهم أني لا أعرفهم إذا كان الله يعرفهم.
الأستاذ عدنان:
هنا ترتبط هذه الحادثة بالفكرة والمثل الذي ذكرته قبل قليل، عندما يريد الإنسان أن يدرس دراسة اختصاصية في بلد أجنبي، فإنه يجعل كل أعماله متناسبة مع الغاية التي يسعد إليها، وهذه الغاية التي أيضاً كانت في هذا المثل الواضح الجلي أيضاً الوقت.
الدكتور راتب:
آخر فكرة في الإسلام، كأنه هرم، القسم الأول فيه هو القرآن الكريم، والقسم الثاني هو السنة الصحيحة، والقسم الثالث سيرة النبي عليه الصلاة والسلام، والقسم الرابع سيرة أصحابه، فالقسم الأول كليات، والثاني تفاصيل، والثالث تطبيقات، والرابع أخلاق ونماذج بشرية، فإذا تحدثنا عن أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام فهناك نماذج من البطولة، وسبحان الله ‍! لكل نموذج خصائصه، فسيدنا عمر كان قوياً في الحق، وكان متواضعاً، وكان عادلاً، سمعت أن في لندن متحفاً لسيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتب على مدخله " كهف العدالة ".
الأستاذ عدنان:
في ختام هذا اللقاء كل الشكر لسماحة الدكتور محمد راتب النابلسي، الأستاذ المحاضر في كلية التربية جامعة دمشق، وموعدنا معكم بإذن الله في مثل هذا الوقت من الأسبوع القادم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018