الدرس : 63 - سورة النساء - تفسير الآيتان 148-149، العفو ومراتبه - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 63 - سورة النساء - تفسير الآيتان 148-149، العفو ومراتبه


2003-06-06

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا بما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

أثر البيئة في التربية الصحيحة :

 أيها الأخوة الكرام، مع الدرس الثالث والستين من دروس سورة النساء ومع الآية الثامنة والأربعين بعد المئة، وهي قوله تعالى:

﴿ لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنْ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً ﴾

 أيها الأخوة الكرام، في هذه الآية توجيه لمجتمع المؤمنين من أجل أن يبقى نقياً طاهراً، وأن تبتعد عنه مقالة السوء، فالله سبحانه وتعالى يبين أنه:

﴿ لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنْ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ ﴾

 هناك دليل قوي على سلامة الإنسان، وسلامة نطقه، وحديثه إذا نشأ في بيئة منضبطة، لو أن ابناً نشأ في أسرة لسانها منضبط، هذا الطفل لا ينطق بكلمة سوء في كل حياته، الأسرة المنضبطة النظيفة في أقوالها وفي أفعالها تنعكس طهراً واستقامة على الأبناء، ولو نشأ طفل في بيئة منحطة، وفي أسرة متفلتة، وليست منضبطة ينطق بكلمات السوء بشكل غير طبيعي، إذاً أثر البيئة في ضبط لسان الإنسان كبير، أحياناً ينشأ الابن في أسرة نظيفة منضبطة فإذا بالأب يسمع منه فجأة كلمة نابية، يبحث من أين هذه الكلمة؟ من علمه هذا الكلام؟ ثم يكتشف أنه سمعها في الطريق من ولد متفلت، أو سمعها من رفيق في المدرسة، من طالب ليس منضبطاً بمنهج الله عز وجل، إذاً كأن الله سبحانه وتعالى يريد لنا أن ننشأ في بيئة طاهرة طيبة منضبطة:

﴿ لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنْ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ ﴾

من خصائص الإيمان الانضباط بالقول :

 أيها الأخوة قد تعاشر إنساناً مؤمناً سنوات وسنوات، وقد تزيد على ثلاثين عاماً، ولا تسمع منه كلمة نابية، ولا كلمة فاحشة، ولا كلمة خسيسة، إذاً الإيمان من خصائصه الانضباط بالقول، لذلك ورد في بعض الأحاديث أن أحد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

((... يَا نَبِيَّ اللَّهِ وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ؟ فَقَالَ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ أَوْ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ...))

[ أخرجه الترمذي وصححه وابن ماجه والحاكم عن معاذ ]

((لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه.))

[أحمد عن أنس]

 وضبط اللسان من خصائص المؤمن، من صفات المؤمن.
 أيها الأخوة، من عد كلامه من عمله نجا، كلامك من عملك:

((وإن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يلقي لها بالاً يهوي بها في جهنم سبعين خريفاً))

[ الترمذي عن أبي هريرة ]

(( قذف محصنةٍ يهدم عمل مئة سنة))

[ورد في الأثر]

 أحياناً طرفة فاحشة تربك الجلسة، وتذهب بخواطر الحاضرين إلى أماكن ما كان لهم أن يرتادوها لولا هذه الطرفة الخسيسة، فلذلك:

(( ليس المؤمن بالطعان، ولا اللعان، ولا الفاحش، ولا البذيء ))

[ الترمذي عن ابن مسعود ]

 الكلام الفاحش لا يمكن أن يقوله المؤمن، "نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه"، الإنسان أحياناً ترتقي نفسه إلى مستوى الشريعة، فلو أن هذا الكلام ليس النطق به محرماً ما تكلم به، "نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه".

 

سمح الله للمؤمن إذا قيل فيه سوء أن يأخذ حقه :

 النقطة الأولى أيها الأخوة، نحن نتكلم بما نسمع، فإذا سمعنا الحق نطقنا به، إذا سمعنا قصص الأبطال نطقنا بها، إذا سمعنا قصص المنحرفين نطقنا بها، إذا سمعنا قصص الظالمين نطقنا بها، إذا سمعنا قصص العصاة نطقنا بها، إذا سمعنا قصص الأبطال، قصص العلماء العاملين، قصص الفاتحين، قصص القادة العظام، كان هؤلاء قدوة لنا، فشيء خطير جداً ودقيق جداً أن يكون الحديث حديث سوء، والله عز وجل أراد أن ينقي هذا المجتمع من قالة السوء. ولكن الله خبير، طبيعة النفس البشرية أنها إذا جرحت تتألم، وإذا جرحت تريد أن تأخذ حقها، ولأن هذا القرآن كلام الخبير، قال تعالى:

﴿ لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنْ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ ﴾

 اعتدى عليك إنسان بلسانه، وجرحك، واتهمك بما ليس فيك، أنت كبشر لا ترضى أن تجرح دون أن تأخذ حقك منه، لا ترضى أن تتهم اتهاماً أنت منه بريء دون أن تأخذ حقك منه، لذلك سمح الله للمؤمن إذا قيل فيه سوء أن يأخذ حقه:

﴿ لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنْ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ ﴾

 لذلك علماء الفقه استثنوا المظلوم حينما يشتكي على من ظلمه أن يتكلم للقاضي ماذا حدث دون أن يعد هذا غيبة، حينما تشتكي على إنسان ظلمك بلسانه لقاض نزيه فلك أن تقول ما قال فيك، وهذه مقالة سوء، إنك معفو من أن تؤاخذ، لأنك تأخذ حقك بهذا، إذاً:

﴿ لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنْ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ ﴾

 والعياذ بالله قد تجلس مع أناس كل حديثهم متعلق بالجنس، وكل كلماتهم ملغومة، وكل طرفهم متعلقة بالقسم الأسفل من الإنسان، وكل مزاحهم مزاح رخيص، مثل هؤلاء بعيدون عن الإيمان، والشيء المؤسف أحياناً أنك تجد أناساً من رواد المساجد إذا مزحوا مزَحوا مزاحاً رخيصاً، ومزحوا مزاحاً يخجل الإنسان أن يستمع إليه وحده، فكيف في مجموع؟!!

 

ضوابط ينبغي الالتزام بها لمن أراد أن يأخذ حقه ممن ظلمه :

 قال تعالى:

﴿ لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنْ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ ﴾

 الآية واسعة جداً، ممنوع أن تنطق بكلمة السوء، سواء أكانت غيبة أم نميمة أم مزاحاً أم الهدف إضحاك الآخرين، الكلام السيئ الذي يجرح الأشخاص ويثير الغرائز ممنوع أن تنطق به، ممنوع بحكم الشرع، لكن بعد أن ترتقي، بعد أن تتصل بالله عز وجل، بعد أن تصطبغ نفسك بصبغة الله عز وجل، بعد أن تسمو نفسك لا يمكن أن تنطق بكلمة السوء، ولو أنها ليست محرمة، نقول عندئذٍ: هذا الإنسان ارتقت نفسه إلى مستوى الشريعة.
 أيها الأخوة، ولكن أنت حينما تريد أن تأخذ حقك الذي شرعه الله لك، هناك ضوابط قال تعالى:

﴿ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ ﴾

[سورة البقرة: 194 ]

 أما أن تقول للآخرين: سأكيل له الصاع صاعين فهذا الكلام ليس شرعياً، سأكيل له الصاع عشرة أصوع، هذا كلام جاهلي.

﴿ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا ﴾

[سورة يونس: 27 ]

كلما صغر الإنسان عند الله ينتقم وكلما كبر يعفو :

 لكن قد يجد الإنسان صعوبة بالغة في أن يأخذ حقه بالتمام والكمال، ولو كان ورعاً يخشى أن يزيد، يخشى أن يقع في الظلم، فيأخذ أكثر من حقه، لذلك فتح الله لنا باب العفوِ، والعفو أسلم، فحينما ترى أنه من الصعوبة بمكان أن تنال من الذي ظلمك بقدر ما ظلمك تميل إلى العفو، والله عز وجل يحب أن تعفو عن أخيك، وقد ورد في بعض الأحاديث الشريفة: أن رجلين يختصمان يوم القيامة يقول أحدهما: يا رب خذ لي مظلمة من أخي، ثم ينظر فيرى قصراً في الجنة، يقول: هذا يا رب لمن؟ فيقول الله عز وجل: هذا لمن يدفع ثمنه، قال: يا رب ومن يملك أن يدفع ثمنه؟ قال: أنت، قال: وكيف يا رب، قال: بعفوك عن أخيك.
 أنت حينما تعفو عن أخيك ترتقي إلى أعلى عليين، مرتبة العفو تفوق حد الخيال، مرتبة العفو مرتبة عالية جداً، بل إن الشعور المسعد الذي يتأتى من عفوك عن أخيك هو أضعافُ أضعاف شعور الفوز حينما تنتقم، كلما صغر الإنسان عند الله ينتقم، وكلما كبر يعفو.
 أهل مكة أيها الأخوة نكلوا بأصحاب النبي عشرين عاماً، ما تركوا سبيلاً لإيذاء النبي وإيذاء أصحابه إلا سلكوه، وخاضوا معه حروباً عدة، فلما فتحت مكة وكانوا في عشرة آلاف سيف متوهجة تنتظر كلمة من بين شفتي النبي عليه الصلاة والسلام، قال لهم: ما تظنون أنني فاعل بكم؟ قالوا: أخ كريم وابن أخ كريم، قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء، بعد أن كان مقتدراً أن يلغي وجودهم، بعد أن ملك ناصيتهم، قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء، سمح الله لك أن تأخذ حقك ممن ظلمك، وهذا حق مشروع، والعدل قسري، بينما العفو طوعي، ولا تنسى أنك مأمور بالإحسان كما أنك مأمور بالعدل، بدليل آية يذكرها خطباء المساجد من مئات السنين:

﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ ﴾

[ سورة النحل: 90 ]

 كما أنك مأمور بالعدل أنت مأمور بالإحسان، لكن العدل قسري، بينما الإحسان طوعي، ما كلفك فوق ما تطيق، إن أردت أن تنتقم، أو إن أردت أن تأخذ حقك ممن ظلمك، ولكن إن أردت أن تأخذ حقك فينبغي أن تأخذه بالتمام والكمال من دون زيادة، وهذا شيء ليس سهلاً، لذلك فتح لك باب العفو.
 أيها الأخوة: يبدو أن بعض النفوس حينما تأخذ حقها ترتاح، هذه جبلة جبل عليها الإنسان، الشرع ليس لقلة قليلة، وليس الشرع لخواص الناس بل هو لمجموع الناس، فهناك إنسان لا يقر له قرار إلا إذا أخذ حقه ممن ظلمه، قال له: أنت، لك أن تأخذ حقك ممن ظلمك:

﴿ لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنْ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ ﴾

الحكمة من أن الله سبحانه وتعالى سمح للذي ظلم أن يجهر بالسوء عمن ظلمه :

 لكن ما الحكمة من أن الله سبحانه وتعالى سمح للذي ظلم أن يجهر بالسوء عمن ظلمه؟ قال: هذا الظالم بقوله وفعله، بأخذ مال أخيه، بالاعتداء على عرض أخيه، إذا ذكر فعله السيئ تجنبه الناس، واتقاه الناس، وسلم منه الناس، إذاً هناك حكمة اجتماعية أن هذا الذي ظلم، أو الذي اختلس، أو الذي اعتدى حينما يُذكر بين الناس بفعله السيئ، حينما يقول الذي ظلم: إنه فعل معي كذا وكذا أمام القاضي، وأمام ملأ من الناس، الناس عندئذٍ يتحاشون أن يتعاملوا معهم، إذاً وقينا المجتمع من شر هذا الإنسان.
 الآن هناك حكمة ثالثة: هذا الذي ظلم حينما يظهر عمله للمجتمع، وحينما يفتضح يرتدع، ثم إن الذي يريد أن يَظلم قبل أن يَظلم يعد للمئة، لأنه إذا ظلم سوف يفتضح، إذاً حكمة بالغةٌ بالغة من أن الله سبحانه وتعالى حينما قال:

﴿ لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنْ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ ﴾

 المظلوم ينفس عن كربه حينما يأخذ حقه، والظالم يُتَقى من قبل الآخرين فلا يتعاملون معه مرةً ثانية، والظالم نفسه حينما يفتضح عمله يكون ردعاً لبقية الظالمين أن يسيروا في الطريق، إذاً حِكَم الشرع لا تعد ولا تحصى، يعد الإنسان ذكياً وعبقرياً حينما يصيب عصفورين بحجر واحد، لكن تشريع الله عز وجل يصيب أهدافاً لا تعد ولا تحصى بحكم واحد، فالذي ظلم شفى غليله فأخذ حقه، والظالم نبهنا الناس إلى أنه ظالم لئلا يتورطوا معه، والظالم نفسه حينما يرى نتيجة عمله لا يتابع هذا الطريق، فيرتدع عن أن يظلم مرة ثانية، وهذا يذكرنا بقوله تعالى:

﴿ وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾

[سورة البقرة: 179]

 حينما القاتل يُقتَل، الآن قاتل آخر قبل أن يَقتل يرى مصير القاتل فلا يَقتل، فحفظ نفسه من أن يقتل، وسلم الذي كان يزمع أن يقتله من أن يُقتل، فكأن القتل للقاتل تطهير للمجتمع وحياة لهم.

 

المسلم عزيز لا يسمح لأحد أن ينال منه :

 مرةً رأيت في إحدى محاكم الجنايات آية وضعت فوق رأس القاضي يراها المذنبون، الآية:

﴿ وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾

[سورة البقرة: 179]

 ووضعت آية فوق رأس المذنبين، من يقرأها؟ القاضي:

﴿ وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ﴾

[سورة النساء: 58]

 فهذا توجيه للقاضي، وتطييب لقلب المذنبين حينما ينزل بهم القصاص الأليم.
 الآن هذه الآية:

﴿ لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنْ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ ﴾

 تذكرنا بآية ثانية:

﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ ﴾

[ سورة الشورى: 39]

 إذا مسلم خنوع، مسلم يُظلم فيسكت، يؤخذ حقه فيخاف أن يطالب بحقه، هذا ليس عند الله وجيهاً، من صفات المؤمنين:

﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ ﴾

[ سورة الشورى: 39]

 المسلم عزيز لا يسمح لأحد أن ينال منه، لأنه إذا نال منه في الحقيقة نال من إسلامه، ونال من دينه.

 

من عزة المسلم ومن كرامته عند الله أن الله سمح له إذا بغي عليه أن ينتصر :

 حينما يؤذى إنسان مسلم قد يكون الإيذاء لا يستهدف هذا الإنسان بالذات بل يستهدف دينه، وهذا الذي يجري في العالم الإسلامي ليس الأشخاص هم المقصودين ولكن الدين الإسلامي هو المقصود، هناك أعمال ماكرة خبيثة يفعلها الطرف الآخر لا للتشهير بأشخاص معينين بل للتشهير بالمسلمين. فلذلك من عزة المسلم ومن كرامته عند الله عز وجل أن الله سمح له إذا بغي عليه أن ينتصر، والله عز وجل قال:

﴿ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ*بِنَصْرِ اللَّهِ ﴾

[سورة الروم: 4-5]

 أما إذا انتصروا هنا المشكلة.

﴿ وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا ﴾

[ سورة الشورى: 40 ]

 ثم يلفت الله نظر المؤمنين، قال:

﴿ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ﴾

[سورة الشورى: 40]

 لهذه الآية ملمح لطيف، حينما يغلب على ظنك أن عفوك عن أخيك يصلحه، أنت كمؤمن ينبغي أن تعفو عنه، لأنك إن عفوت عنه أنقذته من بلاء لا ينتهي وعندئذٍ يتولى الله مكافأتك، فلو فرضنا أن ملكاً قال لإنسان: أنا سأعطيك شيئاً يرضيك، ماذا يعطي؟ يعطي قلم رصاص؟ يعطي بيتاً، أقل شيء بيت، أنا أضرب المثل للتوضيح، لما الله عز وجل يقول:

﴿ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ﴾

[سورة الشورى: 40]

 أي يا عبدي أنا أتولى مكافأتك حينما تعفو عن أخيك، وحينما تقربه إلى الله، قد يكون الطفل طائشاً، قفز أمام سيارة ودهس، طبعاً الأب من حقه أن يأخذ كل ما شرع له الشرع والقانون، لكن إذا كان السائق صالحاً وخيّراً، والخطأ ليسس منه أبداً، فجاء الأب وعفا عنه، أولاً هذا السائق حينما يرى أن في مجتمع المؤمنين من يقدر وضعهم، ومن يرحم، ومن يعفو، يتألق، في حالات حينما يغلب على ظنك أن عفوك عن أخيك يصلحه ويقربه إلى الله، ويقربه من الإيمان، ينبغي أن تعفو عنه، العفو أيها الأخوة مرتبة عالية جداً.

 

بعض القصص عن عفو النبي الكريم عمن آذاه :

 تروي كتب السيرة أن ثمامة بن أثال كان من ألد أعداء النبي، لم يكتفِ أنه عدو فكري، بل كان معتدياً على أصحاب النبي، وعدوانه شنيع، وقع أسيراً بيد قائد سرية، ولا يعلم من هم، فلما جاؤوا به إلى النبي عليه الصلاة والسلام، هو زعيم قوم، قال: هذا ثمامة، ربطوه إلى سارية المسجد، ومر به النبي صلى الله عليه وسلم، قال له: يا ثمامة ما عندك؟ فقال: إن تَعفُ تعفُ عن ظالم، وإن تقتلُ تقتل ذا ذنب، وإن ترد المال فلك ما تشاء، وإن تعف تعفُ عن مسيء، وإن تقتلُ تقتل ذا ذنب، منطقي، فأمر النبي أن يقدم له طعام من بيت النبي، مرة ثانية مر به في اليوم التالي سأله أيضاً: ما وراءك يا ثمامة؟ قال له: إن تقتلُ تقتل ذا ذنب، وإن تعف تعفُ عن مذنب أو عن ظالم، وإن أردت المال فلك ما تريد، في اليوم الثالث قال: أطلقوا سراحه، فخرج ثمامة إلى ظاهر المدينة، واغتسل، وعاد إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وقال: أشهد أنك رسول الله، وكان عفو النبي عنه سبب إسلامه، وقد نكل بأصحاب رسول الله.
 النبي عليه الصلاة والسلام متميز أنه يقلب العدو إلى صديق، وثمة أشخاص متميزون يقلبون الصديق إلى عدو، الإنسان الأحمق يقلب أصدقاءه إلى أعداء، والإنسان الكامل يقلب أعداءه إلى أصدقاء.
 دخل رجل آخر على النبي عليه الصلاة والسلام، وقد عفا عنه، قال له: والله ما كان على وجه الأرض رجل أبغض إلي منك، ولا من دينك، ولا من بلدك، وأنا أخرج من عندك وما على وجه الأرض رجل أحب إلي منك، ومن دينك، ومن بلدك، القضية قضية أن تحبب الناس بهذا الدين لا أن تكون قاسياً.

﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ﴾

[ سورة آل عمران: 159 ]

على المؤمن أن يكون أمْيلإلى العفو منه إلى الانتقام :

 سيد الخلق، وحبيب الحق، الذي أوتي المعجزات، أوتي القرآن، جاءه الوحي، كان فصيح البيان، جميل الوجه، كماله رائع جداً، هذا الإنسان النبي المرسل الذي يوحى إليه، الذي معه المعجزات، طليق اللسان، الحكيم، الرحيم، اللطيف قال له: أنت يا محمد:

﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ﴾

[ سورة آل عمران: 159 ]

 فإذا لم يكن أحدنا نبياً، ولا رسولاً، ولا يوحى إليه، ولا معه قرآن، ولا معه معجزات، وليس جميل الصورة، ولا فصيح اللسان وهو غليظ فكيف يكون الأمر؟!!

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ﴾

[ سورة آل عمران: 159 ]

 أيها الأخوة،هذه الآية دقيقة:

﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ ﴾

[ سورة الشورى: 39]

 فإذا انتصروا:

﴿ وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ﴾

[سورة الشورى: 40]

 أي أصلح أخاه بعفوه عنه

﴿ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ﴾

 كن أمْيلَ إلى العفو منك إلى الانتقام.

 

الفرق بين أخلاق الجهاد وأخلاق الدعوة :

 أحياناً أيها الأخوة: تتداخل عند المؤمن أخلاق الجهاد بأخلاق الدعوة، أخلاق الجهاد تنظمها الآية الكريمة:

﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ ﴾

[ سورة التوبة:73]

 في القتال لا يلين، القتال ليس فيه: شكراً، آسف، سامحني، القتال قتال، أخلاق القتال هكذا، أما أخلاق الدعوة:

﴿ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ﴾

[سورة فصلت: 34]

 ينبغي أن نفرق بين أخلاق الدعوة وأخلاق القتال، الآن إذا أصابك سوء من أخيك فلك ثلاث مراتب: أولاً: مرتبة لك أن تأخذ حقك منه ولا شيء عليك، وهذا من طبيعة النفس البشرية، لكن أرادك الله أن تسمو عن هذا، قال:

﴿ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ ﴾

[سورة آل عمران: 134 ]

 أنت كالمرجل تغلي، لكنك كظمت غيظك، هذه مرتبة:

﴿ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ ﴾

[سورة آل عمران: 134 ]

 فالإنسان في حالات كثيرة جداً يكون قوياً، والذي أساء له ضعيف، ويستطيع أن يفتته، لكن يضبط، وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((الْإِيمَانُ قَيَّدَ الْفَتْكَ لَا يَفْتِكُ مُؤْمِنٌ))

[ أخرجه وأبو داود والحاكم في المستدرك عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

مراتب العفو:

 في التاريخ الإسلامي بطولات رائعة، لما فتح سيدنا صلاح الدين القدس ما قتل إنساناً، بينما لما فتح الفرنجة القدس قتلوا سبعين ألفاً في أيام، ذبحوا سبعين ألفاً، فلذلك العفو مرتبة عالية جداً:

1 ـ الكاظمين الغيظ :

 تبدأ:

﴿ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ ﴾

[سورة آل عمران: 134 ]

 قد تكون كالمرجل، لكنك تضبط نفسك، ذلك أن:

((الْإِيمَانُ قَيَّدَ الْفَتْكَ لَا يَفْتِكُ مُؤْمِنٌ))

[ أخرجه وأبو داود والحاكم في المستدرك عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

 وما الفرق بين المؤمن المنضبط وغير المؤمن المتفلت؟ غير المؤمن إن أصابته إساءة رد عليها الصاع صاعين، كفعل منعكس شرطي، أما المؤمن فعنده محاكمة، قد تأتيه إساءة فيعفو، وبعفوه يرقى عند الله عز وجل، وبعفوه يصلح أخاه، إذاً باب العفو باب عظيم.

 

2 ـ العافين عن الناس :

 حالة ثانية بعد كظم الغيظ قال:

﴿ وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ ﴾

[سورة آل عمران: 134 ]

 ليس في أعماقه حقد ولا ألم، وكلما ازداد توحيد الإنسان قلّ غيظه، وقلّ انتقامه، ويرى أن يد الله تعمل في الخفاء، وأن هذا الذي أساء إليه لو أن الله سمح له لما أساء إليه، إذاً عنده مشكلة مع الله، دائماً وأبداً المؤمن يحاسب نفسه، طبعاً إذا جاءته إساءة من إنسان بادئ ذي بدء يقول: ماذا فعلت مع الله حتى سلط الله علي هذا الإنسان؟ بل إن بعض العارفين يقول: أعرف مقامي عند ربي من أخلاق زوجتي، أحياناً يسلس قيادها، وأحياناً تزعج، أعرف مقامي عند ربي من أخلاق زوجتي، فمن بديهيات التوحيد أن المؤمن موحد، فإذا أصابه من إنسان سوء يحاكم القضية على هذه الطريقة، لو أن هناك خللاً عندي استوجب أن يسلَّط فلانٌ علي لما سلط علي، إذاً هو يعفو، توحيده يدعوه إلى العفو.

 

3 ـ الإحسان :

 لكن هناك مرتبة أعلى، أعلى من مرتبة الكاظمين الغيظ، وأعلى من مرتبة العافين عن الناس، المرتبة هي:

﴿ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾

[سورة آل عمران: 134 ]

 هل تستطيع أن تقابل أحداً أساء إليك بالإحسان وكأنه ولي حميم؟ هذا هو الإيمان، لذلك أيها الأخوة أقسم بالله العظيم لو فهم الصحابة الكرام الإسلام كما نفهمه نحن الآن لما خرج من مكة الإسلام، من مكة ما خرج، كيف وصل الإسلام إلى أطراف الأرض، إلى الصين شرقاً، وإلى الأطلسي غرباً، وإلى أذربيجان شمالاً، وإلى اليمن جنوباً، لأن أصحاب رسول الله كانوا في أعلى مستوى أخلاقي، القضية قضية الإيمان، الإيمان قضية أخلاقية، درجة أخلاقية، والإيمان مرتبة علمية، والإيمان مرتبة جمالية، الإيمان وصف لإنسان فذّ، بالتعبير الدقيق شخصية فذة لها مقاييس جمالية راقية جداً، ولها مقاييس أخلاقية راقية جداً، ولها مقاييس علمية راقية جداً، إذاً مرتبة علمية، ومرتبة أخلاقية، ومرتبة جمالية:

﴿ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾

[سورة آل عمران: 134 ]

أعظم نعمة أن الله معنا يسمع ويرى ويعلم :

 فعود على بدء:

﴿ لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنْ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً ﴾

 الله عز وجل يسمع قولك إذا تكلمت، وعليم بحالك إذا سكت، وأنت ساكت عليم بحالك، وأنت ناطق عليم بما تقول، فلذلك قال بعضهم: الحمد لله على وجود الله، الله موجود، كم من إنسان موجود، الله يعلم أنه مظلوم، وينتصر له، ويدافع عنه، وأعظم نعمة أن الله معنا يسمع ويرى ويعلم.

﴿ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى ﴾

[ سورة طه: 7 ]

 فلذلك الله عز وجل يقول:

﴿ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً ﴾

 تكلم ما شئت، وانتقم كما تريد، واعف كما تريد، إن عفوت يعلم، إن انتقمت يعلم، إن كان انتقامك بمستوى الإساءة إليك يعلم، وإن زدت بانتقامك يعلم، وإن كان بالإمكان أن تعفو فلم تعفو يعلم:

﴿ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً ﴾

باب العفو باب كبير جداً :

 ثم يقول الله عز وجل:

﴿ إِنْ تُبْدُوا خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوّاً قَدِيراً﴾

 قدمت عملاً طيباً لمن أساء إليك، هذا العمل محفوظ عند الله عز وجل، وقد سمعت قصة، والقصة ذكرتها لكم كثيراً فيما أذكر، وليست حكماً شرعياً، عن موقف إحسان، بداية القصة أن أحد خطباء المساجد في دمشق رأى النبي عليه الصلاة والسلام في المنام، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: أبلغ جارك فلاناً أنه رفيقي في الجنة، هذا الخطيب تألم، أنا خطيب، لكن المنام ليس لي بل لهذا الجار، طرق بابه، قال له: لك عندي بشارة من رسول الله، ولكني لن أقولها لك إلا إذا قلت لي ماذا فعلت مع ربك حتى استحققت هذه البشارة؟ فلما ألح عليه، قال له: والله تزوجت امرأة، أظنها صالحة، وفي الشهر الخامس من زواجي كان حملها في الأوج، إذاً هذا الطفل ليس منه، قال له: بإمكاني أن أطلقها، وكان بإمكاني أن أفضحها، وكان بإمكاني أن أركلها بقدمي، وكانَ وكان، لكن آثرت أن تتوب على يدي، وجئت بقابلة وولدتها، وحمل الطفل تحت عباءته، ودخل إلى أحد مساجد دمشق، وبعد أن نوى الإمام فريضة الفجر وضع الطفل الصغير وراء الباب، وصلى مع الناس، فلما انتهت الصلاة بكى هذا الطفل، فتحلق الناس حوله، فجاء وكأنه لا يعلم ماذا حدث، قال: خيراً، قال: انظر طفل، قال: آتوني أنا أكفله، أخذ الطفل أمام الحي، وكفله ورده إلى أمه، ليس كل الانتقام يكون لك أجر فيه، أحياناً العفو والستر والتوبة، إذا زلت قدم من يلوذ به وقدر أن يتوب فله أجر لا يعلمه إلا الله، من السهل أن تنتقم، وأن تفضح، وأن تكشف الأمر، لكن الله ستير، فهذا الإنسان يبدو أنه اقتنع أنها زلة وخطأ، وهي بنت جيدة، لكنها زلت قدمها، وأعلنت عن توبتها، فأعانها على هذه التوبة، وبهذه الطريقة أعاد ابنها إليها، وأمام الحي هو كفل طفلاً لقيطاً، قال له: قل لجارك فلان: إنه رفيقي في الجنة. باب العفو باب كبير جداً، لذلك نعود إلى أول الآية:

﴿ لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنْ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً*إِنْ تُبْدُوا خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوّاً قَدِيراً ﴾

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018