الدرس : 62 - سورة النساء - تفسير الآيات 144-147 ، الإيمان والاستقامة على أمر الله - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 62 - سورة النساء - تفسير الآيات 144-147 ، الإيمان والاستقامة على أمر الله


2003-05-30

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا بما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

نواقض الإيمان ولوازمه :

 أيها الأخوة المؤمنون، مع الدرس الثاني والستين من دروس سورة النساء، ومع الآية الرابعة والأربعين بعد المئة، وهي قوله تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً مُبِيناً ﴾

 لعل هذه الآية هي ألزم آية للمسلمين اليوم أن ينتهوا عن هذا النهي الإلهي، فالمؤمن حينما يتخذ الكافر ولياً، معنى يتخذه ولياً أي يعظمه، ويحبه، وينصره، ويطيعه، ويتبعه، لمجرد أن يتخذ المؤمن الكافر ولياً فقد وضع نفسه مع المنافقين، لأن في النفاق كفراً، والمنافق يلتقي مع الكافر، له ظاهر إسلامي، وله باطن كافر، فالمنافق يتخذ الكافر ولياً لأن هناك قواسم مشتركة بين المنافق والكافر، أما إذا اتخذ الكافر ولياً فمعنى ذلك أنه وضع نفسه في خندق المنافقين، ولو لم يكن هذا واقعاً أو يمكن أن يقع لما نهى الله عنه، وتكاد مشكلات العالم الإسلامي تنبع من هذه المواقف، أن نوالي كافراً على مؤمن، أن نعين كافراً على مسلم، أن نتعاون مع الكفر على أهل الإيمان، وهذا والعياذ بالله من نواقض الإيمان، هناك أشياء تضعف الإيمان، لكن هناك أشياء تنقض الإيمان، فمن نواقض الإيمان أن توالي كافراً ضد مسلم، أن تعين كافراً ضد مسلم، أن تحب كافراً، وأن تبغض مسلم، بل إن من لوازم الإيمان أن تحب المؤمن، ولو نالك ـ فرضاً ـ منه أذى، وأن تبغض الكافر ولو ـ نالك فرضاً ـ منه خير، بل إن من بعض الأدعية المأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: "اللهم لا تجعل لي خيراً على يد كافر". لئلا يميل القلب إليه، لأنه من هوي الكفرة حشر معهم، ولا ينفعه عمله شيئاً ، كنت أقول: إذا أعان المسلم كافراً على مسلم مثله كمنديل لا قيمة له، تمسح به أقذر عملية، ثم يلقى في المهملات، فينبغي أن توالي المؤمنين ولو كانوا ضعفاء، وينبغي أن تتبرأ من الكفار ولو كانوا أقوياء.

 

الولاء والبراء من أسس الدين :

 أيها الأخوة، موضوع الولاء والبراء من أسس الدين، لا تكون مؤمناً إلا إذا واليت المؤمنين، ولا تكون مؤمناً إلا إذا تبرأت من الكافرين، أما أن يهوى الإنسان الكفار، وأن يكون معهم، وأن يؤمن بأفكارهم، وأن يعظم قيمهم، وأن يهتدي بإرشاداتهم، وأن يقلدهم في أنماط حياتهم، ثم هو يصلي ويصوم ويدعي أنه مسلم فهذا مما ينقض إيمانه، لأنك لو واليت كافراً ماله حرام، وعلاقاته علاقات شائنة، لا يحلل ولا يحرم، ولا قيمة للقيم عنده، فلذلك حينما يحب المسلم كافراً، حينما يعينه، حينما ينصره، حينما يأتمر بأمره، حينما ينتهي عما عنه نهى، إذاً هو مثله، لذلك يقول الله عز وجل:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ﴾

[ سورة الممتحنة: 13 ]

﴿ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ﴾

[ سورة المائدة: 51 ]

 من نواقض الإيمان، مما يلغي إيمانك في قلبك أن توالي كافراً، فكيف إذا أعنته على مسلم؟ فكيف إذا أعنته على قتل مسلم؟!!

﴿ وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً ﴾

[ سورة النساء: 93]

 لا أعتقد أن في القرآن كله آية فيها وعيد كهذا الوعيد، أليس الذي يجري في العالم الإسلامي موالاة للكافرين على بعض المسلمين؟!!

 

قضية الإنكار وعدم الإنكار قضية متعلقة بالدين :

 قال تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾

 لكن الذي يحصل أن كل إنسان فيه خصائص، هذه الخصائص من صنع عقيدته وقيمه وسلوكه، فحينما تكون العقيدة فاسدة، وحينما يكون السلوك منحرفاً، وحينما تكون القيم مهزوزة، فهذه النقاط والخصائص تلتقي مع نقاط وخصائص أهل الكفر، تأتي المودة من نقاط اللقاء دائماً، فالإنسان إذا هوي الكفرة، إذا هوي إنساناً ماله حرام، أو هوي إنساناً يبني مجده على أنقاض الناس، أو هوي إنساناً يبني أمنه على خوفهم، أو هوي إنساناً يبني غناه على فقرهم، أو هوي إنساناً يبني حياته على موتهم، أو هوي إنساناً يبني عزه على ذلهم، أن تهوى مثل هذا الإنسان فأنت مثله، أن ترضى عن فعل هذا الإنسان فأنت مشترك معه في الإثم، لأنه من أقر بمعصية غابت عنه كان كمن شهدها، ومن رضي بمعصية غابت عنه كان كم شهدها أيضاً، فقضية الإنكار وعدم الإنكار قضية متعلقة بالدين، فآية واضحة قطعية الدلالة، صريحة، بينة:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾

 وبشكل مصغر قد يكون لك قريب ذو شأن، ذو مال، أو ذو سلطان، وتستشيره، وتفتخر به على أنه لا يصلي أبداً، وقد يشرب الخمر، وقد يفعل الأعمال السيئة، حينما تعتز به، وتثني عليه، وتفتخر بالانتماء إليه، وحينما يشير لك بشيءٍ تفعله فوراً فأنت ممن تنطبق عليك هذه الآية، ينبغي ألا تعظم فاسقاً، ألا تعظم كافراً، ألا تعظم عاصياً:

((إن الله يغضب إذا مدح الفاسق في الأرض))

[البيهقي في شعب الإيمان عن أنس]

 إنسان فسقه ظاهر أن تقول عنه: لبق، ذكي، عنده حكمة، إذا سمع ابنك منك هذا الكلام يختل توازنه، يراه لا يصلي، يراه يملأ عينيه من محاسن النساء، يراه يمزح مزاحاً رخيصاً، وتقول أنت عنه: إنه لبق وذكي، وموفق في عمله، وله مكانة كبيرة، هذا المديح يحدث اضطراباً في القيم أيها الأخوة، ينبغي ألا ينطق هذا اللسان إلا بالحق، ينبغي إلا تمدح فاسقاً، ألا تثني على كافر، ألاّ تعتز بإنسان لا يعتز بالله عز وجل.

 

حينما تنعدم القيم الأصيلة تنشأ قيم مزورة :

  أتمنى أن أوسع مفهوم هذه الآية، لأن معظم الناس على ضعف إيمانهم متلبسون بهذه المخالفة:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾

إذا كان إيمانك صحيحاً، وإيمانك متيناً، وكان إيمانك عميقاً، فلا يمكن أن ترتاح لإنسان عاصٍ، لا يمكن أن تجد مسوغاً أن تبتسم في وجهه، هذه اللباقة التي تشيع في الحياة المعاصرة لباقة نفاق، نشأ مصطلحان يتداولهما الناس، وفيهما تعمية للحقيقة، فالفتاة المتفلتة من أحكام الشرع أن تسمى بالتعبير الأجنبي سبور، هي متفلتة، هي فاسقة، والإنسان الذي يأكل مالاً حراماً يسمى شاطراً، والإنسان المنافق الذي يرضي جميع الفئات، وليس له مبدأ يستقر عليه يسمى لبقاً، مرناً، ذا حكمة، فحينما تنعدم القيم الأصيلة تنشأ قيم مزورة.
 لكن أيها الأخوة، في القسم الثاني من الآية شيء دقيق جداً، قال:

﴿ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً مُبِيناً ﴾

 ماذا أقول في هذه الآية؟ حتى خالق الأكوان، حتى رب الأرض والسماء، حتى الإله الذي وصف نفسه بأنه لا يسأل عما يفعل، مقام الألوهية لا يليق به أن يسأله أحد، لكن الله سبحانه وتعالى ألزم نفسه العلية بالاستقامة، فقال تعالى:

﴿ إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾

[ سورة هود: 55-56 ]

 إلزام ذاتي، يقول الله عز وجل في الحديث القدسي:

((يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّماً فَلَا تَظَالَمُوا..))

[ أخرجه مسلم عن أبي ذر ]

الاستقامة على أمر الله تنجينا من أي عقاب :

 حتى الإله العظيم، حتى من بيده كل شيء، حتى الذي لا يسأل عما يفعل، حتى الذي هو فعال لما يريد، لا يمكن أن يسوق لك عذاباً من دون سبب منك.

﴿ وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ ﴾

[ سورة الشورى: 30 ]

 للتقريب إليكم هذا المثل، عندك محل تجاري، والبضاعة كلها وطنية، وكل البضاعة نظامية، والبضاعة كلها فيها فواتير صحيحة، ومحتفظ بها، ومر موظف الجمرك، هل تتحرك شعرة في جسمك، ما له عليك سلطان، لا يستطيع أن يسائلك، ولا أن يقول كلمة، كل عملك صحيح، أما الذي عنده بضاعة غير صحيحة، غير نظامية، ولمح إنساناً يعمل في الجمرك، واقترب من المحل تكاد تتقصف مفاصله، لأن لهذا الإنسان مقابل هذه المخالفات سلطاناً، فهذا المعنى دقيق جداً، وعميق جداً، ونحن في أمس الحاجة إليه، أنت حينما تستقيم على أمر الله، أنت حينما تنام ولم تؤذِ في نهارك أحداً، ولم تسئ إلى أحد، ولم تعتدِ على أحد، خالق الأرض والسماء لأن عدله مطلق، ولأن رحمته لا حدود لها ليس له عليك سلطان، فما من سبب من قِبلك يعاقبك، بدليل قول الله عز وجل:

﴿ وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ ﴾

[ سورة سبأ: 17]

 أيعقل يا عبادي أن نعاقب إنساناً مستقيماً، هذا المعنى جاء في السنة أيضاً قال النبي عليه الصلاة والسلام:

((يا معاذ ما حق الله على عباده؟ فقال: الله ورسوله أعلم ـ أعاد عليه السؤال ثانية وثالثة إلى أن قال النبي عليه الصلاة والسلام ـ: يا معاذ حق الله على عباده أن يعبدوه وألا يشركوا به شيئاً، ثم سأله مرةً ثانية: يا معاذ ما حق العباد على الله إذا هم عبدوه؟ قال: الله ورسوله أعلم ـ أعاد عليه السؤال ثانية وثالثة ثم أجاب عليه الصلاة والسلام ـ يا معاذ حق العباد على الله إذا هم عبدوه ألا يعذبهم))

[ متفق عليه عن معاذ بن جبل ]

 ليس هناك حجة.

قضية الأمن نعمة من أعظم النعم جعلها الله خاصة بالمؤمنين :

 تصور أي أب جاء ابنه من المدرسة معه أوراق علاماته، المرتبة الأولى، وثيابه نظيفة، وأخلاقه حسنة، ويخدم أمه وأخوته، هل يوجد على وجه الأرض أب يضرب هذا الابن؟ ما من سبب، ولا عقاب إلا بسبب.

﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ ﴾

 من أجل أن تطمئنوا، قضية الأمن مهمة جداً، قضية الأمن نعمة من أعظم النعم جعلها الله خاصة بالمؤمنين، قال:

﴿ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾

[ سورة الأنعام: 81-82 ]

 لهم الأمن وحدهم، لو قال: أولئك الأمن لهم، ولغيرهم، أما:

﴿ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ﴾

 وحدهم، من أجل أن تكون مطمئناً، أنت حينما تعقد صلحاً مع الله، وحينما تخطب وده، وحينما تستقيم على أمره، وحينما لا تؤذي أحداً من خلقه، حينما لا تكذب بل تصدق، لا تخون بل تخلص، الله عز وجل يطمئنك أنت في مظلة الله عز وجل وفي رعايته، لذلك في القرآن الكريم آيات لطيفة جداً، قال:

﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ﴾

[ سورة الحديد: 4 ]

 هذه لكل الخلق، معكم بعلمه، مع الكافر، مع الفاسق، مع القاتل، مع المجرم بعلمه، لكن هذه معية عامة، بينما المعية الخاصة، إن الله مع المؤمنين، أي معهم بالتوفيق والنصر والحفظ والهداية، إن الله مع المتقين، إن الله مع الصادقين، إن الله مع الذين آمنوا وعملوا الصالحات، فهذه معية خاصة، وإذا كان الله معك فمن عليك.

 

حينما تكون في معية الله يدافع عنك وينصرك ويلهمك الصواب :

 والله الذي لا إله إلا هو في قلب المؤمن الصادق المستقيم من الأمن ما لو وزع على أهل بلد لكفاهم، قال بعض العارفين بالله: لو يعلم الملوك ما نحن عليه لقاتلونا عليها بالسيوف، الله موجود، الله فعال.

﴿ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ ﴾

[ سورة هود: 16]

 أمرنا بيد الله لا بيد أعدائنا، سلامتنا وسعادتنا بيد الله، والله مطلع على أعمالنا، وعلى نوايانا، وعلى خواطرنا، وعلى سرائرنا، وعلى بواطننا، وعلى خلوتنا، وعلى جلوتنا، فلذلك أيها الأخوة المؤمن يتميز بميزة لا تعدلها أموال الدنيا، أنه ينام ناعم البال، ينام مطمئناً، بل إن الله عز وجل أمر النبي عليه الصلاة والسلام أن يتحدى الكفار.

﴿ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا ﴾

[ سورة التوبة: 51 ]

 أنت مع من؟ أحياناً جندي بجيش قوي جداً يشعر أن كل هذا الجيش يحميه، وأن كل هذه القوة الجبارة تصونه، وتدافع عنه، هذا إحساس ناتج من قوة جيش، وحينما يهم الإنسان أن يؤذي جندياً ينتمي إلى جيش قوي قد يكون متبصراً تماماً، لأن المضاعفات خطيرة جداً، وأنت حينما تكون جندياً لله، وحينما تكون في معية الله، وحينما تكون تحت مظلة الله، وحينما تكون مع الله معيةً خاصةً يدافع عنك، وينصرك، ويلهمك الصواب، والله البارحة حدثني أخ قصة عن كيد عظيمٍ أريد بإنسان، وضع في بيته قطعة حشيش، وجاء من وشى به أنه مدمن مخدرات، وجيء بالضابطة، واقتحمت البيت، وفتشته عن آخره ثم في نهاية المطاف عثرت على قطعة الحشيش، ودخل السجن، وكل شيء يدل على أنه يحوز هذا الحشيش، القاضي ساعة النطق بالحكم رأى وجه هذا الإنسان ليس وجه إنسان مدمن مخدرات، فأطلق سراحه، وأبطل التهمة كلها، الله عز وجل معه خيارات لا تنتهي، أحياناً يلقي في قلب الناس محبة، أحياناً يلقي في قلب الناس هيبة، أحياناً يسوق لك حادثاً مؤسفاً يكون سبب نجاتك.

 

الدنيا مزرعة الآخرة :

 قال:

﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾

[ سورة آل عمران: 139]

 يجب أن تعتقد اعتقاداً صارماً أن الله لا يتخلى عنك، وأن عملك عند الله محفوظ، وأن استقامتك عند الله مثمنة، وأن الذي تفعله تقرباً من الله عز وجل لن يضيع عليك، بل إن قوله تعالى:

﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ ﴾

[ سورة الزلزلة: 7-8 ]

 وأن الدنيا مزرعة الآخرة، أيها الأخوة الكرام:

﴿ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً مُبِيناً ﴾

 الخالق العظيم، من بيده كل شيء، من بيده الأمراض الوبيلة، من بيده الحوادث المدمرة، من بيده الزلازل، من بيده البراكين، من بيده الصواعق، من بيده الصواريخ، من بيده الألغام، من بيده كل شيء، لا يصيب إنساناً إلا بما يستحق، و إلا بما فعله هو بنفسه، لأن الله عز وجل لا يمكن أن يسوق شراً في نظر الناس بلا سبب من الناس.

﴿ وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ ﴾

[ سورة الشورى: 30 ]

﴿ أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾

[ سورة آل عمران: 165]

الله عز وجل عدله مطلق ما من شيء يصيب شيئاً إلا بعلمه :

 لذلك هذا الذي ادعى أمام عمر رضي الله عنه أن الله قدَّر عليه شرب الخمر، قال: أقيموا عليه الحد مرتين، مرةً لأنه شرب الخمر، ومرةً لأنه افترى على الله، قال: ويحك يا هذا إن قضاء الله عز وجل لن يخرجك من الاختيار إلى الاضطرار.
 طبعاً الإنسان المتوحش الذي لا تنظمه قيم، ولا تردعه مبادئ قد يتحرك حركة عشواء، أما إله عظيم، عدله مطلق ما من شيء يصيب شيئاً إلا بعلمه.

﴿ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا ﴾

[سورة الأنعام: 50 ]

 الأمور عند الله ليست كما يتوهم الكفار، الحياة لمن كان قوياً، القوي يعطيه الحياة الدنيا، لكنه سيحاسبه حساباً عسيراً.

 

﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ ﴾

[ سورة إبراهيم: 42]

﴿ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً مُبِيناً ﴾

 أنتم لاحظوا أن إنساناً في حياته المهنية المدنية مستقيم، وفق القوانين كلها، حتى إذا أطاع أولي الأمر، ليس لأولي الأمر عليه سلطان، مستحيل، لا بد من مخالفة يبنى عليها حكم، لا بد من مخالفة يبنى عليها سجن، لا بد من مخالفة يبنى عليها حرمان، أما إنسان نظامي، ينقاد للقوانين، لا يخالف، هذا له شأن حتى عند أهل الأرض، فكيف عند الواحد الأحد، عند الديان، عند خالق الأكوان؟!!

 

طاعة الله ومعصيته :

 أذكركم بالمثل، لأنه يوضح الآية، مادامت كل بضاعتك بمحلك التجاري صحيحة، ونظيفة، ونظامية، ومدعمة بالفواتير النظامية، لو مر ضابط جمرك هل تتحرك شعرة في جلدك؟ أبداً، لأن هذا الإنسان ليس له عليك سلطان، لأنك مستقيم، أما إذا وُجدت مخالفات كثيرة ترتعد فرائصك، وترتجف أعضاؤك، ويخاف قلبك، لأن هذا الإنسان له عليك سلطان.
 مقام الألوهية هذا مقام عظيم، ومع أن الله عز وجل جل في علاه يقول لك عن ذاته: ليس لي عليك سلطان يا عبدي إذا أطعتني، معنى دقيق: يا عبدي إذا أطعتني ليس لي عليك سلطان، لذلك لما فسر المفسرون قوله تعالى:

﴿ رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا ﴾

[ سورة سبأ: 19 ]

 بلاد اليمن كانت بلاداً خصيبة جداً، وأحياناً تركب مركبة، تمشي مئات الكيلومترات بلاد كلها خضراء، كلها أبنية، كلها مرافق، تقول البناء متصل، أماكن خصبة، الطريق كله مرافق، وبيوت فخمة، وفنادق، ومحلات للبيع تقول: يا أخي البناء متصل، فهؤلاء في اليمن قالوا:

﴿ رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا ﴾

[ سورة سبأ: 19 ]

 أي اجعل هذه البلاد قاحلة، أحياناً تمشي من مدينة إلى مدينة مسافة مئة وستين كيلومتر معظمها صحراء، باعد بين أسفارنا، هل من إنسان على وجه الأرض يدعو على نفسه بالهلاك؟ لا، مستحيل، ما معنى الآية؟ قال المفسرون: أنت حينما تعصي الله يقول لسان حالك: يا رب دمرني، يا رب عاقبني، يا رب أذهب مالي دون أن تشعر، حينما يتكبر الإنسان يقول لسان حاله: يا رب دمرني، يا رب حطمني، لسان حاله يقول: يا رب أفقرني، لا أحد في الأرض يدعو على نفسه، ولكن العاصي كأن لسان حاله يقول: يا رب دمرني.

 

آيات كثيرة في القرآن الكريم تطمئن إلى عدل الله سبحانه :

 وأنا أقول لكم أيها الأخوة: إنسان يعيش حياةً هادئة مريحةً متوازنة، إن لم يغير الله جل في علاه لا يغير، اطمئن إلى عدل الله، اطمئن إلى رحمته، إن لم تغير فالله لا يغير، أما إذا غيرت فلا بد من أن الله يغير، لذلك في بعض الأدعية الشريفة:

((اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك ومن تحول عافيتك ومن فجأة نقمتك ومن جميع سخطك وغضبك.))

[رواه مسلم في الصحيح عن ابن عمر]

 قد تأتي المصائب تباعاً، بثانية واحدة يفقد حركته، بثانية واحدة يفقد بصره، أعوذ بك من فجأة نقمتك، وتحول عافيتك، وجميع سخطك، هذه الآية مطمئنة أيها الأخوة، آيات كثيرة مطمئنة، احفظوها.

﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا ﴾

[ سورة الجاثية: 21 ]

﴿ أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لَا يَسْتَوُونَ ﴾

[ سورة السجدة: 18 ]

﴿ أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴾

[ سورة القلم: 35-36]

﴿ أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ﴾

[ سورة القصص: 61 ]

آيات الرجاء يجب أن نتلوها من حين إلى آخر حتى نطمئن :

 مستحيل وألف ألف مستحيل:

﴿ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا ﴾

[ سورة التوبة: 51 ]

﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا ﴾

[ سورة فصلت: 20 ]

﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ﴾

[ سورة النحل: 97 ]

 خالق الأكوان:

﴿ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ﴾

﴿ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ﴾

[ سورة الطور: 48 ]

 أي مؤمن على منهج النبي عليه الصلاة والسلام هو في رعاية الله، وفي حفظه، آيات الرجاء يجب أن نتلوها من حين إلى آخر حتى نطمئن، الحقيقة السبب أن الأخطار التي نراها بأعيننا تفوق حد الخيال، أخطار ماحقة، أخطار مدمرة، فلا ينجينا من الخوف من هذه الأخطار إلا اعتصامنا بالله عز وجل، لا ينجينا من الخوف من هذه الأخطار إلا استقامتنا على أمره.

﴿ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً﴾

البشر جميعاً يوم القيامة يأتون فرادى وحكم الله مطلق :

 أحياناً إنسان يعاقبه إنسان، قد يتوسط بإنسان أقوى من المعاقب، فيعطي أمراً بالإفراج عنه، لكن القضية مع الله ليست كذلك، ما من جهة في الكون تستطيع أن تعقب على حكم الله.

﴿ وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ ﴾

[سورة الرعد: 41 ]

 قد يحكم لك قاضي الصلح في القضية، يحكم لك، فيأتي قاضي الاستئناف فينقض هذا الحكم، وقد يحكم لك قاضي الاستئناف، فيأتي قاضي النقض فينقض هذا الحكم، وقد يحكم عليك حكماً مبرماً، فيأتي عفو من الملك يلغي هذا الحكم،

﴿ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ ﴾

﴿ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلَا مَرَدَّ لَهُ ﴾

[ سورة الرعد: 11 ]

﴿ وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ ﴾

[سورة الرعد: 41 ]

﴿ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً﴾

 لذلك الناس يوم القيامة يأتون فرادى، الآن هناك شخص يأتي وحوله ملايين، حوله مئات الألوف، حوله قوة جبارة، هذا يحسب له حساب، أما البشر جميعاً يوم القيامة يأتون فرادى:

﴿ وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾

[ سورة الأنعام: 94 ]

لا تقبل توبة المفسد إلا إذا أصلح :

 ثم يقول الله عز وجل:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾

﴿ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ ﴾

 ولكن فتح الله لهم نافذة النجاة.

﴿ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً ﴾

 حينما كان منافقاً كان مفسداً، حينما كان منافقاً كان مع الكفر على المؤمنين، حينما كان منافقاً كان كذاباً، لذلك أفسد بكذبه، وأفسد بمعاونته للكفار، وأفسد بتآمره على المؤمنين، وأفسد وَأفسد، قال:

﴿ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا ﴾

 لا تقبل توبة المفسد إلا إذا أصلح.

من عظمة هذا القرآن أنه كلما يخوف الله عباده من المعاصي يبث فيهم الرجاء بالتوبة :

 قال تعالى:

﴿ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ ﴾

 أي أطاعوه، تاب عن ذنوبه، وأصلح أخطاءه، ثم اعتصم بطاعة الله عز وجل:

﴿ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ ﴾

 لا خوفاً من بشر، ولا طمعاً في عطاء، ابتغاء رضوان الله، قال:

﴿ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

 فأولئك معهم ناجون:

﴿ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

 من عظمة هذا القرآن أنه كلما أوعد يعد، وكلما يخوف الله عباده من المعاصي يبث فيهم الرجاء بالتوبة، لأن الله عز وجل يريد أن يتوب على عباده، قال تعالى:

﴿ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ ﴾

[ سورة النساء: 27 ]

﴿ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ﴾

[سورة البقرة: 222 ]

التوبة بلا إيمان ولا استقامة لا قيمة لها إطلاقاً :

 كلما زلت قدم العبد فتح الله له نافذة للتوبة:

﴿ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ ﴾

 هذا المفهوم الساذج أن الله غفور رحيم، يرتكب المعاصي والآثام، والله غفور رحيم، يهون على كل إنسان معاصيه، بدعوى أن الله غفور رحيم، لكن اقرأ القرآن، مثلاً:

﴿ نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾

[ سورة الحجر: 49]

 أكمل:

﴿ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ ﴾

[ سورة الحجر: 49]

﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ ﴾

[ سورة الزمر: 53 -54]

 أكثر من ثماني آيات.

﴿ ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾

[ سورة النحل: 110]

 هذه آية واضحة إلا الذين تابوا وأصلحوا كل أخطاء الماضي، واعتصموا بالله أطاعوه بإخلاص، وأخلصوا دينهم لله:

﴿ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

 أي توبة بلا عمل، توبة بلا امتناع، توبة بلا ثمن، توبة بلا عزيمة، توبة بلا إصلاح، توبة بلا إيمان، توبة بلا استقامة لا قيمة لها إطلاقاً:

﴿ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً ﴾

حينما نؤمن بالمعطي ونشكره على عطائه نكون قد حققنا الهدف الأكبر من وجودنا:

 أيها الأخوة: ثم يقول الله عز وجل:

﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً ﴾

 الحقيقة الآية دقيقة جداً، لأن علة وجودنا أن نؤمن به، وأن نسعد بقربه، فحينما نؤمن وحينما نشكر نكون قد حققنا الهدف من وجودنا، إذاً عندئذٍ تنتهي المعالجة، فلو أن طبيباً أقر باستئصال كلية واقفة عن العمل، هذا قرار حكيم، قبل إجراء العملية صور الكلية التي ينبغي أن يستأصلها فإذا هي تعمل بانتظام، هل يستأصلها؟ مستحيل، فحينما يؤمن الإنسان بالله، وحينما يشكر، حقق الهدف من وجوده، لأن الله منحه الحياة، ومنحه الجنة، ومنحه الكون، ومنحه القرآن، ومنحه العقل، ومنحه الفطرة، ومنحه الاختيار، ومنحه الشهوة الدافعة إليه، فهذا كله عطاء، فأنت حينما تؤمن بالمعطي، وحينما تشكر المعطي على عطائه تكون قد حققت الهدف الأكبر من وجودك، إذاً عندئذٍ تنتهي المعالجة:

﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً ﴾

 بل إن هذا الكون مسخر مرتين، مسخر تسخير تعريف، ومسخر تسخير تكريم، لو أن صديقاً لك أهداك هاتفاً بالغ الفوائد، أولاً أهداه لك هدية، ثم إنك دهشت بخصائصه التي من تصميمه، فأنت حيال هذه الهاتف مثلاً عندك شعوران؛ شعور التعظيم لهذا الإنجاز، ثم شعور الامتنان، لأنه قدم لك هدية، فيجب أن تعلم علم اليقين أن كل شيء في الكون مسخر لك أيها الإنسان، تسخير تعريف من أجل أن تعرف الله من خلاله، وتسخير تكريم من أجل أن تحبه على عطائه، فأنت حينما تؤمن بوجود الله، وبكماله، وبوحدانيته، وحينما تشكر نعمة الإيجاد، ونعمة الإمداد، ونعمة الهدى والرشاد، تكون قد حققت الهدف من وجودك، عندئذٍ هل هناك من مبرر للمعالجة والمصائب، قال تعالى:

﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً ﴾

 المخلوق أحياناً ينتفع بتعذيب إنسان، يعذبه ليأخذ ماله، يعذبه ليأخذ زوجته، مثلاً، فالإنسان أحياناً ينتفع بتعذيب إنسان آخر، لكن خالق الأكوان لو أن عباده جميعاً كانوا على أتقى قلب رجل واحد منهم ما زاد في ملكه شيئاً، ولو أنهم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منهم ما نقص في ملكه شيئاً.
 فيا أيها الأخوة الكرام: هذه آيات مطمئنة:

﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً ﴾

 آمن واشكر، وتنتهي المعالجة، والآية واضحة.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018