الدرس : 3 - سورة الممتحنة - تفسير الآية 10 ، وعي المسلم - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 3 - سورة الممتحنة - تفسير الآية 10 ، وعي المسلم


1997-10-12

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين:
أيها الأخوة الكرام:
الآية العاشرة من سورة الممتحنة ، وهي قوله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآَتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آَتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (10)﴾

 المسلمون أيها الأخوة: أحياناً يأتيهم رجل يقول أنا أسلمت كنت غير مسلم والآن أسلمت ، يفرحوا المسلمون فرحاً شديداً ، ولا يخطر ببال أحدهم أن يسأله ما الذي أعجبك بإسلامنا ؟ لماذا أسلمت ؟ تجده يرتبك ، معنى ذلك أن هناك شك في صحة إسلامه ، فأحياناً يسلم ليتزوج امرأةً يحبها مسلمة.
وأحياناً يسلم ليكون عيناً لقومه علينا.
فربنا عز وجل علمنا ، أنه إذا ادع أحدهم الإيمان ، أو الإسلام ينبغي أن تمتحنه ، وفي معظم الأحيان يرسب، قد يكون دافع إسلامه المادة ، وقد يكون دافع إسلامه زوجة ، وقد يكون دافع إسلامه التجسس أما هذه البساطة والسذاجة التي يؤخذ بها المسلمون.
 رجل أعلن إسلامه بفرنسا ، وملئ الدنيا ضجةً إعلامية ، ثم قرأت مقالةً في مجلة محترمة جداً أنه صرح ويقول: أنا لا أصلي ولا أصوم ، صلاتي تأمل وصيامي ترك المنكرات ، وأن علماء المسلمين جهلة ، وأن السنة لا جدوى منها وأنني أشرب الخمر ، ولا زلت على ديني السابق ، طيب أين هذه الضجة ، ما في جامعة ما دعته الجامعات الإسلامية دعته لإلقاء محاضرات ، ألفت الكتب فرحنا فرحاً شديداً ، هذه سذاجة أيها الأخوة ، الله قال:

 

﴿فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾

 صرح بلسانه أنه لا يصلي ، ولا يصوم ، والحج ليس قانعاً به وأن العلماء المسلمين جهلة ، وأن السنة لا حاجة إليها ، وأنه لا زال على عقيدته السابقة ، أي إسلامٍ هذا ؟

 

 

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾

 يجب أن تمتحن ، الإيمان قضية مصيرية
لكن:

 

 

﴿اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ﴾

الجهة التي تعرف الحقيقة المطلقة هي الله عز وجل ، أنا لي الظاهر ، لي الدلائل ، نحكم بالظاهر والله يتولى السرائر.
 أما لو سألت إنسان ليس مسلماً دخل في دين الإسلام ، هذا الذي يترك دينه ليدخل في دين جديد ، هناك مشوغات ، ومبررات ، وأسباب وجيهة جداً حملته على الدخول في هذا الدين ، إن لم يذكر لك ولا واحدة منها ، يجب أن تشك في إعلانه أنه أسلم.

 

 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾

هون بقى:
 المسلم ممكن يتزوج كتابيه لأنه المسيطر ، ولأنه القوام.

 

 

﴿ الرجال قوامون على النساء ﴾

 

( سورة النساء: 34 )

 ولأنه ضمانة لها ، يعطيها حقوقها ، أما العكس غير صحيح لو أن مسلمة تحت كافر ، الكافر قد يجبرها على معصية ، قد يجبرها أن تبدو أمام الرجال هكذا قد يجبرها أن تشرب الخمر ، قد يجبرها أن تكفر معه.
لذلك لا يجوز أبداً أن تكون مؤمنة تحت كافر.

 

﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾

 المرأة بنيتها تابعة ، ليست قائدة ، مقوده ، ليست لها الكلمة الأولى ، لها الكلمة الثانية ، فإذا كانت تحت كافر، الكافر قد يجبرها على معصية ، وقد يهينها وقد يحتقر دينها ، وقد يحملها على ما لا يرضي الله عز وجل.

 

 

﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾

أبداً ، حينما يختلف الدين ، ويكون الزوج كافراً فالزواج باطل.
لذلك النبي عليه الصلاة والسلام ، أمر أبي العاص أن يطلق ابنته زينب ، وعادت إلى النبي ، فلما أسلم أرجعها إليه ، ليس في ديننا امرأة مؤمنة تحت كافر.
 طيب هذا الموضوع ماذا يعنينا ؟ يعنينا أن بعض المسلمين يتسرعون في تزويج بناتهم ، الزوج متفلت ، قد يشرب ، لا يصلي لأنه غني ، لأن له بيت فخم ، لأنه عنده مركبة فاخرة نقبل أن نزوجه ماذا فعلت بفتاة طاهرة مؤمنة يحملها زوجها على معصية الله ، هذا شيء دقيق جداً.

 

 

﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾

 امرأة كافرة ، عنيدة ، تخرج متبذلة ، لا تحترم دينك أبداً ، هذه لا ينبغي أن تبقيها عندك.

 

 

﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ﴾

 أرأيت إلى عدل الإسلام ، هذا الكافر الذي دفع مهر امرأة وتزوجها ، ثم آمنت هذه المرأة ، يجب أن نأخذها منه ، لكن هو دفع مهر ، قال من حقه أن يسأل ، و أن نعطيه ما أنفق ، هو كافر ، العدل فوق الجميع.

 

 

﴿" ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى ﴾

 

( سورة المائدة: 8 )

كافر يعادي المسلمين ، أخذنا منه زوجته لأنه كافر ، ولأنها مؤمنة يجب أن نعطيه ما أنفق عليها ، وهذا هو العدل أن نعطيه ما أنفق عليها.
 لذلك أحد الصحابة الكرام في طريق الهجرة ألقي القبض عليه من قبل مشركين قريش ، أرادوا أن يمنعوه ، فعادهم أنهم إذا أطلقوا سراحه لن يقاتلهم وجاء النبي عليه الصلاة والسلام وأخبره بما كان بينه وبينهم من عهد ، فالنبي فرح من مجيئه ، وبعد سنوات عدة كانت هناك غزوة فهذا الصحابي الجليل الذي عاهد الكفار ألا يقاتلهم نسي، وانخرط مع المقاتلين يريد أن يغزو مع رسول الله ، نظر إليه النبي عليه الصلاة والسلام قال أنت ألم تعاهدهم؟ ارجع. لهذا خرج الإسلام إلى مكة المكرمة إلى شتى بقاع الأرض.
 سيدنا النبي عليه الصلاة والسلام أرسل عبد الله بن رواحة ليأخذ من اليهود نصيبه من تمرهم ، كان في معاهدة ثلث التمر للمسلمين ، فأرسل هذا الصحابي الجليل ليقدر حجم الثمار ، وليأخذ ثلث هذه الثمار ، اليهود أرادوا أن يرشوه ليخفض تقدير الثمار ، فقال هذا الصحابي الجليل: والله لقد جئتكم من عند أحب الخلق إليّ ، ولأنتم أبغض إليّ من القردة والخنازير ، ومع ذلك لن أظلمكم ، ولن أبخسكم حقكم ، فقال اليهود: بهذا قامت السماوات والأرض بالحق ، وبهذا غلبتمونا.
نظام.
 إلى يمين النبي عليه الصلاة والسلام يجلس غلام وإلى جنب الغلام صحابي جليل ، فجاءت ضيافة ، فالسنة أن يبدأ بالنبي ثم من على يمينه ، قال يا غلام أتأذن لي أن أعطي الذي يليك قبلك ، قال لا والله لن أذن لك ، نظام ، من حق هذا الطفل الصغير أن يشرب بعد رسول الله ، فالنبي أراد أن يكرم الصحابي الذي إلى جنب الطفل فستأذن الغلام فالطفل ما أذن ، فشرب الغلام بعد رسول الله.
 سيدنا أسامة بن زيد عمره سبعة عشرة عاماً عينه النبي قائداً لجيش فيهم أبو بكرٍ ، وعمر ، وعثمان ، وعلي، فلما تعسر خروج هذا الجيش بسبب وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأراد سيدنا الصديق أن يجيشه مرةً ثانية بعد وفاة النبي ، عينه قائداً وسار في ركابه ، أسامة بن زيد يركب الناقة ، والصديق يمشي على الأرض قال: والله يا خليفة رسول الله لتركبن أو لأنزلن ، قال والله لا ركبت ولا نزلت ، وما عليّ أن تغبر قدماي ساعة في سبيل الله ، ولما وصل إلى موقع انطلاق الجيش ، شوف سيدنا الصديق ، شمخ الوقور ، خليفة المسلمين ، يستأذن أسامة بن زيد أن يسمح له بعمر ليبقى إلى جانبه قال يا أسامة: أتأذن لي بعمر ؟
هذا النظام ، بهذا النظام ، وبهذا العدل ، الإسلام انتشر في الخافقين ، ونحن نفهم الإسلام أن نصلي ، أما العدل لا نعمل به ، نفهم أن الإسلام حج وعمره ، نفهم أن الإسلام صلوات ، وشعائر تؤدى شكلياً ، وننسى عهودنا ومواثقنا.
أيها الأخوة:
 ألا لا إيمان لمن لا أمانة له ، ولا دين لمن لا عهد له ، سيدنا علي فقدت درعه الثمينة ، وجدها عند يهودي ، كان أمير المؤمنين ، ما في طريق إلا أن يرفع عليه قضية ، رفع عليه قضية للقاضي ، المسلم شريح ، أمير المؤمنين المدعي ، ويهودي مدعى عليه ، قال: يا أمير المؤمنين أين البينة على أن هذه درعك ، قال: ابني الحسن ، وابني الحسين ، قال شهادة الأولاد لأبيهم ليست مقبولة ، قال الحسن والحسين مبشران بالجنة ، قال غير مقبولة عندي غير مقبولة ، النبي عليه الصلاة والسلام يبشر بالجنة الحسن والحسين ، وعند القاضي النزيه هذه الشهادة لا تسمح لهما أن يشهدا لأبيهما ، فلما نظر اليهودي إلى أمير المؤمنين يقف إلى جانبه ، ويأتي بشاهدين لم يقبل بهما القاضي قال: أشهد أن الإسلام حق ، وأنا أعلن إسلامي.
لماذا نطمع أن يسلم الناس ونحن لا نعاملهم الأعمال الأخلاقية لن تستطيع أن تجعل الناس يدخلون في دين الله أفواجاً ، إلا إذا رأوا الكمال ، الحق الإنصاف لذلك أجمل آية.

﴿" ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا ﴾

 تقول هذا كافر ، هذا كافر عند الله ، بس هو له حق عندك يجب أن تعطيه حقه الكامل.

 

﴿ اعدلوا ﴾

 أمر إلهي مع هؤلاء الكفار.

 

 

﴿ اعدلوا هو أقرب للتقوى ﴾

 يعني إن عدلتم معهم قربتموهم مني ، وإن عدلتم معهم قربتموهم منكم وهؤلاء عبادي ، فهذه النظرة السخيفة أنه هذا كافر أجرمه ، غشه ، اكذب عليه ، خذ ماله ، أعوذ بالله.
لي رأي آخر: إذا كان الله يعاقب مسلماً على أنه أساء إلى مسلم فإنه يعاقب المسلم ألف مرة إذا أساء لكافر ، لماذا ؟ لأنه شوه سمعة المسلمين.
يقول عليه الصلاة والسلام

 

(( أنت على ثغرة من ثغر الإسلام فلا يؤتين من قبلك والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ))

 هذا الحديث معروف عندكم ، لكن له معنى عميق جداً ، يعني المسلم لا يسبب سمعة سيئة للمسلمين ، يسلمون المسلمون من لسانه ويده ؛ بمعنى أنه لا يؤذي الكفار ، لا يأخذ أموالهم بالباطل ، عندئذٍ يردون عليه بسب الإسلام ، فالذي ينجو منه المسلمون ، تنجو سمعتهم هو المسلم الحق.
 بسم الله الرحمن الرحيم ، والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، وأكرمن ولا تهنا وآثرنا ولا تؤثر علينا ، وأرضنا وأرض عنا وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم..

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018