الدرس : 60 - سورة النساء - تفسير الآيات 136-141، الإيمان درجات - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 60 - سورة النساء - تفسير الآيات 136-141، الإيمان درجات


2003-05-16

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا بما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

الإيمان درجات :

 أيها الأخوة الكرام، مع الدرس الستين من دروس سورة النساء ومع الآية السادسة والثلاثين بعد المئة، وهي قوله تعالى:

﴿ يا أيها الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً بَعِيداً ﴾

 أيها الأخوة، في الآية ملمح لطيف، وهو أن الله يخاطب الذين آمنوا ويأمرهم أن يؤمنوا، معنى ذلك أن الإيمان درجات، وأن من درجاته أنه لا ينجي، من بعض درجات الإيمان أنه لا ينجي صاحبه، الحد الأدنى المنجي للإيمان أن يحملك على طاعة الله، ومهما يكن إيمانك واضحاً في ذهنك ولم تستقم على أمر الله فإيمانك هذا لا ينجي، لأنه قد قيل: "كفى بالمرء علماً أن يطيع الله أو أن يخشاه، وكفى به جهلاً أن يعصيه"، فحينما يعصي الإنسان ربه فهو لا يعرفه، لو كان الله عز وجل عنده عظيماً لما عصاه، وحينما يقول الله عز وجل:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً ﴾

[ سورة الأحزاب: 41 ]

 لو أردت أن تضع تحت كلمة إشارة إلى أنها أهم كلمة في الآية، تحت أي كلمة تضع خطاً؟

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً ﴾

 تحت كلمة كثيراً، لأن المنافق يذكر الله، بدليل قوله تعالى:

﴿ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً ﴾

[ سورة النساء: 142 ]

 فالأمر منصب على الذكر الكثير.

 

الإيمان المنجي هو الإيمان الذي يحمل صاحبه على طاعة الله :

 الآن:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا آَمِنُوا﴾

 يعني أنت مؤمن، ولكن إيمانك لا يكفي، لا بد من أن تجدد إيمانك، وعلامة الإيمان المنجي هو الإيمان الذي يحمل صاحبه على طاعة الله، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنْ الطَّرِيقِ وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنْ الْإِيمَانِ))

[أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة عن أبي هريرة ]

 التوحيد يأتي على قمة درجات الإيمان، التوحيد ألا ترى مع الله أحداً، ألا ترى إلا الله، أن ترى الفعل فعل الله، التوحيد يعني أن تؤمن أنه لا معطي ولا مانع، ولا نافع ولا ضار، ولا معز ولا مذل إلا الله، التوحيد أن تتجه كل طاقاتك إلى الله عز وجل، التوحيد مريح لأن علاقتك بواحد، إن أرضيته انتهى الأمر، إن أطعته انتهى الأمر، هو الذي:

﴿ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى ﴾

[ سورة طه: 7 ]

 يعلم الذي تسره، ويعلم الذي يخفى عنك، وإذا كانت علاقتك بالله متينة فلا تحتاج لا إلى أن تكون قلقاً، ولا إلى وثيقة، ولا إلى مستند، الله يعلم:

﴿ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً ﴾

[ سورة النساء: 6]

أهمية التوحيد :

 ما من مستوى في الإيمان يحتاجه المسلمون اليوم كالتوحيد، من دون توحيد الإنسان قلق، هناك أقوياء كثر، وقساة لا يرحمون، ويتربصون بالمؤمنين، ومعهم قوة ترى بالعين المجردة، لكن الموحد يرى يد الله فوق أيديهم، الموحد يرى أن كل أفعالهم تستوعبها خطة الله عز وجل، يرى أن كل طغيانهم سمح الله به لحكمة بالغة.

﴿ وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً ﴾

[ سورة الكهف: 49]

 الظالم سوط الله ينتقم به ثم ينتقم منه، وأنا أقول لكم أيها الأخوة: إن أحد أكبر أسباب الأمراض الكثيرة هو الشدة النفسية، والشدة النفسية أساسها الشرك، أن ترى إنساناً أقوى منك، ولا يحبك، ويريد أن يدمرك، المعاني الثلاثة كافية لإصابة الإنسان بأمراض مستعصية، أما إذا رأيت هذا الإنسان القوي بيد الله، كما قال أحد الأنبياء:

﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾

[ سورة هود: 55-56 ]

 أيها الأخوة، لا يعقل ولا يقبل أن يسلمك الله لغيره، كيف يأمرك أن تعبده وأمرك ليس بيده بل بيد غيره، الله عز وجل طمأنك قال:

﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ ﴾

[ سورة هود: 123]

 الأمر كله، وهذا الذي يجري بالعالم الإسلامي، بنظر توحيدي سهل قبوله، أما بنظر شركي لا يحتمل، ما من مرحلة المسلمون في أمس الحاجة إلى التوحيد كهذه المرحلة.

 

حق الله على العباد وحق العباد على الله :

 قال تعالى:

﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ ﴾

[سورة الشعراء: 213]

 الإنسان لا يعلم، وإذا علم لا يرحم، وإذا رحم لا يستمر، أما حينما تؤمن أن الله بيده كل شيء، وأن علاقتك معه، فيكفي أن ترضيه، ويكفي أن تطيعه، والباقي عليه، المؤمن يتمتع بحالة أمن عجيبة، يتمتع بمشاعر أمنية لو وزعت على أهل بلد لكفتهم، أنا علي أن أطيعه وعلى الله الباقي.

﴿ بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ ﴾

[ سورة الزمر: 66]

 ما كلفني إلا أن أطيعه، فإذا أطعته يتولى هو تدبير شؤوني، وقد قال بعضهم: دبر ألا تدبر، لك عليه حق، حقه عليك أن تعبده، فإذا عبدته حقك عليه ألا يعذبك. عَنْ مُعَاذٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ:

(( كُنْتُ رِدْفَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حِمَارٍ يُقَالُ لَهُ عُفَيْرٌ فَقَالَ: يَا مُعَاذُ هَلْ تَدْرِي حَقَّ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ وَمَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ؟ قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ ـ كان عليه الصلاة والسلام مربيّاً ـ قَالَ: فَإِنَّ حَقَّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ ـ جيد ـ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَحَقَّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يُعَذِّبَ مَنْ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئاً ـ أي أن الله عز وجل أنشأ لك حقاً عليه ـ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلَا أُبَشِّرُ بِهِ النَّاسَ، قَالَ: لَا تُبَشِّرْهُمْ فَيَتَّكِلُوا))

[متفق عليه عَنْ مُعَاذٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]

أثمن نعمة على وجه الأرض نعمة الأمن :

 أنت لك حق على خالق السماوات والأرض، أنت لك حقاً على ذاته العلية ألا يعذبك، وَحَقَّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يُعَذِّبَ مَنْ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئاً، لذلك المؤمن المصدق يتمتع بحالة من الأمن لا يعرفها إلا من ذاقها، وهذا مصداق قوله تعالى:

﴿ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آَمَنُوا ﴾

[ سورة الأنعام: 81-82]

 أي الذين آمنوا وحدهم.

﴿ وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾

[ سورة الأنعام: 82]

 والله أيها الأخوة، أكاد أقول لكم: ما من نعمة على وجه الأرض أثمن من الأمن، قد يكون معك مال ولست آمناً، وقد تكون صحيحاً ولست آمناً، قال بعض العلماء: أنت من خوف الفقر في فقر، ومن خوف المرض في مرض، وتوقع المصيبة مصيبة أكبر منها، فهذه النعمة نعمة خاصة بالمؤمنين:

﴿ يا أيها الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ ﴾

 آمن بالله كي تشعر أن الأمر بيد الله، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنْ الطَّرِيقِ وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنْ الْإِيمَانِ))

[أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة عن أبي هريرة ]

 التوحيد مريح، التوحيد ليس معه قلق، والتوحيد ليس معه خوف، والتوحيد ليس معه اضطراب، أمرك بيد واحد، والواحد مقتدر ويعلم، وحكيم، ورحيم، ومحب، كان عليه الصلاة والسلام إذا حزبه أمر له دعاء قال: "لا إله إلا الله العليم الحكيم، لا إله إلا الله الرحمن الرحيم".

 

مستوى الإيمان :

 الأمر بيد الإله، وهو رحيم، إذا كانت لك قضية في دائرة، وأبلغت أن الأمر بيد فلان، وفلان يخاف الله، ولا يظلم أحداً، ترتاح، وحقك يصلك، فهذه قضية:

﴿ يا أيها الَّذِينَ آمَنُوا ﴾

 دائماً الإنسان لا يرضى عن رزقه لكن يرضى عن عقله، وعن مستوى إيمانه، البطولة ألا ترضى عن مستوى إيمانك، قال عليه الصلاة والسلام:

((جددوا إيمانكم))

[الحاكم عن أبي هريرة]

 الإيمان يخلق كما يخلق الثوب، تجديد الإيمان أن يرتفع مستوى التوحيد، أن ترى يد الله وحدها تعمل.

 

﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ* فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ* إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ ﴾

[ سورة آل عمران:173-174]

لا ينبغي أن تقر أعيننا إلا بإيمان مؤدّاه الاستقامة على أمر الله :

 كلمة:

﴿ يا أيها الَّذِينَ آمَنُوا ﴾

 الإيمان درجات كثيرة جداً، لكن أهم شيء أنه إذا كنت في درجة لا يقودك إيمانك إلى طاعة الله ينبغي أن تشمر وتجدد إيمانك، لا ينبغي أن تقر عينك إلا بإيمان مؤدّاه الاستقامة على أمر الله:

﴿ يا أيها الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ ﴾

 آمن بأن الله موجود. مرة في ندوة إعلامية طالبت الأخوة المشاهدين أن يستمعوا إلى الأخبار، وأن يستمعوا إلى تحليلاتها، وليقبلوا بعض التحليلات، وليرفضوا بعضها الآخر، لكن قلت لهم: لا تنسوا لثانية واحدة أن الله موجود.

﴿ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ﴾

[ سورة الفتح: 10]

 في زحمة المحن الإسلامية ينسى المسلمون أن الأمر بيد الله، يقعون في شرك خفي، يرون أن الأمر بيد وحيد القرن، فمن رضي عنه سلم، ومن لم يرض عنه عطب وهلك، هذا التفكير وحده يحطم الإنسان، الله عز وجل خلقك ولا يمكن أن يسلمك لأحد:

﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾

[ سورة هود: 55-56 ]

القرآن فيه كليات والنبي عليه الصلاة والسلام بيَّن التفصيلات :

 الله عز وجل ألزم نفسه بالاستقامة إلزاماً ذاتياً، قال لك: أنا لا أظلمك:

﴿ يا أيها الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا ﴾

 إذاً دعوة إلى تجديد الإيمان، دعوة إلى البحث عن مستوى في الإيمان يحملك على طاعة الواحد الديان، دعوة إلى التفكر في خلق السماوات والأرض، وإلى النظر في أفعال الله، وإلى تدبر آياته القرآنية، أما الإيمان بالرسول فهو الذي تولى شرح هذا القرآن.

﴿ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ﴾

[ سورة النحل: 44 ]

 هذا القرآن في كلياته من شرحه لنا؟ رسول الله صلى الله عليه وسلم، من بيَّن تفاصيل العبادات؟ من بيَّن تفاصيل المعاملات؟ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا يعقل أن تكتفي بالقرآن، القرآن فيه كليات والنبي عليه الصلاة والسلام بيَّن التفصيلات، فينبغي أن تؤمن بالله الذي أوجدك من عدم، أن تؤمن بالله الواحد الكامل، وأن تؤمن بأسمائه الحسنى وصفاته الفضلى، وأن تؤمن بهذا الإنسان المعصوم الذي أنزل عليه القرآن وأمره أن يبين أحكامه:

﴿ يا أيها الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ ﴾

 هذا منهج.

 

شريعة نبينا عليه الصلاة والسلام خاتمة الشرائع وهي لكل البشر إلى يوم القيامة :

 قال تعالى:

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ﴾

[ سورة الأنعام: 1]

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ ﴾

[ سورة الكهف: 1 ]

 الكون في كفة والقرآن في كفة ثانية، والكتاب أي القرآن الذي نزل على رسوله وهذه الألف ولام العهد:

﴿ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ قَبْلُ ﴾

 نؤمن بهذا القرآن، وبأن الله أنزل كتباً أخرى على أنبياء سابقين، والكتاب هو وحي الله لأنبيائه.

﴿ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ ﴾

[ سورة البقرة: 285]

 الدين واحد والشرائع متعددة، لكن شريعة نبينا عليه الصلاة والسلام خاتمة الشرائع، وهي لكل البشر إلى يوم القيامة:

﴿ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ ﴾

 أي وملائكته أنهم يكتبون كل أفعالنا:

﴿ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً بَعِيداً ﴾

الإيمان بالله واليوم الآخر :

 أخواننا الكرام، أكثر ركنين متلازمين من أركان الإيمان في القرآن هما الإيمان بالله واليوم الآخر، والإيمان بالله وحده لا يكفي، الإيمان بالله واليوم الآخر فيه الحساب ودفع الثمن والعقاب، فيه جنة ونار، أؤكد لكم أيها الأخوة، أنه لمجرد أن تؤمن باليوم الآخر الإيمان الصحيح ينبغي أن تنعكس كل مقاييسك، علامة أنك مؤمن باليوم الآخر أن تبني حياتك على العطاء لا على الأخذ، تبني حياتك على بذل الجهد لا على استغلال جهد الآخرين.
 إن لم تؤمن أن هذه الدنيا دار ابتلاء لا دار استواء، ومنزل ترح لا منزل فرح، فمن عرفها لم يفرح لرخاء ولم يحزن لشقاء، قد جعلها الله دار بلوى، وجعل الآخرة دار عقبى، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سبباً، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضاً، فيأخذ ليعطي، ويبتلي ليجزي. فلا تنجو ما لم تؤمن أن الأمر بيد الله، وأن هذه الدنيا ممر، وليست بمقر، وأن هذه الدنيا دار عمل وليست دار أمل، وأن هذه الدنيا دار تكليف، وليست دار تشريف، أنت حينما تؤمن بحقيقة الدنيا وبحقيقة الآخرة تنعكس كل المقاييس.

﴿ يا أيها الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً بَعِيداً﴾

 إنسان يعيش للدنيا فقط، هذا أكبر ضلال في الأرض، لأن في الحياة قوياً وضعيفاً، وغنياً وفقيراً، وصحيحاً ومريضاً، وطويل العمر وقصير العمر، ووسيماً ودميماً، لو أنه ليس هناك آخرة فما ذنب الدميم؟ وما ذنب الفقير؟ وما ذنب الضعيف؟ وما ذنب المريض؟ وما ذنب قصير العمر؟ لا بد من دار أخرى تسوى فيها الحسابات.

 

أكبر عزاء للمستضعفين في الأرض أن الحسابات كلها تسوى يوم القيامة :

 لا تبتعدوا كثيراً دولة كبيرة عملاقة، معها سلاح فتاك مدمر، لا تستطيع دولة في الأرض أن تقول لها: لا، وتستغل قوتها لسلب ثروات الآخرين، ونهب ممتلكاتهم، وبناء مجدها على أنقاضهم، وتنتهي الحياة، ولا شيء بعد الحياة؟! هذا لا يقبله عاقل، بالمناسبة أيها الأخوة عند علماء العقيدة الإيمان باليوم الآخر إيمان إخباري، أي أن الله أخبرنا، لكن عند بعض العلماء، وأنا أقدره يقول: الإيمان باليوم الآخر إيمان عقلي، لأن العقل البشري لا يصدق هذه الفتن وتلك الحروب، وهذه المنازعات، وهذا الظلم، وهذا القهر، وهذا القتل، وهذا التهديد، وهذا الكبر، وتنتهي الحياة هكذا، ماذا يقول هذا الفقير: لمَ لم أكن غنياً يا رب؟ لمَ لم أكن قوياً؟ لمَ لم أكن وسيماً؟ لمَ لم أكن طويل العمر؟ لذلك أيها الأخوة أن تنتهي الحياة الدنيا من دون يوم آخر هذا لا يقبله عقل سليم، لذلك أكبر عزاء للمستضعفين في الأرض، أكبر عزاء لمن فاتته الدنيا وكان مؤمناً مستقيماً أن الحسابات كلها تسوى يوم القيامة:

﴿ وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ﴾

[سورة الروم: 27 ]

﴿ لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى ﴾

[سورة طه: 15 ]

 يعيد الخلق كي يجازي كل إنسان بعمله، قال تعالى:

﴿ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً ﴾

[ سورة النساء: 77]

﴿ وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ ﴾

[ سورة الأنبياء: 47 ]

لمجرد أن تؤمن بالله واليوم الآخر تنعكس كل الموازين :

 تركيز على كلمة واليوم الآخر، إذا آمنت باليوم الآخر ينبغي أن تنعكس كل موازينك، أبداً، ترى الذكاء في العطاء لا في الأخذ، الذكاء في التعب لا في الراحة، الذكاء في خدمة الآخرين لا في استغلال جهودهم، ترى الذكاء في أن ترحم الناس لا أن يرحموك، لمجرد أن تؤمن بالله واليوم الآخر تنعكس كل الموازين.

﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ﴾

 بعضهم آمن بموسى وكفر بعيسى كاليهود، وبعضهم آمن بعيسى، وكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم.

﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْراً ﴾

 حينما كانوا منافقين.

﴿ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ ﴾

 لأن الكافر واضح تحترز منه، والمسلم واضح، أما المنافق فـ:

يعطيك من طرف اللسان حلاوة  ويروغ منك كما يروغ الثعلب
* * *

﴿ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْراً لَمْ يَكُنْ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً﴾

 بالمناسبة: النفاق أيها الأخوة نوعان؛ نفاق ضعف أمام الشهوات، ونفاق ضعف أمام الشبهات، هذا المنافق يرجى له الخير في المستقبل، هذا نفاق الضعف، لكن نفاق الكفر هو في الأصل كافر، كافر في أشد أنواع الكفر، لكنه ذكي، مصالحه مع المسلمين فقلد أهل الإيمان تقليداً دقيقاً، فأرضى المسلمين وحقق مصالحه معهم، فنال من ذات المؤمنين، وما عرفوه أنه منافق، وكان في الأصل كافراً، لذلك لأنه نال ميزتين معاً هو يوم القيامة في الدرك الأسفل من النار، في أسوأ درجات النار.

 

النفاق نوعان؛ نفاق ضعف ونفاق كفر وهو الأخطر :

 قال:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْراً لَمْ يَكُنْ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً ﴾

 هؤلاء منافقو الكفر، وليسوا منافقي الضعف، منافقو الضعف في عقيدتهم ضعف، أو ضعفوا أمام شهواتهم، هؤلاء يرجى لهم أن يحسن إسلامهم، ولكن الكافر إذا نافق هو في الأصل كافر، لكن أراد أن يستفيد من ميزات المؤمنين فأظهر الإيمان وأبطن الكفر، هؤلاء أساساً لا يتوبون:

﴿ لَمْ يَكُنْ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً ﴾

﴿ بَشِّرْ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً ﴾

 أيها الأخوة، من منا يصدق أنه لمجرد أن تعتز بكافر، أو أن تستعين بكافر، أو أن تستنجد بكافر، أو أن توالي كافراً، أو أن تحب كافراً، فمثل هذا الإنسان محكوم عليه بالنفاق مئة بالمئة، قال تعالى:

﴿ بَشِّرْ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيمً*الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾

أشد وعيد في القرآن هو وعيد قتل المؤمن عمداً :

 أنت فيما تسمع وفيما ترى كم عدد هؤلاء الذين يعتمدون على الكفار، ويتعزون بهم، ويستنجدون بهم، ويوالونهم، ويعادون أخوانهم المؤمنين؟ لا يعدون ولا يحصون:

﴿ بَشِّرْ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيمً*الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾

 ولاؤه للكافر، محبته للكافر، قدوته الكافر، استعانته بالكافر، فكيف إذا أعان كافراً على مسلم؟ كيف إذا أعان كافراً على قتل مسلم؟ هيأ له السبل، أعطاه الأرض والأجواء وهيأ له كل ما يحتاج ليقتل المسلم، وهل تعلمون أن في القرآن وعيداً أشد من وعيد قتل المؤمن:

﴿ وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً ﴾

[ سورة النساء: 93 ]

 في جهنم، عذاب استثنائي، لو قرأت هذا الوعيد لا تجد في القرآن كله وعيداً أشد من وعيد قتل المؤمن عمداً، فالذي يسهل قتل المؤمن، يقدم له الأرض، يقدم له الإمكانات، يقدم له المياه الإقليمية، يقدم له الأجواء، من أجل أن يشعر بالطمأنينة، هو اعتز بالكافر، واطمأن إليه.

﴿ بَشِّرْ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً* الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمْ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً ﴾

لو طبّق المؤمنون الآية التالية لكنا في حال أفضل من هذه الحال :

 أيها الأخوة، بقيت آية، لكن والله الذي لا إله إلا هو لو أن المؤمنين طبقوها لكنا في حال غير هذا الحال، قال تعالى:

﴿ وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً ﴾

 أي الإنسان الكافر بأصل الصلاة لا يصلي ويسخر ممن يصلي، قد يزور أقرباءه المؤمنين، يرحبون به، ويكرمونه، ويستقبلونه، ويودعونه، ولا يعبؤون بأنه لا يصلي، بل ينكرها أصلاً، لو كل إنسان خالف منهج الله عز وجل فقاطعه من حوله، الآن فتاة سافرة تبرز كل مفاتنها في الطريق لو طافت على كل بيوت أقربائها تستقبل! ويرحب بها! ويثنى على ذكائها! وتسأل عن دراستها في الجامعة! وأين وصلتِ! طيب هذه حينما يرحب بها في كل مكان لماذا تستقيم على أمر الله؟ لو كل إنسان خرج على منهج الله نقاطعه، انظر إلى الآية ودقتها:

﴿ وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ﴾

التساهل في العلاقات سبّب تساهلاً في التوبة :

 تارك صلاة، قد يكون شارب خمر، قد يكون له أعمال من دون ذلك، وقد يكون ماله حرام، أينما ذهب يستقبل، ويكرم، ويرحب به، وكأن أمور الدين لا تعنينا إطلاقاً، يعنينا هذه العلاقات العائلية، وعلاقات النسب، وعلاقات العمل، أما إذا المؤمن الصادق رأى إنساناً منحرفاً، عقيدته فاسدة، أو سلوكه غير مستوٍ، بقي معه في حدود علاقات العمل، ولم يزد عليها أبداً. بالمناسبة: لا يجوز أن تقيم علاقة حميمة مع كافر، علاقة عمل يجوز، من دون ود، تؤدي واجبك، تسلم عليه، تأخذ التعليمات، تنفذها فقط، أما أن تقيم علاقة حميمة مع إنسان ينكر عليك أصل دينك، ينكر عليك شريعة ربك، لا يعبأ بما تعتقد به أنت، فهذا التساهل في العلاقات سبّب تساهلاً في التوبة.
 هؤلاء الصحابة الذين تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانوا صادقين، وجاء الأمر بمقاطعتهم، لو كان كل المسلمين كذلك إنسان يجاهر بالمعصية جهاراً، لا يصوم، ويأكل أمام الناس، وقد يزور أخته التي ترحب به أشد الترحيب، وكأنه ولي، أما إذا قاطعته أخته وأخوه، ولم يُدعَ إلى طعام، ولم يبجل، ولم يحترم، يراجع نفسه.
 يقسم بالله رجل كان غارقاً في شرب الخمر، اشترى الخمر ووضعه في محفظته واستوقف سيارة عامة، فلما وقفت له ورأى السائق أن في جعبته خمراً، أوقف المركبة وقال له: انزل، يقول هذا الإنسان: سبب توبتي هذا السائق، شعر بمهانة كبيرة جداً، فإذا أمر كل واحد منا بالمعروف ونهى عن المنكر، وهذه هي الفريضة السادسة، ذكرت قبل قليل قد تأتي ابنة أخيك وتزورك، وثيابها فاضحة، ولا تعبأ بهذا أبداً، ولا تسأل إلا عن دراستها، وعن أبيها، وعن أحوالها المعيشية، وانتهى الأمر، مثل هؤلاء الناس سوف يحاسبون عند الله، وقد أمر الله عز وجل بإهلاك قرية، فقال بعض الملائكة: يا رب إن فيها رجلاً صالحاً، قال: به فابدؤوا، عجيب! قالوا: ولمَ؟ قال: لأن وجهه لم يكن يتمعر لمنكر رآه، ما تأثر.

﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ ﴾

[ سورة هود: 117 ]

 مصلحون لا يهلكون، أما صالحون يهلكون، صالح ولا يعبأ بالناس!! لو أنت أقمت علاقاتك مع الناس على أساس إيماني؛ تستقبل مؤمناً، ترحب به ولو كان فقيراً، تحترمه، تدعوه إلى غداء، والإنسان الذي ليس فيه دين، ويستهزئ بالدين طبعاً كحكم شرعي إذا كان الإنسان مقصراً في الدين فلك أن تكرمه، مقصراً ليس مستهزئاً، المقصر شيء والمستهزئ شيء، المقصر تستجلبه أما المستهزئ فينبغي أن تقاطعه.

 

المؤمن معه حجة قوية دائماً :

 قال تعالى:

﴿ وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ ﴾

 تجلس في سهرة يستهزَأ فيها بكتاب الله، يستهزأ فيها بحديث رسول الله، أو تطرح أفكار غير صحيحة، وتبقى ساكتاً؟ لا، أنا أتكلم، وآتي بالحجة.

﴿ وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آَتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ ﴾

[ سورة الأنعام: 83 ]

 ليس هناك مؤمن ليس معه حجة، أما أن أسكت وأستمع إلى المنكر، إلى الكفر البواح، ولتحقيق مصالحي مع هؤلاء أبقى صامتاً، هذا يقع كل يوم، مدير شركة، مدير مؤسسة، الموظف جالسٌ أمامه وهو يتكلم كلاماً غير مقبول، خلاف القرآن، خلاف السنة، بالعكس يقول له: هذا صحيح، يبتغي عنده العزة، يبتغي تأمين مصالحه، هذه آية دقيقة جداً.
 أنا أذكر دائماً قصة مشهورة مع أنها بسيطة جداً، وأعدتها عليكم كثيراً، سائق سيارة على خط دمشق بيروت، جاءه شاب وشابة يريدان الركوب إلى دمشق، فصعدا المركبة، قال له الشاب: سيأتي بعد قليل رجل ومعه محفظة، فانتظر قليلاً، قال له: حسناً، جاء بعد ربع ساعة رجل عمره سبعون سنة يحمل محفظة على رأسه، فجاء هذا الشاب، وضرب هذا الرجل على رأسه لتأخره في الحضور، السائق لم ينتبه، انطلق بمركبته، وصل إلى مسافة لا بأس بها في طريقه إلى الشام، تقول له زوجته: لماذا ضربت أباك؟ توقف، وقال له: هذا أبوك؟! انزل وهذه الأجرة، موقف بسيط جداً، أنت أركبت شخصاً يضرب أباه، هناك خطر على المركبة. فإذا أمرنا كلنا بالمعروف، ونهينا عن المنكر، ولم نعن كافراً، ولم نبتسم له، ولا رحبنا فيه، ولا استقبلناه، ولا دعوناه، وكان معنا حجة قوية، وأدلينا بحجتنا لكنّا في حال غير هذا الحال. أساساً حينما قال الله عز وجل:

 

﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾

[سورة آل عمران:110]

 هذه الخيرية لها علة قال:

﴿ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾

[ سورة آل عمران:110 ]

 فإذا فقدنا علة الخيرية فقدنا الخيرية.

 

هان أمر الله علينا فهنّا على الله لذلك فقدت أمتنا خيريتها :

 نحن الآن أيها الأخوة والله أمة ـ والله أستحي أن أقول هذا الكلام ـ لا يعبأ الله بها أبداً، لأن أمر الله هان عليها فهنّا على الله، الذي ترونه لا يحتمل، تؤخذ الأرض، تهدم البيوت، يقتل الشباب، تردم الآبار، تقتلع الأشجار، كل يوم قتل عشوائي، هان أمر الله على المسلمين فهانوا على الله، أين؟

﴿ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً ﴾

 والله لهم علينا ألف سبيل وسيبل، أين؟

 

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ ﴾

[ سورة النور: 55 ]

 والله لسنا مستخلفين، أين؟

 

﴿ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ ﴾

[ سورة النور: 55 ]

 والله لسنا ممكنين، أين؟

 

﴿ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً ﴾

[ سورة النور: 55 ]

 والله لسنا آمنين، كل يوم تهديد، لا نرتاح يومين وفي اليوم الثالث تهديد، واعتبروا لما جرى، وما فعلنا بغيركم، اعتبروا، أين؟ هان أمر الله علينا فهنا على الله:

 

﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾

[سورة آل عمران:110]

 لو عندنا إيمان قوي أي إنسان خرج عن منهج الله يُقاطَع.

 

إن أردت تقوى الله عز وجل فعليك بمصاحبة المؤمنين :

 أخواننا الكرام، كل الناس كانوا يؤدون الفجر في المسجد، إذا تخلف إنسان يأتون إلى بيته، عنده مشكلة، مريض، تجد المسجد يتسع لعشرة آلاف، صباحاً فيه سبعة أو ثمانية مصلِّين فقط. فيا أيها الأخوة، هذه الآيات:

﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً ﴾

 لذلك عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول:

((لَا تُصَاحِبْ إِلَّا مُؤْمِناً وَلَا يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلَّا تَقِيٌّ))

[أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وابن حبان عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ]

 لذلك إن أردت تقوى الله عز وجل فالله يأمرك ويقول:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾

[ سورة التوبة: 119 ]

 صاحب المؤمنين، لا تصاحب من لا يرى لك من الفضل مثل ما ترى له، صاحب مؤمناً، مر بالمعروف وانهَ عن المنكر، لا تكن وسيطاً لمعصية، لا تنصح بشيء لا يرضي الله عز وجل، اضبط لسانك، لأن الله عز وجل يقول:

﴿ مَّن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُن لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا وَمَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُن لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا وَكَانَ اللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقِيتاً ﴾

[سورة النساء: 85 ]

الله عز وجل بيّن في آيات كثيرة عداوة الكفار للمؤمنين :

 أي توجيه لك انتهى إلى معصية تتحمل أنت الوزر نفسه، من هنا قال تعالى:

﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ﴾

[ سورة المائدة: 2 ]

 الله عز وجل في آيات كثيرة بيّن عداوة الكفار للمؤمنين، وما لم تصدق الله عز وجل لا يمكن أن تكون عند الله مقرباً، فإذا وثقت بكافر، بإنسان لا يصلي، لا تشاركه، لأنه ولو أعطاك من طرف اللسان حلاوة سوف يطعنك في الظهر، لا تطمئن إلا للمؤمن، يقول الله عز وجل:

 

﴿ الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ ﴾

 يتابعك، ينتظر أن تقع، يفرح إذا وقعت.

 

﴿ إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ ﴾

[سورة النوبة: 50 ]

﴿ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا ﴾

[ سورة آل عمران: 120 ]

 المنافقون يحبون:

 

﴿ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا ﴾

[سورة النور: 19 ]

﴿ الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنْ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ ﴾

 يريدون الغنائم:

 

﴿ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً ﴾

المؤمن مظنة صلاح وصدق وأمانة وورع :

 أيها الأخوة آية دقيقة جداً هنا مناسبة ذكرها، قال تعالى:

﴿ رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا ﴾

[ سورة الممتحنة: 5 ]

 إذا رأى الكافر مؤمناً يخلف وعده يحتقره ويعتز بكفره، إذا رأى مؤمناً أمره فرطاً يحتقره الكافر ويعتز بكفره، فالمؤمن حينما يقع في خطأ شنيع أمام غير مؤمن، غير المؤمن يتشبث بكفره، ما الذي أعانه على كفره؟ ما الذي جعله يتشبث بكفره؟ هذا المؤمن:

 

﴿ رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا ﴾

[ سورة الممتحنة: 5 ]

 مرة طُلب من الحُجاج أو من طالبي الحج أن يقدموا تصريحاً أنهم لم يحجوا من قبل، حينما تقدم عشرات الألوف من التصريحات الكاذبة، كيف يقول هذا الذي يدير شؤون الحج؟ حاج! قدم تصريحاً أنك لم تحج من قبل، فأنت حينما تكذب ـ لا سمح الله ـ حينما لا تتقن عملك، حينما تخطئ، حينما تعتدي، وأنت محسوب على المؤمنين، يأتي هذا الطرف الثاني ويحتقر كل هذا الدين، وأنا أقول لكم هذه الكلمة: هناك إنسان داعية، وهناك إنسان منفر، عمله عكس الداعية، لأن المؤمن مظنة صلاح، مظنة صدق، مظنة أمانة، مظنة ورع، مظنة عفة، هذا المؤمن، فإذا وجدنا مؤمناً يفعل خلاف ذلك، ما كل إنسان يفرق بين الدين وأهل الدين، عوام الناس يخلطون بين الدين وأهل الدين، فهم يحكمون على الدين من خلال الديّنين، القضية خطيرة جداً، أنت على ثغرة من ثغر الإسلام فلا يؤتين من قبلك، كل مؤمن ينبغي أن يكون سفيراً للمؤمنين، فالمؤمن حينما يخطئ مع غير المؤمن فغير المؤمن يتشبث بكفره، ويعتز بكفره، هذا الذي جرى من نهب وسلب عقب نهاية الحرب ماذا كان انطباعه عند العالم الغربي، هؤلاء المسلمون! نحن عندهم مسلمون بالمناسبة، كل شيء دمر، كل شيء سرق، هكذا المسلم! أنت لا تفكر أن تقرأ كتاباً لإنسان تحتقره، تقرأ كتاباً لإنسان ديّن تحتقره.
 فلذلك قضية الإسلام قضية كبيرة، أنا ذكرت في الخطبة الإذاعية اليوم، قلت والله، وأكدت هذا بالأيمان: إن الصحابة الكرام لو فهموا الإسلام كما نفهمه نحن الآن والله الذي لا إله إلا هو ما خرج الإسلام من مكة إلى المدينة، فكيف وصل إلى أطراف الدنيا؟ بالأخلاق، بالقيم، بالمبادئ، بالصدق، بالأمانة، بالعفة، فقضية الدين قضية كبيرة، أن يصلي أحدنا ليس هذا هو الدين، الصلاة فرض، لكن أصل الدين العفة، والأمانة، والصدق، والوعد الصادق، والرحمة، والعدل، والإنصاف، إذا تمثلت هذه بالمؤمن استطاع أن ينشر هذا الدين:

 

﴿ الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ ﴾

 أي ينتظرون أن تسقطوا:

 

﴿ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنْ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً ﴾

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018