الفقه الحضاري - الندوة : 08 - الإعجاز في الكون 1 الكون يشهد بعظمة الله . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠30برنامج الفقه الحضاري - قناة سوريا الفضائية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الفقه الحضاري - الندوة : 08 - الإعجاز في الكون 1 الكون يشهد بعظمة الله .


2003-05-08

المذيع:
أيها الأخوة المشاهدون السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أحيكم عبر القناة الفضائية السورية في هذا اللقاء الجديد من برنامج الفقه الحضاري في الإسلام، ويسرنا أن نلتقي اليوم مع سماحة الشيخ الدكتور محمد راتب النابلسي، الأستاذ المحاضر في كلية التربية بدمشق، وخطيب جامع عبد الغني النابلسي، أهلاً ومرحباً بكم أستاذ .
الأستاذ: بكم أستاذ عدنان، جزاكم الله خيراً .
المذيع:
مما تعلمون دكتور أن القرآن الكريم فيه إعجاز من كل النواحي، وفي البلاغة إعجاز، وفي التشريعات، وفي الأمور العلمية، وفي الكونيات، وفي الحديث عن الأمم السابقة، وفي الحديث عما يمكن أن يجري في المستقبل، كل ما في القرآن الكريم إعجاز، ومن أراد أن يكون كيّساً عاقلاً استطاع أن يقرأ في هذا الإعجاز ما يفيده في حياته الدنيا ليكون سعيداً، وما يفلح به أيضاً في الدار الآخرة، ومن جوانب الإعجازِ الإعجازُ العلمي .
صحيح أن القرآن الكريم ليس كتاب علوم يمكن أن ندرسه على هذا الأساس، إنما ما ورد فيه من صور الإعجاز العلمي، والتي لا تبلى كما أن غيره لا يبلى أيضا في عجائبه وإعجازه، إذا تحدثنا عن هذا الجانب العلمي، رغم أن القرآن الكريم كما قلت ليس كتابًا علميًّا، إنما فيه من الإعجاز العلمي ما يحسن أن نتوقف عنده لندرك عظمة الخالق جل جلاله .
الأستاذ:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .
يمكن أن نعرف الإنسان بأنه أعقد آلة في الكون، وأعني بالتعقيد تعقيد الإعجاز، لا العجز، فهو المخلوق الأول الذي سخرت له السماوات والأرض جميعاً، وقد كلف بحمل الأمانة، وقد أمره الله عز وجل أن يعبده، والعبادة في أدق معانيها طاعة طوعية، ممزوجة بمحبة قلبية، أساسها معرفة يقينية، تفضي على سعادة أبدية، هذا الإنسان الأول، والذي وصفناه بأنه أعقد آلة في الكون له صانع حكيم، ولهذا الصانع تعليمات، فانطلاقا من حب الإنسان لوجوده، وسلامة، وكمال واستمرار وجوده عليه أن يتبع تعليمات الصانع، وتعليمات الصانع هي الجهة الوحيدة التي ينبغي أن تتبع تعليماتها، لأنه خبير، الآن هذا الكون الذي تحت سمعنا وبصرنا فيه كمال مطلق، وكمال الخلق يدل على كمال التصرف، فبما أن هذا الكون كامل كمالا مطلقًا فلابد لخالقه العظيم أن ينبه عباده إلى المنهج القويم الذي ينبغي أن يتبعوه، لذلك كانت رسالة الأنبياء في الأصل بهذا المنهج، فالنبي يأتي لقومه ومعه منهج افعل ولا تفعل، ولأن الله سبحانه وتعالى أودع في الإنسان الشهوات يرقى بها صابراً أو شاكراً إلى رب السماوات والأرض، ولكن هذه الشهوات قوى يندفع بها الإنسان لجهة ما، لابد لها من ناظم ومنهج ينتظمها، فكان منهج الله في الأرض، فإذا جاء النبي إلى قومه يدعوهم لمعرفة الله، وعبادته واتباع منهجه فهناك من يكذبه، لأن منهج الله عز وجل يحد من حركة الإنسان العشوائية المنطلقة من شهوة عمياء، فردّ الفعل الطبيعي لهؤلاء الذين دُعوا لعبادة الله عز وجل أن يكذبوه،

﴿ وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا ﴾

(سورة الرعد)

لابد أن يشهد الله في عليائه لهذا الإنسان الذي أرسله لهداية الخلق أن يشهد له أنه نبي رسول، كيف يشهد الله عز وجل لهؤلاء الأنبياء أنهم أنبيائه، وأن هؤلاء الرسل رسله ؟ لابد من أن يجري على أيديهم خرقاً للعادات لا يستطيعها البشر جميعاً، فمن هنا كانت المعجزات، فالمعجزة خرق لنواميس الكون، يعجز عنها كل بني البشر، ولو اجتمعوا، فكأن هذا الخرق لنواميس الكون هو شهادة الله لهؤلاء الأنبياء أنهم أنبياء، وأن كلامهم من عند الله عز وجل، لكن حكمة الله عز وجل جعلت معجزات الأنبياء السابقين معجزات حسية، أي أنها وقعت مرة، ثم انتهت، فأصبحت خبراً يصدقها من يصدقها، ويكذبها من يكذبها، لكن لأن النبي عليه الصلاة والسلام متميز بأنه سيد الأنبياء والرسل، وبأنه خاتم الأنبياء، فرسالته للعالمين جميعاً، فلابد من أن تكون معجزته مستمرة لنهاية الحياة، من هنا كانت معجزة النبي عليه الصلاة والسلام علمية، أي أنها مستمرة، ففي القرآن الكريم ألف وثلاثمئة آية تتحدث عن الكون، هذا الحديث يتفق مع أحدث الحقائق العلمية التي لم تكن معروفة في عهد النبي عليه الصلاة والسلام، وكأن هذه الإشارات العلمية كما تفضلتم هي شهادة الله لهذا النبي أن هذا القرآن الذي جاء به النبي هو من عند الله عز وجل، هذا منطلق المعجزة، إلا أن الشيء الذي يلفت النظر هو أن النبي عليه الصلاة والسلام جاء بأحاديث كثيرة جداً، شرح بها آيات القرآن الكريم .
لكن يلفت بها نظرنا أن النبي لم يسهب في الحديث عن هذه الآيات الكونية في القرآن الكريم، ولحكمة بالغة بالغة يبدو أنه لو شرحها شرحاً مبسطاً يفهمها من حوله لأنكرنا عليه، ولو أنه شرحها شرحاً يتناسب مع رؤيته لحقائق الكون لأنكر عليه من حوله، تركت هذه الآيات لتكون دلائل إعجاز القرآن الكريم ! فالقرآن الكريم فيه إشارات على أصول العلوم، وكما تفضلتم ليس القرآن الكريم كتاباً علمياً، إنما هو كتاب هداية وإرشاد، ولكن اللفتات العلمية في القرآن الكريم تؤكد أن هذا كلام الله، إذا قرأت هذه الآيات، ثم اطلعت على التقدم العلمي الذي يفسرها تشعر بكل قطرة في دمك، وكل خلية في جسمك أن هذا كلام الله، وهذا أقوى دليل على أن هذا القرآن كلام الله، علامة أنه كلام الله إعجازه، هذه إطلالة على حقيقة الإعجاز، ولأن القرآن الكريم كتاب لنهاية الحياة، ولكل الأمم والشعوب، إذاً هو معجزة مستمرة .
المذيع:
الحقيقة أن القرآن الكريم كما تفضلتم هو إعجازات متوالية مستمرة متنوعة، منها الإعجازات العلمية، ومنها الفكرية، ومنها التشريعية، كل الإعجاز موجود في القرآن الكريم، إلى جانب أن القرآن الكريم هو معجزة كانت مع الرسول ، وتشهد بالرسول محمد عليه الصلاة والسلام، إنما كانت له أيضاً إعجازات حسية كغيره من الأنبياء، قد كانت المعجزة الآنية وقتها، والمستمرة إلى الزمان كله إلى أن تقوم الساعة .
الأستاذ:
كأن هذا اللقاء الطيب ينصب على الإعجاز العلمي في القرآن الكريم، وهناك إعجاز حسي للنبي عليه الصلاة والسلام .
مثلاً: الله عز وجل يقول:

﴿ اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ﴾

(سورة الرعد)

أي: بعمد لا ترونها .
الحقيقة أنه لابد من تقديم لهذه الآية الرائعة .
كلكم أيها الإخوة المشاهدون تعلمون أن الأرض تدور حول الشمس، بل إن الكون كله متحرك، ولو لم يكن متحركاً لأصبح كتلة واحدة، لأن الحركة ينتج عنها قوة نابذة، وهناك تجاذب بين الكتل التي في الكون، والذي يوازن بين التجاذب، والتوازن هي هذه القوة النابذة التي تنشأ عن الحركة، لو تصورنا أن الكواكب والنجوم توقفت عن الحركة لأصبح الكون كله كتلة واحدة، هذا معنى قوله تعالى:

﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ ﴾

(سورة الطارق: 11)


إن هذه الكلمة تنتظم الكون كله، كل نجم في الفضاء، وكل كوكب في الفضاء يدور في مسار مغلق حول كوكب آخر، ويرجع إلى مكان انطلاقه النسبي، فإذا وصف الله عز وجل السماء بأنها ذات رجع، أي: إن كل كوكب متحرك فيها يمشي في مسار مغلق، ويعود إلى مكان انطلاقه، فالأرض شأنها كشأن أي كوكب، فتدور حول الشمس .
بالمناسبة الأرض تدور حول الشمس بسرعة ثلاثين كيلومترًا في الثانية، منذ أن بدأنا هذا اللقاء الطيب إلى الآن مشينا حوالي ثمانية عشر ألف كيلومتر في الفضاء حول الشمس، فالأرض تدور حول الشمس بسرعة ثلاثين كيلومترًا في الثانية، إلا أن مسارها حول الشمس شكله بيضوي، أو إهليلجي، ومعلوم لديكم أن الشكل البيضوي له قطران، قطر أعظم، وقطر أصغر، الآن الأرض إذا اقتربت من القطر الأصغر ماذا سيكون ؟ ستقل المسافة بينها وبين الشمس، وقانون التجاذب أساسه أن الكتلة الأكبر تجذب الأصغر، وهناك عامل آخر أن المسافة كلما قصرت ازدادت قوة الجذب، كلما كبر النجم ازدادت قوة جذبه، وكلما قلّت المسافة بين النجم الأكبر والأصغر تزداد أيضاً قوة جذبه، فالأرض إذا وصلت إلى القطر الأصغر فهناك احتمال قطعي أن تنجذب إلى الشمس، والشمس حرارتها الخارجية ستة آلاف درجة، بينما الحرارة في مركزها عشرون مليون درجة، هناك من يقول: إن الأرض تتبخر في ثانية واحدة لو أنها انجذبت إلى الشمس، من أجل ألاّ تنجذب الأرض للشمس، وألاّ تنتهي الحياة، ولأن الله عز وجل يقول:

﴿ إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا ﴾

(سورة فاطر)

ومعنى الزوال الانحراف، لا بد أن تبقى الأرض على مسارها حول الشمس، و ها هي ذا اقتربت من القطر الأصغر، من تتاليات هذا الاقتراب أن تنجذب للشمس، لذلك الأرض بأمر من الله عز وجل تزيد سرعتها، لتنشأ قوة نابذة طارئة تكافئ القوة الجاذبة الطارئة، فتبقى في مسارها،

﴿ إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا ﴾

فتبقى الأرض على مسارها حول الشمس .
المذيع:
هنا دكتور خطر ببالي ناحية، قد يقول قائل: ولماذا هذا التعقيد ؟ لماذا لا تكون الأرض بدورانها حول الشمس لا بشكل إهليلجي الذي تبتعد فيه تارة من الشمس من خلال المحور الأكبر، وتقترب خلال المحور الأصغر، بالتالي لا نحتاج إلى زيادة في السرعة لتعادل القوة الجاذبة، ما يمكن أن ينشأ من جاذبية حتى يحدث التوازن ؟ الجانب العلمي يشير إلى بدء الصيف، وأن الابتعاد بدء الشتاء، وتوالي الفصول يعني مزيداً من الحياة، أما إن كان الفصل واحدًا، والدوران واحدًا، والقطران متساويين فإن الحياة لا يمكن أن تستمر، لا أدري إن كان هذا صحيحاً ؟‍‍‍!
الأستاذ:
يقول الله عز وجل:

﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾

(سورة الطلاق: 12)

﴿ لِتَعْلَمُوا ﴾

هذه اللام لام التعليل، علة خلق السماوات والأرض بهذا الإعجاز من أجل أن نعرف الله، لأن أصل الدين معرفة الله عز وجل، وأن الأمر قيمته من قيمة الآمر، فكأن الله عز وجل أراد أن يكون هذا الكون العظيم بهذه الدقة وبهذا الإعجاز كي نعرف خالقه .
الأرض وصلت إلى القطر الأصغر، ورفعت من سرعتها كي تنشأ من هذه السرعة الجديدة قوة تكافئ القوة الجاذبة، الآن تابعت سيرها، فوصلت إلى القطر الأعظم، لو بقيت على سرعتها لتفلتت من مسارها حول الشمس، ولتاهت في الفضاء الكوني، ولأصبحت حرارتها مائتين وسبعين درجة تحت الصفر، عندئذ تنتهي الحياة !

﴿ إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا ﴾

ماذا ينبغي أن نقول، وهي تقترب من القطر البعد الأطول ؟ ينبغي أن تخفض من سرعتها، ينشأ من تخفيض سرعتها قوة نابذة أقلّ، لتكافئ ضعف الانجذاب إلى الشمس، فتبقى على مسارها، لكن الشيء الذي لا يصدق أن هذه السرعة إذا ارتفعت فجأة، وانخفضت فجأة ينهدم كل ما على الأرض، ومن أسماء الله ( اللطيف )، فهذا التسارع الأول يتم بطيئاً، وهذا التباطؤ الثاني يتم بطيئاً، فالأرض تسارعها وتباطؤها يتمّان بلطف شديد، يؤكدان اسم الله

( اللطيف )

لو أن الأرض رفعت من سرعتها فجأة، أو خفضت لانهدم كل ما عليها .
المذيع:
نحن نركب في سيارة، والسائق إذا أسرع بشكل مفاجئ الركاب يتأرجحون في مكانهم، أو إذا أوقفها بشكل مفاجئ يكاد يقع الركاب على الأرض أيضاً .
الأستاذ:
وسائط النقل عموماً لا تساوي شيئاً أمام السرعة التي ذكرتها في سرعة الأرض في دورانها حول الشمس بثلاثين كيلومترًا في الثانية، بينما سرعتها في دورانها حول نفسها ألف وستمئة كيلومتر في الساعة، وأسرع طائرة نركبها تسعمئة كيلومتر في الساعة، لو أن الكتلة الهوائية كانت ثابتة، والأرض تدور لنشأت أعاصير سرعتها ألف وستمئة كيلومتر في الساعة، ولانهدم كل ما على الأرض، والرياح إن وصلت إلى مئة وخمسة وعشرين كيلو في الساعة تهدم البيوت، وتقتلع الأشجار، وهناك أعاصير في أمريكا تصل إلى سرعة ثمانمئة كيلو متر، فلا يبقى شيء في المدينة، فلو أن كتلة الهواء بقيت ثابتة، والأرض تدور لانهدم كل ما على الأرض من سرعة العواصف والأعاصير التي تبلغ ألف وستمئة كيلو متر في الساعة، ولكن رحمة الله أن غلاف الهواء ثابت مع الأرض، لذلك قال بعض العلماء في قوله تعالى:

﴿ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ﴾

(سورة الروم)

﴿فِي﴾

تعني داخل، نحن نمشي على ظاهر الأرض، مادام الهواء جزءًا من الأرض فنحن نمشي في الأرض، هذه لفتة لطيفة في قوله تعالى:

﴿ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ﴾

الهواء جزء من الأرض، وهو يدور مع الأرض، ولولا أنه يدور مع الأرض لانهدم كل ما عليها .
المذيع:
قبل أن نتابع هذا الحديث أيضاً يمكن أن يكون التساؤل التالي: الغلاف الذي يدور مع الأرض ألا يحيطه غلاف آخر، وبالتالي تنشأ أعاصير قوية ؟
الأستاذ:
أنا أتحدث عن غلاف الهواء فقط، الهواء حول الأرض، لكن ما بعده أو ما حوله تنعدم الجاذبية فيه طبعاً .
الآن لنتابع، لو تصورنا افتراضاً، وهذا قرأته في كتاب علمي رصين، لو أن هذه الأرض تفلتت من جاذبيتها حول الشمس، وخرجت من مسارها، وتاهت من مسارها الخارجي، والكلام الآن افتراضي فقط، كيف نعيدها لجاذبية الشمس ؟ قال: نحتاج إلى مَليون مليون ( كبل ) حبل فولاذي، ومعلوم أن الفولاذ أمتن عنصر في الكون، الفولاذ يقاوم قوى الشد، والماس أقسى عنصر في الأرض، الماس يقاوم قوى الضغط، فيوجد قوى ضغط وقوى شد، وميناء الأسنان يأتي بعد الماس .
وكتوضيح لطيف، سنتيمتر مكعب من الإسمنت يتحمل من قوى الضغط خمسمئة وخمسين كيلوًا، لكنه لا يتحمل من قوى الشد إلا خمسة كيلو، لذلك الإسمنت يحتاج إلى تسليح بالحديد، الإسمنت يتحمل من قوى الضغط خمسمئة وخمسين كيلوًا، السنتيمتر مكعب، بينما لا يتحمل من قوى الشد إلا خمسة كيلو، فيوجد قوى شد وقوى ضغط، أمتن عنصر في الأرض هو الفولاذ المظفور، لو أردنا أن نعيد الأرض إلى مسارها حول الشمس لاحتجنا إلى مليون مَليون حبل فولاذي، طول كل حبل مئة وستة وخمسون مليون كيلو متر، وقطره خمسة أمتار، طبعاً الموضوع افتراضي، توصلاً إلى معرفة قوة جذب الشمس للأرض، فهذا الحبل الفولاذي الذي قطره خمسة أمتار يقاوم من قوى الشد مليوني طن ! قوة جذب الشمس للأرض تساوي مليون مَليون ضرب مليونين، لأننا نحتاج إلى مليون مَليون حبل فولاذي، وكل حبل قوة تحمل شده مليونَا طن، فالأرض مجذوبة نحو الشمس بقوة تساوي مليوني مليون مَليون طن، اثنان أمامها ثمانية عشر صفراً، هذه قوة جذب الشمس للأرض، هذه القوة العملاقة من أجل أن تحرف الأرض في مسارها حول الشمس ثلاثة ميلي في كل ثانية، إذا حرفت هذه القوة العملاقة مسير الأرض ثلاثة ميلي في كل ثانية، ينشأ هذا المسار المغلق حول الشمس،

﴿ إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا ﴾

لكن لو زرعنا هذه الحبال المليون مليون على السطح المقابل للشمس كي نعيدها للشمس ماذا ينشأ ؟ غابة من الحبال، وبين الحبلين حبل واحد، لا يوجد بناء، ولا مواصلات، ولا شمس، فهذه الآية الرائعة:

﴿ إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا ﴾

الله عز وجل بحكمة بالغة، وبعلم، وبخبرة، وبلطف يبقي الأرض في مسارها حول الشمس .
بالمناسبة لو أن الأرض تاهت في مسارها الخارجي لأصبحت الحرارة فيها مائتين وسبعين تحت الصفر، وتنتهي الحياة، ولو أنها انجذبت للشمس لتبخرت في ثانية واحدة، وانتهت الحياة،

﴿ إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا ﴾

النقطة الدقيقة جداً التي أريد أن أؤكد عليها أن الله يقول:

﴿ قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾

(سورة يونس)

ثم يقول:

﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ ءَايَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ(105)وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ ﴾

(سورة يوسف: 106)

أنا أردت من هذه الآية الكونية القرآنية أن أبين أن معرفة الله أصل الدين، وأن مشكلة المسلمين أنهم عرفوا الأمر، ولم يعرفوا الآمر، والإنسان إذا عرف الأمر، ولم يعرف الآمر يتفنن في مخالفة أمر الآمر، أما إذا عرف الآمر، ثم عرف الأمر يتفانى في طاعته، لو سألتني عن علة تفلت المسلمين من طاعة الله عز وجل ؟ أقول لك: ضعف معرفتهم بالآمر، لذلك هناك علمٌ بأمر الله عز وجل، تجده في كليات الشريعة في العالم الإسلامي، وهناك علمٌ بخلق الله عز وجل، تجده في كل جامعات العالم، لكن العلم بالله عز وجل هذا يحتاج للتفكر في خلق السماوات والأرض، قال تعالى:

﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾

(سورة آل عمران: 190-191)


الآية التي تبين عظمة انجذاب الأرض إلى الشمس قوله تعالى:

﴿ اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ﴾

(سورة الرعد)

أي بعمد لا ترونها، إنها قوى الجذب، والحقيقة قوى الجذب هي وزن الشيء في الأرض، الشيء في الأرض ينجذب لمركز الأرض وهذا وزنه، فإذا وصلنا إلى منطقة بين الأرض والقمر تنعدم فيها الجاذبية، فالإنسان لا وزن له إطلاقاً، فهذه آية دالة علة عظمة الله عز وجل .
قوله تعالى:

﴿ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾

جاء الفعل

﴿ وَيَتَفَكَّرُونَ ﴾

مضارعا، والفعل المضارع يفيد الاستمرار، ولعالم واحد أشد على الشيطان من ألف عابد،

﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ﴾

(سورة فاطر)

وكلمة

﴿ إِنَّمَا ﴾

تعني أن العلماء وحدهم، وليس أحد سواهم يخشى الله عز وجل،

﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ﴾

وأن الإنسان إذا قلد في أمر دينه تكون مقاومته هشة، وسريعاً ما يعصي الله، أدنى ضغط أو إغراء يخرجه عن طاعة الله، لذلك لعالم واحد أشد على الشيطان من ألف عابد، والله عز وجل يقول:

﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ﴾

(سورة الأنعام)

فأنت حينما تعرف من هو الله تعد للمليار قبل أن تعصيه، لا تنظر لصغر الذنب، ولكن انظر على من اجترأت !
ويوجد مشكلة في العالم الإسلامي، لماذا المسلمون لا يطبقون منهج الله تطبيقاً كاملاً ؟ لضعف معرفتهم به، والنبي عليه الصلاة والسلام بقي في مكة المكرمة ثلاثة عشرة عاماً يعرّف أصحابه بالله عز وجل، أما في المدينة فعرفهم بشرع الله، أنت بالكون تعرفه، وبالشرع تعبده .
المذيع:
سؤال يعود للأصول العلمية: كما أسمع أن الشمس تفقد من خلال استمرارها شيئاً منها، إذا كانت كتلتها هي التي تجذب الأرض، وهذه الكتلة تتناقص، فبالتالي تختلف الجاذبية، هل تزيد في مقابل هذا السرعة حتى يحدث التوازن ؟ أم أن في الأمر سراً يسير إلى انقضاء الأرض ومن عليها، وما عليها ؟
الأستاذ:
قال تعالى:

﴿ وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ ﴾

(سورة الذاريات: 47)

كما أنها تنقص من جهة تزيد من جهة ثانية، والله أعلم، لكن الشيء الذي يلفت النظر أن الله سبحانه وتعالى جعل هذه الآيات من أجل اسمين من أسمائه الحسنى

﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا ﴾

(سورة الطلاق: 12)

لماذا اختار من أسمائه اسم العليم والقدر ؟ لو أن إنسانًا ركب مركبة، وكانت الإشارة حمراء لماذا لا يخترقها ؟ يوجد شرطي واقف، هذا يمثل نظام السير، وهذا عين وزير الداخلية على تنفيذ هذا النظام، فعلم وزير الداخلية الذي وضع نظام السير يطول المواطن من خلال هذا الشرطي، إذاً لا يخالف، لكن متى يخالف ؟ بوضع غير منضبط في الساعة الثانية ليلاً، لأن عين واضع النظام لا يعمل في هذا الوقت، فالإنسان إذا علم يقيناً أن علم الله يطوله، وأن قدرته تطوله فلا بد من أن يستقيم على أمره، إذا كان موقناً أن علم الله وقدرته تطوله،

﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ ﴾

(سورة إبراهيم: 42)

﴿ لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ﴾

(سورة آل عمران: 196 -197)

المؤمن يرى أنه في قبضة الله دائماً .
وآخر نقطة:

﴿ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ﴾

(سورة الأعراف: 183)

الإنسان في أية لحظة يغدو في قبضة الله عز وجل !
المذيع:
في ختام هذا اللقاء كل الشكر لسماحة الشيخ الدكتور محمد راتب النابلسي، أستاذ في كلية التربية جامعة دمشق، وخطيب جامع الشيخ عبد الغني النابلسي، وموعدنا معكم بإذن الله في مثل هذا الوقت من الأسبوع القادم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018