الفقه الحضاري - الندوة : 07 - الهجرة 3 الهجرة عمل وحركة وموقف . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠30برنامج الفقه الحضاري - قناة سوريا الفضائية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الفقه الحضاري - الندوة : 07 - الهجرة 3 الهجرة عمل وحركة وموقف .


2003-05-01

مقدمة :

المذيع:
 أيها الأخوة المشاهدون؛ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أحييكم عبر القناة الفضائية السورية في هذا اللقاء الجديد من برنامج : الفقه الحضاري في الإسلام، ويسرنا أن نلتقي اليوم مع سماحة الشيخ الدكتور محمد راتب النابلسي، الأستاذ المحاضر في كلية التربية بدمشق، أهلاً وسهلاً بكم سيدي.
 كما قلت في مرات سابقة: الهجرة كحادثة انتهى زمانها، والحديث عن أحداثها أيضاً كثر وكثر، وإن ما فيها من عبر ودروس لا ينتهي على مدار العام كله، ومما تحدثتم به ووضحتم إياه أن الأرض واسعة لمن أراد هدفاً سامياً، أن يهاجر إلى الزمان والمكان المناسبين، ليكون في الطريق الموصلة لهدفه السليم، فليس كل هدف سليماً، وليس كل مكان يناسب الهدف، وليس كل ما يطلبه الإنسان آن أوانه، وما إلى ذلك من أشياء يمكن أن تكون في ممر الإنسان وخطواته التي يريد أن يصل بعدها لغايته، الأشياء في هذا كثيرة، والدروس أيضاً كثيرة، نتابع معكم إن شاء الله.

 

الموازنة بين الدنيا و الآخرة :

الدكتور راتب:
 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
 درس آخر من دروس الهجرة، مستحيل وألف ألف مستحيل أن تطيعه وتخسر ومستحيل وألف ألف مستحيل أن تعصيه وترضى، ومستحيل أيضاً أن تؤثر رضاه وتخسر، أو تؤثر مصلحتك على حساب طاعتك وتربح، فهذا الذي كان له دخل كبير، وهو في مكان جميل، وراحة مادية تامة، لكنه خشي على دينه ودين أولاده وزوجته فعاد إلى وطنه الذي بإمكانه أن يقيم فيه أمر الله، وهو أقرب إلى الله في بلده من هذا البلد، هو هاجر في سبيل الله، وضع تحت قدمه مغانم كثيرة، ودخلاً كبيراً، وحياة ناعمة فارهة، وعاد إلى بلد نامٍ فيه مشكلات لا تعد ولا تحصى، لكنه آثر أن ينتمي إلى أمته، وأن يكون لبنة في بناء وطنه، وأن يسهم في إصلاح أولاده وتهيئتهم لمعرفة الله عز وجل، هو آثر الآخرة على الدنيا، وأنا أقول دائماً: إياك أن توازن بين بلد غني جداً عريق في الحضارة المادية، وبين بلد نامٍ ينشأ الآن، وازن بين الدنيا والآخرة، ولا توازن بين البلدين، فرق كبير جداً، فهذا الذي يهاجر في سبيل الله طبعاً أقول: في سبيل الله، لأن هناك هجرة في سبيل الشيطان، يهاجر ليقترف الحرام، ويجمع المال الحرام، وليعطي نفسه شهواتها، وليتفلت من الرقباء، ويفعل كل المعاصي والآثام، هذه هجرة في سبيل الشيطان، وليكون عوناً للعدو على المسلمين، وليكون في خدمة أعداء الله، ولينصرف عن أمته، هذه هجرة في سبيل الشيطان، والعياذ بالله، أقول عن هجرة في سبيل الله، ووضع مغانمه تحت قدمه، وآثر طاعة الله عز وجل.

قانون العناية الإلهية :

 الآن حقيقة دقيقة وخطيرة – هناك قوانين مستنبطة من حركة الحياة – الإنسان في الحياة يتحرك وفق قوانين، إذا كنت في بلد غني مستقر من مئات السنين سوف تجد عملاً له دخل كبير، وتسكن أجمل بيت، وتقتني أجمل سيارة، وتعيش حياة فارهة تفوق حدّ الخيال، هذا قانون، أما إذا جئت إلى بلد نامٍ تكتشف صعوبات في الحياة، قد تجد صعوبة في شراء البيت، وفي تحقيق مصالحك الدنيوية، هناك قوانين مستنبطة من حركة الحياة، فالإنسان حينما يهاجر في سبيل الله، ولا يعبأ بالمغانم المادية، ويحرص على سلامة دينه ومستقبله الأخروي مبدئياً سوف يدفع الثمن باهظاً، أكبر دليل على هذا من كتاب الله:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا ﴾

[سورة التوبة: 28]

 منعوا، والسياحة لها دخل كبير، قال تعالى:

﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ ﴾

[سورة التوبة: 28]

 ربما ذقتم العيلة – الفقر- لتوقف هذا الدخل:

﴿ فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ﴾

[سورة التوبة: 28]

 الإنسان يتخذ قراراً بطولياً، إلى أمد قصير يدفع الثمن باهظاً، ويكون هذا الثمن ثمناً بطولياً، ومتناسباً مع عطاء الله له.
 مثل بسيط: لو أن مطعماً يقترف المحرم في بيعه ما يشتهيه رواد المطعم، ثم تاب إلى الله، ومنع هذا الشيء الذي حرمه الله عز وجل، لا شك أن غلته ستهبط كثيراً، والله عز وجل قادر على أن يضاعف له الغلة، ولكن حينما قلّت ليعطيه الله قيمة هذا القرار البطولي إلى حين طبعاً، بعد حين يعوض عليه، فالإنسان حينما يأخذ قراراً بطولياً يؤثر طاعة الله على مصالحه، يؤثر الجنة على الدنيا، هذا عمل بطولي، ربما دفع ثمنه المؤلم في الدنيا، لكن بعد حين يخضعه الله لقانون آخر لا يعرفه الناس، إنه قانون العناية الإلهية، لذلك قال تعالى:

﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً ﴾

[سورة النساء: 100]

 ومن أروع ما قرأته حول كلمة مراغماً أن الله يوفقه، ويهبط عليه من خيره وبركته ما يغيظ به أعداؤه.
المذيع:
 يا سيدي، هذه الناحية بالذات لا أريد أن أسمي أسماء، لكنني أعرف إنساناً كان له مطعم في دولة أجنبية، وكان في المطعم كما أشرت المشروبات الروحية، من أجل أن يترك هذا الأمر أراد أن يبيع المطعم، فعلاً باعه، والغرابة في الأمر أن وقتها عندما أراد بيعه لم يأته الثمن المطلوب، لأن المكان بعيد،  والإنسان هنا في دمشق، جاءه هاتف من ذاك البلد، فلان يطلب أن يشتري مطعمك بسعر كذا وكان، أكثر مما طلبه، وفعلاً باعه، وربح، وكانت غايته الله، يقول هذا الإنسان: ومن ذلك الوقت فُتِح عليّ باب عريض كبير من نِعم الله تعالى، وأنا أشكره باستمرار على هذه النعمة.

 

ما ترك عبد شيئاً لله إلا عوضه الله خيراً منه في دينه ودنياه :

الدكتور راتب:
 يروي التاريخ أن رجلاً اسمه عقبة بن عامر كان من الأعراب، له غنيمات يعتني بها في البادية، فسمع بقدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم للمدينة، فعرض أصحاب عقبة عليه أن يبايعوا النبي، فأتى النبي فقال له: من أنت؟ قال: أنا عقبة، قال: أتريد بيعة مدنية أم بيعة بادية ؟ قال: بل بيعة هجرة، فبايعه النبي صلى الله عليه وسلم، وعاد إلى باديته، واتفقوا أن يرسل كل يوم واحداً منهم ليستمع لتوجيهات النبي صلى الله عليه وسلم، ويعود إليهم، وكان شديد الحرص على غنيماته، حرصاً لا حدود له، فكان يقول: اذهبوا أنتم، وأنا أستمع منكم مساء، وفي ساعة صفاء ومحاورة مع الذّات، وساعة محاسبة لنفسه قال: يا عقبة، أيليق بك أن تبقى في البادية ويذهب أصحابك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ اذهب، والزمهم، فترك غنيماته، وضحى بهم، وهم ثروته الوحيدة، وصحب النبي عليه الصلاة والسلام، ولم يكن يدري أنه حينما آثر صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم على غنيماته سيغدو أكبر عالم بين الصحابة في المستقبل، وأكبر قارئ من قراء القرآن، وسيغدو أكبر قائد فذّ من قوات المسلمين، هو الذي فتح دمشق ومصر فيما يرويه التاريخ، وساهم بفتح جزيرة هودو، صار عالماً وقارئاً وقائداً وفاتحاً، وعيّنه الفاروق على الشام.
 هو هاجر من البادية للمدينة، وضحى بغنيماته:

﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً ﴾

[ سورة النساء: 100 ]

 لكن ليس مباشرة، أنا حينما يقول لي أحدهم: سأترك بلاد الغرب، وأعود إلى بلدي كي أعود لأمتي، أقول له: وطن نفسك على أن هناك متاعب كثيرة، هذه ثمن هذا القرار البطولي، لكن بعد حين توفق:

﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ﴾

[سورة التوبة: 28]

 أقول: مستحيل وألف ألف مستحيل أن تطيعه وتخسر، وتعصيه وتربح، وما ترك عبد شيئاً لله إلا عوضه الله خيراً منه في دينه ودنياه.

 

بطولة المؤمن أنه آمن بالغيب :

 الإنسان دائماً لو أن المكاسب الأخروية محسوسة لا يوجد جنة، ما الذي يحصل؟ الدنيا محسوسة بمركباتها ونسائها وقصورها ومطاعمها ومتنزهاتها ومالها، الدنيا محسوسة، والآخرة خبر في القرآن:

﴿ وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى ﴾

[سورة الضحى: 4]

 لذلك بطولة المؤمن أنه آمن بالغيب، لذلك ربنا عز وجل في أول سور القرآن بعد الفاتحة يقول:

﴿ الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ﴾

[سورة البقرة:1-3]

 آمن بالله ولم يره، آمن بالآخرة، بل إن الإنسان في حلقات سابقة كما تحدثت أنه عجول، فإذا اختار الهدف البعيد يرقى مع الله، الناس يتعايشون مع واقعهم فقط.
 أضرب مثلاً بسيطًا أرجو أن يكون واضحاً: في موسم الأمطار والثلوج، والذي أكرمنا الله به، والذي فاقت نسبة الأمطار ضعف التقديرات السنوية، لو أن الطريق إلى حمص كان مقطوعًا، وإدارة المرور جزاها الله خيراً وضعت لافتة في أن الطريق لحمص غير سالك بسبب تراكم الثلوج، فإذا قدت المركبة إلى حمص، ورأيت هذه اللوحة ماذا تفعل؟ ترجع، هذا بيان.
 لو أن دابة تمشي على هذا الطريق أين تقف؟ تقف في مدينة النبك، يحكمها الواقع لا البيان، وكلما ارتقى الإنسان يحكمه البيان، وكلما هبط يحكمه الواقع.

 

خيارنا مع الدين خيار وقت لا خيار قبول أو رفض :

 لذلك خيارنا مع الإيمان خيار وسط، بدليل أن أكفر كفار الأرض فرعون الذي قال:

﴿ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى ﴾

[سورة النازعات:24]

 و:

﴿ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي ﴾

[سورة القصص:38]

 والذي فعل ما فعل لما أدركه الغرق قال:

﴿ آمَنْتُ بِالَّذِي آمَنْتُ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ ﴾

[سورة يونس:90]

 آمن، أنا أقول: كل كفار الأرض الملحدون عند الموت يقرون بفحوى بعثة الأنبياء، لكنهم أقروا بعد فوات الأوان.
 لذلك أنت في الحياة الدنيا مخير بملايين الموضوعات خيار قبول أو رفض، قد يعرض عليك سفرٌ فترفضه لقلة جدواه، قد تعرض عليك فتاة لتخطبها فترفضها، لأسباب كثيرة، قد يعرض عليك بيت فترفضه لضيق مساحته، ولاتجاهه نحو الشمال فرضاً، أما حينما يعرض عليك الدين فترفضه، هذا خيار وقت، لا بد من أن تقبله عند الموت، فالبطولة أن نؤمن بالدين قبل فوات الأوان، خيارنا مع الدين خيار وقت لا خيار قبول أو رفض، هذه قضية خطيرة جداً.
 فنحن حينما نأخذ قراراً بطاعة الله هذا قرار بطولي ومصيري، وحينما نرفض الدين نحن نرفض أشياء كثيرة احتقاراً لها، إذا رفضنا الدين نحتقر أنفسنا، لأن الله عز وجل يقول:

﴿ وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾

[سورة البقرة: 130]

 النقطة الدقيقة أيضاً هي أن الإنسان حينما يؤمن بالغيب، يؤمن بوعد الله ووعيده، لو أن الله سبحانه وتعالى افتراضاً عاقب كل عاصٍ مباشرة لألغي كل الاختيار، لو أنه كافأ كل محسن مباشرة لألغي الاختيار، لابد من أن تفعل ما تريد لأمد طويل، ولا شيء يتغير في حياتك.
المذيع:
 المثال الذي ذكرته يؤكد هذه الناحية، عندما يقرأ المسافر لوحة كتب عليها: الطريق مقطوع في المكان الفلاني يعود، هذه العودة تراجع عملي، وهي عما لا يرغبه، لكنه سلم من أن يقع في المحظور عندما يقع به الواقع.

 

الأماني بضائع الموتى :

الدكتور راتب:
 أسوق هذا الكلام لبعض المدخنين، حينما يصاب المريض بسرطان الرئة يقلع عن التدخين، أو حينما يصاب بجلطة أو أزمة قلبية يقلع فوراً، ما الذي حكمه؟ الواقع، هو هبط عن مستوى إنسانيته، لو أنه أعمل عقله لحكمه البيان، لو قرأ كتاباً عن مضار التدخين لأقلع عن التدخين قبل أن يصاب بالسرطان، ومشكلة المسلمين اليوم أن الواقع يعميهم، يعيشون وقتهم، ولا يعيشون مستقبلهم، الحقيقة أن الإنسان إذا تغنى بماضيه فقط فهو أغبى الأغبياء، وإذا عاش وقته فهو يقوم بردود فعل باستمرار، حياته ردود فعل، أما إذا عاش المستقبل فيكون عاقلاً.
 قرأت مرة قصة في بعض كتب الأدب، أن صياداً مرّ بغدير فيه سمكات ثلاث، كيسة، وأكيس منها، وعاجزة، فتواعد الصيادان أن يرجعا للغدير ومعهما شباكهما ليصيدا ما فيه من السمك- والقصة رمزية- فسمعت السمكات قولهم، أما أكيسهن فإنها ارتابت وتخوفت، وقالت: العاقل يحتاط للأمور قبل وقوعها، فلم تعرج على شيء حتى خرجت من المكان الذي يدخل منه الماء إلى الغدير فنجت، العاقل يحتاط للأمر قبل وقوعه، أما العاجزة فبقيت في مكانها، أهملت، وسوفت، وتراخت، ولم تستجب مباشرة، فبقيت في مكانها حتى عاد الصيادان فذهبت لتخرج من حيث خرجت رفيقتها، فإذا بالمكان قد سدّ فقالت: فرطت، وهذه عاقبة التفريط، وأما العاقلة فالعاقل لا يقنط من منافع الرأي، لم تستسلم:

((إن الله يلوم على العجز، ولكن عليك بالكيس ))

[أبو داود عن عوف بن مالك رضي اللّه عنه ]

 ثم إنها تماوتت، فطفت على وجه الماء منقلبة تارة على بطنها وتارة على ظهرها، فأخذها الصياد، ووضعها على الأرض بين النهر والغدير، فوثبت بالنهر فنجت، وأما العاجزة فلم تزل في إقبال وإدبار حتى صيدت.
 عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال:

(( الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ، وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا، وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ))

[ الترمذي عن شداد بن أوس]

 وقد قال بعض العلماء: الأماني بضائع الحمقى، هذا الذي يتمنى ولا يفعل شيئاً هو أحمق، فلذلك ما إن تستقر حقيقة الإيمان في نفس المؤمن حتى تعبر بذاتها بحركة نحو الخلق.

 

الهجرة عمل وحركة وموقف :

 بمناسبة الهجرة، الهجرة عمل وحركة وموقف، نحن لا يوجد عندنا إيمان سكوني، إعجاب سلبي، استماع لمحاضرات، إعجاب بالمتكلمين فقط، خلفية إسلامية، أرضية إسلامية، نزعة إسلامية، عاطفة إسلامية، لا يوجد إسلام بلا تطبيق، فحينما ألغينا التطبيق ألغينا هذا الدين، بقي الدين ثقافة وفلكلورا وعادات وتقاليد، فنحن نحتاج إلى حركة، يوجد آية دقيقة وخطيرة جداً:

﴿ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا ﴾

[سورة الأنفال:72]

 إن لم تتحرك، وتقف موقفاً عملياً، وتعطي لله، وتمنع لله، وترضى لله، وتغضب لله، إن لم تصل لله، وتقطع لله فلست مؤمناً، لا يوجد إسلام سلبي سكوني متقوقع، إٍلام ينظر ويراقب ولا يفعل شيئاً؟ هذا ليس إسلاماً:

﴿وَالَّذِينَ ءَامَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾

[سورة الأنفال:72]

 حتى يأخذ موقفاً، لكن عظمة الإسلام أن هذه الهجرة، وهي أخطر أحداث البعثة المحمدية، وسّع النبي صلى الله عليه وسلم مفهومها إلى درجة أن الذي يطيع الله ورسوله، ويهجر ما نهى الله عنه يعد مهاجرًا.

في زمن الفتنة القابض على دينه كالقابض على الجمر :

 لذلك كما تفضلت في بداية الحلقة:

(( المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمؤمن من أمنه الناس على أموالهم، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه))

[ أحمد عن عبد الله بن عمرو]

 حينما أدع المنكرات والمعاصي والآثام أدع ما حرم الله، فأنا عند الله مهاجر، وهذا مفهوم واسع للهجرة، وكل إنسان وهو في بيته من دون أن يترك بيته وعمله حينما يأتمر بما أمر الله، وينتهي عما نهى عنه الله فهو مهاجر.
 في آخر الزمان تكون الفتن كقطع الليل المظلم، حينما يفيض اللئام فيضاً، ويغيض الكرام غيضاً، حينما يكون الولد غيظاً، والمطر قيظاً، حينما يضام الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر، حينما يبيع الإنسان دينه بعرض من الدنيا قليل، حينما يصبح مؤمناً ويمسي كافراً، حينما يمسي كافراً ويصبح مؤمناً، يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل، في آخر الزمان عبادة الله في الهرج في زمن الفتن والمعاصي والشهوات المستعرة، يقول الله عز وجل في الحديث القدسي الصحيح، عَنِ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( الْعِبَادَةُ فِي الْهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ ))

[ مسلم عن معقل بن يسار]

 فهذا الذي يعيش في زمن الفتنة القابض على دينه كالقابض على الجمر، وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ الصَّابِرُ فِيهِمْ عَلَى دِينِهِ كَالْقَابِضِ عَلَى الْجَمْرِ ))

[الترمذي عن أنس بن مالك]

 ورد في بعض الأحاديث أن النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

(( اشتقت لأحبابي فقال أصحابه: أو لسنا أحبابك؟ قال: لا، أنتم أصحابي، أحبابي أناس يأتون في آخر الزمان القابض منهم على دينه كالقابض منهم على الجمر، أجرهم كأجر سبعين، فقالوا: منا أم منهم؟ فقال: بل منكم، قالوا: ولم؟ قال: لأنكم تجدون على الخير معواناً ولا يجدون))

[ الترمذي عن أنس]

 يقول عليه الصلاة والسلام:

(( كيف بكم إذا لم تأمروا بالمعروف، ولم تنهوا عن المنكر؟ فقالوا: يا رسول الله أو كائن هذا؟ قال: وأشد منه سيكون! قالوا: وما أشد منه؟ قال: كيف بكم إذا أمرتم بالمنكر، ونهيتم عن المعروف؟ قالوا: أو كائن هذا؟ قال: وأشد منه سيكون! قالوا: وما أشد منه؟ قال: كيف بكم إذا أصبح المعروف منكرا، والمنكر معروفًا؟ ))

[ ابن أبي الدنيا وأبو يعلى الموصلي في مسنده عن أبي أمامة]

 يقال: حرب تنموية أخلاقية.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018