الدرس : 1 - سورة الحديد - تفسير الآية 7 ، استخلاف الإنسان في الأرض. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 1 - سورة الحديد - تفسير الآية 7 ، استخلاف الإنسان في الأرض.


1997-08-10

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين:
أيها الأخوة الكرام:
الآية السابعة من سورة الحديد، وهي قوله تعالى:

﴿ آَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ (7)﴾

 دلو وقفنا عند كلمة، مستخلفين فيه،

 

﴿وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه ﴾

 المال مثلاً أنت مستخلف فيه، أنت أمينٌ عليه، ليس ملكك بالمعنى الضيق، يدك عليه، يد الأمانة، عليك أن تنفقه وفق منهج الله.
سُئل أعرابي معه قطيع من الإبل، لمن هذه الإبل ؟ أجاب أبلغ إجابة باللغة قال لله في يدي، لله في يدي، يعني هي لله، لكن تحت تصرفي،

 

 

﴿ وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه ﴾

 مطلقة، المال أنت فيه مستخلف، الصحة أنت فيها مستخلف، ينبغي أن تنفق هذه الصحة في الهدف الذي خلقت من أجله، لك شئن في المجتمع، هذا حظ من حظوظ الدنيا، أنت مستخلف فيه، لهذا الشأن والحظ ينبغي أن تعين الضعيف، وأن تدافع عن المظلوم، أعطاك علماً، هذا العلم مستخلف فيه الأصل أن الله عز وجل يقول:

 

 

﴿ إني جاعل في الأرض خليفة ﴾

 

( سورة البقرة: 30 )

 فالإنسان خليفة الله في الأرض، أعطاه المال وجعل يده عليه، يد الأمانة، فهذا المال ليس لك، والأصل ما لك، ليس لك يعني، مالي، ليس لي، يعني: ماله ليس له، مالك ليس لك، ليس لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فألبيت، أو تصدقت فأبقيت.
يا رسول الله... كان يوزع شاةً، لم يبقى إلا كتفها، فقال عليه الصلاة والسلام: بل بقيت كلها، إلا كتفها، الذي تصدقت به هو الذي بقي، والذي استهلكته هو الذي ضاع منك.
 فيا أيها الأخوة: كلمة مستخلفين، يلي عنده مركبة، أنت مستخلف بها، إما أن توظفها في الحق، أن تلبي بها حاجة المستغيث أن تستخدمها في الحق، أو تحاسب على ذلك، عندك بيت هذا البيت يجب أن تجمع به الناس لتعرفهم بالله عز وجل، لا للعب النرد، لا لسهرة مختلطة، لا لحفلات لا ترضي الله عز وجل، لا لحديث فيه معصية لله، البيت أنت مستخلف فيه، والمركبة أنت مستخلف فيها ومركزك التجاري مستخلف فيه، وعلمك مستخلف فيه، طلاقة لسانك مستخلف فيها، ومالك مستخلف فيه، وصحتك مستخلف فيها، وجاهك مستخلف فيه.
 كل حظوظ الدنيا أعطيتها كي توظفها في الحق، ليست نعمةً وليست نقمةً، لكنها موقوفة على نوع استعمالها، المال نعمة ؟ لا أعرف، إن أنفقته في المعاصي فهو نقمة، إن أنفقته في الطاعات فهو نعمة، أبواب الخير لا يعلمها إلا الله، كلها مفتحة، الذي يملك المال ينفق المال، الذي يملك العلم، ينفق العلم، الذي يملك الجاه ينفق الجاه الذي يملك الخبرة، ينفق الخبرة.
 أروع ما في الموضوع أن بعض العلماء قال: هناك عبادة مقيدة، وهناك عبادة مطلقة، فربنا عز وجل أقام كل إنسان بخصائص يتميز بها، أقام الغني بالمال، عبادته أنفاق المال، أقام العالم بالعلم عبادته أنفاق العلم، أقام الإمام بالعدل، عبادته تحقيق العدل، أقام الخطيب بطلاقه لسانه، عبادته أن يطلق لسانه بذكر الله، كل إنسان له خاصة، هي بحسب الشخص، وأما بحسب الحال، عندك ضيف عبادتك إكرام الضيف، عندك أخ مريض، عبادتك مداواة هذا المريض، عندك ابن يحتاج إلى راعية بالغة، عبادتك رعاية هذا الابن عندك زوجة تحتاج إلى توجيه، عبادتك توجيه هذه الزوجة، فالعبادة متعلقة بالعابد، ومتعلقة بالظرف، لكل ظرف عبادته، داهم عدو شرس لئيم، العبادة أن نقاومه جميعاً، فرض عين على كل إنسان فالإنسان أو البيئة، أو الحال، لكل حال عبادته ولكل إنسان عبادته وأنت مستخلف في.
 إنسان الله أعطاه صوت حسن، بإمكانه أن يقرأ القرآن وبإمكانه أن يغني، أنفق هذا الصوت بما جعلك مستخلف فيه، قراء القرآن الذين ماتوا، أصواتهم الشجية، تصدح في كل مكان إلى آخر الزمان، والمغنون الذين أتوا موهبةً بالغناء أصواتهم المتكسرة ومعانيهم الساقطة، يأثمون عليها بعد موتهم إلى يوم القيامة.
 كل شيء بحسابه، الكلمة الدقيقة، أنت مستخلف، يدك على هذا الشيء، يد الأمانة، لا تقل هذا لي، قل هذا لله في يدي، مادام لله في يدك، ينبغي أن تنفقه وفق منهج الله، هذا معنى قول الله عز وجل، في الآية السابعة، من سورة الحديد:

 

﴿ آمنوا بالله ورسوله وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه فالذين آمنوا منكم وأنفقوا لهم أجر كبير ﴾

 من يقول كبير ؟ الكبير، أوضح معنى، لو أمامك طفل صغير قال لك أنا معي مبلغ كبير، كم تقدر هذا المبلغ ؟ طفل عمره أربع سنوات، قال لك أنا معي مبلغ كبير تقدره بخمس وعشرين ليرة، مائة ليرة، خمسمائة، أما إذا قال لك أكبر غني بالعالم أنا معي مبلغ كبير تقدره ثلاثين مليون دولار، المبلغ يقدر بقدر القائل، في رجل بأمريكة يملك ثلاثين مليار دولار، يلي اخترع برامج الكمبيوتر.
طيب شوف، قال:

 

 

﴿ فالذين آمنوا منكم وأنفقوا لهم أجر كبير﴾

من قال هذه الكلمة ؟ الكبير، الكبير قال لكم أجر كبير .
لذلك الإنسان قد يطعم لقمة في سبيل الله، يراها يوم القيامة كجبل أحد، كجبل أحد.
 يعني العقل كل العقل، والذكاء كل الذكاء، والتفوق، كل التفوق، والفلاح كل الفلاح، والتوفيق كل التوفيق، أن تنفق مما رزقك الله.
ممكن تقسم الناس إلى قسمين... قسم يأخذ.. وقسم يعطي الذي يأخذ من أهل الدنيا، بجمع بجمع، بجمع، بجمع، صار عنده حب الجمع،

 

 

﴿ كلا إنها لظى، نزاعة للشوى تدعوا من أدبر وتولى وجمع فأوعى ﴾

 

( سورة المعراج: من 15 ـ إلى 18 )

﴿ ورحمة خير مما يجمعون ﴾

( سورة آل عمران: 157 )

 بعد ما يجمع، يعيش فقير ليموت غنياً، تسأل ابنه إلى أين أنت ذاهب يا فلان ؟ قال لأشرب الخمر على روح أبي، ترك هذا المال بين أيدي شباب جهلاء، أشقياء، فكان جمعه أثماً في جمعه وأثماً في إنفاقه، وأندم الناس غني دخل بماله النار.
لذلك:

 

﴿ فالذين آمنوا منكم وأنفقوا لهم أجر كبير ﴾

 فالعقل بالإنفاق، أقول لك مطلق الإنفاق، أنفق مما أعطاك الله، مالذي أعطاك الله ؟ إنسان طبيب الله أعطاه علم، معه دكتوراه بالطب متفوق، إذا عالج المرضى الفقراء، هذا أنفق من علمه، إنسان محامي، قد تجد إنسان مظلوم، مسحوق، لا يملك ثمن التوكيل دافع عنه، هذا إنفاق من علمك، إنسان عنده مخبر قد يأتي إنسان مضطر لتحليل ما معه، فكل إنسان بحسب اختصاصه، يعني أنا أشاهد أحياناً مشاهدات رائعة كل إنسان بقدم اختصاصه في سبيل الله، يعني في عنا معهد متواضع، طبيب أصر إلا أن يأتي كل يوم يداوم ساعة بالمعهد يفحص الطلاب لوجه الله، أكبرته جداً، ما أحد كلفه، تبرع من عنده يأتي كل يوم، يجلس معهم ساعة، يعالجهم كل يوم شعبة، هذا أنفق مما أعطاه الله عز وجل، في إنسان ماله اختصاص الآن في إنسان ما عنده حرفة، في إنسان ماله ميزة بالحياة، هذه الميزة أنفقها في سبيل الله، هل تصدق أنك إذا أنفقت مما أعطاك الله، تقرض الله قرضاً حسناً ليضاعفه لك أضعافاً كثيرة،

 

 

﴿ من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة والله يقبض ويبسط وإليه ترجعون ﴾

 

( سورة البقرة: 245 )

 والله أحد أخوانا الأطباء الجراحين قال لي أي إنسان فقير، أنا أعمل له عملية مجاناً، بعثت له أول واحد، ممتاز، ثاني واحد، ثالث واحد، اتفقنا، قال لي فقير خبرني، اعمل لي توقيع معين، هذا أنفق، طبيب جراح، درس في بريطانيا له مكانة كبيرة، قال لي أنا بدي أنفق من علمي في سبيل الله، في أعمال صالحة كبيرة جداً، ما بيحضرني التفاصيل، بس في أعمال كبيرة جداً، كل إنسان بحسب ما الله أقامه، بتحس أنه الإنسان بلا عمل صالح تافه، حقير، مادي شهواني، يأتي ملك الموت فيسحقه، لا تشوف واحد صحته طيبة الآن لما بقرب من مغادرة الدنيا.
 والله اليوم في لي مبلغ بسيط مع محاسب، ذهبت لأقبضه لقيت طاولته فارغة، العادة كلها أوراق، وين أخونا ؟ قال والله مات هيك بهذه البساطة، قال له صار له جمعتين ميت، ما في شي والله الطاولة فارغة كلها هذا الحدث سهل الموت ؟ سهل ؟ لوين راح مغادرة بلا عودة، بلا عودة، استغربت ما في شي، الطاولة كلها فارغة، العادة أضابير، وأوراق، ما في شي وينه قلت لهم ؟ قال لي مات، خلص انتهت، فلم وخلص، هكذا الدنيا منام، الناس نيام إذا ماتوا انتبهوا.
فيا أيها الأخوة:

 

﴿ آمنوا بالله ورسوله وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه فالذين آمنوا منكم وأنفقوا لهم أجر كبير ﴾

 

 بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، وأكرمن ولا تهنا وآثرنا ولا تؤثر علينا، وأرضنا وأرض عنا وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم..

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018