الفقه الحضاري - الندوة : 04 - المحبة . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠30برنامج الفقه الحضاري - قناة سوريا الفضائية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الفقه الحضاري - الندوة : 04 - المحبة .


2003-03-20

مقدمة :

الأستاذ عدنان:
 أيها الأخوة المشاهدون؛ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أحيّيكم عبر القناة الفضائية السورية في هذا اللقاء الجديد من برنامج: " الفقه الحضاري في الإسلام" ويسرنا أن نلتقي اليوم مع الدكتور محمد راتب النابلسي، الأستاذ المحاضر في كلية التربية بجامعة دمشق، أهلاً ومرحباً بكم.
الأستاذ راتب:
 أهلاً بكم أستاذ عدنان، جزاكم الله خيراً.
الأستاذ عدنان:
 دكتور، من طبيعة الإنسان أنه يميل إلى أشياء في حياته، وتحدثتم فيما مضى عن الطبع، وعن الصبغة، وعن الفطرة، ميزتم وبينتم الفوارق بين كل كلمة، وكيف يكون المؤمن في صبغة إيمانية رائعة، وهو سعيد بها، ويفلح أيضاً في الدار الآخرة نتيجة ذلك، بعد أن يكون قد قضى حياته سعيداً أيضاً.
 حبّ الإنسان لشيء ما، ميله لشيء ما، هذا شيء بطبيعة الإنسان، وهي من الأشياء التي خلق الإنسان عليها، لكن يمكن أن يوجه هذا الميل إلى أشياء سامية، أو إلى أشياء عادية، أو إلى أشياء متردية، وبمقدار ما يميل الإنسان في غايته إلى الأشياء التي يرغب بها تكون منزلته، على قدر أهل العزم تأتي العزائم، أنا إن أحببت شيئاً زهيداً مُنايا أن أصل إلى الشيء الزهيد، وإن أحببت شيئاً راقياً كنت في أعمالي ما يناسب هذا الرقي الذي أحلم به وأتمناه، وما في حياة الإنسان على الإطلاق مهما ارتفعت غايته فيما يتصل بالدنيا إلا من حطام الدنيا، إن علا أو هبط، أما الحب الإلهي فهو الذي يسمو فوق كل شيء، وبحب الإنسان ربه وخالقه ومولاه ترى في حياته الدنيا قد انفتحت له آفاق ما كانت تفتح له من قبل، وأحس بأشياء جديدة في تعامله مع الآخرين، أنا إن أحببت الله الحب الحقيقي رأيتني في ميدان تعاملي مع الآخرين رقيقاً، وديعاً، محباً للخير، فبحبي لله أحبّ مخلوقاته وأنفعهم، أما إن كانت محبتي للإنسان شخصياً لإنسان ما أي ليس لعموم الناس، فتنحصر محبتي بهذا الإنسان أو بالتعيين، وقد تكون على عداوة مع غير هذا الإنسان، وبالتالي تختلف أمور الحياة.
 إذا تحدثنا عن محبة الإنسان منها ما يتعلق بالدنيا وحطامها، ومنها ما يتعلق بالله تعالى.

 

تفوق الإنسان يكون بتلبية كلّ حاجات جوانبه تلبية كاملة :

الأستاذ راتب:
 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
 قبل أن أبدأ الحديث كتعقيب على كلامك اللطيف، قل لي من تحب أقل لك من أنت.
 الحقيقة أن في حياة الناس تطرفاً أو تفوقاً، أنا أرى أن التفوق يتأتى من أن تلبي كل حاجات الإنسان العقلية والنفسية والجسمية، بل إنني قرأت كتاباً أعجبتني به هذه الحقيقة، أن الإنسان فيه جوانب ثلاثة، علاقته بربه، وعلاقته بعمله، وعلاقته بجسمه، وأي خلل في أحد هذه الجوانب ينعكس على الجانبين الأخريين، فلذلك الإنسان عقل يدرك، وقلب يحب، وجسم يتحرك، فلا بد من غذاء لهذا الجسم، غذاء صحي، ولا بد من أن ينضبط هذا الجسم وفق قوانينه، ولا بد من غذاء للقلب، وهو الحب، وأنا أرى أن الذي لا يشعر بحاجة إلى أن يحِب، أو إلى أن يحَب ليس من بني البشر، ومن صفات الشاردين عن الله قسوة قلوبهم، وما نراه في العالم اليوم من أثر قسوة القلب، المعاني الإنسانية ضاعت، التراحم ضاع بين الخلق:

(( إن كنتم ترجون رحمتي فارحموا خَلقي ))

[الديلمي عن أبي بكر ]

 القوي يأكل الضعيف، والغني يبتلع الفقير، فلذلك الإنسان متى يتفوق؟ إذا لبى حاجة قلبه، فأحب الأشياء الكاملة، ولبى حاجة عقله، فغذاه بالحقائق، ولبى حاجة جسده، فغذاه بالطعام والشراب، هذا تفوق، أما لو نمّى عقله على حساب قلبه، قالوا عن أوربا: إن عقلها من ذهب، وقلبها من حديد قاس لا يرحم، الإنسان يتفوق إذا لبى كل حاجات جوانبه تلبية كاملة.
الأستاذ عدنان:
 دكتور، لا مانع هنا من هذه المقاطعة إن سمحت، قلبها من حديد، وعقلها من ذهب - طبعاً علاقته بالحديد القسوة فقط - قد يقول قائل، وكثيراً ما نسمع هذه الأقوال، ليست من عندي، ولست مقتنعاً بها، إنما أوردها من خلال ما أسمع: وما يضرنا في ذلك إذا كان العقل من ذهب والقلب من حديد طالما أن العقل فسح لي فسحة كبيرة في كيفية التعامل مع الحياة، ونجحت في كيفية التعامل فأخضعت ما في الحياة لما يناسب وجودي؟ استرحت وأرحت، وليكن قلبي من حديد.

 

خيار الإنسان مع الإيمان خيار وقت فقط :

الأستاذ راتب:
 جيد، الإجابة عن هذا السؤال لو أن الدنيا هي كل شيء، هذا أذكى إنسان، الذي يستخدم عقله ليحقق مصالحه على حساب الآخرين، الإنسان الذي يبني مجده على أنقاض الآخرين لأنه قوي، ولأن عقله من ذهب، ويبني أمنه على إخافة الآخرين، ويبني غناه على إفقار الآخرين، ويبني حياته على موت الآخرين، لأن عقله من ذهب، وقلبه من حديد، واستخدم عقله فأصبح قوياً، أملى إرادته على كل من حوله فعاش حياةً تفوق حدّ الخيال، هذا الكلام رائع، لو أن الدنيا كل شيء، لذلك هؤلاء الشاردون عن الله الذين كان عقلهم من ذهب وقلبهم من حديد حينما استغلوا علمهم لقوتهم، واستغلوا قوتهم لإخضاع الآخرين وإفقارهم، هؤلاء نجحوا في الدنيا أيما نجاح، ولكن لأن الله موجود، ولأن الله خلقنا لجنة عرضها السموات والأرض، هؤلاء حينما يغادرون الدنيا يشعرون بخسارة ما بعدها خسارة:

﴿ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾

[ سورة الزمر: 15 ]

 لو أن الواحد منا افتراضاً عاش رقماً العقل لا يصدقه، واحد في الأرض، وأصفار إلى الشمس، وكل ميلي صفر، والمسافة مئة و ستة و خمسون مليون كيلو متر، وخسر الآخرة خسر اللانهاية، خسر الأبد، ومعلوم في الرياضيات أن أكبر رقم يتصوره الإنسان إذا وضع صورة لكسر مخرجه اللانهاية فقيمته صفر، فلو أن الإنسان كسب الدنيا وخسر الآخرة هو أخسر كائن من كان، بدليل أن أكفر كفار الأرض فرعون الذي قال:

﴿ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى ﴾

[ سورة النازعات: 24]

 والذي قال:

﴿ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي ﴾

[ سورة القصص: 38 ]

 والذي فعل ما فعل، ذبح الأطفال، واستحيا النساء، واستعلى في الأرض، وطغى، وبغى، ونسي المبتدى والمنتهى، حينما أدركه الغرق قال:

﴿ حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ﴾

[ سورة يونس: 90 ]

 ما المعنى؟ المعنى أن الإنسان في مليون قضية مخير خيار قبول أو رفض، إلا مع الإيمان، اختياره اختيار وقت فقط، فإما أن يؤمن في الوقت المناسب فينتفع بإيمانه، وإما أن يؤمن بعد فوات الأوان فلا ينتفع بإيمانه:

﴿ يَومَ يَأتي بَعضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنفَعُ نَفسًا إيمانُها لَم تَكُن آمَنَت مِن قَبلُ أَو كَسَبَت في إيمانِها خَيرًا﴾

[سورة الأنعام: ١٥٨]

 هل يعقل لطالب دخل الامتحان، ولم يجب إطلاقاً، ونال الصفر، رجع إلى البيت، فتح الكتاب، وقرأ الإجابة، فقدم طلبًا لوزارة المعارف أنني أنا الآن جاهز للامتحان، هل يقبل منه ذلك؟ عرف الموضوع بعد فوات الأوان، فأنا مع الإيمان خياري خيار وقت، فهؤلاء الأقوياء الذي قلبهم من حديد، وعقلهم من ذهب، واستغلوا قوتهم لإخضاع الآخرين، وبنوا مجدهم على أنقاضهم، لو لم يكن إلا الدنيا فهم أذكياء جداً، أما لأن هناك آخرة فهم أغبياء جداً.
الأستاذ عدنان:
 بالإضافة إلى هذا دكتور هناك ثلاثة أمور أخرى. الأمر الأول: العقل من ذهب، والقلب من حـديد. الأمر الثاني: العقل من حديد، والقلب من حـديد. الأمر الثالث: وهو الذي يدعو إليه الإيمان والإسلام: القلب من ذهب، والعقل من ذهب.

 

المؤمن شخصية فذّة مقيد بمنهج عظيم :

الأستاذ راتب:
 طبعاً هذا الكمال الرائع، الحقيقة الله عز وجل قال:

﴿ تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ﴾

[ سورة الرحمن: 78]

 بقدر ما هو عظيم بقدر ما هو كامل، نحن في حياتنا قد نحب إنسانًا، ولا نحترمه، قد يكون قريبًا، بسيطًا، ساذجًا، غير مثقف، تفكيره سطحياً، تحليلاته مضحكة، لكن قدم لنا خيرًا، هناك قرابة و ود مثلاً، هذا نحبه، ولا نحترمه، وقد تحترم أستاذًا في الجامعة، لكنه قاسي القلب، قد تحترمه ولا تحبه مثلاً، البطولة أن تحب وتحترم في وقت واحد، المؤمن والله أعلم جمع من صفات العقل والتفوق العلمي، ومن صفات النبل والاستقامة والأخلاق، حيث إنك تحبه بقدر ما تجله، أو تجله بقدر ما تحبه، هذا هو المؤمن، المؤمن شخصية فذة، المؤمن درجة علمية، ما اتخذ الله ولياً جاهلاً لو اتخذه لعلمه، يكفي أنه عرف الحقيقة العظمى في الكون، الإيمان درجة أخلاقية، المؤمن مقيد بمنهج، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( الْإِيمَانُ قَيَّدَ الْفَتْكَ، لَا يَفْتِكُ مُؤْمِنٌ ))

[أبو داود وأحمد عن أبي هريرة]

 في الإيمان مستحيلات، أنا أكاد أقول هذه الكلمة واعذرني بها: فيما يبدو للناس أحد أسباب قوة مناورة الطرف الآخر أنه لا منهج يقيده، وأحد أسباب ما يقال أنه ضعف للمؤمن أن هناك منهجاً يقيده، ليس بإمكانه أن يكذب، ولا أن يحتال، ولا أن يفعل شيئًا يخالف منهج الله عز وجل، والدليل الفرنجة عندما فتحوا القدس قتلوا سبعين ألفًا في يومين، فلما فتحها صلاح الدين المقيد بالمنهج لم يؤذِ أحداً، فالإيمان شيء رائع جداً.
الأستاذ عدنان:
 لكن هنا دكتور اسمح لي أن أقول أيضاً هذه الناحية، ذكرت هذه الناحية، والتاريخ يذكر هذه الناحية، لكن يذكر إلى جانب هذا أن الفرنجة عندما جاؤوا إلى القدس مغتصبين، وقتلوا سبعين ألفاً، يروي أيضاً عنهم التاريخ أنهم قتلوا المسلمين على أنهم كفار، وقتلوا المسيحيين على أنهم في خندق وفي صف الكفار والمسلمين، حتى إنهم قتلوا كلاب أهل المنطقة، أهل البلد، وقططهم على أنها تابعة للكفار، أما ما يتصل بصلاح الدين، وكما ذكرتم فالتاريخ يذكر عن المرأة التي ماتت عند قبر صلاح الدين الأيوبي، عندما كانت هذه الأم مع زوجها الذي جاء لقتال المسلمين العرب والمسيحيين في أرض فلسطين، وكانت هذه المرأة قد فقدت ابنها، فجاءت مشتكية إلى صلاح الدين، فبقي واقفاً حتى أعاد لها ولدها.

 

الحبّ أساس هذا الدين ولا إيمان لمن لا محبة له :

الأستاذ راتب:
 بارك الله بكم، سنعود إلى موضوعنا، الإنسان عقل يدرك، يحتاج إلى غذاء، وهو العلم، وقلب يحب، يحتاج إلى غذاء، وهو أن يحب جهة، وذكرت قبل قليل أن الإنسان الذي لا يجد رغبة في أن يُحِب أو يُحَب ليس من بني البشر، فهذه الكلمة الكبيرة الكبيرة هي أصل من أصول الدين، أكاد أقول: لا إيمان لمن لا محبة له، أكاد أقول: إن الإسلام من دون حب جسد بلا روح، جثة، جيفة من دون روح، فهذا الذي أفقد في الدين المحبة، أفقد في الدين الإخاء، أفقد في الدين التعاون، هذا جعل الدين ثقافة ليس غير، جعله بالتعبير المعاصر فولكلوراً، جعله عادات وتقاليد، الدين حب، بل إن الله سبحانه وتعالى كان من الممكن أن يجعل الناس جميعاً مؤمنين قسراً، لكن هذا الإيمان القسري لا قيمة له إطلاقاً، ولا يسعد صاحبه، أراد الله سبحانه وتعالى أن نأتيه طائعين، وأن نأتيه باختيارنا، أرادنا الله سبحانه وتعالى أن نأتيه بمبادرة منا، فالاختيار الذي منح للإنسان يقيّم عمله، فالحب أساس هذا الدين، ولا إيمان لمن لا محبة له، لأنه فقد جانباً من الدين، فالله عز وجل يقول:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ﴾

[ سورة المائدة: 54]

 هؤلاء الذين يحبون الله لا يمكن أن يرتدوا عن دينه، لأنه تعلق بالله تعلقاً لا فكاك منه، فالإيمان فيه ثبات.

 

الله عز وجل لا يقبل دعوى حبه إلا بالدليل :

 شيء آخر، هناك من ادعى أنهم أحباب الله، وقالوا:

﴿ وَقَالَتْ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ ﴾

[سورة المائدة: 18 ]

 لا فضل لكم إطلاقاً، وأن المسلمين على مخالفاتهم لمنهج ربهم، وعلى معاصيهم، وعلى أن أمر الله هين عندهم فهانوا على الله، لو أن هؤلاء المسلمين ادعوا أنهم أتباع سيدنا رسول الله، وهو على العين والرأس، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

((أَنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ، فَمَنْ وَرَدَهُ شَرِبَ مِنْهُ، وَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ لَمْ يَظْمَأْ بَعْدَهُ أَبَدًا، لَيَرِدُ عَلَيَّ أَقْوَامٌ أَعْرِفُهُمْ وَيَعْرِفُونِي، ثُمَّ يُحَالُ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ، قَالَ: إِنَّهُمْ مِنِّي، فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا بَدَّلُوا بَعْدَكَ: فَأَقُولُ: سُحْقًا سُحْقًا لِمَنْ بَدَّلَ بَعْدِي ))

[البخاري عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ]

 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ:

((قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ:

﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ﴾

((قَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا، اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا، يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا، يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، لَا أُغْنِي عَنْكَ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا، وَيَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ، لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا، وَيَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ، سَلِينِي مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا))

[البخاري]

 فالحب أصل من أصول الدين، قد يدعى، وكثيرون يدعون حب الله، خاضوا بحار الهوى دعوى وما ابتلوا، لذلك الله عز وجل لا يمكن أن يقبل دعوى حبه إلا بالدليل:

﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ﴾

[ سورة آل عمران: 31 ]

تعصي الإله وأنت تظهر حبه  ذاك لعمري في المقال شنيع
لو كان حبك صادقاً لأطـعتــــــه  إن المحب لمن يحب يطيـــــع
***

 إذاً لو أن الإنسان ادعى أنه يحب الله لا بد من الدليل، والدليل طاعة رسول الله:

﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ﴾

[ سورة آل عمران: 31 ]

من آثر هواه على طاعة الله فالطريق إلى الله ليس سالكاً :

 شيء آخر، يقول الله عز وجل:

﴿ قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾

[ سورة التوبة: 24]

 الحقيقة لو سألت مليارًا ومئتي مليون مسلم: ألا تحب الله أكثر من كل شيء؟ يقول لك: نعم، ليس هذا هو المعنى، المعنى عند التعارض، حينما يتعارض الأمر الإلهي، أو السنة النبوية الصحيحة، أو الشرع الإلهي مع مصلحتك القريبة المتوهمة، إذا تعارضا، وملت إلى مصلحتك، إذا حملك حبك لزوجتك أن ترخي لها العنان، وأن تفعل ما تشاء خلاف منهج الله، إن حملك حبك لابنك أن تكسب المال الحرام، ولا تعبأ بآخرتك، إن كنت في مسكن تغتصبه وكان المسكن جيداً جداً، والقانون معك فرضاً، ونسيت أن لهذا المسكن صاحباً، فآثرت هذا المسكن، إن آثرت تجارة رابحة، ولكن ليست مشروعة، التجارة إذا آثرتها على طاعة الله، والبيت المريح إذا آثرته على طاعة الله، وإرضاء الزوجة والولد والأقارب والعشيرة والآباء والتقاليد والعادات، وما ألفه الناس بخلاف منهج الله، إذا آثرت هذا على طاعة الله فالطريق إلى الله ليس سالكاً، والدليل:

﴿ فَتَرَبَّصُوا ﴾

[ سورة التوبة: 24]

 انتظروا، لا أمل:

﴿ حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ﴾

[ سورة التوبة: 24]

 هناك ملمح آخر رائع جداً.
الأستاذ عدنان:
 هذا الملمح دكتور أصلاً ذكرت فيه ما يتصل بما يحب الإنسان، لكن فيه أذى للآخرين، الآن الملمح فيه أذى للإنسان وللآخرين في وقت واحد معاً، لكنه إرضاء لله تعالى، إنما في النهاية الله لا ينسى عبده الذي يسير بأمره، موضوع سيدنا إبراهيم، وموضوع ذبح سيدنا إسماعيل، كيف أن سيدنا إبراهيم على الرغم من أنه رأى الرؤيا، ولم يأته الوحي- رؤيا- ومع ذلك الابن مستسلم، الأب مستسلم، ثم كان بعد ذلك الفداء.

 

العبادة و العلم :

الأستاذ راتب:
 هذا أعلى مستوى في العبودية، أنا أرى أن الأمر الإلهي إذا اتضحت حكمته جلية يضعف فيه عنصر التعبد، فقد ينطلق المرء من الصدق، لأن الصدق ينجيه من كل مشكلة، لكن حينما يغيب عن الإنسان حكمة الأمر، وننفذه بحذافيره تعلو فيه درجة التعبد، الله جل جلاله تارةً امتحننا بأوامر معقولة وواضحة، ولمصلحتنا، وتطبيقها سهل جداً، وتارةً امتحننا بأوامر لا تبدو حكمتها بادئ ذي بدء، لذلك عندنا في الإسلام شيء اسمه عبادة، وشيء اسمه علم، فالإنسان يعبد الله دون أن يعلم الحكمة.
 أنا أقول كلمة دقيقة جداً: إن الانتفاع بالشيء ليس أحد فروع العلم به، قد نضع مكيفاً، يأتي دكتور في الفيزياء، أو صاحب المعمل، يضغط على مفتاح البدء، فيأتيه الهواء البارد، ويأتي إنسان أمي جاهل لا يقرأ ولا يكتب يضغط على مفتاح البدء فيأتيه الهواء البارد، فالانتفاع بهذا المكيف ليس مرتبطاً بفهم دقائقه الداخلية، جلت حكمة الله جعل أوامره لمجرد أن تطبقها تقطف ثمارها، إن علمت الحكمة أو لم تعلمها، إن علمت الحكمة تدعو إلى الله بها، العلم مفضل، لأن هناك عابداً، وعالماً، ولعالم واحد أشدّ على الشيطان من ألف عابد، لكن لو أن إنساناً اكتفى بعبادة الله، ونجا من الفتن ينجو، ويقطف ثمار الدين كله، دون أن يفلسف الأمور، لا يحتاج إلى فلسفة الأمور، يكفي أنه نفذ أمر الله عز وجل فقطف ثماره، أما إن أردت أن تكون داعية فتحتاج إلى أن تفهم حكمة الأمور.
 إذاً القضية قضية معرفة، فسيدنا إبراهيم يعد موقفه أعلى درجة في العبودية، أنه خضع لأمر لا يقبله العقل ولا التقاليد ولا العادات ولا المنطق، الله عز وجل يمتحننا بما هو واضح الآن، بما هو ميسور، بما هو في متناولنا، ومع ذلك يسقط معظم الناس في الامتحان.
الأستاذ عدنان:
 دكتور، أيضاً من الأشياء التي يمكن أن تندرج ضمن هذا الإطار، وما يتصل بموقف سيدنا إبراهيم وابنه إسماعيل من الحادثة التي تطرقنا إليها، وكيف امتثلا لأوامر الله تعالى، وبعد ذلك كان الفرج، وكانت النتيجة المحلقة في الحقيقة، نحن نسمع كثيراً قول المرأة العجوز عندما قالت: اللهم ارزقنا إيماناً كإيمان العجائز، عندما سمعت أن فلاناً من المفكرين العابدين عنده ألف أو مئة دليل على وجود الله، كانت تريد من خلال قولها أنه إن لم يشك بوجود الله تعالى مئة مرة لم يأته الدليل العقلي ليسعفه بعد ذلك أيضاً بمئة إجابة تلغي الشك الأول.
 هنا في الحقيقة يمتزج شيئان، يمتزج الإيمان المطلق عند العموم، لكنهم ممن أحبوا الله الحب الصادق الكامل، أما عند البقية الذي يريدون أن يعرفوا مواضع أقدامهم بالضبط، وأن يكونوا على بينة، وأن يدركوا كما ذكرت الحكمة فيفكرون إلى جانب الإيمان المطلق بكيفية تأكيد هذا الإيمان لا في نفوسهم، فهو مؤكد، إنما في طرحه أمام الآخرين ليتأكدوا من صحته وسلامته.

الفرق بين حلاوة الإيمان و حقائق الإيمان :

الأستاذ راتب:
 كتوفيق بين ما تفضلت به حينما نكون في مجتمع بسيط غير معقد، من غير شبهات، ولا فتن، ولا شهوات، ولا ضلالات، الإيمان الفطري يكفي، لكنني أعتقد الآن أن مجتمعاً ممتلئاً بالضلالات، ممتلئاً بالشبهات، ممتلئاً بالفتن، الإنسان يحتاج إلى درع حصين من علم مكين، ومن فهم عميق، وهذا يؤكده قوله تعالى:

﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ﴾

[ سورة محمد: 19 ]

 سيدي، يوجد حديث لرسول الله صلى الله عليه وسلم في الصحاح عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ، أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ ))

[متفق عليه عن أنس بن مالك]

 الحقيقة كلمة حلاوة الإيمان وردت كثيراً في السنة، وهي مصطلح، أنا مضطر أن أوضحها بنقيضها، هناك حقائق الإيمان أو ليست نقيضها ولكن طرفاً آخر، هناك حقائق الإيمان، وهناك حلاوة الإيمان، أنا شبهت حقائق الإيمان كمخطط لقصر على الورق كله، سبع غرف بثماني شرفات، الحدائق، الطوابق، الأبهاء الواسعة، الإطلالة الجميلة، هذا كله على الورق، هذه مبنية على علم، كلها فيها حسابات دقيقة، لكن هذا ورق، أما حلاوة الإيمان فالقصر نفسه، ففرق كبيرٌ كبير بين أن تمتلك مخططاً لقصر، وبين أن تسكن هذا القصر، يقول عليه الصلاة والسلام:

(( ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ، أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا))

[متفق عليه عن أنس بن مالك]

 مرة ثانية أقول: لو سألت مليار مسلم يقول لك: نحب الله أكثر من كل شيء، أقول: عند التعارض، عندما تجد نصاً صحيحاً وأمراً قويماً وآية كريمة ومصلحتك بخلافها، فتضع مصلحتك تحت قدمك، وتؤثر طاعة الله عز وجل عندئذٍ تذوق شيئاً متميزاً اسمه حلاوة الإيمان، هذا شيء دقيق جداً، طبعاً:

(( أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ))

[متفق عليه عن أنس بن مالك]

 لذلك عَنْ مُعَاذٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْثُرُ عَنْ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ:

(( وَجَبَتْ مَحَبَّتِي لِلَّذِينَ يَتَحَابُّونَ فِيَّ، وَيَتَجَالَسُونَ فِيَّ، وَيَتَبَاذَلُونَ فِيَّ ))

[أحمد عَنْ مُعَاذٍ]

خاتمة و توديع :

الأستاذ عدنان:
 الحب في الحقيقة كما ذكرتم له أيضاً جوانب أخرى، فهناك أيضاً محبة الرسول عليه الصلاة والسلام، ومن محبته الاقتداء به، ولكن هناك قيوداً لهذا الحب، وهناك طرقاً معينة، وهناك ما يمكن أن يقال: إنه بدعة، أو غير بدعة، وما ذلك من أقوال يمكن أيضاً أن نأتي عليها في حلقات قادمة بإذن الله تعالى.
في ختام هذا اللقاء كل الشكر للدكتور محمد راتب النابلسي، الأستاذ المحاضر في كلية التربية في جامعة دمشق، وكل الشكر أيضاً للإخوة المشاهدين، وموعدنا معكم بإذن الله في مثل هذا الوقت في الأسبوع القادم.
 والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018