الدرس : 7 - سورة الواقعة - تفسير الآيات 75 - 80 ، الطهارة الحقيقية - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 7 - سورة الواقعة - تفسير الآيات 75 - 80 ، الطهارة الحقيقية


1997-08-04

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين:
أيها الأخوة الكرام:
يقول الله عز وجل في سورة الواقعة:

 

﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (76)﴾

جواب القسم ؟.

 

 

﴿ إِنَّهُ لَقُرْآَنٌ كَرِيمٌ (77) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (78) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (79) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (80)﴾

 ما معنى فلا أقسم ؟ هناك أشياء موضع شك، موضع إنكار تحتاج إلى قسم، لكن هناك أشياء بديهية، مسلم بها، لا تحتاج إلى قسم، فإذا قلت لإنسان ؛ الأب أكبر من ابنه سناً، هل تحتاج إلى قسم هذه الحقيقة ؟ هل يستطيع أن ينكرها إنسان على وجه الأرض ؟ لأن الأب سنه أكبر من ابنه، والجزء أصغر من الكل، وزن اليد أقل من وزن الجسم بكامله، هل تحتاج إلى قسم ؟ فالحقيقة إذا كانت بديهية ومسلماً بها، لدرجة واحد من بني البشر، لا يستطيع إنكارها، نقول فلا أقسم، بعضهم قال لا زائدة، يعني أقسموا، على كلٍ ربنا جل جلاله إن لم يقسم فبالنسبة إلى ذاته، وإن أقسم فبالنسبة إلينا.
إذا قال:

 

 

﴿ والشمس وضحاها، والقمر إذا تلاها ﴾

 

( سورة الشمس: 1 )

﴿ والفجر وليال عشر ﴾

( سورة الفجر: 1 )

 هذا قسم، بالنسبة إلينا، هي شيء عظيم بالنسبة إلينا، أما إذا قال: لا أقسم بالنسبة إليه، هذا معنى ثاني، وبعضهم قال لا زائدة بمعنى لا أقسم، والمعنى الثالث، أن الحقائق الناصعة البديهية التي لا يستطيع إنسان على وجه الأرض أن ينكرها، لا تحتاج إلى قسم.

 

﴿ فلا أقسم بمواقع النجوم ﴾

 المواقع لها معنيان، إما المسافات البينية بين النجوم، وإما سرعة حركة هذه النجوم، وتنقل هذه النجوم من موقع إلى موقع، بعض الدارسات الفلكية تبين أن سرعة بعض المجرات يقترب من مائتين وأربعين ألف كيلو بالثانية، يعني هذه السرعات تقترب من سرعة الضوء، هذه مواقع النجوم تنقلها من موقع إلى موقع.
 نحن حينما رصدنا أبعد مجرة على الإطلاق، هذه رصدها مرصد مركب على مركبة فضائية انطلقت إلى المشتري، وبقيت تسبح في الفضاء الخارجي ست سنوات، هذا المرصد على مركبة فضائية وصل إلى المشتري والتقط أبعد مجرة، ثلاثمائة ألف بليون سنة ضوئية، ما معنى ذلك ؟ أن هذه المجرة كانت في هذا الموقع قبل ثلاث مائة ألف بليون سنة ضوئية ! الآن أين هي ؟! لا نعلم ! قبل ثلاثمائة ألف بليون كانت هنا، وأرسلت ضوء وصل إلينا، الضوء يقطع في الثانية ثلاثمائة ألف كيلو متر، ثلاثمائة ألف بليون سنة ضوئية، مواقع النجوم، تنقلات النجوم.
 موقع الأرض، الأرض تسير حول الشمس، بسرعة تزيد عن ثلاثين كيلو متر في الثانية، بدأت الدرس في الواحدة وخمس عشرة دقيقة، الآن واحدة وعشرين دقيقة، ست دقائق، ضرب ستين، ستة في ستة بستة وثلاثين، وصفر ثلاثمائة وستين ثانية، ضرب ثلاثين ثلاثمائة وستين، ستة وثلاثين ضرب ثلاثة، قول مائة، وصفرين عشرة آلاف كيلومتر منذ أن بدأت، قلت بسم الله الرحمن الرحيم حتى الآن، منذ أن بدأت قولي بسم الله الرحمن الرحيم، حتى الآن قطعنا في الفضاء الخارجي عشرة آلاف كيلو متر، من هنا إلى جدة ألف كيلو متر،

 

 

﴿ فلا أقسم بمواقع النجوم، وإنه لقسم لو تعلمون عظيم﴾

أما أكثر المجرات سرعتها مائتين وأربعين ألف كيلو متر بالثانية، والضوء سرعته ثلاث ألف كيلو متر بالثانية.
 المعنى الثاني: المسافات، طيب هي ثلاثمائة ألف بليون سنة ضوئية، ما هذه المسافة ‍‍؟ كل ثانية ثلاثمائة ألف كيلو متر، كل ثانية والدقيقة ضرب ستين، بساعة ضرب ستين، باليوم ضرب أربع وعشرين، بالسنة ضرب ثلاثمائة وخمس وستين، بعدين ضرب ثلاثمائة ألف بليون، هذه مسافة، قال:

 

 

﴿ وإنه لقسم لو تعلمون عظيم ﴾

من هنا قال الله عز وجل:

 

 

﴿ إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾

 

( سورة فاطر: 28 )

هذا القسم،

﴿ فلا أقسم بمواقع النجوم، وإنه لقسم لو تعلمون عظيم، جواب القسم: إنه لقرآن كريم ﴾

 هذا الكتاب في الأرض، يطبع كل يوم من الكتب باللغة الإنكليزية فقط، ما يحتاج إنسان إلى قراءته في مائتين عام، ما يطبع في اليوم باللغة الواحدة في العالم، باللغة الإنكليزية لا تستطيع أن تقرأه بلا عمل، ولا صلاة، ولا طعام، قراءة مستمرة في مائتين عام كل هذه الكتب في كفة، وهذا الكتاب في كفة، لأنه كلام خالق الكون فضل كلام الله على كلام خلقه، كفضل الله على خلقه، الذي خلق هذا الكون أنزل هذا الكتاب.

 

﴿ فلا أقسم بمواقع النجوم، وإنه لقسم لو تعلمون عظيم ﴾

جواب القسم فلان بقلك والله، ثم والله، ثم والله، أو بقلك والله، وبالله وتالله، طيب شو بدنا جواب، ما هو المقسم عليه، أين جواب القسم

 

 

﴿ إنه لقرآن كريم ﴾

 يعني حينما تمسك هذا الكتاب يجب أن تعلم هذا كلام خالق الكون، الذي خلق مليون مليون مجرة، وبكل مجرة مليون مليون نجم والذي خلق الكون، وكان الله ولم يكن معه شيء، والذي إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون، هو الذي أنزل هذا الكتاب،

 

 

﴿ إنه لقرآن كريم ﴾

 كريم صافي، نقي من كل شائبة، ولا غلطة

 

 

﴿ لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ﴾

 

( سورة فصلت: 42 )

 منهج كامل تفاصيل دقيقة معالجة كاملة، موضوعات تامة، يناسب كل إنسان في كل مكان وفي كل زمان.
لكن هذا القرآن الله وصفه قال:

 

﴿ وهو عليهم عمى ﴾

 

( سورة فصلت: 44)

على الظالمين.
وصفه أيضاً قال:

﴿ ولا يزيد الظالمين إلا خسارا ﴾

( سورة الإسراء: 82)

 هذا القرآن مكنون، يعني مخبأ لا يعطيك ما فيه، إلا إذا كنت مؤمناً،

 

﴿ لا يمسه إلا المطهرون، إنه لقرآن كريم، في كتاب مكنون ﴾

 لو كان النهي ‍‍، لقال لا يمسسه، لو أن الله ينهانا عن أن مسه إلا طاهرين، لقال لا يمسسه، لأن الفعل المضعف ؛ إذا سبقه حرف نفي فك إضعافه، وظهر الجزم على الحرف الأول، لا يمسسه، أما حينما قال الله عز وجل:

 

 

﴿ لا يمسه ﴾

 هي لا نافية، يعني لا يمكن أن تضع يدك على معانيه، ولا على أسراره، ولا على إعجازه، إلا إذا كنت طاهراً من الشك، طاهراً من الشرك، طاهراً من الذنب، لذلك يقرأه أهل الدنيا يقولون ما في نظام، ما في تسلسل، ما في منهجية، ما في موضوعية، يقرأه أهل الإيمان،

 

 

﴿ يخرون للأذقان سجدا ﴾

 

( سورة الإسراء: 107)

 ويبكون، ويزيدهم خشوعاً، قال تعالى:

 

﴿ وهو عليهم عمى ﴾

 قال تعالى:

 

 

﴿ ولا يزيد الظالمين إلا خسارا ﴾

 قال:

 

 

﴿ أولئك ينادون من مكان بعيد ﴾

 

( سورة فصلت: 44)

 لن تستطيع أن تفهم هذا الكتاب العظيم ولا أن تضع يدك على أسراره العظيمة، إلا إذا كنت طاهراً، من الشك، طاهراً من الشرك، طاهراً من الذنب. شكوت إلى وكيع سوء حفظي فأرشدني إلى ترك المعاصي وأنبئني بأن العلم نـــور ونــور الله لا يهد لعاصي يعني على قدر استقامتك، وعلى قدر طهارتك، وعلى قدر إخلاصك، وعلى قدر صفائك، وعلى قدر تألقك، تفهم كلام الله.
ويا أيها الأخوة: والله لا يحتاج هذا القرآن، أكثر من طهر نفسي، ومن إخلاص لله، ومن استقامة على أمره، تقرأ فتبكي، تقرأ فتفهم، إذا قرأ القرآن مؤمن زاده خشوعاً.

 

﴿ تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم ﴾

 

( سورة الزمر: 23 )

﴿ في كتاب مكنون، لا يمسه إلا المطهرون، تنزيل من رب العالمين ﴾

 أنا لا أنفي أنه ينبغي أن تتوضأ إذا أردت أن تمس القرآن ينبغي أن تتوضأ إذا أردت أن تمس القرآن، أما لك أن تقرأه غير متوضئ شفيهاً، راكب في سيارة في سفر، تحفظ سورة الواقعة، لك أن تقرأه دون وضوء، أما إذا أردت أن تلمسه، ينبغي أن تتوضأ هذا المعنى لا ينفى، لكن الفرق بين لا النافية ولا الناهية فرق كبير جداً، لا النافية، ليس لها، لا تجزم، أما الناهية تجزم، ربنا لا ينهانا ينفي.
 أوضح مثل للنفي والنهي: طريق سالك مفتوح، لوحة ممنوع المرور هذا نهي، لكن بإمكانك أن تمشي، أن تخترق هذا المنع طريق سالك، بس في مخالفة، أما لو وضعوا على الطريق قطع أسمنتية، مكعبة، على عرض الطريق وارتفاعها مترين، لا تستطيع أن تمشي، النهي شيء، والمنع شيء آخر، ربنا هنا لا ينهى، ولكن يمنع، ينفي، قال:

 

﴿ لا يمسه إلا المطهرون﴾

 إلا لم تكن طاهر الجنان طاهر اللسان، إن لم تكن مخلصاً، إن لم تكن محب لله عز وجل تنادى من مكان بعيد، من مكان بعيد، أما المؤمن ينادى من مكان قريب، ألم يقرأه أبي جهل ؟ قرأه، ليش ما آمن ‍، ألم يقرأه الوليد ابن المغيرة؟ قرأه، كل من قرأ القرآن ولم يكن طاهر النفس، لم يفهمه ولم يؤمن به.
الآية الكريمة أصبحت:

 

 

﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (38) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (39) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (40) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ (41) وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ (42) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (43)﴾

 بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، وأكرمن ولا تهنا وآثرنا ولا تؤثر علينا، وأرضنا وأرض عنا وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم..

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018