الفقه الحضاري - الندوة : 01 - خصائص النفس 1 النفس خالدة . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠30برنامج الفقه الحضاري - قناة سوريا الفضائية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الفقه الحضاري - الندوة : 01 - خصائص النفس 1 النفس خالدة .


2003-01-23

 المذيع:
 أيها الإخوة المشاهدون، السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، أحييكم عبر القناة الفضائية السورية في هذا اللقاء الجديد من هذا البرنامج الفقه الحضاري في الإسلام، ويسرّنا أن نلتقي اليوم مع الدكتور محمد راتب النابلسي، الأستاذ المحاضر في كلية التربية في جامعة دمشق، أهلا ومرحباً بكم .
 الأستاذ:
 أهلاً بكم أستاذ عدنان.
 المذيع:
 كثيراً ما نسمع قولك: إن الله تعالى خلق الإنسان على الفطرة، يا ترى هل كلمة الفطرة بما يفهمها العامة أن خلقه بسيطٌ غير معقد ؟ أم الفطرة هي الخلق ؟ أم الفطرة هي أن جعل له خصائص في ذاته تختلف عن خلائق أخرى وعن الجمادات والنباتات، حيث إن الإنسان مكرم، وهو خليفة الله في الأرض ؟
 بدءاً من هذا يمكن أن نتطرق إلى معنى الفطرة لننطلق منها إلى أشياء يمكن أن تكون عميقة الغوص.
 الأستاذ:
 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
 أستاذ عدنان: جزاكم الله خيراً على هذا السؤال، الإنسان هو الكائن الأول تشريفا، لقوله تعالى:
﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ﴾
(سورة الأحزاب)
 والإنسان هو المخلوق المكرم، لقوله تعالى:
﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً (70)﴾
(سورة الإسراء)
 والإنسان هو المخلوق المكلف، لقوله تعالى:
﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56)﴾
(سورة الذاريات)
 هـذا الكائن الأول الذي قـبِل حمل الأمانة، ولأنـه قبِل حمل الأمانة سخر الله له ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه.
 المذيع:
 فضيلة الدكتور، هل تقصدون الأول من حيث الزمان أو المكان ؟
 الأستاذ:
 القصد رتبة ! هذا يتضح في قوله تعالى:
﴿الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآَنَ (2) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (4)﴾
(سورة الرحمن)
 أيعقل أن يعلَّم القرآن قبل أن يخلق ؟ نقول: هذا التقديم ليس تقديم زمني، بل هو تقديم رتبي، بمعنى أن وجود الإنسان لا معنى له إطلاقاً من دون منهج يسير عليه، فكلمة أول أعني به رتبة، والأعداد كما تعلمون إما أعني بها رتبة، وإما أن أعني بها كمًّا، فالطالب السابع لا يعني أنه سبعة أشخاص، بل يعني ترتيبه في الصف هو السابع، هذا الإنسان المخلوق الأول ينطوي على نفسٍ هي ذاتُه، هي المكلفة والمحاسبة، وهي التي تؤمن أو تكفر، هي التي تشكر وتصبر، وتسمو وتنحط، وتخلد في جنة يدوم نعيمها، أو في نار لا ينفذ عذابها، هذه النفس الإنسانية لا تموت، ولكنها تذوق الموت، وفرق كبير بين أن تموت وبين أن تذوق الموت.
﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾
(سورة آل عمران)
 هذه النفس البشرية قد يكون خطها البياني صاعداً صعوداً حاداً، وعند الموت تسقط سقوطاً مريعاً إلى أسفل السافلين، وقد تكون نفس المؤمن في حركة صاعدة صعوداً مستمراً، وقد يكون الموت نقطة على هذا الخط، والصعود مستمر، هذا الإنسان فيه نفس هي ذاته، والموت انفصاله، هذه النفس الخالدة كامنة في هذا الوعاء المادي الذي هو الجسد.
 الحقيقة هناك عنصر ثالث هو الروح، القوة المحركة، بل إن الروح إذا انقطعت عن الإنسان أصبح جثة هامدة ! أين عينه ؟ أين رؤية العين ؟ أين عمل الكبد ؟ أين أجهزته ؟ كله تعطل، وأصبح جثة هامدة ؟ لكن البحث في الروح عديم الجدوى، لقوله تعالى:
﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً﴾
(سورة الإسراء)
 تقريباً هي القوة المحركة، والإنسان فيه نفس هي ذاته، وفيه جسم هو وعاؤه، وفيه روح هي قوته المحركة، هذا الإنسان يبدو لنا أن له جسمًا، ولهذا الجسم خصائص تشريحية وفيزيولوجية، موضوع جسمه لا يعنينا في هذا اللقاء، لو نظرنا إلى نفسه، نفسه لها خصائص، لها سمات وقوانين، العالم كله اليوم يهتم بالجسم لا بالنفس، يسعى لرفاهية الجسم، وقد غفل عن الروح، في الإنسان نفس لا يملؤها إلا معرفة الله عز وجل، لا تملؤها إلا طاعته، ولا يملؤها إلا أن تكون قريرة العين بربها، هذه الحاجة إلى إيمان بالله ولطاعته، هذه حاجة أصيلة، تبدو في الصورة كآبة حينما ينحرف الإنسان عن منهج الله، خصائص هذه النفس بحث دقيق جداً، وقد وردت هذه الخصائص في بعض الآيات القرآنية، فنحن لا يعنينا في هذا اللقاء خصائص جسمه، هذا يعني علماء الطب والتشريح، وما إلى ذلك، لكن يعنينا في هذا اللقاء خصائص النفس الإنسانية، الله جل جلاله لحكمة بالغة بالغةٍ جعل هذا الإنسان هلوعاً، قال تعالى:
﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً (21) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (22)﴾
(سورة المعارج)
 هلوع شديد الحرص على ما في يديه، شديد الهلع إذا لاح له شبه مصيبة ! هذا من خصائص الإنسان، بل إنها نقاط ضعف في أصل خلقه لا يحاسب عليها، لكنها لصالحه، أوضح هذا بمثل:
 كيف أن جهازاً غالياً جداً، بالغ التعقيد، كبير النفع، غالي الثمن، يوضع فيه قطعة في طريق التيار ضعيفة جداً، اسمها الفيوز، هذه القطعة رخيصة، لكنها نقطة ضعف مدروسة في أصل هذا الجهاز، فإذا جاء التيار الكهربائي عالي المستوى ذابت هذه القطعة، وانقطع التيار، فلم يتلف الجهاز، فهذه نقاط الضعف التي هي في أصل خلق الإنسان لصالحه.
﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً (19)﴾
 كيف يتوب إلى الله إن لم يكن هلوعاً كيف يعود إليه ؟ وكيف يصطلح مع الله ؟ كيف يؤدبه الله عز وجل ؟ وكيف يسوقه إلى بابِه وبابِ طاعته ؟ كيف تحمله على التوبة إن لم يكن هلوعاً ؟
 بالمناسبة، الله عز وجل ثبت مليارات الأشياء في الحياة، القوانين كلها ثابتة، قوانين المعادن، وخصائص المعادن، وخصائص البذور، دوران الكواكب، يمكن أن أقول لك: في عام ألفين وخمسمئة، في الثالث والعشرين من شباط تشرق الشمس الساعة الخامسة وأربع دقائق ! دورة الأرض حول الشمس شيء مذهل، حركة الكواكب ثابتة، بل إن هذه الساعة التي يعتد بها ساعة (بيغ بن) تضبط على حركة أحد النجوم، قد تقدم ثانية أو تؤخر ثانية في العام كله ! ما الذي يضبطها ؟ حركة نجم ! فالله سبحانه وتعالى ثبّت أشياء لا تعد ولا تحصى، لكنه حرك الصحة والرزق، الرزق ليس ثابتاً، قد تأتي أمطار غزيرة كهذا العام، والحمد لله جل جلاله على أن أنعم علينا بنعمة الأمطار، في دمشق مئة ميليمتر زيادة عن مستوى الأمطار في العام الماضي، وأحياناً تأتي نسب قليلة جداً، أحياناً ننتج من القمح خمسة ملايين طن، أحياناً أربعمئة وستون ألف طن، الرزق متبدل، والصحة متبدلة، ولحكمة أرادها الله عز وجل جعل تغير الصحة والرزق أحد الوسائل الفعالة في تربية الإنسان !
 المذيع:
 هل أستطيع أن أفهم من كلامكم دكتور أن الإنسان مخلوق على الفطرة، والفطرة في هذه الحالة تعني أنه مكوَّن من نفس وجسم وروح ؟ أم أن خصائص النفس هي الفطرة ؟
 الأستاذ:
 المقصود هو الخصائص، ذلك أن خصائص النفس متطابقة تطابقًا تامًّا مع منهج الله، وهذا محور هذا اللقاء، لكننا لا زلنا في المقدمة.
﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً (20)﴾
 شديد الجزع.
﴿وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً (21)﴾
 كيف يرقى عند الله إن كان لا يحب المال ؟ لأنه يحب المال، إذا أنفق المال يرقى عند الله، ألم يقل الله عز وجل:
﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ﴾
(سورة آل عمران)
 هذه الأشياء أودعت فينا، هي في أصل فطرتنا وخلقنا، هكذا ولّفنا وبرمجنا، إنها الفطرة والجبلة والبرمجة والتوليف، ونحب المال، نحب النساء، نحب العلو في الأرض، ونحب المركبات والبيوت.
 المذيع:
 دكتور، هنا يمكننا أن نتساءل: من عادة الإنسان أنه إذا أحب شيئاً، وأقبل عليه، وتقرب منه، وعرف زينته وما فيه من فائدة ازداد قرباً إليه، إننا في مثل هذا الوضع الذي يتصل بجبلة الإنسان وفطرته قد نشهد الشيء المغاير إذ أن حب المال في الإنسان العادي شديد، أما عندما يكون متجهاً نحو الله تعالى إن قرب من المال يصبح ما عنده وسيلة، وليس غاية، كذلك بقية الأمور، فيمكن أن تنساق إلى الخير رغم أنها بين يديه، على حين أنها لو كانت قبالته وبين يديه، لكنه كان خالياً من الإيمان تقرب منها، وما ازداد قربه منها إلا مزيداً من الفوضى في نفسه والخوف في ذاته.
 الأستاذ:
 بارك الله بكم، القرآن أجاب عن هذه الملاحظة، قال:
﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً (21) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (22)﴾
 هذا الذي اتصل بالله عز وجل نجا من هذا الضعف الخلقي.
 شيء آخر، هو أن المال لا يمكن أن يسمّى نعمة، ولا يمكن أن يسمّى نقمة، موقوف على طريقة كسبه وإنفاقه، ولأن الإنسان مخير فكل شيء في حياته حيادي، الشهوات حيادية، يمكن أن تكون سلماً نرقى به، أو دركات نهوي بها، خصائص النفس حيادية، الإنسان يحب أن يتفوق، إذا استغل هذه الخصيصة ليتنافس مع أخيه الإنسان في عمل الآخرة يرقى، وإذا استغل هذه الخصيصة ليتنافس مع أخيه الإنسان على حطام الدنيا يسهل، فهناك الغبطة والحسد، أنا متأكد أن كل حظوظ الإنسان حيادية، أعطاه المال، والوسامة، والعلم، والذكاء، والقوة، وطلاقة اللسان، كل هذه الحظوظ يمكن أن تكون سلماً نرقى بها أو دركات نهوي بها، فهي حيادية، لأن الإنسان في الأصل مخير، بل إن خصائصه ليست شريرة، وليست خيرة، إنما هي حيادية، فأنت تحب أن تنافس، إن نافست في الآخرة انقلبت هذه الخصيصة إلى باعث عظيم جداً كي ترقى بك إلى الله وإلى الجنة، وإن تبعت هذه الخصيصة من أجل الدنيا هوت بك.
﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً (21) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (22)﴾
 الشيء الثاني، أن الإنسان منوع، حريص على ما في يديه، ننطلق من هنا إلى فكرة دقيقة، هي أن الطبع يتناقض مع التكليف، وهذا التناقض هو ثمن الجنة.
﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40)﴾
(سورة النازعات)
 طبع في الإنسان أن الشهوة التي أودعت فيه تدعوه لأن يأخذ المال، بينما التكليف يأمره أن ينفق المال، طبع الإنسان يقتضي أن يملأ عينيه من محارم النساء من دون قيد أو شرط، التكليف يقتضي أن تغض البصر عن من لا تحل لك، طبع الإنسان يقتضي أن ينام وقت صلاة الفجر، التكليف يأمره أن يستيقظ، طبع الإنسان يقتضي أن يتحدث في فضائح الآخرين ويمتع الحاضرين، لكن التكليف يقتضي أن يصمت، فلذلك من تناقض الطبع مع التكليف يكون ثمن الجنة.
﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (41)﴾
 المذيع:
 هنا نعيد الاقتراب قليلاً، حيث إن كون الجنة هي المأوى يستطيع الإنسان عندما يطبّع نفسه بما آمر الله تعالى تطيب له الدنيا قبل أن يحصّل على الجنة، فالمنفق بإيمان وصدق يحلو له عندما ينفق، على حين الذي يعطي وإرادته وبخله تشدّ يده إلى الوراء يشعر بالسخط على نفسه، فحينما يعطي يعطِي مضطراً، هنا تنقلب أيضاً المفهومات عند المؤمن انقلاباً تاماً، فيغدو مسروراً فالحاً ومفلحاً في الدار الآخرة.
 الأستاذ:
 تأكيداً لهذا المعنى يقول العلماء: في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة.


 ويقول:

((ماذا يفعل أعدائي بي ؟ بستاني في صدري، إن أبعدوني فإبعادي سياحة، وإن حبسوني فحبسي خلوة، وإن قتلوني فقتلي شهادة، فماذا يفعل أعدائي بي))

  هناك ملمح في قوله تعالى:
﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (46)﴾
(سورة الرحمن)
 نحن في بعض أدعيتنا نصلي على نبينا عليه الصلاة والسلام، ونصفه بأنه أسعدنا، والسعادة الحقيقية تتأتى من القرب من الله عز وجل، لذلك حينما يقول الله عز وجل:
﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً﴾
(سورة طه)
﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (28)﴾
(سورة الرعد)
 شيء آخر:
﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124)﴾
(سورة طه)
﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾
(سورة النحل)
 لا أتمنى أن يفهم الإخوة المشاهدون أن الحياة الطيبة تعني وفرة المال أو الصحة أو القوة، الحياة الطيبة هي الأنس بالقرب من الله عز وجل، فقد يكون الإنسان في أعلى درجات النعيم وهو أشقى الناس، وقد يكون في حياة خشنة جداً وهو أسعد الناس، فالحياة الطيبة هي القرب من الله عز وجل، فإن الله يعطي الصحة والجمال والمال للكثيرين من خلقه، ولكنه يعطي السكينة بقدر لأصفيائه المؤمنين، هذه السكينة يسعد بها الإنسان ولو فقد كل شيء، ويشقى بفقدها ولو فقد كل شيء، لذلك يقول بعض العارفين: لو يعلم الملوك ما نحن عليه لقاتلونا عليه بالسيوف.
 المؤمن عنده سعادة ـ وشهد الله ـ لو وزعت على أهل بلد لكفتهم، لكن هذا الذي شرد عن الله لا يعرف ما في الإيمان من سعادة، يظن السعادة في الطعام والشراب والنساء والعلو في الأرض، لو علم ما فيا الأمور من مراتب وحالات مسعدة لزهد بما في يديه، لذلك قالوا: من عرف الله زهد فيما سواه.

فلو شاهدت عيناك من حسننا الذي     رأوه لما وليت عنا لغيرنا
ولو سمعت أذناك حسن خطابنا   خلعت عنك ثياب العجب و جئتنا
ولو ذقت من طعم المحبة ذرة    عذرت الذي أضـحى قتيلاً بحبنا
ولو نسمت من قربنا لك نسمة    لمت غريباً و اشـتياقاً لقـربنـا
فما حبنا سهل وكل من ادعى    سهـولته قـلنا لـه : قـد جهلتن

  المذيع:
 يا سيدي هنا أيضاً تحضرني صورة رأيتها في مجلة من المجلات، الصورة تحتوي فتاة في ريعان شبابها على وسادة، وإلى جانبها تعليق: " أردت كل ملذات الدنيا فحصلت عليها "، المال، الصحة، الشباب الغريزة، الشهوة، كل شيء، فملت هذه الأشياء، فأخذت حقنة لتغيب عن وجودها، فما عاد يلذ لها وجودها، لأنها قد حصلت على كل شيء، وليس لها في الأصل هدف سام تسعى إليه، لذلك الدنيا فعلاً من أراد أن يحصل عليها، وأراد خدمتها فإنها تستخدمه، أما إذا ارتفع فوقها فالدنيا في خدمته، وليس هو في خدمتها.
 الأستاذ:
  يقول بعض الفلاسفة: " مبدأ الّلذة إذا استهدف انقلب إلى مبدأ ألم "، ورد في الجامع الصغير حديث شريف دقيق جداً يقول:

(( إياك عبد الله والتنعّم، فإن عباد الله ليسوا بالمتنعمين ))

 ليس المعنى أن تحرم النعمة والتنعم، لكن حينما تقصد اللذة بذاتها، وتنسى سر وجودك في الحياة وسر رسالتك فهذه غفلة كبيرة.
 أنا أذكر أنه في بلد فيه ثاني أضخم جسر، وأطول جسر في العالم، في حفل افتتاح هذا الجسر، الذي صمم هذا الجسر مهندس يعد أحد خمسة مهندسين في العالم، وهذا الجسر ثاني أطول جسر في العالم، تعبر عليه في اليوم ثلاثمئة ألف سيارة ! عند قص الشريط ألقى هذا المهندس بنفسه في البحر فمات ! ذهبوا لغرفته بالفندق وجدوا ورقة كتب عليها: ذقت كل شيء في الحياة، فلم أجد لها طعماً، أردت أن أذوق طعم الموت !
 أستاذ عدنان، جزاك الله خيراً، صدق أن الحياة من دون هدف وقيم لا تعاش، لا يمكن أن يحترم الإنسان نفسه إن كان بعيداً عن القيم، الحياة من دون قيم لا تعاش، لذلك في العالم الشارد عن الله، في عالم المادة والجنس والاحتيال الإنسان أشقى المخلوقات، بل إن أعلى دخل في بلد أوروبي فيه أعلى نسبة انتحار في العالم ! لذلك هذه الدنيا لا يمكن أن تكون هدفاً للإنسان، ذلك أن الإنسان في أصل تصميمه لا نهائي، فلا يمكن أن يسعده إلا جهة لا نهائية، لمجرد أن يختار جهة محدودة يشقى بها، الإنسان في بداية حياته يعيش الآمال والأحلام، أما حينما يبلغ كل أهدافه، ويجمع ثروة طائلة، ويحتل مكاناً مرموقاً، وتيسر كل أموره يشعر بتفاهته، إلا إذا كان له هدف عظيم يسعى وراءه.
 لذلك الإنسان المؤمن سعيد، لأنه اختار هدفاً، هو الله عز وجل، هذه النفس في أصل تصميمها مصممة كي تعرف الله، وتعمل صالحاً، وتخطب ود الله عز وجل، فحينما تختار هذه النفس اللانهائية هدفاً محدوداً ضيقاً قد تبلغه، فإذا بلغته بدأ شقائها، لذلك تجد الذين نشؤوا على حب المال، وحب الشهوات، وبلغوا كل أهدافهم يشعرون بفراغ عجيب بعد تحقيق أهدافهم، إنسان في البدايات يرى كل شيء، فإذا بلغ منتصف العمر نراه شيئاً، لكن حينما يكشف حقيقة الحياة الدنيا يراه ليس بشيء، سيدنا موسى حينما سقى الفتاتين قال:
﴿فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (24)﴾
(سورة القصص)
 أعدّ هذا النبي الكريم الغنى غنى العمل الصالح، وقد قال الإمام علي كرم الله وجهه:

((الغنى والفقر بعد العرض على الله))

 بقيت نقطة من نقاط ضعف الإنسان، إن الإنسان خلق عجولاً، يريد الشيء الجاهز أمامه.
 المذيع:
 ما رأيكم دكتور قبل أن نبحث في موضوع العجل أن نستعجل الأمر، فما بقي من الوقت إلا دقيقتان فقط، نستعجل العنوان فحسب، ونتابع بإذن الله في حلقة قادمة إن شاء الله.
 الأستاذ:
 الإنسان لو أنه في الأصل مصمم أن يكون مهولاً، يريد الأهداف البعيدة لما ارتقى إلى الله عز وجل ! كل ما حولك يدعوك لأن تمارس الشهوة، لكن الآخرة خبر في القرآن ! والدنيا ترقص أمامك، الدنيا خضرة نضرة، فالإنسان لأنه عجول، فإذا اختار هدفاً بعيداً يرقى عند الله، لو أنه مهول، واختار الآخرة لما ارتقى عند الله عز وجل، هذه نقطة دقيقة جداً، فلذلك تجد المؤمن نقل اهتماماته إلى الآخرة، هدفه إرضاء الله عز وجل، وأداء الحقوق، وخدمة الإنسانية كافة.
 والله مرة في مجلة مترجمة بقي قبل انتهاء مقالتها فراغ صغير تكتب فيه بعض الحكم أحياناً، كتبت حكمة في الحقيقة هي دقيقة جداً: قال: إذا أردت أن تسعد فأسعد الآخرين، لمجرد أن تخرج من ذاتك لإسعاد الآخرين فأنت أسعد الناس.
 المذيع:
 في ختام هذا اللقاء، ونتابعه بإذن الله في حلقة قادمة، كل الشكر للدكتور محمد راتب النابلسي، الأستاذ المحاضر في جامعة دمشق كلية التربية، وكل الشكر أيضاً للإخوة المشاهدين، وموعدنا معكم بإذن الله في مثل هذا الوقت من الأسبوع القادم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018