الدرس : 1 - سورة القمر - تفسير الآيات 1-2-3 ، الزمن - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 1 - سورة القمر - تفسير الآيات 1-2-3 ، الزمن


1997-06-22

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين:
أيها الأخوة الكرام:
 في آيات سورة القمر الأولى، في هذه الآيات الأولى يشم منها رائحة موضوعٍ خطير، ألا وهو الزمن، فالإنسان في حقيقته زمن الإنسان في حقيقته بضعة أيام، كلما انقضى يومٌ، انقضى بضعٌ منه من هنا أقسم الله، بمطلق الزمن، لهذا المخلوق الكريم، الذي هو في حقيقته زمن، فقال تعالى:

﴿ والعصر إن الإنسان لفي خسر﴾

( سورة العصر: 2، 3 )

يعني الزمن يمضي، والزمن يستهلك الإنسان، فهو بضعة أيام مضي الأيام، يعني استهلاكه.
 لذلك يقول سيدنا عُمر بن عبد العزيز، الليل والنهار يعملان فيك، كل واحد منا له صورة، وله صورة قبل عشر سنوات، وله صورة قبل عشرين عاماً، وله صورة حينما كان صغيراً، فهناك فرقٌ واضحٌ وصارخ، بين يوم صورته يوم كان طفلاً، وبين صورته يوم صار كهلاً، هذه التغيرات من فعلها ؟ الزمن، مضي الأيام والليالي فالليل والنهار يعملان فيك.
أنت ماذا عليك أن تواجه هذا الفعل المدمر؟ أن تعمل فيهما الأعمال الصالحة، يعني إذا عملت عملاً صالحاً ينفعك بعد انقضاء الزمن، لا يستطيع الزمن أن ينهيك، الزمن يمضي، ومع مضيه يستهلك الإنسان، والإنسان بضعة أيام، كلما انقضى يوم انقضى بضعٌ منه.
يعني كل واحد منا له عند الله عمر، لنطرح عمر افتراضي ثلاث وستين سنة، وخمسة أشهر، وسبعة أيام، وخمس ساعات وثماني دقائق، وسبع ثواني.
 انظر إلى الساعة، كلما تحرك عقرب الثواني، ثانية واحدة اقتربت من الصفر، هناك عدٌ تنازلي فالإنسان ينبغي، أن يحسب عمره لا أساس كم مضى من عمري، كم بقي لي من عمري، وأغلب الظن أن الذي بقي أقل من الذي مضى، وأن الذي مضى، مضى، كلمح البصر، والذي بقي، سيمضي كلمح البصر، والإنسان ما بين طرفة عين وانتباهتها، يبدل الله من حالٍ، إلى حال، فجأةً يرى نفسه على فراش الموت، فجأةً تقبض روحه، فجأةً يصبح من أهل القبور، فجأةً يصبح خبراً بعد عين، بعد أن كان رجلاً، شخصاً مهماً، له مكانته له سمعته، له قراره، له أملاكه، فجأةً يصبح خبراً على الجدران المرحوم فلان، فإن لم يكن صالحاً،

﴿ وجعلناهم أحاديث ﴾

( سورة المؤمنين: 44 )

 أحاديث، الله قال:
وجعلناهم أحاديث.
 إخوانا الكرام: أسوق لكم هذ1 المثل، وهو واقعيٌ جداً، الحياة تشبه مسرحاً في مقاعد، وفي خشبة مسرح، فالمستقيم له مكانٌ على أحد المقاعد، يرى على خشبة المسرح، شيء صحيح شيء غير صحيح، شيء مقبول، شيء غير مقبول، شيء يصدق شيء لا يصدق، شيء جميل، شيء قبيح، موقف أخلاقي، موقف لا أخلاقي هو له مقعدٌ مع المشاهدين، أما إن لم يكن مستقيماً لابد من أن يجرى إلى خشبة المسرح، وأن يضرب، وأن يهان، وأن يصبح قصةً يستمتع بها المشاهدون.
لذلك، اللهم لا تجعلنا عبرةً لأحد من خلقك، لا تجعلنا قصةً مسليةً للناس، لا تجعل من حياتنا أضحوكةً في أفواه الناس، لا تجعل من أحداث حياتنا، عبرةً يعتبر بها الناس،

 

﴿وجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق ﴾

 

( سورة سبأ: 19 )

 فالإنسان أيها الأخوة زمن، والزمن يمضي، والزمن يقربك من النهاية الحتمية، وكل إنسان له عند الله عمر.
فلذلك يقول الله عز وجل

 

﴿اقتربت الساعة وانشق القمر ﴾

 

( سورة القمر: 1)

 يقول الله: في آيةٍ أخرى،
أتى أمر الله.

 

( سورة النحل: 1 )


فعل ماضي أتى،

 

 

﴿ فلا تستعجلوه ﴾

 

( سورة النحل: 1 )

 معناها لم يأتي، يا ربي ما معنى هذه الآية ؟ الشيء الذي يعد الله به، يجب أن تفهمه وأنه وقع لمصداقية الله عز وجل، الشيء الذي وعد الله به، يجب أن تعده وقع وهذا معنى قوله تعالى:

 

﴿ ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل ﴾

 

( سورة الفيل: 1 )

 والله يا ربي ما رأيتهم، لكن يجب أن تتلقى أمر الله، وكأنه مشاهد لمصداقية.

 

﴿اقتربت الساعة وانشق القمر ﴾

 العلماء، وقفوا وقفات متعددة عند انشقاق القمر، بعضهم قال من أشراط الساعة، بعضهم قال وقع في عهد النبي،

 

 

﴿ وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر LL

 

( سورة القمر: 2 )

﴿ إنما سكرت أبصارنا ﴾

( سورة الحجر: 15 )

 هذا سحر، هذه براعة

 

﴿ وكذبوا واتبعوا أهواءهم ﴾

 

( سورة القمر: 3 )

 دقق ! العلاقة بين التكذيب وإتباع الهوى،

 

﴿أرأيت الذي يكذب بالدين فذلك الذي يدع اليتيم ﴾

 

( سورة الماعون: 2، 3 )

﴿فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم﴾

( سورة القصص: 5 )

 من لوازم التكذيب إتباع الهوى، ومن لوازم إتباع الهوى التكذيب،

 

﴿ فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا ﴾

 

( سورة مريم: 59 )

﴿ وكل أمر مستقر﴾

( سورة القمر: 3 )

 في كرة، في داخلها قطعة رصاص، هذه تتدحرج، لكن كيف تستقر ؟ لا تستقر إلا وقطعت الرصاص في أسفلها، مهما حركتها مهما أدرتها، مهما قذفتها، مهما فتلتها، في النهاية، لا تستقر إلا على هذه الحالة، والأمور هناك من يصعد، هناك من ينزل، هناك من يعتز هناك من يزل، هناك من يعطى، هناك من يأخذ منه، هناك من يتألق، هناك من يعتم عليه في النهاية لا يحق إلا الحق، مسموح للباطل يتحرك مسموح، بس إلى حين.

 

﴿ قل للذين كفروا ستغلبون ﴾

 

( سورة آل عمران: 12 )

 في سين، الآن لستم مغلوبين، لكن،

 

﴿ قل للذين كفروا ستغلبون ﴾

 معنى مصير الكافر الغلبة، مسموح له أن يتحرك، أن يجول جولةً، أن يتغطرس، أن يستعلي، أن يقول أنا أن يكذب بالدين، أن يزدري قيم الإسلام مسموح له، لأنه لا يفعل هذا،

 

 

﴿ وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون ﴾

 

( سورة الأنعام: 112، 113 )

 مسموح للباطل أن يجول جولةً، مسموح للكفر أن يستعلي إلى حين، أما المصير،

 

﴿ والعاقبة للمتقين تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين ﴾

 

( سورة القصص: 83 )

 الأمور تدور، وتدور ولا تستقر إلا على نصر المؤمنين، اقرأ تاريخ رسول الله، كم عارضه معارض كم كذبه مكذب ؟ كم رد دعوته كافر ؟ كم ائتمروا على قتله مؤتمر، أخرج من مكة، كاد كفار مكة أصحابه، نكلوا بهم، ائتمروا على قتله حاربوه في عشرين عاماً وفي النهاية.

 

﴿ إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا ﴾

 

( سورة النصر: 1، 2، 3، )

هذا دين الله، والله يتولى نصره، لا تقلق عليه، ولو تكالبت عليه قوى الأرض، لا تقلق لأنه دين الله عز وجل، لكن مسموح للكافر أن يعرض عضلاته.
 تروى قصة، في الصحيحين وردت، أنه سيدنا إبراهيم، حينما ألقي في النار، جاء حيوان اسمه الوزغ، يعني أبو بريص، ونفخ في النار ليزيد اشتعالها، وجاءت ضفدع فملئت فمها ماءً وأرادت أن تطفئها، لا الوزغ استطاع أن يزيد اشتعالها، ولا الضفدع استطاعت أن تطفئها، ولكن كل إنسان عبر عن ذاته، كل إنسان ظهر ما في نفسه كل إنسان أخذ خط، كل إنسان أخذ هوية، كل إنسان وقف موقف.
فلذلك،

﴿ إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما وإن تظاهرا عليه ﴾

( سورة التحريم: 4 )

 امرأةٍ من نساء النبي،

 

﴿ وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير ﴾

 

( سورة التحريم: 4 )

 إذا كان سيدنا جبريل وحده، يملئ ما بين السماء والأرض يعني معقول كل هذا الحشد، من أجل امرأتين، ليس هذا هو المعنى يعني معقول إذا مواطنة اعترضت على شيء، نستنفر السلاح الجوي وسلاح المدرعات، معقول، وسلاح البحرية، والقوات المسلحة كلها كلها امرأة وحدة أو امرأتين.
مقصود هذه الآية، أن كل من يقف في خندقٍ معادٍ للحق، كلما من يريد إطفاء نور الله، يجب أن يحسب حسابه، من هو الطرف الآخر ؟ الله، ورسوله، وصالح المؤمنين، والملائكة يعني معركتك خاسرة، سلفاً.
 يعني ممكن إنسان فرد يقاوم أكبر دولة في العالم، معها سلاح نووي، معها سلاح صاروخي، معها سلاح كيمائي، معها سلاح جرثومي، في عندها حاملات طائرات، في عندها قوى محمولة في عندها قوى مظلية، معقول إنسان واحد معه سكين، يقاوم أعظم دولة بالعالم معقول، لن تستطيع الآن دولة صغيرة، أن تقاوم أكبر دولة.
فإذا الإنسان أراد أن يطعن، في أهل الحق، إن أراد أن يطفئ نور الله، إن أراد أن يعادي دين الله، يجب أن يعرف من هو الطرف الآخر ؟ من هو خصمه،

﴿ فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير ﴾

 إذاً

﴿ وكذبوا واتبعوا أهواءهم، وكل أمر مستقر ﴾

الأمور سوف تستقر على الصحيح، والعوام لهم كلمة لطيفة، في النهاية لا يصح إلا الصحيح.
 أيام بيطلع قانون، مرتجل، منع بيع السيارات، صار في زواج سيارات، صار في احتيال، اضطروا أن يلغوا القانون، ما صح إلا الصحيح بالنهاية، إذا كان طلع قانون غير مدروس، مرتجل سريع، له مضاعفات خطيرة، في النهاية يلغى القانون، يعني ما صح إلا الصحيح، هذا مثل طبعاً، إذا الأب أخذ موقف غير صحيح بيتراجع عنه، لأنه الله عز وجل قال

﴿ وكل أمر مستقر ﴾

 الله هو الحق والأمور في النهاية لا تستقر إلا على وضعٍ صحيح، مسموح للباطل أن يجول جولة، مسموح للباطل أن يستعلي أحياناً إلى حين، ولكن

 

﴿ قل للذين كفروا ستغلبون، وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد ﴾

 

( سورة آل عمران: 12 )

 هي آية مطمئنة، في النهاية،

 

﴿إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ﴾

 

( سورة غافر: 51 )

 لا في الآخرة فقط، في الحياة الدنيا، وفي الآخرة، هذا تطمين إلهي،

 

﴿ وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا ﴾

 

( سورة آل عمران: 146 )

﴿ إن الله مع الصابرين ﴾

( سورة الأنفال: 46 )

﴿ أن الله مع المتقين ﴾

( سورة البقرة: 194 )

﴿ وأن الله مع المؤمنين ﴾

( سورة الأنفال: 19 )

﴿ إن الله يدافع عن الذين آمنوا ﴾

( سورة الحج: 38 )

﴿ ولن يتركم أعمالكم ﴾

( سورة محمد: 35 )

﴿ ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين﴾

( سورة آل عمران: 139 )

المؤمن يجب أن يثق بكلام الله.
 إذا واحد له دعوة، بقصر العدل، والمحامي طمئنه، أنه في اجتهاد في محكمة النقد، لصالحه، بيمشي بالعرض، يعني قاضيين اجتهدوا، وعملوا اجتهاد، وكتب في المجلة العدلية، أن مالك البيت من حقه أن يخلي البيت، إذا كان المستأجر في عنده بيت آخر هذا اجتهاد محكمة النقد، فإذا أنت معك مادة، من اجتهاد قاضيين من كبار القضاة، تطمئن، وإذا كان في شي مائة آية، بطمنك مالك مطمئن، مائة آية من كلام خالق الكون، مالك مطمئن، مالك مرتاح

﴿ وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض ﴾

( سورة النور: 55 )

 من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة،

 

( سورة النحل: 97 )

وين، إذاً،

 

 

﴿ وكذبوا واتبعوا أهواءهم وكل أمر مستقر ﴾

 

( سورة القمر: 3 )

 بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا وأكرمنا ولا تهنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وأرضنا وأرض عنا وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم..

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018