الدرس : 09 - سورة الحجرات - تفسير الآية 14 الإسلام ثلاث مراتب مرتبة الإسلام والإيمان والإحسان. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 09 - سورة الحجرات - تفسير الآية 14 الإسلام ثلاث مراتب مرتبة الإسلام والإيمان والإحسان.


1996-03-11

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
 أيُّها الإخوة الكرام، الآية الرابعة عشرة من سورة الحجرات وهي قوله تعالى:

﴿ قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (14)﴾

[سورة الحجرات]

 يتضِّح من هذه الآية أن هناك إسلاما و أن هناك إيمانا، وفي بعض الأحاديث الشريفة الصحيحة يبيِّن النبيُّ عليه الصلاة و السلام أن هناك مرتبة ثالثة هي الإحسان، ليس في الإسلام إلا هذه المراتب الثلاث، مرتبة الإسلام و مرتبة الإيمان و مرتبة الإحسان، فالإسلام حينما يخضع الإنسانُ لأمر الله فهو مسلم، لا يعنينا يقينُه أو إقبالُه أو اتِّصالُه أو معرفته أو عمقُ تفكيره، يعنينا إذا غضَّ بصرَه عن محارم الله و أدَّى الصلوات الخمس، و صام رمضان و حجَّ بيتَ الله الحرام، وأدَّى زكاة ماله، و كان صادقا و أميناً مستقيماً، إذا طبَّق منهج الله عز وجل بحذافيره فهو مسلم، أمَّا هذا الذي لا يعرف من هذا الدين إلا الصلاة فقط، أما في علاقاته الاجتماعية يرتكب كلَّ المحظورات، و في بيته ليس هناك انضباط إطلاقا، لا في أولاده و لا في بناته و لا في زوجاته، و لا في كسب ماله و لا إنفاقه و لا في أفراحه و لا في أحزانه و لا في سفره و لا في حضره أنت حينما تطبِّق منهج الله كلَّه و في كلِّ مناحيه و في كلِّ تفصيلاته تكون مسلما و قد لا تصل إلى الإيمان.
 نحن في الدنيا عندنا إتمام مرحلة و كفاءة و ثانوية و ليسانس ثم دبلوم عام و دبلوم خاص، ثم ماجستير ثم دكتوراه، ثم البورد، فالإنسان لا يقرأ و لا يكتب يقول أنا دكتور، هذا يحتاج إلى صفعة، كأن مراتب الدنيا واضحة و لها طرق واضحة أيضا، فلماذا في مراتب الآخرة كلُّ إنسان يدَّعي أنه مؤمن و هو متلبِّسٌ بألف معصية، صدِّقوني أيُّها الإخوة، الذي يقترف معْصيَة ويعلم أنَّها معْصيَة، لا يُمكن أن يكون في قلبه إيمان بالمستوى الذي يُنجيه، أما إبليس مؤمن، والدليل قوله تعالى:

 

﴿ قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ(82)﴾

 

[سورة ص]

 آمنَ بالله ربًّا، وبالله عزيزًا، لكن قال: أغوي، فأنا أقول: الإيمان المُنجي، حينما تقترف معْصيَة فهذا دليل أنّ إيمانك لا يكفي، تقريبًا كالميزان، فإن سَمِعتَ خطبةً حصَّلت خمسة غرامات، وبخطبة أخرى خمسة ثانية، وإن حضرتَ درس علم خمسة غرامات، ولكن عندك شَهَوات خمسة كيلو غرام ! فالله أوْدَعَ بالإنسان حُبّ المرأة، وحبّ المال يبيعُ آخرتَهُ من أجل المال، يغتَصِب بيتًا، أو محلاًّ، أما حينما تتعمَّق بالعلم أصبح عندك عِلم تقريبًا من باب التقريب عشرة كيلو، والشَّهوات خمسة كيلو حينها ترْجح الكفَّة، فحينما تتوقَّع أنَّك تترفَّع عن الشَّهوات من دون زادٍ من الإيمان، ومن دون اتِّصال بالله حقيقي، هذا هو حال الناس يصومون، ويُزَكُّون، ويحجُّون، ويعْتَمروا وعندهم شُعور إسلامي، أما إن دخلْتَ بيوتهم فلا تجد للاسْتِقامة أثرًا وتِجارتهم ليس فيها انْضِباط، وعلاقاتهم الاجْتِماعيَّة الانضباط منعدم فيها فَمِثْلُ هذا المسلم لا يفلح.
  الإيمان أرقى بكَثير، ونحن في مرتبة الإسلام، فالمسلم من أدَّى العبادات، وطبَّق المعاملات، وتأدَّب بآداب الإسلام، فإن فعَل كلّ هذا فهو عند الله تعالى مسلم، أما حينما يُصَدِّق كلَّما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام ويُقْبلُ على الله تعالى فهو مؤمن، فالتَّصديق والإقبال هو الإيمان، والكفر تَكذيب وإعراض، فالإيمان وضَع نفسي ؛ جزءٌ منه عقلي صَدّق فأيّ إنسان طبَّق الإسلام فهو مسلم، وربمَّا لا يكون قانِعًا بما يعْتقِد ! أما لمَّا تُصَدِّق أنَّ هذا هو الحق فهذا هو الإيمان، فقد كنتُ في العمرة، وفي غرفتي بالفندق، وكانت على مدخل الفندق، وضعوا كُتيِّبات، لفتَ نظري كُتَيِّب عنوانه شريط الفيديو، هذا الكُتيِّب فيه أنَّ امرأة حُكِم عليها ثلاثين سنة بالسِّجن مع الأشغال، أرْسَلَت إلى دار نَشر رِسالة ؛ هذه الرِّسالة طُبِعَت بهذا الكُتيِّب، قرأتُ الكتاب، ملخَّصه، فتاة جامِعِيّة من أسرة مُحافظة، في طريقها إلى الجامعة - يبْدو أنَّها على جانبٍ من الجمال - تَبِعها شابّ، أسْمَعها كلمات إطراء فانْزَعَجَتْ أشدَّ الانزِعاج، وتألَّمَت أشدَّ الألم، ثمّ اتَّصل بها بالهاتف، وقال لها: لعلِّي أزْعَجتُك ‍ أنا أراقبكِ من شَهر أو شَهرين، أنا مُعجَبٌ بأخلاقك، وأدَبِكِ، وكل شيءٍ فيك، وأتمنَّى أن أخطبَك من أهلِك ! تقول كاتبة هذه الرِّسالة: صِرْتُ أتمنَّى أن يتَّصِل بي، وصِرْتُ أتمنَّى إن خرجْتُ أن أراه في الطريق ! بعد شَهر اسْتَدرجها إلى شقَّة، وقضى حاجته منها، فلمَّا صَحَت من المُخدِّر، صَرَخت فقال: لا، أنت زوْجتي وسأَخْطُبكِ بعد حين ! ثمَّ بدأ يأخذها إلى هذه الشقَّة مرَّاتٍ عديدة، ثمَّ فوجِئَتْ بِتَنَكُّرهِ ! لماذا تنكَّر ؟ قال لها: أنا معي شريط !! فالذي جرى بيني وبينك مُصَوَّر في شريط فيديو !! فإن لم تُنَفِّذي تعليماتي كاملةً سوف أُعطي هذا الشريط لأهلِك ! صار يُؤَجِّرها كلّ يومٍ مع شاب، بِمَبالغ ضَخمة جدًّا ثمّ تطوَّر معه الحال فصار يُؤجِّر شريط الفيديو، فوصَل إلى ابن عمِّها ! ففُضِحَت وباعتْ الأسرة البيت، وهاجَرَت من البلدة كلِّها دَفعًا للعار، وهي لمَّا رأتْ أنَّ أسرتها دُمِّرَت وأصْبحت هي عاهرة قَتَلَت هذا الشَّخص بالسِّكين فَحُكِمَت بِثَلاثين عامًا !!
أنا أروي لكم هذه القصَّة لأنَّ النبي عليه الصلاة والسلام قال

(( لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا كَانَ ثَالِثَهُمَا الشَّيْطَانُ * ))

[ رواه الترمذي ]

 يقول سيّدنا سعد ثلاثة أنا فيهنّ رجل، وفيما سوى ذلك فأنا واحِدٌ من الناس: ما سَمِعتُ حديثا من رسول الله صلى الله عليه وسلّم إلا علمتُ أنَّه حقّ من الله تعالى فلمَّا نُخالف نحن منهج الله ؛ أُسْرة بِكَاملها تدمَّرَت، وفتاة كان بإمكانها أن تكون زوجة طبيب ! وأن تكون أُمًّا محترمة جدًّا، فهي في الأصل ترْبِيَتُها عاليَة، ولكنَّها من أجل أنَّها جَهِلَتْ حديث رسول الله ودخَلَت إلى الشقَّة انتَهتْ، فهذا الذي قالهُ النبي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحيٌ يوحى وما نم مشكلة على وجه الأرض إلا بسبب مخالفة منهج الله، وما من مخالفة لِمنهج الله إلا بِسَبب الجهل، والجهل أعدى أعداء الإنسان، والجاهل يفعَلُ في نفسِهِ ما لا يستطيعُ عدوّه أن يفعلَهُ به فالحديث هو كلام رسول الله بِوَحيٍ من الله تعالى، وأيّ مخالفة تُدَمِّر، فتَصَوَّر هذه الفتاة كيف دُمِّرَت ؟ وكيف قتلَتْهُ؟ وكيف حُكِمَ عليها بِسِجن ثلاثين عامًا ! لذا طوبى لِمَن وَسِعَتهُ السنَّة، ولم تسْتَهْوِهِ البدعة، فعلينا أن نكون دقيقين جدًّا، ونراقب أنفسنا، فالإنسان حينما يُطَبِّق المنهج اسمُهُ مسلم، ولم يرْتَقِ إلى الإيمان، فالإيمان أن تتحقَّق من أحَقِّيَّة هذا المنهج، وأن تُقبِل على الله والإحسان أن تجْعل كلّ أعمالك إحسانًا للخلق، وأن تعبد كأنَّك تراه، فإن لم تكن تراه فإنَّه يراك.
مُلخَّص الدرس، إلى أن نُطَبِّق منهج الله في كلّ شؤون حياتنا نكون مسلمين، أما لا يقرأ ولا يكتب ويقول: أنا معي دكتوراه، قال:
 الشعراء فاعْلَمَنَّ أربعة: فشاعِرٌ يجري ولا يُجرى معه، وشاعر يُنْشِدُ وسط المَعْمعة، وشاعر من حقِّه أن تسْمَعَ، وشاعر من أن تصْفَعَ، فالإنسان إذا تخطَّى المراتب وقال: أنا مؤمن ! قال تعالى:

 

﴿ قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (14)﴾

 

[سورة الحجرات]

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018