الربا - الدرس : 06 - القرض الحسن2- آداب التعامل مع القرض الحسن - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الربا - الدرس : 06 - القرض الحسن2- آداب التعامل مع القرض الحسن


1993-05-09

 الحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

تلخيص لما سبق :

 أيها الأخوة الأكارم، لازلنا في موضوع الربا وقد تحدثنا في الدرس الماضي عن البديل الشرعي للربا ألا وهو القرض الحسن، وقد بينت لكم أن الربا عمل استغلالي بينما القرض الحسن عمل إنساني، وشتان بين العمل الاستغلالي والعمل الإنساني.
 الربا اتباع لنزوة النفس وحرصها على المال، لكن القرض الحسن اتباع لأمر الله عز وجل، ودعوته للتعاون بين المؤمنين، والآية التي هي أصل في هذا قال تعالى:

﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾

[ سورة المائدة: 2 ]

 وبينت لكم في الدرس الماضي نقطة دقيقة جداً، وهي أن الأوامر الإلهية لها علاقة بالتصورات، والقيم، والقناعات، فإذا الإنسان يتصور أن الدنيا هي كل شيء، فمثل هذا الإنسان لا ينسجم مع القرض الحسن، و إذا تصورت أن الدنيا هي كل شيء، وأن المال قيمة ثمينة جداً، فشيء طبيعي أن ترفض القرض الحسن، أما إذا تصورت أن الدنيا دار عمل، وأن الآخرة دار جزاء، وأن المال يعد نعمة إذا أنفقته في سبيل الله، أو إذا وظفته في خدمة الخلق، ويعد نقمة إذا استأثرت به.
 أحكام الفقه متعلقة بالعقيدة.
 أيها الأخوة الأكارم: من الخطورة بمكان أن نفصل العقيدة عن أحكام الفقه، أحكام الفقه أو الأوامر والنواهي التي وردت في التشريع الإسلامي كلها نابعة من العقيدة، لذلك فهي تؤمن بدور الحياة الدنيا في الإعداد للآخرة، وبقيمة العمل الصالح، وأن الإنسان جاء للدنيا من أجل العمل الصالح، فما لم يكن هناك انسجام بين العقيدة وبين الأحكام الشرعية فإن هذه الأحكام الشرعية تبدو غريبة، وتبدو غير واقعية.

 

النقص بمعرفة الله من لوازمه النقص في العمل والبخل في الإنفاق :

 أيها الأخوة الأكارم، هناك حديث شريف مرّ بنا في دروس الفجر التي تلقى كل يوم في أيام الجمعة والسبت والأحد والاثنين والثلاثاء: " من ضنّ بالمال أن ينفقه وبالليل أن يكابده فعليه بسبحان الله والحمد لله".
 المؤمن لا يضن بالمال لأنه يعلم أن الله سيكافئه
يبدو لنا من هذا الحديث أن الإنسان لمّا يبخل بإنفاق المال، أو لا يهتم بأداء العبادات كما أراد الله عز وجل يغنيه عنها أن يقول: سبحان الله، لا، ليس هذا هو المعنى، لكن المعنى أنك إذا ضننت بالمال، أو ضننت بالوقت، إذا ضننت بالمال أن تنفقه، وبالوقت أن تبذله في طاعة الله وفي عبادة الله، فمعنى ذلك أنك لا تعرف الله، لذلك عد إلى معرفة الله، هناك نقص في المعرفة، والنقص بالمعرفة من لوازمه النقص في العمل والبخل في الإنفاق، هذه قضية دقيقة جداً، كلما نمت عقيدتك كلما قوي إيمانك، وكلما صحت رؤيتك كلما تعمقت تصوراتك، وكلما فهمت فهماً أعمق ارتقى مستوى عملك.
 فمن ضنّ بالمال أن ينفقه وجد نفسه تنازعه، وجد نفسه لا تستجيب له، لا تحب أن تنفق المال تحب أن تأخذه، تحب أن تكنزه، تحب أن تنفقه على شهواتها، فمن كان كذلك فليعلم علم اليقين أنه لا يعرف الله، لا تعرف ما عنده من إكرام إلا إذا أنفقت، ولا ما عنده من عقاب إلا إذا بخلت به.
 ضربت مثلاً أن الإنسان أحياناً يقدم هدية لملك كأن يصور الملك صورة زيتية ويقدمها للملك، هل يبخل ببرواز جميل جداً؟ اختر لي أرخص برواز أريد أن أقتصد هل هذا معقول؟ أنت تقدم هدية لملك والملك قد يعطيك مبلغاً كبيراً قد يغنيك إلى آخر حياتك وأنت حينما تضن أن تُغلي البرواز فمعنى ذلك أنك لا تعرف من الملك، لا تعرف ماذا يعني عطاء الملك، ولما الإنسان يضن بالمال فهذا مؤشر قطعي على أنه لا يعرف الله، لا يعرف لمن هو يعطي، لا يعرف أن الله سيكافئه على هذا الإنفاق.

ضرورة ربط أحكام الفقه بالعقيدة :

 عندما نبحث بالفقه بحثاً مستقلاً عن العقيدة، ونبحث بالأحكام الفقهية وحدها دون ربطها بالعقيدة، فقد يكون إنسان إيمانه ضعيفٌ، أو عقيدته غير صحيحة، قناعاته غير متينة، ورؤيته مهزوزة ومضطربة، مثل هذا الإنسان لا يرى أن هذه الأحكام معقولة، معقول أنا أقرض إنساناً مئة ألف لمدة سنة وبدون فائدة هل أنا مجنون؟
 طبعاً إذا كان الإنسان لا يعرف الله عز وجل يرى إنفاق المال غباء، أما المؤمن فيرى إنفاق المال مغنماً، وغير المؤمن يراه -على وزن مغنماً- مغرماً، إذا رأيت إنفاق المال مغنماً فأنت مؤمن ورب الكعبة، أما إذا رأيت إنفاق المال مغرماً ففي الإيمان ضعف، وفي العقيدة ضلال.
 أيها الأخوة الأكارم، أحكام الفقه يجب أن تُربط دائماً بالعقيدة، العقيدة إذا صحت صحّ العمل، فالإنسان لا يضن بوقته لمعرفة الله معرفة صحيحة، كم من انحراف في السلوك، كم من تكالب على الدنيا، كم من وقوع في الإثم و الحرام بسبب الجهل بما عند الله من إكرام إذا أطعته، وما عند الله من عقاب إذا عصيته، لا بدُّ من معرفة الآمر قبل الأمر، عندئذ من السهل جداً أن تقرض قرضاً حسناً، أنا أعرف أحد الأخوة الأكارم المحسنين رصد مبلغاً كبيراً قال: هذا لتفريج كرب المسلمين، قد يحتاج مؤمن إلى مبلغ، فأنا أفرج عن كربه بهذا المبلغ، لذلك أنا أردد هذا كثيراً: حظوظ النفس، المال حظ، والعلم حظ، والذكاء حظ، وطلاقة اللسان حظ، والأولاد والمركبة والزوجة كلها حظوظ، هذه لا تسمى نعماً ولا تسمى نقماً، موقوفة على نوع استخدامها، فإما أن ترقى بها إلى أعلى عليين، وإما أن تهوي بها إلى أسفل سافلين، إما أنها درجات إلى الجنة، وإمّا أنها دركات إلى النار، المال نفسه تنفقه في آلاف الأبواب، آلاف الأبواب مفتحة لإنفاق المال.
 أخي أتعرفُ العصرونية، ما العصرونية؟ هذا الاسم نسبة لوالي اسمه عصرون باشا، قد أوقف وقفاً، فكل طفل صغير، جارية، خادم، كسرت آنيته و له أب قاسٍ، له رب عمل قاسٍ جداً، يأتي هذا الطفل بقطعة من هذا الإناء فيعطيه صاحب هذا الوقف إناءً جديداً، أي ألغى مشكلة قد تقع في البيوت، ألغى مشكلة قد تقع في هذا المحل، أبواب العمل الصالح لا تعد ولا تحصى.
 فمن الممكن أن تنشِئَ ميتماً، مجمعاً، ففي دمشق عدة مياتم، طفل لا أب له ولا أم فيجدُ رعايةً وتعليماً وتوجيهاً ومطعماً ومنامة وموجهين، هذا عمل عظيم، دائماً وأبداً أيها الأخوة كل عملٍ صالحٍ سوف تلقى الله به، و الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً، إذا نقر في الناقور، و عندما يأتيه ملك الموت و له خمسة أولاد أو ستة يتوزعون، واحد هنا، و آخر يخبر الأقرباء، و ثالث ينعيه للأصدقاء، و رابع إلى حفار القبور، الخ......، وجميع آل الفقيد يساهمون كل في مهمة.
 لكن الأهم كيف سيلقى الله؟ يا بشر لا صدقة ولا جهاد فبمَ تلقى الله إذاً؟

العمل الصالح ثمنه الجنة :

 أيها الأخوة الأكارم، أرجو الله عز وجل أن أتمكن من وضع هذه الحقيقة بين أيديكم فيجب أن يكون عندك سؤال أبدي، كيف و بماذا ألقى الله؟
 تعونوا على البر والتقوى
ربيت أولادك؟ عمل طيب، كنت باراً بوالديك؟ عمل طيب، كنت زوجاً ناجحاً؟ عمل طيب، كنتِ أيتها الأخت زوجة ناجحةً؟ إذا رآك زوجك سر، وإذا أمرك أطعته، وإذا غاب عنك حفظته، الزوجة الصالحة تلقى الله بصلاحها، والزوج الصالح يلقى الله بصلاحه، والأبوة الكاملة عمل صالح يدخل الجنة، والبنوة الكاملة عمل يُدخل الجنة، والحرفة، والمهنة، و ليس من أحد منكم إلاّ له حرفة، واللهِ وأنا أعني ما أقول ولا أحنث بهذا اليمين يمكن أن تصل بحرفتك إلى أعلى عليين وأنت ساكت.
 المسلمون؛ قدمْ لهم بضاعة جيدة، انصحْهم، ليكن السعر معتدلاً، قدمْ لهم خدمات جيدة، اختر حرفة ليس فيها شائبة، وليس لها مشكلة أبداً، كثير من الألبسة صناعتها و العمل بها الآن حرام، كثير من اللباس يسهم بإيقاظ الفتن في الطرقات، وإبراز مفاتن المرأة، فيقول: أنا ليس لي علاقة و نحن نقل: لك علاقة قال تعالى:

﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾

[ سورة المائدة: 2 ]

 هذه الآية يجب ألاّ تذهب من أذهاننا، أن أية حرفة وأي عمل يسهم بشكل أو بآخر في خدمة المسلمين و التأثير بحياتهم، والله هناك أخ من إخواننا أنا أكبرته كثيراً، دعي إلى عمـل أرباحه مجزية وكبيرة جداً لكن في ملهى قال: معاذ الله إني أخاف الله رب العالمين، لا تضع خبرتك وذكاءك في تمديد كهرباء لهذا الملهى، أو في صنع المنجور لهذا الملهى، حيث تقام به المعاصي بمختلف أنواعها.

الدِّين نظام كامل :

 نحن نريد مؤمناً لا يرى الدين صوماً وصلاةً فقط، بل يرى الدين نظاماً كاملاً، يدخل الدين في حرفتك، ويدخل بثيابك، وبمركبتك، وببيعك وشرائك، نظام كامل، أي مفردات الدين مئات الألوف، كل شيء منها متعلق بعلاقتك مع الله، سواء ما كان منها متعلقاً بجسدك، أو متعلقاً بأهلك، وأولادك، و بحرفتك، وتجارتك، وزراعتك، مثلاً أذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم:

((الْجَالِبُ مَرْزُوقٌ وَالْمُحْتَكِرُ مَلْعُونٌ))

[ابن ماجه عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ]

 الجالب مرزوق والمحتكر ملعون، أكثر الناس يفصل بين الصوم والصلاة وبين احتكار البضاعة، فيجمع البضاعة ويخزنها ويمنع بيعها حتى يرتفع سعر بيعها إلى أضعاف مضاعفة فيسرِّبُها بالتقنين، يقول لك: ضربة معلم، لا، بل هذه ضربة أحمق.

((الْجَالِبُ مَرْزُوقٌ وَالْمُحْتَكِرُ مَلْعُونٌ))

[ابن ماجه عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ]

 أنت ليكن همك رفاه المسلمين، فهل تفرح إذا المسلمون أكلوا بأسعار رخيصة أم يؤلمك هذا؟ إذا الناس أكلوا فاكهة بأسعار رخيصة وأنت كنت ضامناً بستاناً وأرباحك انخفضت للنصف فلا تحزن، افرح للمسلمين فقد أكلوا مشمشاً، كرزاً، أفضل من أن يقف الطفل أمام البائع ويقول لوالده: أريد كرزاً وثمن الكيلو خمسون ليرة، يقول له: امشِ و ينهره، وإذا اشترى الوالد لابنه الفاكهة المحببة وكان سعرها رخيصاً فهل تحزن؟
 أنا أقول لكم: الدين ليس صوماً وصلاةً فقط فهو أعمق بكثير، الدين يدخل في صميم الحياة.
 لي أخ كان في فرنسا قال: سألوا شخصاً في ندوة تلفزيونية، و هو زعيم حزب يساري شيوعي و قد أسلم، سأله المذيع وقال له: ما الذي أعجبك في الإسلام؟ وهل أنت مسلم حقاً؟ فقال هذا المفكر الفرنسي: كم معي من الوقت لأجيبك على هذا السؤال؟ قال له: خمس وأربعون دقيقة، قال له: والله لو بقيت خمسةً وأربعين يوماً أتحدث عن الإسلام لما كفت هذه الأيام في بيان إيجابيات الإسلام، ولكن أقول لك كلمة مختصرة: الدين هو الحياة، و الإسلام دين الحياة.
 كنت أقول مرة لإخواننا: كم شخصاً يتسع الجامع الأموي؟ هناك تقدير أنه يتسع لخمسين ألفاً و لخمسين ألفاً في الصحن، فالجامع الأموي يسع مئة ألف مصلٍّ، تصوروا أن المئة ألف أغلقت الأبواب عليهم، فصلاتهم باطلة، هذا هو الحكم الفقهي، والإمام صلى صلاة متقنة، و قرأ فيها آيات الله عز وجل، وركع، وسجد، فلأن الباب مغلق فصلاتهم باطلة لماذا؟ هذا دين الله ليس فيه شيء مخبأ، بيوت الله مفتوحة، في الإسلام لا شيء يتكلم بين أربعة جدران، لا شيء في الإسلام تستحي أن تقوله للناس، ليس في الإسلام أسرار، العمل تحت ضوء الشمس، لا يوجد عمل سري في الإسلام أبداً، الإسلام يعمل تحت ضوء النهار لأنَّهُ دين الله عز وجل، لذلك من أحكام الفقه أنّ الجامع إذا أغلق بابـه فالصلاة باطلة، ليس في الإسلام اختيار أشخاص على ما يحبون.

الإنسان مسير إما بإلهام ملك و إما بوسوسة شيطان :

 أيها الأخوة الأكارم، أنا حريص على دروس الفقه كثيراً لكني أشعر أننا إذا ما ربطنا الفقه بالعقيدة فأحكام الفقه لا تبدو محببة للناس، إلا أن ربطها بالعقيدة ضروري، أنا ألح على موضوع القرض لأنه بديل الربا، أنا أسبوعياً أُسأل هل من أخذ من البنك قرضاً بفائدة وهو مضطر لذلك حرام؟ هؤلاء المسلمون كلهم تخلوا عنك؟ أليس فيهم أغنياء؟ يقول لك: فرق العملة، معنى هذا أننا عبدنا المال من دون الله، و رغم فرق العملة لتعملْ عملاً طيباً. هل تعرف أن الله سبحانه وتعالى قادر وأنت في أعلى درجات ذكائك، وأنت الذكاء عينه، والكياسة، والخبرة، وأنت الشاطر، وأنت تنتهز الفرص، وأنت في هذا المستوى أن يخسرك ثلاثة أرباع مالك؟ لأن الله عز وجل عظيم، يُؤتى الحذر من مأمنه.
 القرض الحسن يعود بالفائدة على المقرض وعلى المجتمع
مرة قال لي أخ أنه أمسك يده وما أنفق المال بل بخل به، و أحب أن يسافر خارج القطر فكر وفكر وفكر...خرج بفكرة أن يشتري عملة ورقية لبنانية، ثم اشترى عملة لبنانية، فماذا جرى للعملة اللبنانية؟ شخص آخر يده ماسكة، جاءته رحلة لمدة خمس سنوات إلى خارج القطر، وعنده بيت ملك فقال: هذا البيت حرام أن يبقى مجمداً طيلة هذه السنوات فهل أنا مجنون؟ فباع البيت ووضع أمواله في شركة استثمارية، فلما رجع أعطوه بالمئة عشرة بالسنة، لكن البيت ارتفع ثمنه عشرة أمثال، صار بلا بيت والمبلغ الذي بحوزته لا يساوي عشر ثمن بيت جديد.
 لا يوجد مع الله ذكي، الله قادر أن يذهب المال كله باختيارك، ألا تسمع بهذا الدعاء: "اللهم اجعل تدميرهم في تدبيرهم"، فالإنسان قد يفكر ويحسبها ثم يخسر نصف ماله، والذي يقرض قرضاً حسناً فالله عز وجل يلهمه عملاً لا يخطر في باله، الحقيقة أنا قناعتي أن الإنسان مسير إما بإلهام ملك، و إما بوسوسة شيطان، فالمؤمن يسدده المَلَكْ يا عبد الله افعل كذا فتراه يسير بهدى من الله من خير إلى خير، هذا الكلام أسوقه من أجل أن على الإنسان ألّا يبخل. إنسان تعرفه مؤمناً وصادقاً أقرضه. وأنا أتكلم عن المؤمنين وليس عن الشحاذين، المتسولون لهم مجال آخر أنا أتكلم عن مؤمن يحسبه الجاهل غنياً من التعفف.

الله يحبنا أن نتعاون و نتآلف:

 خطر في بالي اليوم خاطر وهو حق: إذا قال الله عز وجل لك: يجب أن تعطي إنساناً لا يسألك فكيف تعرفه؟ هذا سؤال ثانٍ يجب أن تعطي إنساناً لا يسألك، فأنت ما واجبك ما دام الله يأمرك؟ إذا الله أمرك أن تعطي من لا يسألك فواجبك أن تسأل وأن تتقصى. لتعرف من هو المحتاج و تستطيع أن تعينه.
 عودوا أنفسكم يا أخوان: إذا التقيت بأخ، اسأله عن صحته، واسأله عن حالته المادية، واسأله عن بيته وأولاده، وعن دراسة أولاده ودخله، واسأله هل عليك ديون؟ لأن المؤمن لا يشكو، والمؤمن كريم النفس، وعزيز، المؤمن عنده شرف أما المتسول فأمره بحث آخر.
 المؤمن لا يسأل، و مادام لا يسأل فلتتقصَّ أنت حالته، اسأله أنت وتحبب له، الله عز وجل يحبنا أن نتعاون، يحبنا أن نتآلف، يحبنا أن يعين بعضنا بعضاً، و الله في عون العبد مادام العبد في عون أخيه، أحياناً أرى شخصاً متألقاً كثيراً وأسأل هل هناك سبب لهذا التألق؟ فأفهم أن السبب عمله الطيب، و هموم الناس كلها على كتفه، فإذا أردت أن تسعد فأسعد الآخرين، أنت تعيش في مجتمع مسلم و كلهم أخوانك وأنت في بحبوحة فإذا صاروا في بحبوحة ألا يسرك هذا؟ أما أن تكون وحدك ببحبوحة فهذا ليس من إيجابيات الإسلام العظيم.
 مرت بالناس فترة منذ خمس سنوات قبل أن يكرمنا الله بحمضيات من إنتاج بلدنا فقلّت في تلك الفترة: الحمضيات سعرها مرتفع لصعوبة استيرادها، و صار كيلو البرتقال بخمس وثلاثين أو أربعين ليرة، وكان الدخل قليلاً جداً قبل التضخم النقدي، فصار هذا الشيء فوق طاقة الفقير، أقسم بالله شخص و هو غني قال: و الله ما اشتريته خجلاً من الله عز وجل، أي أن آكل وحدي والناس كلها محرومة، فالإنسان إذا لم يشعر بشعور الآخرين تخلى عن بعض دينه.
سيدنا عمر وضعوا له مرة طعاماً نفيساً و كان وجه هذا السنام أطيب شيء فوضعوه أمامه فبكى قال: "بئس الخليفة أنا إذا أكلت أطيبها و أكل الناس كراديسها"، مرة خاطب قلبه قال له: "قرقر أيها البطن أو لا تقرقر فو الله لن تذوق اللحم حتى يشبع منه صبية المسلمين".

الدين الحقيقي هو الدين الذي يرسم السعادة على شفاه الآخرين :

 نريد أن نعيش الإسلام أيها الأخوة فنحن عندنا خطب، و أشرطة، و أحاديث، و كتب، و مجلات، وألسنة طليقة بالدعوة إلى الله، فصار عندنا تخمة، الآن نريد إسلاماً مطبقاً، نريد مجتمعاً مسلماً، أريد إنساناً ينطق بإسلامه و هو صامت، حركته إسلامية، بيته إسلامي، متجره إسلامي، تعامله إسلامي، عبادته صحيحة، و الحقيقة تطور وسائل الإعلام، الكتب، الطباعة، المجلات، الصحف، الأشرطة، أحدث إشباعاً لدى الناس، أي يوجد كل شيء، كلّنا نريد الدين الحقيقي، و هذا هو الذي نبحث عنه، عندها ينظر الله عز وجل للعباد بعين الرحمة، و لدينا حديث قدسي يهز أعمق مشاعري:
 "يا عبادي إذا أردتم رحمتي فارحموا خلقي"، و سأقول بصراحة: كل منا يبحث عن السعادة بدون شك، هل تصدق أن سعادة الإعطاء تفوق سعادة الأخذ؟ واللهِ إن المؤمن حينما يوفق إلى عمل صالح، إلى مسح دمعة من وجه مسلم، إلى رسم ابتسامة على وجه طفل صغير تكون سعادته بالغة.
 الدين الحقيقي أن ترسم السعادة على شفاه الآخرين
ذات مرة زرت صديقاً و صاحب البيت والده يومها مصاب بمرض عضال، جاء لهذا الصديق هاتف، أن قابل الطبيب الفلاني، فقال له الطبيب: العملية جاهزة وتكلفتها مغطاة، فأجريـت للمريض عملية، ونجحت العملية، وزرته بعد أن شفاه الله رأيت البيت فيه فرحاً، الأطفـال يرقصون من الفرح، والدهم كان مريضاً وشفي، هذا الذي أدخل على هذه الأسرة السرور كم له من الأجر عند الله عز وجل؟؟
 العملية فوق طاقة الإنسان، إنسان اتصل به بالهاتف وقال له: اتصل بالطبيب الفلاني الذي قال له: إن الاستعدادات للعملية تمت وأجرة العملية مغطاة.
 شخص ما أقام حفلة ودفع مئة وخمسين ألف ليرة، وأربعة أخماس الطعام بقي على الطاولة، و قال بعضهم: شيء يكسر العين، شيء مرتب، لكن من أنفق على العملية أدخل على قلوب أسرة بكاملها السرور، هذا المال أنت محاسب عنه، ويجب أن تنفقه في مكانه الصحيح.
 ذات مرة ذكرت لكم أن أحد أخواننا الكرام زار أخته يوماً و وجد مشكلة بالبيت، منازعة بين أخته وزوجها تريد منه ثلاثمئة ليرة بالشهر مصروف ألبسة، والزوج موظف ودخله محدود فلم يرض، فرأى أخوها أنه لو دفع المبلغ يحل هذه المشكلة، فقال لها: خذي مني شهرياً هذا المبلغ، قال لي: كل شهر أسلمها هذا المبلغ، بعد ستةِ أشهر طلبتْ منه أخته مجلس علم، أحضرت بناتها كلهن، درس لأخواته وبنات أخواته، قال لي: آية وحديث وحكم فقهي وتحفيظ قرآن، و على إثر ذلك تحجبت البنات كلهن و أنعم الله عليهن بأزواج أطهار.
 فممكن بهذه الثلاثمئة بالشهر حلّ مشكلة عند أسرة وبعد ذلك نمت العلاقة، وطُلِب منه درس علم، وبعد ذلك البنات تحجبن، ثم جاءهن أزواج مؤمنون، أنت وفرت السعادة لخمسةِ بيوت بثلاثمئة ليرة، هذا المال كما تعرفون قيمته بِحَلِّ المشاكل، إنه حلال المشاكل، أنت حينما تنفق المال في طاعة الله، تجبر خاطر إنسان، و ترعى يتيماً، تقدم هدية لإنسان فإن كانت هناك خصومة تنقلب إلى مودة.

((تَصَافَحُوا يَذْهَبِ الْغِلُّ وَتَهَادَوْا تَحَابُّوا وَتَذْهَبِ الشَّحْنَاءُ ))

[مالك عن عَبْدِ اللَّهِ الْخُرَاسَانِيِّ]

 ولم يقل الهدية من طرف واحد بل قال: تهادوا، أي الهدية دَيْن، نحن نريد فقهاً مربوطاً بالعقيدة حتى ترى الأحكام سهلة جداً.

الموت أكبر موعظة للإنسان :

 إذا أنت شاهدت كتاباً هو أساس دراستك في الكلية، وثمنه ثمانمئة ليرة، هل تراه غالي الثمن؟ وعندما تأخذ دكتوراه كل صورة – إيكو- بألف ليرة، وكل تخطيط بألفي ليرة، إذا كان هذا القاموس سعره ثمانمئة هل تستغليه؟ تدفع فوراً، إذا أنت موقناً أن القاموس يفيدك في اختصاصك، و إذا كنت تعرف الله معرفة يقينية، فالمال صار إنفاقه سهلاً، لماذا المال فإني سوف أتركه.
 مرة كنا بمدينة من مدن الشمال فيها حيّ و كأنه ليس في سوريا. هذا الحي فيه كل فيلا هندستها متميزة، أنا أذكر زرت هذا الحي سنة خمس و سبعين و تسعمئة و ألف، الفيلا تكلفتها ثمانية وثلاثون مليوناً، كان البيت في المالكي بمئتي ألف، قالوا: هذه الفيلا فيها رخام أونكس بخمسة ملايين ليرة، صاحبها توفي وعمره اثنتان وأربعون سنة، شاءت الأقدار أن يكون القبر أقصر من طوله وهو طويل جداً، وعندما وضع في القبر جاء الحفار ودفعه في صدره حتى وسعه القبر.
 أين كان يسكن وأين صار؟ الإنسان كلما قرأ هذه النعوة - وسيشيع إلى مثواه الأخير - يشعر أن بيته الذي كان يسكنه هو مثوى مؤقت.
 مهما اعتنيت بهذا المثوى فهو مؤقت ألم تر بعينيك؟ ما حضرت مسوية في بيت في المالكي أو غيره إلا ويقولون لك: ثمنه ثلاثة وثمانون مليوناً، خمسون مليوناً، ألم يمت صاحبه؟ أين صاحبه؟ في مقبرة الباب الصغير، حيث لا رخام و لا دهان.
 الموت أكبر موعظة، كل يوم نراه.

من استقام على أمر الله سعد و غني :

 أردت من هذه المقدمة أن أؤكد لكم أنه لا تستطيع أن تطبق أحكام الفقه كما أراد الله إلا إذا آمنت بالله كما أراد الله: " من ضنّ بالمال أن ينفقه وبالليل أن يكابده فعليه بسبحان الله والحمد لله"، أي ارجع وجدد معرفتك بالله، مثلاً من باب التمثيل والتوضيح: عندما تعرف شخصاً كريماً لدرجة وغنياً ويزورك فماذا تقدم له؟ أتكتفي بفنجان قهوة فقط؟ إذا أحبّ أن يعطيك يعطيك مئة ألف، وزارك في البيت، أنت تعرف أن أي شيء تبذله من أجله سوف يعود عليك أضعافاً مضاعفة، إذا كنت تعرف حجمه المالي، وتعرف كرمه، وتعرف عظمته ترى أن كل شيء تبذله قليل.
 العلم أول مرحلة للإصلاح
هذا مع إنسان كيف مع الله عز وجل؟ أنت تعامل خالق الكون، هناك أحاديث لا أشبع منها.

(( الخلق عيال الله فأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله ))

[ أخرجه أبو يعلى والبزار عن أنس بن مالك ]

 أحياناً يكون الإنسان شخصاً مرموقاً، و لا يستطيع أحد أن يتقرب منه إلا عن طريق أولاده، فيعطي الابن سكرة، فهذه ليست للابن بل هي للأب، إذا أنت أكرمت أخاك المؤمن فهذه التكرمة لله عز وجل، الله غني عنك، يا رب كيف أتقرب إليك؟ كلهم عبادك وأنت تحبهم و أنا سوف أخدمهم حتى تحبني، ترى الإنسان إذا كان تاجراً، صاحب مزرعة، صاحب متجر، جاءه زبون يحب أن يخدمه، يكرمه، فيراعيه ويلين معه القول.
 ترى قسوة الإنسان من قسوة قلبه، وقسوة قلبه من بعده عن الله، وبعده عن الله من المعاصي، والمعاصي من الجهل، هذه سلسلة، لكن إن تستقم وتتصل بالله عز وجل تسعدْ ويلن قلبك ويصبح عملك طيباً، أما إن كان العمل سيئاً فمعنى هذا أن القلب قاسٍ، و أن الإنسان مقطوع، متلبس بالمعاصي، و مهما بحثنا فالعلم أول مرحلة للإصلاح، أول شيء أن تتعلم، لذلك حضور مجالس العلم شيء أساسي وضروري، و الإنسان من دون علم يصبح كالبهيمة يأكل ويرفس، تكرمه ويؤذيك، فهو جاهل تائه.
 اللهم اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون، لو أنهم يعلمون لآمنوا به ونصروه، كذبوه واستهزؤوا به وردوا دعوته وضربوه.
 معنى هذا أن العلم هو الأساس، والعلم له مكان و هو المسجد يُدّرس فيه، لا علم يأتي من دون سعي و من دون سبب، ومكانه في الجامع، والعلم موضوعه القرآن الكريم كلام الله عز وجل، موضوعه سنة النبي عليه الصلاة والسلام.

آداب التعامل مع المقترضين :

1 ـ إنظار المعسر :

 و بعد فقد قال العلماء آداب التعامل مع المقترضين هي: إنظار المعسر: ليس هذه قضية مزاجية فالله أمرك، قال تعالى:

﴿ وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾

[ سورة البقرة : 280 ]

 إنظاره إذا كان معسراً، أنا أنصح المدينين أن المدين إذا كنت معسراً فبلغ صاحب الدين بعسرك، هناك شخص تدينه مبلغاً لشهرين، يمضي الشهران والأربعة أشهر والستة أشهر والسنة وهو مرتاح ومكيف، يا أخي قل لي، قدم اعتذارك، أنا معسر، خطأ فاحش بالمقترض أن يأتي الأجل ويبقى ساكتاً، عليك أن تبين ظروفك.
 البيان يطرد الشيطان، قال لي أخ: إنه أقرض شخصاً يوماً ما، و عند استحقاق السند جاءه وقال له: أنا عندي مشكلة كذا وكذا سامحني، فقال له: معك شهر آخر، ثم قال لي: سررت كثيراً لقدومه.
 لم يبق قلقاً، هل ينوي أن يعطيني أم لا؟ جاء وبلغني أنَّهُ الآن معسر.

حكم الله للمعسر :

 أول أدب من آداب المقرض أن يصبر، و إن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة، و حكم الله للمعسر بالإنظار إلى أن يوسر، قال لي أحد الأخوة إنه ديّن شخصاً خمسين ألفاً و يوم استحقاق السند حلّ الحجز على البيت بأن أقام دعوى ودفع عشرين ألفاً وتملك بيتين بأطراف المدينة، بسعر بخس عن طريق مناقصة، من أجل خمسين خسر بيتين و القصة قديمة، هناك أشخاص لا يرحمون.
حكم الله للمعسر الإنظار إلى أن يوسر، ما قولكم أن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: من فرج عن معسر فرج الله عنه كربته

((مَنْ أَرَادَ أَنْ تُسْتَجَابَ دَعْوَتُهُ وَأَنْ تُكْشَفَ كُرْبَتُهُ فَلْيُفَرِّجْ عَنْ مُعْسِرٍ))

[أحمد عَنِ ابْنِ عُمَرَ ]

 الله جعل إنظار المعسر سبباً لاستجابة الدعوة، وجعلها سبباً لتفريج الكرب، ما قولكم أن الله سبحانه وتعالى من خلال حديث رسوله صلى الله عليه وسلم بين أنه:

((مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا أَوْ وَضَعَ لَهُ أَظَلَّهُ اللَّهُ فِي ظِلِّ عَرْشِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ))

[الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]

 كل هذه الأحاديث من أجل أن نتعاون، ونتحابب، ويرحم بعضنا بعضاً.

(( أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ طَلَبَ غَرِيمًا لَهُ فَتَوَارَى عَنْهُ ثُمَّ وَجَدَهُ، فَقَالَ: إِنِّي مُعْسِرٌ فَقَالَ آللَّهِ، قَالَ: آللَّهِ، قَالَ: فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُنْجِيَهُ اللَّهُ مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلْيُنَفِّسْ عَنْ مُعْسِرٍ أَوْ يَضَعْ عَنْهُ ))

[مسلم عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ]

 صار معنى إنظار المعسر عمل طيب جداً.

الله أمرنا بالإقراض و أمر المقترض بأداء الدين :

 وفي حديث ثالث يقول عليه الصلاة والسلام:

(( إن أول الناس يستظل في ظل الله يوم القيامة لَرجلٌ أنظر معسراً حتى يجد شيئاً أو تصدق عليه بما يطلبه يقول: مالي عليك صدقة ابتغاء وجه الله ويخرق صحيفته))

[الطبراني عن أبي اليسر]

 مرة زرت شخصاً يبيع أقمشة ببلدة من بلدان القطر في الشمال قال لي: صار معي أزمة في المحل وكدت أن أفلس، لا يوجد بيع وعليّ ديون وطالبوني بإلحاح فأصابني ألم شديد، ثم قال: جاءني أحد التجار المؤمنين، و له معي مبلغ ضخم، ومعه سندات، و أردت أن أضيّفهُ لأنه جاء من الشام، فقلت له: أريد أن نتناول الطعام في البيت عندي، لأن البيت بالنسبة لي أوفر، و أنا في ضائقة شديدة، فقال له: نعم، فلما رأى بيته ستين متراً، ولا يملك سوى غرفة واحدة، قال له: اعفني كأني أكلت عندك، هذا التاجر قال: الذي يسكن في بيت مساحته ستون متراً لن يكون محتالاً، ليس عملية إفلاس احتيالي بل هو في ضائقة، أخرج هذا التاجر السندات ومزقها و قال له: انزل إلى الشام لأعطيك بضاعة وأي محل لم يعطك بضاعة قل لي، وعد واعمل.
 والله يا أخوان تكلم وبكى، والتاجر توفي رحمه الله، قال لي: أنهضني ونشلني، عاد لعمله: تديّن واشتغل وربح و ردّ الديون، وقال لي: الآن بيتي مساحته مئتان وخمسون متراً، كان يتكلم ويبكي لأن هذا الإنسان الذي أنظره قال له: لا عليك من هذا الدين، انزل للشام وخذ بضاعة.
 هكذا يحبنا الله أن نكون، أكثر الناس يتدين، ويبيع البضاعة، ويحل بها مشاكله، و يأتي أصحاب الدين فيقول لهم: السوق باردة و لا يوجد بيع، بينما يكون قد باع البضاعة، و عمل بثمن البضاعة عملاً آخر، وتجارة ثانية، وزوج أولاده، ومن ثم يعلن إفلاساً احتيالياً، هكذا يفعل كثير من الناس.
 لذلك الدَّيْن توقف، و الديانة أحجموا عن الإدانة و الإقراض، وعندما توقف الدين توقفت عجلة الحياة، لا أحد فيه ذمة إلا القليل، النبي عليه الصلاة والسلام كان لا يصلي على المدين و لو مات شهيداً، لكن الله عز وجل أمرنا أن نقرض وندين، وبالمقابل كان عليه الصلاة والسلام يسأل عن صحابي جاهد معه: أعليه دين؟ فإذا قالوا: نعم، قال: صلوا على صاحبكم.
 كما أمرنا بالإقراض أمر المقترض بأداء الدين وأنه معلق بين السماء والأرض حتى يؤدي دينه.
 لذلك الآن يقال عند كل ميت على المغتسل: وهبتم؟ وهبنا، و يأتي أحد أقربائه و يتحمل ديونه وإلا مشكلته كبيرة.

(( إن أول الناس يستظل في ظل الله يوم القيامة لَرجلٌ أنظر معسراً حتى يجد شيئاً أو تصدق عليه بما يطلبه يقول: مالي عليك صدقة ابتغاء وجه الله ويخرق صحيفته))

 بصراحة أقول لكم: إذا كان الإنسان ميسوراً جداً، وهذا الدائن فقير جداً، وهو مؤمن وصادق، وعفيف، وأموره صعبة جداً، أي إذا قلت له: سوف أسامحك بنصف الدين أو بالدين كله، فهل أنت مخطئ؟ لا، والله لست مخطئاً، قل له: مسامح، و نحن نقول لك: جزاك الله خيراً وعوض عليك.

2 ـ حُسُن التقاضي :

 أما الأدب الثاني فسيدنا النبي عليه الصلاة والسلام خرج إلى المسجد:

((خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَسْجِدِ وَهُوَ يَقُولُ بِيَدِهِ هَكَذَا فَأَوْمَأَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ بِيَدِهِ إِلَى الأَرْضِ مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا أَوْ وَضَعَ لَهُ وَقَاهُ اللَّهُ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ ))

[أحمد عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ]

 أول أدب إذا كان معسراً فأنظره، الأدب الثاني اسمه حُسُن التقاضي:

(( عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: مَنْ طَالَبَ حَقًّا فَلْيَطْلُبْهُ فِي عَفَافٍ وَافٍ أَوْ غَيْرِ وَافٍ ))

[ابن ماجه عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ ]

 المؤمن إذا طالب بحقه أحسن في الطلب
و في الآية الكريمة قال تعالى:

﴿ وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾

[ سورة آل عمران: 75 ]

 هذا توجيه إلهي تريد أن تسترد دينك فيجب أن تطالب، لكن بعفاف وليس بقسوة، يوجد أشخاص يسبون، ويكسرون، ويلعنون، و هذا ليس سلوك المؤمن:

((مَنْ طَالَبَ حَقًّا فَلْيَطْلُبْهُ فِي عَفَافٍ وَافٍ أَوْ غَيْرِ وَافٍ ))

[ابن ماجه عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ ]

 والنبي عليه الصلاة والسلام حثّ على السماحة في المعاملة، وترك التضييق على الناس في المطالبة، وذلك بدعائه للمتسامحين في البيع والشراء و الاقتضاء.

((رَحِمَ اللَّهُ رَجُلاً سَمْحًا إِذَا بَاعَ وَإِذَا اشْتَرَى وَإِذَا اقْتَضَى))

[البخاري عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا ]

 إذا باع وإذا اشترى وإذا اقتضى، أحياناً يبقى لك معه خمس ليرات، والبيعة بثلاثمئة وخمس ليرات لا يوجد معه تقول له: أريد خمس ليرات أحضرها إلي، لكن الأولى بك: سامحه بها، سمحاً إذا باع وإذا اشترى، و ليس معه أن يكمل لك، و بقي لك معه ليرة فالمسامحة خلق حميد.

(( رَحِمَ اللَّهُ رَجُلاً سَمْحًا إِذَا بَاعَ وَإِذَا اشْتَرَى وَإِذَا اقْتَضَى))

[البخاري عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا ]

 والنبي عليه الصلاة والسلام قال:

((...أَلا وَخَيْرُهُمُ الْحَسَنُ الْقَضَاءِ الْحَسَنُ الطَّلَبِ أَلا وَشَرُّهُمْ سَيِّئُ الْقَضَاءِ سَيِّئُ الطَّلَبِ أَلا ))

[مسلم عَنْ أبي سعيد الخدري]

 أنت كمؤمن يجب أن تطالب بأدب وبرحمة وبلطف وعفاف، شرّ الناس من كان سيئ القضاء أو سيئ الطلب، الدُّرج مليء والبضاعة باعها في الأسبوع الماضي فلماذا المطل؟ هذا سيئ القضاء، لذلك مطل الغني ظلم، ليُّ الواجد يبيح عرضه، يصفونه: فلان سلعة، إذا قلت: لا يدفع فلا عليك لأن ليَّ الواجد يبيح عرضه.

 

3 ـ وضع الدين :

 الأدب الثالث وضع الدين:
 وضع الْدين أي أن تسامح بشيءٍ من الديْن إذا رأيت المدين معسراً، وضعُ جزءٍ من الدين هل فيه دليل قرآني؟ قال تعالى:

﴿ وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾

[ سورة البقرة : 280 ]

 أي إذا أنت في بحبوحة وأخوك المقترض بضائقة مالية شديدة وقلت له: وضعت عنك بالمئة ثلاثين مسامحة، أو لك بالمئة خمسون هدية مني لك، أو بالمئة مئة أنا وأنت واحد.

(( حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ تَقَاضَى ابْنَ أَبِي حَدْرَدٍ دَيْنًا لَهُ عَلَيْهِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَسْجِدِ فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا حَتَّى سَمِعَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي بَيْتِهِ فَخَرَجَ إِلَيْهِمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى كَشَفَ سِجْفَ حُجْرَتِهِ وَنَادَى كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ يَا: كَعْبُ قَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَأَشَارَ بِيَدِهِ أَنْ ضَعِ الشَّطْرَ مِنْ دَيْنِكَ، قَالَ كَعْبٌ: قَدْ فَعَلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قُمْ فَاقْضِهِ ))

[متفق عليه عن عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ]

 هذا الحديث له معنى جديد، أي يجوز أن تشفع بين دائن ومدين، قد يكون المدين خائفـاً والديان قوياً وأنت لك مكانة عند الاثنين فاذهب إلى الدائن وقل: على مهلك هوّن عليك، أنا أكفله، استنبط العلماء يجوز أن تشفع بين الدائن وبين المدين.

((عَنْ جَابِرٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: أُصِيبَ عَبْدُ اللَّهِ وَتَرَكَ عِيَالاً وَدَيْنًا فَطَلَبْتُ إِلَى أَصْحَابِ الدَّيْنِ أَنْ يَضَعُوا بَعْضًا مِنْ دَيْنِهِ فَأَبَوْا فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاسْتَشْفَعْتُ بِهِ عَلَيْهِمْ فَأَبَوْا))

[البخاري عَنْ جَابِرٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ]

 هؤلاء ديانة عاديون وليسوا من المؤمنين، أما المؤمن فهو يقدم روحه.
 إن شاء الله في درس قادم نتابع القرض، و سأتوسع بالموضوع ليقيني أن القرض الحسن الآن هو الذي يحل مشاكل المسلمين، يقول لي شخص: أريد أن آخذ من البنك فائدة، قلت: ألا يوجد حولك أحد يقرضك؟ قال: لا، فهذا رجل وقع في ضائقة مالية وأخوه حجمه المالي يزيد عن مئتي مليون ليرة التجأ له، بلا جدوى، فقال لي: ذهبت إلى بلد عربي مجاور ولي مورّد ليس مسلماً، و قلت له: أنا بوضعٍ ماليٍ صعب جداً، و ما ملكت نفسي فبكيت أمامه، فقال له: انزل في الفندق الفلاني ثلاثة أيام لترتاح أعصابك ثم تعال إليَّ، قال: فأعطاني مبلغاً ضخماً وأعطاني بضاعة ثم أردف قائلاً لي: أحبه أكثر من أخي، وتكلمها بسذاجة، ذاك ليس مسلماً وقالها: أحبه أكثر من أخي.
 "الأغنياء أوصيائي والفقراء عيالي فإذا منع مالي عيالي أذقته عذابي و لا أبالي"
 إذا إنسان وقع فمن له غير إخوانه ليساعدوه؟ هذا الإيمان، نحن نريد إسلاماً مطبقاً وتعاوناً، وليس معنى كلامي أن تقذف مالك جزافاً، لا تعرف الشخص فتدينه، لا، فأنا لا أقصد هذا، أنا أقول: شخص تعرفه جيداً، وتعرف صدقه، وعفافه، وتعرف إمكاناته، وتعرف أنه بحاجة إلى شيء أساسي، يحتاج إلى وقود في الشتاء، يحتاج إلى عملية جراحية لابنه، وأنت في بحبوحة وتقول: لا يكفي العباد إلا رب العباد، الله عز وجل جعلك خليفته في الأرض.
و إلى درس قادم إن شاء الله تعالى لنتابع الموضوع ذاته .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018