الدرس : 55 - سورة النساء - تفسير الآيات 123-126 ، ثمن النصر - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 55 - سورة النساء - تفسير الآيات 123-126 ، ثمن النصر


2003-04-04

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا بما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

الأماني بضائع الحمقى :

 أيها الأخوة المؤمنون، مع الدرس الخامس والخمسين من دروس سورة النساء، ومع الآية الثالثة والعشرين بعد المئة وهي قوله تعالى:

﴿ لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلَا نَصِيراً﴾

 هذه آية حاسمة، الأماني بضائع الحمقى، أنا أقول لكم أيها الأخوة: ما من مسلم على وجه الأرض إلا ويتمنى النصر، والله عز وجل يقول:

 

﴿ لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ ﴾

 وما من مسلم إلا ويتمنى الجنة، قضية التمني قضية سهلة جداً، يستطيعها كل مقصر، يستطيعها كل منافق، يستطيعها كل عاصٍ، فالله عز وجل في آية حاسمة يقول:

 

﴿ لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ ﴾

 تمنى ما شئت، تمنى أن تكون سيد البشر، تمنى أن تكون في أعلى درجات أهل الجنة، تمنى أن تكون في الفردوس الأعلى، تمنى أن تنتصر على أكبر قوة في الأرض، تمنى ما شئت، التمنيات لا تقدم ولا تؤخر، التمنيات لا تحرك ساكناً، لا تشفي مريضاً ولا تجلب عفواً ولا توبةً، تمنى ما شئت، الأماني بضائع الحمقى.

 

إن لم نغير ما بأنفسنا لا يغير الله أحوالنا :

 الله عز وجل يقول:

﴿ لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ ﴾

 المسلمون اليوم يتمنون دخول الجنة ولا يدفعون ثمن الجنة، يتمنون النصر، والله حينما أستمع إلى أدعية الدعاة في هذه الأيام العصيبة دعاء يقشعر منه الجلد، الله ألا يسمعنا؟ والأمر بيده، لمَ لا يتغير الحال؟ لأن الله عز وجل يقول:

 

﴿ لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ ﴾

 تمنى ما شئت، فالآية الحاسمة الأخرى التي تلتقي مع هذه الآية:

 

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾

[سورة الرعد: 11]

 لا تغيِّر لا يغيِّر، قضية واضحة كالشمس، حاسمةٌ تماماً، إن لم نغيِّر لا يغيِّر، الإنسان ضيق الأفق، ضعيف التفكير، يتمنى أن يغيِّر الله وهو لا يغيِّر، لذلك مهما دعونا، ومهما ابتهلنا، ومهما علا صوتنا بالدعاء، ومهما نمقنا الدعاء، ومهما بكينا في الدعاء، الأمر لا يتغيَّر، إن لم نغيِّر لا يغيِّر، فإن غيّرنا رأيت العجب العجاب، إن غيّرنا رأيت موازين القوى تنقلب رأساً على عقب، إن غيّرنا رأيت كيف أن الله يتدخل، إن غيّرنا رأيت كيف أن الله ينصرنا على ضعفنا، فكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله، الصحابة كانوا قلة قليلة قلبوا وجه الأرض، لأنهم غيّروا، لمَّا غيّروا غيَّر الله ما بهم:

 

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾

[سورة الرعد: 11]

الله عز وجل ما كلفنا ما لا نستطيع بل كلفنا ما نحن عليه قادرون :

 أنا أقول كلمة جامعة مانعة موجزة قاطعة، إن لم يفكر أحدنا أن يغِّير فهذا الوضع من سيئ إلى أسوأ، وكل فترة يوجد بلد تنتهك حرماته، وتسلب خيراته، وتقتل أبناءه، وتهدَّم أبنيته، ورأيتم رأي العين ماذا يحل بالمسلمين، والله موجود والأمر بيده، ويد الله فوق أيديهم هذا هو التوحيد، الله عز وجل لا يغِّير إلا إذا غيّرنا، هذه الآية واضحة وضوح الشمس:

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾

[سورة الرعد: 11]

 العجيب كيف أن الشيطان وسوس لهؤلاء الناس، يدفعهم إلى ما لا يستطيعون فعله، ويزَّهدهم بما يستطيعون، كل مسلم يستطيع أن يتوب إلى الله ولا أحد يسائله، ولا أحد يتهمه، وليس هناك مشكلة، كل مسلم إذا دخل إلى بيته بإمكانه أن يقيم الإسلام، أن تؤدى فيه الصلوات، أن يأمر بالمعروف، كل مسلم بإمكانه أن يضبط بناته، وبإمكانه أن يحمل أهل بيته على الصلاة، كل مسلم بعمله بإمكانه أن يكون صادقاً وأميناً، وصادقاً وعفيفاً، الله عز وجل ما كلفنا مالا نستطيع، كلفنا ما نحن عليه قادرون، قال لنا:

 

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾

[سورة الرعد: 11]

 الأمر بقدر ما هو بسيط بقدر ما هو بعيد عن الناس، نريد أن نرغم أكبر قوة في الأرض أن تكف عن العدوان، لا نستطيع، لا نحن ولا غيرنا، ولا أهل الأرض، الطغيان بلغ درجة من التعقيد ليس له من دون الله كاشف، الآن حل أرضي غير موجود، لا يوجد حل أرضي، نحن غفلنا أن نعد لأعدائنا أربعمئة عام، هذه الغفلة، وقد أمرنا الله عز وجل وقال:

 

﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ﴾

[ سورة الأنفال: 60 ]

 نحن ما أعددنا لهم، ما أعددنا لهم فأصبحوا أقوياء، فأملوا إرادتهم على كل البشر.

 

لا تتمنى النصر إن لم تدفع ثمنه :

 إذاً أيها الأخوة الكرام هذه آية صدقوني، جامعة مانعة، قاطعة واضحة:

﴿ لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ ﴾

 مسلم ينتمي إلى جماعة إسلامية، له شيخ، ينتمي إلى جامع:

 

﴿ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ ﴾

 مما ورد في الأثر: يا فاطمة بنت محمد، يا عباس عم رسول الله، أنقذا نفسيكما من النار، أنا لا أغني عنكما من الله شيئاً، لا يأتيني الناس بأعمالهم وتأتوني بأنسابكم، من يبطئ به عمله لا يسرع به نسبه.
 قضية حاسمة، كيف أن هذه الآية جاءت في مثل هذه الأيام، هي أنسب آية لمثل هذه الظروف، لا تتمنى النصر إن لم تدفع ثمنه، لا تتمنى النصر إن لم تزل المنكرات، لا تتمنى النصر إن لم تحجب الفتيات، لا تتمنى النصر إن لم تمنع بيع المسكرات، ما دام هناك معاصي على قدم وساق متفشية بين المسلمين والمسلمون راضون ساكتون:

 

﴿ لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ ﴾

 الانتماء لا يقدم ولا يؤخر، لذلك المسلمون يعجبون، يا رب ألا ترى ما يفعلون بنا؟!!

 

الشدة التي يسوقها الله للبشر من أجل أن يتوبوا إلى الله :

 حدثني طبيب صديق كان يستمع إلى بعض الإذاعات في منتصف الليل، فإذا بمقابلة مع مفتي البوسنة، الحوار عجيب، يقول هذا المفتي: لا يعتب أخوتنا في المشرق على الله من أجلنا، نحن لسنا مسلمين، هكذا قال!! نأكل الخنزير، نشرب الخمر، نتعامل بالربا، وليس هناك فرق بيننا وبين الآخرين إطلاقاً، بعد هذه الأزمة الطاحنة أصبحنا مسلمين. حقيقةً نطق بالحق، والرجل من شدة تأثره من هذا اللقاء حفظ الكلام حرفياً، فهذه الشدة التي يسوقها الله إلى البشر من أجل أن يتوبوا إلى الله، فإذا تابوا رفع عنهم كل مكروب، الكرة بملعبنا، الخلل عندنا، فإن غيِّرنا يغيِّر، وإن لم نغير لا يغير:

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾

[سورة الرعد: 11]

﴿ لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ ﴾

 دققوا الآن:

 

﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً ﴾

[ سورة الكهف: 110 ]

 ما عند الله لا ينال بالتمنيات، ما عند الله لا ينال بأن تحلم بأنك من أهل الجنة، القضية أخطر من ذلك، إله عظيم وشرع حكيم وعدل مطلق، إن لم نغيِّر لا يغيِّر:

 

﴿ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ ﴾

 فعل الشرط وجواب الشرط:

 

﴿ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلَا نَصِيراً﴾

إذا هان أمر الله علينا هُنَّا على الله :

 تدعو، تصرخ، تبكي، تنمق الدعاء، تأتي به مسجعاً، ادعُ ما شئت، إن لم تعلق ما عند الله على العمل لا يأتيك الله بالنصر، هذه حقيقة، هذا قرآن، هذه قوانين إلهية:

﴿ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلَا نَصِيراً﴾

﴿ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلَا مَرَدَّ لَهُ ﴾

[سورة الرعد: 11 ]

﴿ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ ﴾

[ سورة الحج: 18 ]

 إذا هان أمر الله علينا هنا على الله، إذا كان الله معنا فمن علينا، وإذا كان الله علينا فمن معنا، ما معنا أحد، ليس معنى هذا أن الذي قهرنا قريب من الله، لا، هو أفسق بكثير، إن الله يسلط الذي لا يعرفه على الذي يعرفه وهو لا يطيعه، هذه قاعدة ثابتة، جاء في الأثر: إذا عصاني من يعرفني سلطت عليه من لا يعرفني.
 يسلط الذي لا يعرفه أصلاً على الذي يعرفه ويحيد عن أمره، يوجد إنسان طرح سؤالاً محرجاً، قال لي اليوم عقب الخطبة: جميع أهل الأرض قاموا من كبوة أصعب من كبوتنا ووقفوا على أقدامهم ونهضوا، فما بال المسلمين كذلك؟ الحقيقة يوجد إجابة دقيقة جداً، أرجو أن تكون واضحة عندكم، المؤمن الملتزم، المطبق، الطائع، المخلص، مرتاح ومتوازن مع الله، لا يوجد عنده مشكلة، أما الكلمة الدقيقة التي قد لا تقبلونها، والكافر حينما كفر بالله والتفت إلى الدنيا فقط متوازن ومرتاح، هو أراد الدنيا انتهى الأمر، ولم يرد الآخرة، لذلك بلغ أعداؤنا درجة عالية من الدنيا، لأنهم أرادوا الدنيا فقط، وألغوا كل منهج إلهي:

 

﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾

[سورة الأنعام:44]

الذي يؤدبه الله تعالى هو المؤمن العاصي :

 الأمر واضح، المؤمن مرتاح وواضح ـ اسمحوا لي بهذه الكلمة ـ ومتوازن، والكافر واضح ومرتاح في الدنيا فقط، ومتوازن، ليس عندهم آخرة أبداً، في الدنيا نظام عمل كل إنسان في مكانه، قوة اختراع، من هذا الثالث الذي تأتيه المصائب من كل جانب، هذا المؤمن العاصي، فيه خير ليس مع المؤمنين لأنه ليس ملتزماً وليس كافراً، أي أنت كأب لا سمح الله ولا قدَّر عندك ابن معتوه، هل تؤدبه كل يوم؟ أبداً، وعندك ابن متفوق وذكي هل تؤدبه؟ لا! فعندك ابنين مرتاحين، الذكي المتفوق والمعتوه، لا يوجد مشكلة، من هذا الذي تعاقبه كل يوم؟ الذكي المقصِّر، فيه خير لكنه غير ملتزم، هذه هي القصة:

﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾

[سورة الأنعام:44]

 مال لا تأكلها النيران، بلاد جميلة، أمطار غزيرة، قوة قوية، غارقون في متع لا يعلمها إلا الله، وأمرهم نافذ:

 

﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾

[سورة الأنعام:44]

 هؤلاء في الدنيا لا يعالجون، تماماً كما لو جاء مريض مصاب بورم خبيث من الدرجة الخامسة، وسأل الطبيب ماذا آكل؟ يقول له: كُلْ ما شئت. أما هذا الذي أصيب بالتهاب حاد في المعدة يعطيه الطبيب قائمة ممنوعات، ويسأله كل يوم إياك أن تأكل هذا الطعام، هذا يزيد في التهاب المعدة، من هذا الذي يشدَّد عليه؟ من هذا الذي يحاسَب حساباً عسيراً؟ من هذا الذي يقسو عليه الطبيب؟ هو الذي عنده مرض قابل للشفاء، أرجو الله سبحانه وتعالى أن يكون مرض المسلمين قابل للشفاء.

 

لا أحد ينصرنا إلا الله تعالى إن أطعناه :

 لذلك هذه الشدة يجب عليكم أن تعرفوا من هو عدوكم:

﴿ هَا أَنتُمْ أُوْلَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ﴾

[سورة آل عمران: 119]

 هناك من لم يصدق الله عز وجل في هذه الآية!! يحبهم!! أرأيت جريمتهم! أرأيت وحشيتهم! أرأيت قتلهم للمدنيين! قتلهم للأطفال! قتلهم للنساء! أرأيت قصفهم لمستودعات الغذاء! أرأيت إذلالهم للمسلمين! أين الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان والسلام؟ أين كل هذا الكلام المعسول الذي يتبجحون به؟ الحقيقة أن هذه الأحداث كشفت عن لؤمهم، وعن وحشيتهم، وعن بعدهم عن مبادئهم كبعد الأرض عن السماء، أمر واضح.

 

﴿ لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلَا نَصِيراً﴾

 لا أحد ينصر المسلمين الآن، حتى الذين اعترضوا على هذه الحرب اليوم أيدوا، وتمنوا أن يكون النصر للأعداء، من أجل مصالحهم، لا أحد يقف معنا إلا الله، والله عز وجل لا يقف معنا إلا إذا أطعناه، هذا كلام دقيق، لا يحتمل أي مناقشة ولا اعتراض:

 

﴿ لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلَا نَصِيراً﴾

 لا يوجد إنسان يتولاه بالنصح والإرشاد ولا إنسان ينصره.

 

حال المسلمين اليوم لا يُحتمل كله كلام بكلام :

 قال تعالى:

﴿ وَمَنْ يَعْمَلْ مِنْ الصَّالِحَاتِ ﴾

 إذاً أول آية:

 

﴿ لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ ﴾

 بالمقابل:

 

﴿ وَمَنْ يَعْمَلْ مِنْ الصَّالِحَاتِ ﴾

 يوجد تمنيات ويوجد عمل، لذلك أيها الأخوة:

 

﴿ وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ﴾

[ سورة القصص: 105 ]

 الآن هناك من يتفلسف، أنت ماذا قدمت؟ لا بد من الجهاد، أنت ماذا قدمت؟ إلى متى نتفلسف؟ أنت ماذا قدمت، هل قدمت شيئاً؟

 

((عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ: قَالَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ جَهَّزَ غَازِياً فَقَدْ غَزَا وَمَنْ خَلَفَ غَازِياً فِي أَهْلِهِ فَقَدْ غَزَا ))

 

[صحيح مسلم عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ ]

 من تمنى أن يجاهد ولم يتح له فكأن الله يكتب له أجر الشهيد، اعمل عملاً، لا تقف عند الكلام، حال المسلمين الآن لا يحتمل إطلاقاً، كلام بكلام، لا يقدم ولا يؤخر، والذي يؤلم الآن هذا الاستنكار العالمي، استنكار فقط، نراقب بقلق، خير إن شاء الله، نشجب، نندد، نشدد على كذا وكذا، لا شيء آخر نفعله!! لا أحد يقدم شيئاً، هذا كلام بكلام.

 

من معاني كلمة (الصالحات) :

 قال تعالى:

﴿ لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلَا نَصِيراً*وَمَنْ يَعْمَلْ مِنْ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ ﴾

 الإيمان أصل، هناك من يعمل صالحاً وليس بمؤمن، منطلقاً من ذكائه ومصلحته، هذا له الدنيا، وما له في الآخرة من خلاق، هناك أناس أذكياء يعملون الصالحات تمتيناً لمكانتهم، ودعماً لجهودهم، وجلباً لثناء الناس عليهم، هذا يكافئه الله على عمله الصالح في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق.

 

﴿ وَمَنْ يَعْمَلْ مِنْ الصَّالِحَاتِ ﴾

 الصالحات كلمة جامعة مانعة، من معانيها الاستقامة، والانضباط، ومن معانيها البذل والعطاء، أنفق ماله، أنفق علمه، أنفق خبرته، أنفق جاهه، أنفق وقته في طاعة الله:

 

﴿ وَمَنْ يَعْمَلْ مِنْ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى ﴾

 في هذه الآية إشارة إلى أن المرأة مساوية تماماً للرجل في التكليف والتشريف وفي المسؤولية، لو أن الله عز وجل قال: من يعمل من الصالحات من المؤمنين تعني المؤمنات حكماً بقاعدة التغليب، ولكن أراد الله أن يؤكد على أن المرأة كالرجل تماماً، يمكن أن ترقى إلى أعلى مستوى.

 

﴿ وَمَنْ يَعْمَلْ مِنْ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيراً﴾

 ما هو النقير؟ أكلت تمرة ثم أمسكت بالنواة، في أحد طرفيها نتوء مؤنف كالإبرة تماماً، أي حجمه واحد على خمسين من الميليمتر، إبرة، قال: في مستوى هذا النقير لا تُظلَم:

 

﴿ وَمَنْ يَعْمَلْ مِنْ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيراً﴾

حقيقة الدين الذي أراده الله وارتضاه :

 ثم يقول الله عز وجل:

﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً ﴾

 حقيقة الدين الذي أراده الله، حقيقة الدين الذي يرتضيه الله، لأن الله عز وجل يقول:

 

﴿ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ ﴾

[ سورة النور: 55 ]

 أي دين يرتضيه الله؟ هذا الدين:

 

﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً ﴾

 حقيقة هذا الدين الذي يرتضيه الله عز وجل قال:

 

﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ ﴾

 أي أولاً اتجه إلى الله، توكل عليه، طلب رضاه، طبق أمره، ترك نهيه، ترك ما نهى عنه، أسلم وجهه، قبل بمنهج الله من دون أن يعترض عليه، لم يقدم بين يدي الله ورسوله، لم يقل قطع اليد توحش، هذا الذي جاء به القرآن وجاءت به السُّنة هو عين الكمال، وقمة الكمال، والحسن ما حسنه الشرع، والقبيح ما قبحه الشرع، هذا أسلم وجهه لله أي عرفه وأقبل عليه، ثم صدق كل ما جاء به من أحكام.

 

قصة من التاريخ عن أحد الصحابة الكرام :

 قال تعالى:

﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ ﴾

 أي يوجد شيء اعتقادي وشيء سلوكي، بالسلوك يوجد إحسان، يوجد صدق، يوجد أمانة، يوجد عفة، يوجد إنجاز للوعد، يوجد حفاظ للعهد، يوجد رأفة ورحمة، يوجد عدل وإنصاف، هذا المؤمن، أي بمعتقداته سليمة، وبسلوكه محسن، هذا هو الدين الصحيح، هذا هو الدين الذي يمكِّنه في الأرض، هذا هو الدين الذي يمكّن في الأرض، هذا هو الدين الذي يقلب الله موازين القوى من أجله، من عمل به غلب أعداءه ولو كانوا قلة:

 

﴿ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾

[سورة البقرة: 249]

 سيدنا الصديق رضي الله عنه جاءته استغاثة من سيدنا خالد يريد المدد، وسيدنا خالد يطمع بخمسين ألف مدد، لأنه يواجه عدواً أكثر من عشرين ضعف، معه ثلاثين أو أربعين ألفاً، والعدو ستمئة ألف، فطلب المدد من سيدنا الصديق، قصة كالخيال، سيدنا الصديق أرسل له المدد واحد!! اسمه القعقاع بن عمرو، لما وصل القعقاع إلى نهاوند قال له: أين المدد؟ قال له: أنا. دهش سيدنا خالد!! قال له: أنت؟!! قال له: أنا. وهذا الكتاب من الصدِّيق. هكذا يروي التاريخ، يقول الصدِّيق لسيدنا خالد: لا تعجب يا خالد فو الذي بعث محمداً بالحق إن جيشاً فيه القعقاع لا يهزم، وانتصروا بواحد، كان أصحاب النبي واحد كألف، بينما إذا ترك الناس سنة النبي يصبحون مليار بواحد، عدد المسلمين مليار ومئتي مليون، ليس أمرهم بيدهم، وليست كلمتهم هي العليا، هم يُعتدى عليهم في بلادهم، وتنهب ثرواتهم، ويقتل أبناءهم، وتهدم منشآتهم، مليار ومئتي مليون أين هم المسلمون اليوم؟ متفرقون، تحكمهم الأهواء والمصالح، هذا فضلاً على من يعاون الأعداء على قتل المسلمين بتقديم التسهيلات.

 

تطبيق النبي الكريم منهج الله عز وجل الذي جاء به إبراهيم عليه السلام :

 الدين الذي ارتضاه الله عز وجل:

﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً ﴾

 الدين الذي يرتضيه الله عز وجل:

 

﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ ﴾

 آمن به، وأقبل عليه، وقبل منهجه، وانطلق إلى تطبيق هذا المنهج، وعمله فيه إحسان، أي متمثل بالمكارم الأخلاقية من صدق، وأمانة، وعفة، وإحسان، وإنجاز للوعد، وحفاظٍ على العهد، وإنصاف وما شاكل ذلك:

 

﴿ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً ﴾

 أي طبق منهج الله عز وجل الذي جاء به إبراهيم عليه السلام، وفصَّله النبي العدنان عليه الصلاة والسلام أيضاً، وكان هذا النبي الكريم حنيفاً أي مائلاً لله، لذلك من تعريفات العبادة طاعة طوعية ممزوجة بمحبة قلبية أساسها معرفة يقينية تفضي إلى سعادة أبدية، فمن أطاع الله ولم يحبه ما عبده، ومن أحبه ولم يطعه ما عبده:

 

﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً ﴾

الود بين العبد وبين ربه من لوازم الإيمان :

 قال عليه الصلاة والسلام مما ورد في الأثر: أنا بشارة أخي عيسى:

﴿ وَمُبَشِّرَاً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾

[سورة الصف: 6]

 ودعوة أبي إبراهيم:

 

﴿ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُوْ عَلَيْهِمْ آَيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾

[سورة البقرة: 129]

﴿ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً ﴾

 حنيفاً أي مائلاً إلى الله عز وجل، طاعة مع الميل، طاعة مع الحب:

 

﴿ وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً ﴾

﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً ﴾

[سورة مريم: 96]

 الود بين العبد وبين ربه هو من لوازم الإيمان:

 

﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً ﴾

[سورة مريم: 96]

ملكية الله لما في الكون ملكية مطلقة تملكاً وتصرفاً ومصيراً :

 ثم يقول الله عز وجل:

﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ﴾

 أي هي ملك لله، لكن ملكية الله عز وجل لما في الكون (السماوات والأرض تعني الكون) ملكية الله لما في الكون ملكية مطلقة، تملكاً وتصرفاً ومصيراً، قد تملك الرقبة ولا تملك المنفعة، كمن يشتري بيتاً ويؤجره، والمستأجر لا يخرج، هذا مالك رقبة، أما المنفعة ليست ملكه، وقد تملك المنفعة ولا تملك الرقبة، وقد تملك المنفعة والرقبة لكن مصير هذا البيت قد لا تملكه، يفتح شارع فيهدم البيت، مثل للتقريب، تملك منفعة ولا تملك رقبة، أو تملك رقبة ولا تملك منفعة، أو تملك المنفعة والرقبة ومصير هذا البيت ليس إليك، أما ملكية الله عز وجل يملك ويتصرف والمصير إليه:

 

﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطاً ﴾

﴿ وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ ﴾

[ سورة إبراهيم: 46 ]

 الله موجود:

 

﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ ﴾

[ سورة إبراهيم: 42]

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018