المنتدى العلمي للوسطية - المحاضرة : 3 - إربد - الوسطية - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠09ندوات المنتدى العالمي للوسطية - الأردن
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

المنتدى العلمي للوسطية - المحاضرة : 3 - إربد - الوسطية


2009-04-10

  الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين، وعلى صحابته الغر الميامين، أمناء دعوته، وقادة ألويته، وارضَ عنا وعنهم يا رب العالمين.

الإنسان كائن متحرك تحركه حاجات ثلاثة :

 أيها الأخوة الكرام، أشكر للمنتدى ـ منتدى الوسطية العالمي ـ ممثلاً برئيسه هذه الدعوة الكريمة، وأشكر محافظة إربد ممثلة برئيسها، وأشكر المجلس النيابي الأردني على هذه الدعوة الكريمة، وأسأل الله أن أكون عند حسن ظنكم، إن وجدتم في محاضرتي ما كنتم تتوقعون فالفضل لله عز وجل، وإلا فحسبكم الله ونعم الوكيل.
 أيها الأخوة الكرام، ما الإنسان؟ الإنسان كائن متحرك، ما الذي يحركه؟ أن الله أودع فيه حاجةً إلى الطعام والشراب، حفاظاً على وجوده، وأودع فيه حاجةً إلى شقه الآخر ذكراً كان أو أنثى، حفاظاً على النوع، وأودع فيه حاجة إلى تأكيد الذات، حفاظاً على بقاء الفكر، حاجةٌ إلى الطعام والشراب، وحاجة إلى الزواج، وحاجة إلى تأكيد الذات.
 الآن هو عقل يدرك، وقلب يحب، وجسم يتحرك، غذاء العقل العلم، وغذاء القلب الحب، وغذاء الجسم الطعام والشراب، إذا لُبيت حاجات العقل والقلب والجسم تفوق الإنسان، أو كان وسطياً، فإذا لبى حاجة واحدة وأهمل الاثنتين تطرف، والفرق كبير بين التطرف وبين التفوق.
 أما أنني في مدينة الشباب، ومع شباب أذكر هذا الأثر القدسي:

(( أحب ثلاثاً وحبي لثلاثٍ أشد، أحب الطائعين وحبي للشاب الطائع أشد، أحب المتواضعين وحبي للغني المتواضع أشد، أحب الكرماء وحبي للفقير الكريم أشد، وأبغض ثلاثاً وبغضي لثلاثٍ أشد، أبغض العُصاة وبغضي للشيخ العاصي أشد، أبغض البخلاء وبغضي للغني البخيل أشد، وأبغض المتكبرين وبغضي للفقير المتكبر أشد ))

[ورد في الأثر]

 ما من شيء أحب لله تعالى من شاب تائب، إن الله ليباهي الملائكة بالشاب التائب ويقول: "انظروا عبدي ترك شهوته من أجلي".

 

حركة الإنسان في هذه الدنيا لا تصح إلا إذا عرف سرّ وجوده و غاية وجوده :

 أيها الأخوة الكرام، هذا الإنسان كائن متحرك، سؤال: متى تصح حركته؟ ومتى تنحرف حركته؟ لا بدّ من مثل: إنسان سافر إلى بلد غربي، وجلس في بعض الفنادق، واستيقظ صبيحة اليوم الأول، وسأل: إلى أين أذهب؟ عجيب هذا السؤال! نسأله نحن: لماذا أتيت إلى هنا؟ إن جئت طالب علم فاذهب إلى المعاهد والجامعات، وإن جئت سائحاً فاذهب إلى المقاصف والمنتزهات، وإن جئت تاجراً فاذهب إلى المعامل والمؤسسات.
 الحقيقة الأولى: متى تصح حركة الإنسان؟ إذا عرف سرّ وجوده، وغاية وجوده، لذلك لا يعلو شيءٌ على معرفة سرّ وجودك وغاية وجودك، هذا المثل المحدود لو وسعناه، لماذا نحن في الدنيا؟ سؤال كبير، لئلا تنطبق علينا الآية الكريمة:

﴿ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً ﴾

[سورة الكهف]

 لذلك تصح حركة الإنسان في هذه الدنيا إذا عرف سرّ وجوده، لو فتحنا كتاب الله وقرأنا ما فيه، وبحثنا عن آية تتحدث عن سرّ وجودك، لوجدنا قوله تعالى:

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾

[سورة الذاريات]

 أي العبادة علة وجودك، ولكن قد يفهم المسلمون أن العبادة أن تصلي، وأن تصوم، وأن تحج بيت الله الحرام، وأن تزكي، وانتهى الأمر، لا، هذه خمسة بنود من خمسمئة ألف بند، العبادة منهج شمولي يبدأ من فراش الزوجية وينتهي بالعلاقات الدولية، هذا المنهج الكامل لو طبقه الإنسان لحقق سرّ وجوده، وغاية وجوده.

 

العلاقة التي ينبغي أن تكون بين العباد و ربهم علاقة حب :

 أيها الأخوة الكرام، الإنسان جبل على حبّ وجوده، وعلى حبّ سلامة وجوده، وعلى حبّ كمال وجوده، وعلى حبّ استمرار وجوده، لا تحب أحداً، أحب نفسك، تقتضي محبتك لنفسك، يقتضي إفراطك في محبة ذاتك، أن تطبق تعليمات الصانع، لأن تعليمات الصانع هي الجهة الوحيدة التي ينبغي أن تتبعها.

﴿ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ﴾

[سورة الملك]

 هو الذي خلق الإنسان، هو الذي يعلم طرق سلامته وسعادته، فلذلك

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾

 من أدق تعريفات العبادة أنها طاعة طوعية، الله عز وجل:

﴿ لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ﴾

[ سورة الأعراف الآية: 54]

 نحن في قبضته، ولكن ما أراد أن تكون علاقة عباده به علاقة إكراه، قال:

﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ﴾

[سورة البقرة الآية:256]

 أراد أن تكون العلاقة به علاقة حب، أن تأتيه طائعاً، أن تأتيه مختاراً، أن تأتيه بمبادرة منك، فلذلك العلاقة التي ينبغي أن تكون بين العباد وبين ربهم هي علاقة حب، والدليل:

﴿ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ﴾

[سورة المائدة الآية:54]

﴿ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ ﴾

[سورة البقرة الآية:165]

 إذاً طاعة طوعية، ممزوجة بمحبةٍ قلبية، أساسها معرفة يقينية، تفضي إلى سعادة أبدية، في هذا التعريف الجامع المانع كتل ثلاثة، الجهة الأولى سلوكية، ما لم نلتزم، ما لم نقف عند الحلال والحرام، ما لم نوقع حركتنا وفق منهج الله، ما لم نعطِ لله، ما لم نمنع لله، ما لم نرضَ لله، ما لم نغضب لله، ما لم نصل لله، ما لم نقطع لله، ما لم نطبق منهج الله، لن نقطف من ثمار الدين شيئاً، يبقى الإسلام ثقافةً، وأفكاراً، ونصوصاً نقرأها، ونحفظها، ونتداولها، وبيننا وبين حقيقة الدين ما بين السماء والأرض.

 

حلاوة الإيمان و حقائق الإيمان :

 أخوتنا الكرام، يقول عليه الصلاة والسلام:

(( ثلاثٌ من كنَّ فيه وجد حَلاوَةَ الإيمان ))

[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن أنس بن مالك]

 اتضح أن حلاوة الإيمان شيء وأن حقائق الإيمان شيءٌ آخر، حلاوة الإيمان ولا أبالغ كأن تملك ألف مليون دولار، وحقائق الإيمان أن تنطق بها فقط، بين أن تنطق بها وبين أن تملكها، هذا هو الفرق بين حقائق الإيمان وحلاوة الإيمان، إذا ذقت حلاوة الإيمان تضحي بالغالي والرخيص، والنفس والنفيس، إذا ذقت حلاوة الإيمان كنت إنساناً آخر، كنت رقماً صعباً، لا يوجد شيء يغيرك.

(( بَدَأَ الإِسلامُ غريباً، وسَيَعُودُ غريباً كما بدَأَ، فطُوبَى للغرباءِ))

[أخرجه مسلم عن أبي هريرة]

 أحد الصحابة ذاق حلاوة الإيمان، اسمه خبيب بن عدي، أراد كفار مكة أن يصلبوه انتقاماً لقتلى بدر، سأله أبو سفيان: أتريد أن يكون محمد مكانك؟ ـ دققوا فيما قال ـ قال: والله ما أحب أن أكون في أهلي وفي ولدي، وعندي عافية الدنيا ونعيمها ـ أي بالمصطلحات المعاصرة، بيت فخم، واسع، أربعمئة متر، إطلالة جميلة، جميع الأجهزة الكهربائية موجودة، الثلاجة ممتلئة بالفواكه، وأنواع الأغذية النفيسة، والزهور، والورود، والعطورـ والله ما أحب أن أكون في أهلي وفي ولدي، وعندي عافية الدنيا ونعيمها، ويصاب رسول الله بشوكة، هذا الصحابي الجليل ذاق حلاوة الإيمان.
 والله أيها الأخوة لو ذقنا حلاوة الإيمان لكنا أُناساً آخرين، هؤلاء الصحابة الكرام ذاقوا حلاوة الإيمان، ضحوا بالغالي والرخيص، والنفس والنفيس، وصلت راياتهم إلى أطراف الدنيا، هؤلاء إن كنا بشراً هم فوق البشر، وإن كانوا بشراً فنحن لسنا بشراً.

 

شروط حلاوة الإيمان :

 أيها الأخوة الكرام، أركز على حلاوة الإيمان، حلاوة الإيمان لها ثلاثة شروط: أن يكون الله في قرآنه ـ أي الأمر والنهي ـ ورسوله في سنته ـ الأمر والنهي ـ أحب إليه مما سواهما.
 والآن لو سألت أي إنسان بالعالم الإسلامي: أليس الله ورسوله أحب إليك من سواهما؟ أنا لا أشك أن واحداً يقول: لا، ليس هذا هو المعنى، حينما يكون الأمر القرآني والأمر النبوي يتناقض مع مصالحك القريبة والمتوهمة، فتقف إلى جانب الأمر الإلهي، وتضع قدمك فوق مصالحك المتوهمة، عندئذٍ تذوق حلاوة الإيمان، وإذا ذقت حلاوة الإيمان أقسم لك بالله ستنعكس جميع المقاييس عندك.

حلاوة الإيمان أن تتصل بالله و تؤمن به :

 أخوتنا الكرام، يقع على رأس الهرم البشري زمرتان، الأقوياء والأنبياء، الأنبياء ملكوا القلوب، والأقوياء ملكوا الرقاب، وشتان بين أن تملك قلب الإنسان وبين أن تملك رقبته، الأنبياء أعطوا ولم يأخذوا، والأقوياء أخذوا ولم يعطوا، الأنبياء عاشوا للناس والأقوياء عاش الناس لهم، والناس جميعاً تبع لقوي أو نبي، لذلك أحب الناس الأنبياء وخافوا من الأقوياء، والآن بطولة الأقوياء أن يتخلقوا بأخلاق الأنبياء حتى يحبهم الله.
 أيها الأخوة، حلاوة الإيمان شيء، والله لم أكن مبالغاً بين أن تملك ألف مليون دولار وبين أن تنطق بها، أي واحد منا ينطق بكلمات الإسلام، أي ثقافة الإسلام معلومات، نصوص نقرأها، نحفظها، ننطق بها، نتحرك بها، نرقى بها عند الناس، ولكن حلاوة الإيمان شيءٌ آخر، حلاوة الإيمان أن تتصل بالله.

فلو شاهدت عيناك من حسننا  الذي رأوه عنا وليت عنا لغيرنا
ولو سمعت أذناك حسن خطابنا  خلعت عنك ثياب العجب و جئتنا
ولو ذقت من طعم المحبة ذرةً  عذرت الذي أضحى قتيلاً بحبنا
* * *
ولو نسمت من قربنا لك نسمةٌ  لمت غريباً واشتيـاقاً لقربنــا
فما حبنا سهلٌ وكل من ادعى  سهولتـه قلنـا له قـد جهلتنا
* * *

طلب العلم ركن أساسي من أركان العبادة :

 أيها الأخوة الكرام، العبادة طاعةٌ طوعية، ليست قسرية، ممزوجة بمحبة الله، ما أحب الله من أطاعه ولم يحبه، وما عبده من أحبه ولم يطعه، أساسها معرفة يقينية، إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم، العقل غذاؤه العلم، أودع الله فيك قوة إدراكية، حينما تلبي الحاجة العليا فيه تنتمي إلى بني البشر، إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم، والعلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً، ويظل المرء عالماً ما طلب العلم، فإذا ظن أنه قد علم فقد جهل.
 يا بني العلم خيرٌ من المال، لأن العلم يحرسك، وأنت تحرس المال، والمال تنقصه النفقة، والعلم يزكو على الإنفاق، يا بني مات خزان المال وهم أحياء، والعلماء باقون ما بقي الدهر، أعيانهم مفقودة، وأمثالهم في القلوب موجودة.
إذاً من أركان العبادة طلب العلم، أنت إذا طلبت العلم أكدت الجانب الإنساني في شخصيتك، ومن أركان العبادة أيضاً أن تسعد بالقرب من الله عز وجل، طاعة طوعية، ممزوجة بمحبةٍ قلبية، أساسها معرفة يقينية، تفضي إلى سعادة أبدية، ما منكم واحد وأنا معكم إلا ويتمنى السلامة والسعادة، والسلامة والسعادة لا تتحققا إلا بمعرفة الله وطاعته، أزمة أهل النار بالنار أزمة علم، والدليل:

﴿ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ ﴾

[سورة الملك]

السلامة والسعادة لا تتحققا إلا بمعرفة الله وطاعته :

 أنت حينما تبحث عن الحقيقة، أنت حينما تطلب العلم تبحث عن سلامتك، وعن سعادتك، ما من مشكلة على وجه الأرض إلا بسبب خروج عن منهج الله، وما من خروج عن منهج الله إلا بسبب الجهل، من أعداؤنا الحقيقيون؟ هناك أعداء تقليديون، يقول لك: الصهيونية العالمية، الاستعمار، لا، أعداؤنا الحقيقيون الجهل أولاً، والجهل ثانياً، والجهل ثالثاًً، أعدى أعدائنا الجهل، والجاهل يفعل في نفسه ما لم يستطيع عدوه أن يفعله به.
 أيها الأخوة، الحقيقة الدقيقة: أن هذا الشاب، ما الذي يغذيه؟ زارنا عالم كبير مختص بصناعة القادة، إلى دمشق، درس شاشة الصغار، المفاجأة أن ثمانية وخمسين بالمئة من مشاكل الجنس من نصيب الصغار، ولو أفلام كرتون، وسبع وعشرين بالمئة من مشاكل العنف من نصيب الصغار، والباقي سحر وشعوذة، فإذا سلمت ابنك إلى الشاشة ـ ثمانمئة فضائية ـ ماذا تنتظر منه؟ لا بدّ من تغذية صحيحة، لا بدّ من إسلام وسطي، لا بدّ من إسلام معتدل، لا بدّ من إسلام يجمع مصالح الدين، والدنيا، والجسم، والعقل، والنفس.

معجزة النبي الكريم معجزة مستمرة إلى نهاية الحياة :

 أيها الأخوة الكرام، والآن حينما يرسل الله نبياً، يقول هذا النبي: أنا نبي الله، أو حينما يرسل رسولاً، ويقول: أنا رسول الله، معه منهج، معه افعل ولا تفعل، فالذي أَلِفَ التفلت بمنهج الله يكذب هذا الدليل.

﴿ وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلاً ﴾

[ سورة الرعد الآية: 43]

 الآن دققوا، كيف يشهد الله لنبيه أنه نبيه أو لرسوله أنه رسوله؟ يجري على يديه خرق لنواميس الكون، سيدنا إبراهيم ألقي في النار فلم تحرقه، سيدنا موسى:

﴿ فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ ﴾

[سورة الأعراف]

 سيدنا صالح أخرج الناقة من الجبل، ولكن هؤلاء الأنبياء كانوا لأقوامهم فقط أما النبي الكريم فلكل البشر، لكل الأمم والشعوب.

﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ﴾

[سورة الأنبياء]

 لأنه لكل البشر وهو خاتم الأنبياء، وكتابه خاتم الكتب، إذاً لابد أن تكون معجزته مستمرة إلى نهاية الحياة، ولن تكون مستمرة إذا كانت حسية، لأن المعجزة الحسية كتألق عود الثقاب، تتألق وتنطفئ، وتصبح خبراً يصدقه من يصدقه، ويكذبه من يكذبه.

 

الإعجاز العلمي في القرآن الكريم آية من آيات الله الدالة على عظمته :

 كيف يشهد الله للبشر جميعاً في أطراف الأرض أن الذي خلق الأكوان هو الذي أنزل هذا القرآن؟ من خلال الإعجاز العلمي، مثلاً: أرسلوا رائداً فضائياً قبل سنوات عدة، حينما كانت مركبته ضمن الطبقة الهوائية التي تزيد عن خمسة وستين ألف كيلو متر، يرون كل شيء أمامهم، فجأةً صاح رائد الفضاء: لقد أصبحنا عمياً لا نرى شيئاً، كيف؟ لأنه عندما تجاوزوا طبقة الهواء ألغيت حالة تناثر الضوء، الشمس حينما تسلط على ذرات الهواء بعض هذه الذرات تعكسها على الذرات الأخرى، ففي الأرض أشعة شمس وضوء شمس، لذلك قال: لقد أصبحنا عمياً هذا قيل في محطة الفضاء في أمريكا، فالقرآن الكريم يقول:

﴿ وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَاباً مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ * لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ ﴾

[سورة الحجر]

 من كان يعلم أن الإنسان لو صعد سيقول لقد أصبحنا عمياً؟ هذه الآية نزلت قبل ألف و أربعمئة عام، محطة فضائية "ناسا" عرضت في موقعها المعلوماتي صورة لوردة جورية لا يشك لثانية واحدة أنها وردة جورية، بأوراقها الحمراء الداكنة، ووريقاتها الخضراء الزاهية، وكأسها الأزرق في الوسط، كتب تحت هذه الوردة: صورة نجم اسمه عين القط، يبعد عن الأرض ثلاث آلاف سنة ضوئية، افتح القرآن الكريم لتقرأ قوله تعالى:

﴿ فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ * فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾

[سورة الرحمن]

 تركب طيارة 777 بالدرجة الأولى، مقاعد كبيرة، تصبح سرراً، الطعام، والشراب، والعصير، والمجلات، الجو معتدل، تفتح القرآن الكريم بسورة النحل:

﴿ وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾

[ سورة النحل]

 إذاً هو من عند الله، لأن الله يعلم ما سيكون، علم ما كان، وعلم ما سيكون، وعلم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون.

 

النظرية العملاقة التي قلبت مفاهيم الفيزياء مدرجة في آية واحدة في القرآن الكريم :

 أيها الأخوة، لذلك الله عز وجل أورد في كتابه الكريم آيات كثيرة، من هذه الآيات:

﴿ وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ﴾

[سورة الحج]

 العرب تعد السنة القمرية، والقمر يدور دورة حول الأرض كل شهر، هذه الدورة كم من الكيلومترات تقطع؟ بحساب بسيط يمكن أن نحسب نصف قطر المسافة بين مركز الأرض ومركز القمر، من خلال نصف قطر القمر ونصف قطر الأرض مع المسافة بينهما، هذا الخط هو نصف قطر الدائرة التي هي مسار القمر حول الأرض، لو ضربنا هذا الرقم باثنين، لكان القطر، لو ضربنا بالبي 3.14 لكان المحيط، لو ضربناه باثني عشر السنة، ضرب ألف، ألف سنة، ابنك الصغير مع آلة حاسبة خلال دقائق يحسب لك كم يقطع القمر في رحلته حول الأرض في ألف عام، هذا الرقم

﴿ وَإِنَّ يَوْماً ﴾

 لو قسم هذا الرقم على ثواني اليوم، ستون بستين، بأربع وعشرين، المفاجأة الصاعقة الناتج سرعة الضوء 299752، هذا الرقم يوضع بأكاديمية العلوم بباريس، لو قسمت ما يقطعه القمر حول الأرض بألف عام على ثواني اليوم، لكانت سرعة الضوء، أي:

﴿ وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ ﴾

 ما يقطعه القمر في رحلته حول الأرض في ألف عام يقطعه الضوء في يوم واحد.
 من يصدق نظرية أينشتاين النسبية التي تزهو بها أوربا، مدرجة في القرآن بكلمات، هذا الموضوع ألقي بمؤتمر الإعجاز العلمي الخامس، وعندي أصل الموضوع، أكثر من ثماني صفحات، ملخصه هذا:

﴿ وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ﴾

الآيات العلمية في القرآن الكريم :

 من يصدق أن بين الأرض وبين أقرب نجم ملتهب أربع سنوات ضوئية؟ لو أن هناك طريقاً لهذا النجم وركبنا مركبة أرضية لاحتجنا إلى خمسين مليون عام، متى نصل إلى نجم القطب؟ بعده أربعة آلاف سنة ضوئية، متى نصل إلى المرآة المسلسلة؟ مجرة بعدها عنا مليونا سنة ضوئية، متى نصل إلى بعض النجوم التي اكتشفت حديثاً؟ بعدها عنا يقدر بأربع و عشرين مليار سنة ضوئية، أربع سنوات ضوئية تحتاج إلى خمسين مليون عام، إذاً: أربع و عشرون ألف مليون سنة ضوئية كم يحتاج الوصول إليها؟ الآن قرأت القرآن الكريم:

﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ﴾

[سورة الواقعة]

 لو أن عالم فلك قرأ هذه الآية، ووقف عند كلمة مواقع لخر ساجداً لله، لماذا؟ قال: إن كلمة مواقع تعني أن صاحب الموقع ليس بالموقع، هذا النجم كان هنا وأصدر ضوءاً نحو الأرض، وبقي الضوء يمشي أربع و عشرين مليار سنة، وصل إلينا فرأيناه، والنجم سرعته تقترب من سرعة الضوء، مئتا و أربعون ألف كيلومتر في الثانية، النجم أين هو الآن؟ هذا المكان ليس نجماً، لو أن الآية فرضاً: فلا أقسم بالمسافات بين النجوم لما كان قرآناً،

﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ﴾

 أخواننا الكرام، الأرض تدور حول الشمس، بين الأرض والشمس 156مليون كيلومتر، يقطعها الضوء في ثماني دقائق، الشمس تكبر الأرض بمليون وثلاثمئة ألف مرة، أي مليون وثلاثمئة ألف أرض تدخل في جوف الشمس، وبينهما 156مليون كيلومتر، وفي برج العقرب نجمٌ صغير أحمر اللون اسمه قلب العقرب، يتسع للشمس والأرض مع المسافة بينهما.
 هذا الإله العظيم يعصى؟ ألا يحفظ وده؟ ألا ترجى جنته؟ ألا تخشى ناره؟.

تعصي الإله وأنت تظهر حبه  ذاك العمر في المقال شنيـعُ
لو كان حبك صادقاً لأطعتـه  إن المحب لمن يحب مطيـع
* * *

(( إني والجن والإنس في نبأ عظيم، أخلق ويعبد غيري، وأرزق ويشكر سواي، خيري إلى العباد نازل، وشرهم إلي صاعد، أتحبب إليهم بنعمي وأنا الغني عنهم، ويتبغضون إلي بالمعاصي وهم أفقر شيء إلي، من أقبل عليّ منهم تلقيته من بعيد، ومن أعرض عني منهم ناديته من قريب، أهل ذكر أهل مودتي، أهل شكري أهل زيادتي، أهل معصيتي لا أقنتهم من رحمتي، إن تابوا فأنا حبيبهم، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم، أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من الذنوب والمعايب، الحسنة عندي بعشرة أمثالها وأزيد، والسيئة بمثلها وأعفو، وأنا أرأف بعبدي من الأم بولدها ))

[ رواه البيهقي والحاكم عن معاذ، والديلمي وابن عساكر عن أبي الدرداء ]

 لو نزلنا من السماء، من المجرات، من المذنبات، من الشموس، من هذه الآيات العظيمة.

 

الموت ينهي كل شيء فلا يليق بكرم الله أن ينقطع :

 أخواننا الكرام، الأرقام المتوسطة، الكون فيه آلاف بلايين المجرات، ومجرتنا درب التبابنة فيها آلاف بلايين النجوم، والكواكب، والشموس، والأرض لا شيء أمام هذا الكون العظيم لذلك:

(( ابن آدم اطلبني تجدني، فإذا وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء، وأنا أحب إلي من كل شيء))

[ تفسير ابن كثير]

 ويا رب ماذا فقد من وجدك؟ وماذا وجد من فقدك؟ أخواننا الذين درسوا الرياضيات، واحد بالأرض وأصفار ليس للحائط هنا، بل للشمس، 156 مليون كم، كل ميلي صفر، واحد بالأرض وأصفار إلى الشمس، وكل ميلي صفر، هذا الرقم ضعه صورة لكسر مخرجه لانهاية قيمته صفر، الدنيا مهما عاش الإنسان فيها، مهما جمع من ثروات، مهما اعتلى مناصب، ما دام هناك موت ينهي غنى الغني وفقر الفقير، وقوة القوي وضعف الضعيف، ومرض المريض وصحة الصحيح، ووسامة الوسيم ودمامة الدميم، وذكاء الذكي ومحدودية المحدود، ما دام الموت ينهي كل شيء فلا يليق بكرم الله أن ينقطع.
 أيها الأخوة الكرام، القضية دقيقة جداً، والله الذي لا إله إلا هو الإنسان عندما يعاين القبر يزهد في الدنيا، يزهد بها زهداً كبيراً لأنها منقطعة، ولا يليق بعطاء الله أن ينقطع.

 

البعوضة من آيات الله الدالة على عظمته :

 لو انتقلنا الآن فجأة من المجرات إلى أحقر مخلوق بحياتنا، البعوض، إذا الواحد قتل بعوضة هل يعد قاتلاً؟ بعوضة! أحقر مخلوق بحياتنا، هذه البعوضة بشكل غريب وردت في القرآن الكريم:

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً ﴾

[ سورة البقرة الآية: 26]

 بعد أن اكتشف المجهر الالكتروني الذي يكبر أربعمئة ألف مرة، وضعت البعوضة تحت المجهر فوجدوا في رأسها مئة عين، وفي فمها ثمانية و أربعون سناً، وفي صدرها ثلاثة قلوب، قلب مركزي، وقلب لكل جناح، وفي كل قلب أذينان، وبطينان، ودسامان، وتملك البعوضة جهازاً لا تملكه الطائرات، تملك جهاز استقبال حراري، رادار، ترى الأشكال لا بألوانها، ولا بأشكالها، ولا بأحجامها، ولكنها ترى الأشياء بالحرارة فقط، طفل نائم، حرارته سبع و ثلاثون درجة، لا ترى إلا الطفل، الآن ينام أخوان على سرير واحد، يستيقظ الأول وقد ملئ بلسع البعوض، والثاني لم يصبه شيء، معها جهاز تحليل دم ما كل دم يناسبها، تحلل وتمتص، معها جهاز تمييع دم، لأنه دم الإنسان سمج لا يسري في خرطومها تميعه، معها جهاز تخدير تخدر الإنسان، وتمص الدم، عندما ينتهي مفعول المخدر يشعر بلسعة يظنها على يده يضربها فإذا هي بالجو تضحك عليه.
 مئة عين في رأسها، وثمانية وأربعون سناً في فمها، وثلاثة قلوب في صدرها، ولكل قلب أذينان، وبطينان، ودسامان، جهاز استقبال حراري، حساسية هذا الجهاز، إذا إنسان قاس درجة حرارة ابنه وكان بصره حاداً جداً يقول لك: حرارته سبع و ثلاثون وثلاثة أرباع الدرجة، البعوضة حساسية جهازها الاستقبال الحراري واحد على ألف من الدرجة المئوية.
 معها جهاز تحليل دم، جهاز تمييع، جهاز تخدير، في خرطومها ست سكاكين، تلك الصور عرضتها في الفضائية السورية في درس علمي، صور معروضة بمجهر إلكتروني معها سكاكين، أربع سكاكين لإحداث جرح مربع، وسكينان يلتئمان على شكل أنبوب لامتصاص الدم،

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً ﴾

 بأرجل البعوضة مخالب ومحاجم، مخالب إذا وقفت على سطح خشن، ومحاجم إذا وقفت على سطح أملس.

 

خلق الإنسان من آيات الله الدالة على عظمته :

 أيها الأخوة الكرام، الحقيقة أن معرفة الله شيء، وأن نعبده عبادة من دون معرفة شيء آخر، معرفة الله أصل الدين، وهذا الكون بمجراته، بكازارته، بمذنباته، بأرضه، بسمائه، بأطياره، بأسماكه، خلقه الخالق سبحانه.
في رأس الإنسان ثلاثمئة ألف شعرة، لكل شعرة وريد، وشريان، وعصب، وعضلة، وغدة دهنية، وغدة صبغية، في كل شعرة.
 آلات التصوير الاحترافية رقمية، بكل ميليمتر من هذه الآلات الاحترافية الرقمية عشرة آلاف مستقبل ضوئي، بشبكية العين بكل متر هناك مئة مليون مستقبل ضوئي.

﴿ أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ ﴾

[ سورة البلد]

 هناك مادة في العين تمنع تجمد العين، لو ذهب إنسان إلى فنلندا، الحرارة هناك تقدر بسبعين تحت الصفر يفقد بصره، الله وضع بماء العين مادة تمنع التجمد.
 ماذا أقول لكم؟ وأنت نائم غارق في النوم، اللعاب يزداد في فمك، تذهب رسالة إلى الدماغ، اللعاب ازداد، يأتي أمر من الدماغ إلى لسان المزمار يغلق طريق الرئتين ويفتح طريق المريء تبلع اللعاب، وأنت نائم ينضغط القسم تحت الجهاز العظمي، وهناك أماكن إحساس بالضغط تُبلّغ الدماغ انضغطنا، تضيق الأوعية، تخدر الرجل، فيأتي أمر من الدماغ وتقلب قلبة، الله تعالى قال:

﴿ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ ﴾

[ سورة الكهف الآية: 18]

 الإنسان يقلب بالليل من ثمان و ثلاثين إلى أربعين مرة، لو صورنا إنساناً نائماً كل فترة يقلب، الحكمة مرة ذات اليمين ومرة ذات الشمال، لو قلب مرتين نحو اليمين لوقع من أعلى السرير

﴿ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ ﴾

الآيات في جسم الإنسان تفوق حدّ الخيال :

 والله يا أخوان هناك آيات في الجسم تفوق حدّ الخيال،

﴿ أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ ﴾

 الشم؛ هناك عشرون مليون عصب شمي، وكل عصب ينتهي بسبعة أهداب، الأهداب مغمسة بمادة كيميائية تتفاعل مع الرائحة، ينتج من هذا التفاعل شكل هندسي هو رمز هذه الرائحة، يشحن للدماغ، عشرة آلاف ذاكرة شمية، يقال: هناك كمون في الأكل، كيف عرف أنه يوجد كمون بالأكل، أو نعنع في الشاي، بعملية معقدة جداً.
 أنت تمشي في الطريق سمعت بوق سيارة.

أتحسب أنك جرم صغير  وفي انطوى العالم الأكبر
* * *

 هناك جهاز بالدماغ يحسب تفاضل وصول الصوتين إلى الجمجمة، كم هو التفاضل؟ واحد على ألف و ستمئة و عشرين جزءاً من الثانية، سيارة هنا أطلقت بوقها دخل صوتها إلى هذه الأذن قبل هذه الأذن، الفرق بينهما واحد على ألف و ستمئة و عشرين جزءاً من الثانية، هذا الجهاز يدرك أن المركبة تأتي من اليمين أم من اليسار.
 ماذا أقول لكم؟ الطفل الآن يولد، هناك آلية معقدة جداً سماها العلماء منعكس المص، لو لم يكن هذا المنعكس لما كان هناك محاضرة، ولا كان هناك إربد كلها، ولا الأردن، ولا سوريا، ولا مكان في العالم، لأن الولد حينما يولد فوراً يضع فمه على ثدي أمه ويمص، الامتصاص عملية معقدة، يحكم شفتيه على حلمة ثدي أمه ويسحب الهواء، من علمه ذلك؟ لو أن الطفل لا يملك هذا المنعكس يموت فوراً، هل هناك قوة تعلمه؟ يا بابا انتبه يجب أن تمتص ثدي أمك، لا يوجد إمكانية.

﴿ أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ ﴾

 يا أخوان والله قواعد الإيمان بين أيدينا، والله طعامك، وشرابك، وصحتك، وسمعك، وبصرك، وأنفك، وشمك، وأسنانك، وأجهزتك، الكبد يقوم بخمسة آلاف وظيفة، بالكلية هناك طريق طوله مئة كيلو متر، ما هذا الخلق المعجز؟ قال تعالى:

﴿وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ ﴾

[سورة السجدة]

 الشاب المؤمن عندما يفكر في هذه الآيات يعلم من هو الله، إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم، وإذا أرتهما معاً فعليك بالعلم، والعلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً.

 

تعريف الحق :

 أخواننا الكرام، ما هو الحق؟ أنا أتصور الحق دائري، تتقاطع فيها أربعة خطوط، خط النقل الصحيح، وخط العقل الصريح، العقل تبريري وهناك عقل صحيح، مع خط الفطرة السليمة، وهناك فطرة منطمسة، مع خط الواقع الموضوعي، فالحق ما جاء به وحي السماء، القرآن كله ثابت، أما الحديث فهناك ضعيف وهناك صحيح، ما جاء به النقل الصحيح، وقبله العقل الصريح الغير التبريري، وارتاحت له الفطرة السليمة، وأكده الواقع الموضوعي.
 هذا هو الحق، وهذا هو الإنسان المسلم.

الورقة الرابحة الأولى في حياة المسلمين هم الشباب فالشباب هم المستقبل :

 أيها الأخوة، شيء دقيق جداً أتمنى أن يكون واضحاً عندنا جميعاً، أن الشباب هم المستقبل، صدقوا ولا أبالغ، الورقة الرابحة الأولى في حياة المسلمين هم الشباب، الشباب هم المستقبل، والشيوخ هم الماضي، والكهول هم الحاضر، هناك أشخاص يمثلون الحاضر هم الكهول، والشيوخ يمثلون الماضي، والشباب يمثلون المستقبل.
 سيدنا أسامة ابن زيد، عمره سبعة عشر عاماً، عينه النبي قائداً لجيش فيه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وكان يركب أسامة على ناقته، والصديق يمشي، فأسامة مؤدب جداً، قال له: يا خليفة الله لتركبن أو لأنزلن، قال: والله لا ركبت، ولا نزلت، وما عليّ أن تغبر قدماي ساعة في سبيل الله.
 ما هذا الدين العظيم؟ من هو الشاب؟ كان الشاب معه حفنة طحين أو بعض تمرات، راكب على فرسه، ومعه سيفه، وذاهب إلى الجهاد، الآن همبرغر وبيبسي وعلى الملعب اختلف الوضع.

(( ولن يُغْلَبَ اثنا عَشَرَ ألفا مِنْ قِلَّةٍ ))

[أخرجه أبو داود والترمذي عن عبد الله بن عباس]

 لن لتأبيد النفي.

 

إدراك الحقيقة المرة أول مرحلة في النصر :

 فيا أيها الأخوة الكرام، نحن إذا عرفنا ربنا، والله الذي لا إله إلا هو زوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين، إله يقول:

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً ﴾

[سورة النور الآية:55]

 بربكم الحقيقة المرة أفضل ألف مرة من الوهم المريح، هل نحن مستخلفون في الأرض؟ هل نحن ممكنون؟ هل نحن آمنون؟ لا والله، هذه حقيقة مرة، ودائماً عودوا أنفسكم على الحقيقة المرة، لأن إدراك الحقيقة المرة أول مرحلة في النصر، قبل الحقيقة المرة هناك خلل، الخلل عندنا:

﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ﴾

[سورة الشورى]

 الله عز وجل:

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً ﴾

 فقط:

﴿ يَعْبُدُونَنِي﴾

[سورة النور الآية:55]

 فإذا أخذ الفريق الثاني بما عليه فالفريق الأول وهو الله جلّ جلاله قال:

﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً ﴾

[سورة مريم]

قصص يُقارن فيها بين الغرب و الشرق :

 مرة كنت بباريس ألقيت محاضرة بمؤتمر، بدأت المحاضرة بقصص ثلاثة، القصة الأولى: تمثل العالم المتفلت، شاب أحب شابة، فاستأذن أباه من الزواج منها، قال له: لا يا بني إنها أختك وأمك لا تدري، كان أبوه زير نساء، فلما أحبّ الثانية استأذن والده أيضاً أجابه الجواب نفسه، قال: إنها أختك وأمك لا تدري، فلما أحبّ الثالثة استأذن والده فقال: إنها أيضاً أختك وأمك لا تدري، فضجر هذا الشاب، حدث أمه بهذا، فقالت له: تزوج أياً شئت فأنت لست ابنه وهو لا يدري، هذا الغرب الذي نريد أن نكون مثله، والله بلادنا فيها مروءة، فيها ورع، فيها شهامة.
 مرة كنت في أستراليا رئيس الجالية والله بكى في المطار، قال لي: بلغ أخواننا في الشام ـ الشام الكبرى سوريا، والأردن، ولبنان، وفلسطين ـ قال لي: بلغ أخواننا في الشام أن مزابل الشام خير من جنات بأستراليا، قلت له: كيف؟ قال لي: أنت مسلم وابنك مسلم، أما احتمال أن يكون الابن ملحداً بأستراليا50%، أو واضع حلقة في أذنه اليمنى، ومعناها سيئ جداً، و باليسرى أسوأ، وبالاثنتين أسوأ وأسوأ.
 والله ألقيت بالشام خطبة أنه لكم رسالة من أستراليا، أن احمدوا الله أنه يوجد عندكم تفاهم أسري، الأب محترم، الابن محترم، عندنا كماليات بقية باقية من إسلامنا العظيم، نحن بنعمة كبيرة أيها الأخوة عندنا حياء، عندنا خجل، عندنا الأب أب، والأم أم، لا أحد ينسى ميزات بلده، لا تنسوا ميزات بلدكم، عندنا بقايا، نحن مقصرون طبعاً ، لكن عندنا بقايا.
 أو نحن نشبه وضع إنسان معه التهاب معدة حاد، له طبيب متفوق جداً، أعطاه حمية قاسية جداً، و إنسان آخر معه ورم خبيث منتشر بأمعائه، فسأل المريض الثاني: ماذا آكل؟ قال له: كُلْ ما شئت، أيها أفضل أن تكون خاضعاً لحمية شديدة جداً ـ نحن الآن في العناية المشددة إن شاء الله ـ وإنسان شرد عن الله شرود البعير:

﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً ﴾

[سورة الأنعام الآية:44]

الله تعالى لن يتخلى عن المسلمين أبداً وأعطاهم جرعات منعشة :

 فيا أيها الأخوة الإسلام عظيم، الله تعالى لم يتخلَّ عنا أبداً، وأعطانا جرعات منعشة، ألا ترون انهيار النظام العالمي أكبر دليل على عظمة الإسلام، لأن الله عز وجل حرم المتاجرة بالثمن، العالم الذي تاجر بالثمن فقد نصف ثروته الآن، مسموح أن نتاجر بالسلعة أو المنفعة منها، هم تاجروا بالثمن، ممنوع بيع اثنين، البنك الأول الذي فلس باع اثنين.
 فيا أيها الأخوة الله عز وجل يرينا الآيات بشكل مستمر، ولعلي أطلت عليكم.
 والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018