الدرس : 17 - سورة القصص - تفسير الآيات76-83 ، قصة قارون وملكه. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 17 - سورة القصص - تفسير الآيات76-83 ، قصة قارون وملكه.


1995-09-15

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة الكرام، لازلنا في سورة القصص، ومع قِصَّة قارون ذلك الرَّجل الذي آتاه الله من الكُنوز الكثيرة.
 قال تعالى:

﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآَتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ(76)﴾

[ سورة القصص ]

 معنى بَغَى أيْ خرَجَ عليهم، وعن منهجهم، وعن طاعة الله عز وجل فلمَّا خرج عليهم قال تعالى:

 

﴿وَآَتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾

 

[ سورة القصص ]

 معنى ذلك أنَّ الإنسان أحْيانًا حينما يُذَكِّرُهُ الله بالدَّعْوَة البيانِيَّة فلا يسْتجيب ويُؤَدِّبُهُ فلا يسْتجيب، رُبَّما سبحانه وتعالى أجْرى له عِلاجًا ثالِثًا وقد سمَّاهُ العلماء: الإكرام الإسْتِدْراجي، قال تعالى:

 

﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ(44)﴾

 

[ سورة الأنعام ]

 قال تعالى:

 

﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآَتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾

 

[ سورة القصص ]

 المفتاح الواحِد وزْنُهُ عشرين غراما لِصُنْدوق يَحْوي خمْسة ملايين فكَيْف سبْعة رِجال لا يسْتطيعون حَمْل مفاتيح كُنوزِهِ ؛ هذا وَصْف قرآني، فالله تعالى:

 

﴿وَآَتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّة﴾

 

[ سورة القصص ]

 ثمَّ يقول الله عز وجل:

 

﴿إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (76)﴾

 

[ سورة القصص ]

 الفرحين بالدُّنيا لأنَّها زائِلَة، وإنَّ هذه الدنيا دار الْتِواء لا دار اسْتِواء ومَنْزِل فرح لا مَنْزل تَرَح، فَمَن عَرَفَها لم يفْرَح لِرَخاء، ولم يَحْزَن لِشَقاء، قد جَعَلَها الله دارَ بَلْوى وجَعَلَ الآخرة دار عُقْبى.
 قُل لي ما الذي يُصْلِحُكَ أقول لك مَن أنت ؟ هذا مِقْياسٌ دقيق، إن تفْرحُكَ الدنيا فأنت مِن أهل الدُّنْيا، تُفْرِحُكَ مرضاة الله فأنت مؤْمِنٌ وربِّ الكَعْبَة، يُفْرِحُكَ العمل الصالح فأنت مؤمن، يُفْرِحُكَ البَذْل والعطاء، فأنت مؤمن، وإن يُفْرِحُكَ أن تأخُذَ لا أن تُعْطي فأنت مِن أهل الدنيا، قال تعالى:

 

﴿إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (76)﴾

 

[ سورة القصص ]

 أيُّها الإخوة، مِن أدَقِّ آيات القرآن الكريم قاعِدَة وقانون، كُلُّ إنسانٍ آتاهُ الله حظًّا، وأعْطاهُ مالاً، ووسامَة وذكاء وزوْجَة وأولاد، أعطاه مكانَة ؛ هذه كُلُّها حُظوظ الدنيا، يقول الله عز وجل على لِسان قَوْمِ قارون:

 

﴿وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (77) ﴾

 

[ سورة القصص ]

 أمْرٌ، ينبغي أن تُوَظِّف كُلَّ شيءٍ الذي منَّ الله بِه عليك لدار الآخرة فإنْ وظَّفْتَ كُلَّ شيءٍ منَّ الله به عليك للدار الآخرة، عِنْدَئِذٍ سَعِدْتَ سعادَةً أبَدِيَّة، وأصْبَحَ هذا الذي منَّ الله عليك نِعْمةً، فهو قبل أن تُوَظِّفَهُ للدار الآخر ليس نِعْمةً ولا نِقْمةً، هو مَوْقوف، ابْتِلاء مَوْقوف على نوعِ اسْتِخْدامِهِ، سِكِّين يُمْكِن أن تسْتَخْدِمَها في قَطْع الخُضار والفواكه فَتَنْفَعُكَ، ويُمْكن أن تقتل بها لا سمَحَ الله، فالمُجْرم يسْتخدِمُها لهذا فالحُظوظ يُمْكن أن تكون سُلَّمًا ترْقى به أو درَكَات تَهْوي بها، قال تعالى

 

﴿وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ﴾

 

[ سورة القصص ]

 كُلُّ واحِدٍ مِنَّا، ماذا آتاهُ الله ؟ هذا ينبغي أن يُوَظِّفَهُ في الحق والبارِحَة طبيب أعطاني عشْرة كروت، وقال: أيِّ مريض له مرض أُعالِجُهُ مجَّانًا، ابْتغى في عِلْمِهِ الدار الآخرة، وإنسان يُوَزِّع أموالهُ على الفقراء والمساكين مِن طيبِ نفْسٍ منه، وهذا يُلْقي علْمًا يبْتغي الدار الآخرة، وإنسان يُرَبِّي أولاده لِيَكونوا صلحاء من بعده يبتغي الدار الآخرة، فهذه نقطة دقيقة جدًا، الحُظوظ التي منَّ الله بك عليك ليسَت نِعَمًا، وليْسَت نِقَمًا إنَّما هي ابْتِلاء، فإن وُظِّفَت للدار الآخرة كانت سُلَّمًا ترتقي به إلى أبد الآبدين، وإن وُظِّفَت للدنيا كانت دركات تَهْوي بها إلى أسْفل سافلين، قال تعالى:

 

﴿فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِي(15)وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِي(16)كَلَّا﴾

 

[ سورة الفجر ]

 ليس عطائي إكرامًا ولا مَنْعي حِرْمانًا، عطائي ابْتِلاء، وحِرْماني دواء
 أخْطَرَ سُؤال ينبغي أم يرِدَ عليكم كُلَّ يوم ؛ هل وظَّفْتُ الذي آتاني الله إيَّاهُ للدار الآخرة ؟‍ يُمْكنُ أن تكون حِرْفَتُكَ للدار الآخرة، إذا فَتَحَ الإنسان دُكَّانهُ ونوى خِدْمة المُسْلمين ؛ والله كُلّ دقيقة يُمْضيها بالمَحَلّ التِّجاري تُعَدُّ عِبادَة ! هؤلاء مسلمون، وهم خَلْقُ الله فإذا أعْطَيْتَهُم بِضاعةً جيِّدَةً بِسِعْرٍ مَعْقول، ونصَحْت لهم وما غَشَشْتَهم، فأنت في عبادة، وأنت تزوَّجْتَ تبْتغي أن تُحْصِنَ نفْسَك، وأن تُنْجِبَ أولاد صالِحين يُصْبِحُ الزَّواج عِبادة، فأيُّ عَمَلٍ تعْمَلُهُ وأيُّ نشاطٍ تقوم به قال تعالى:

 

﴿وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾

 

[سورة التوبة]

 والآية دقيقة جدًا، قال تعالى:

 

﴿وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ﴾

 

[ سورة القصص ]

 ويا أيها الإخوة، مَن لا يبتغي الدار الآخرة تكون حياتُهُ مُتْعِبَة، وفيها مُنَغِّصات ومطبَّات، وهُموم تغُرّ وتضرّ وتمرّ، روى لي أحد الإخوة هذه القِصَّة وقد توفَّاه الله تعالى؛ اِشْتَغَل بِمَحلّ الحميديَّة، وكانتْ له دُعابَة ولكن غير مَقْبولة، فكان يكْنس هذا المحلّ ويَجْمع القُمامة ويضَعُها في علبة هدايا، وفَخْمة، وكأنَّها قِطْعة ذَهَب ثمينة وكأنَّها على الرَّصيف، يأتي إنسان فيَنْظر يَمْنةً فلا يجد أحدًا فيأخُذُها، ويَعْدو ويتْبَعُه هذا الشَّخْص، وبعد مائة متْر يَفُكّ العلبة فإذا فيها القُمامة، والله هذا المَثَل أصْغَر بِكَثير مِمَّا يُفاجأ به الإنسان عند الموت، وأنَّ الدنيا غرَّتْهُ وضَرَّتْهُ، ومرَّتْهُ.
 وكُنتُ بِحَلب فالذي اسْتَضافَني أراد أن يُطْلِعَني على أحد الأحياء الفَخْمة فرأينا قصْرًا قال لي: كلَّف هذا القصْر صاحِبَه خمْسًا وثلاثين مليون سنة الأربع والسَّبعين، وخمسة ملايين رخام أونيكس، والمُهَنْدِسون اسْتَقْدَمَهم من أوروبا، صاحب هذا القصْر تُوُفِّي في الثانِيَة والأربعين وكان القبْر أصْغَر من صاحب هذا القصْر، فَوُضِعَ مُعْوَجًّا !!
 أيُّها الإخوة، مِن أخْطَر آيات القرآن الكريم:

 

﴿وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ﴾

 

[ سورة القصص ]

 أنت مُهَنْدس أو طبيب أو مُدَرِّس أو تاجِر أو مُوَظَّف، يجب أن تعْلَمَ أنَّ الله تعالى يَمْتَحِنُكَ ويُراقِبُكَ، وأنَّ الله ينْظر ماذا تعْمل، فَبِقَدْر ما تُوَظِّف اخْتِصاصك في خِدْمة الخَلْق ترْقى عند الله.
ثمَّ قال تعالى:

 

﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾

 

[ سورة القصص ]

 لهذه الآية معاني كثيرة، ولكن مِنْ أَوْجَهِ معانيها، فهذه الآية يلْفظونها كثيرًا، كلَّ ما أراد الرَِّفاه والسُّرور، والتَّنَعُّم بالبيوت، والرُّكوب بأجْمل المركبات يقول لك قال الله:

 

﴿وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾

 

[ سورة القصص ]

 الحقيقة لو أنَّ طالبًا ذهَب إلى فرنسا ليأخذ دُكتوراه، هناك بِفِرَنْسا ملاهي ومتاحف ومُتَنَزَّهات وهناك سوربون، فإذا قلنا له وهو في طريقه إلى فرنسا لا تنْس المُهِمَّة التي أُرْسِلْتَ مِن أجْلِها، وهي مُهِمَّة واحِدَة أن تدْرُس، فهذا الذي لا ينسى نصيبه من فرنسا وقد ذَهَب إليها فأنت خُلِقْتَ من أجْل العمل الصالح قال تعالى:

 

﴿وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾

 

[ سورة القصص ]

 لأنَّه إذا جاءَكَ الموت ماذا تقول:

 

﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِي(99)لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ(100)﴾

 

[ سورة المؤمنون ]

 ومُعْظم الناس يسْتَشْهِدون بِهذه الآية على غير ما أراد الله عز وجل لا تنْسَ نصيبَكَ من الدنيا، والآية هذه تُؤكِّدُها قال تعالى:

 

﴿ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ(82)﴾

 

[ سورة الواقعة ]

 أي أنَّ حظَّكم أنَّكم كذَّبْتُم به ونصيبُكَ من الله أن تؤمن به وتُطيعَ الله وأمرَهُ، وأن تخْدِمَ خلْقهُ من أجْل أن ترْقى عنده.
 ما هو النَّصيب. فسَّرَهُ الله فقال تعالى

 

﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (77)﴾

 

[ سورة القصص ]

 أما لو أحْسَنَ الله على الإنسان وبدأ يظْهر أمام الناس بِزينَتِهِ قال تعالى:

 

﴿وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ﴾

 

[ سورة القصص ]

 هناك أُناسٌ كثيرون عندهم رَغْبة دفينة أن يُظْهِروا ما عندهم لِيَسْتَعلوا على الناس، فَكُلّ إنسان يبْتغي من دُنياه أن يسْتعلي على الناس ؛ بِمَالِهِ أو بيْتِهِ أو مرْكَبَتِهِ أو بِحَجْمِهِ المالي أو تِجارَتِهِ، إذا أراد الظُّهور فالله سبحانه وتعالى له بالمِرْصاد، والآية دقيقة جدًا، قال تعالى:

 

﴿وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ﴾

 

[ سورة القصص ]

 نصيبَكَ من الدنيا أن تُحْسِن كما أحْسَنَ الله إليك، فالله أحْسنَ إليك ومنَحَكَ نِعْمة الوُجود وهذه أثْمَنُ نِعْمة، ومنَحَك نِعْمة الإمداد، ونِعْمة الإرْشاد، خلَقَك وأمدَّك وهداك، ماذا ينتظر منك ؟ أن تُقابِلَ هذا الإحْسان بإحْسانٍ مثله، لأنَّ الله تعالى سخَّر الكون تَسْخير تَعْريف تَكريم، فالتَّعْريف يقْتضي أن تُؤْمِن، و التَّكريم يقتضي أن تشْكُر، فإذا آمنْتَ وشَكَرْتَ انتهى العِلاج قال تعالى:

 

﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا(147)﴾

 

[ سورة النساء ]

 ثمَّ يقول الله عز وجل:

 

﴿وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ﴾

 

[ سورة القصص ]

 كأسُ الماء صافي ؛ لا طَعْم له ولا لَوْن له، ولا رائِحَة له، فلو وَضَعْتَ فيه تُرابًا ولو وَضَعْتَ فيه مادَّةً سامَّةً أفْسَدْتَهُ، فالفساد إخْراج الشيء عن طبيعَتِهِ وهذه الفتاة خَلَقَها الله لِتَكون زَوْجةً، فإذا أطْلَقْتَ لها العِنان واخْتَلَطَتْ مع الرِّجال وقَعَتْ في الحرام، وأصْبَحْت أنت بَغِيًّا وهذا الشاب ينبغي أن يعْرِفَ ربَّهُ وأن يبْحَثَ عن عمل، فإذا دَلَلْتَهُ على عمل حرامٍ تكون أفْسَدْتَهُ، فالفساد خروج عن الطبيعة، قال تعالى:

 

﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ(41)﴾

 

[ سورة الروم ]

 فالهواء مُلَوَّث، وهناك الآن تَلَوُّث صَوْتي ؛ آلاف المحطَّات تُرْسِل موجات كهرطيسيَّة إلى الجوّ، والجو مُلَوَّث بِغاز أُكْسيد الكربون والماء مُلَوَّث بِمُخَلَّفات البِحار، والتُّرْبَة مُلَوَّثَة بالأسْمِدَة الكيماوِيَّة التي رفَعَتْ مُلوحة التُّرْبة، والفواكه والخُضار مُلَوَّثة بِمَواد سامَّة جاءَتْ مع مياه السَّقْي، فَمُخالفَة مَنْهج الله فساد، أما الفساد هنا في السِّياق أن لا تُظْهِرَ ما عندك للناس، أحيانًا تَجِد مَن يقول لك: هذا الأثاث من إيطاليا والبلاط أتَانا بالطائرة، قال تعالى:

 

﴿وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (77) ﴾

 

[ سورة القصص ]

 والآن تطبيق عَمَلي، قال تعالى:

 

﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾

 

[ سورة القصص ]

 جُهود وخِبْرات مُتراكِمَة، وأسَّسْتُ عملاً من ثلاثين سنة، وأنا معي شَهادات عُلْيا، وأنا وظَّفْتُ العِلْم للصِّناعة، وهذه الكلمة التي قالها قارون يقولها معْظم الناس، ويقولونها بأساليب كثيرة، يقول لك: هذا تعبي، هذا اسمي بالبلد، وينسى فضْلُ الله عليه، قال تعالى:

 

﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾

 

[ سورة القصص ]

 لذلك قالوا: أربع كلمات مُهْلِكات: أنا ولي وعندي ونحن، فأنا قالها إبليس ؛ أنا خير منه، فأهْلَكَه الله، ونحن قالها قوم سبأ، قال تعالى:

 

﴿قَالُوا نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ(33) ﴾

 

[ سورة النمل ]

 ولي قالها فرعون، قال تعالى:

 

﴿ وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَاقَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ(51)﴾

 

[ سورة الزخرف ]

 فأهْلكَهُ الله، وعندي قالها قارون قال تعالى:

 

﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾

 

[ سورة القصص ]

 ثمَّ قال تعالى:

 

﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (78) فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ﴾

 

[ سورة القصص ]

 تجدهم يقولون: اشْترى أرْضًا ارْتَفَع سِعْرُها ثلاثة أضْعاف، وتجده حينما يقولها يتنهَّد ! قال تعالى:

 

﴿إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (79)﴾

 

[ سورة القصص ]

 أهل الدنيا يُعَظِّمون أصحاب الأموال، تجده لا يُصَلِّي ويشْرب الخمْر ويحْتَرِمونهم أشَدَّ الاحْتِرام، أما المؤمن الذي دَخْلُهُ قليل لا ينظر إليه قال تعالى:

 

﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ (80)﴾

 

[ سورة القصص ]

 الجواب الإلهي قال تعالى:
ُ

﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ (81)﴾

[ سورة القصص ]

 سَمِعْتُ عن شركة ضَخْمة بالخليج يرْأسُها شَخْص يُعَدُّ من نوادِر العلماء بالاقتصاد، ويَحْمِل دكتوراه بأمريكا ركب أحدث سيارة بِي أمْ فاحْتَرَقَتْ السيارة، والذي حدث أنَّ القِفل المركزي لم يسْتطيعوا الخُروج حتَّى أصْبحوا قِطْعَتي فَحم هو وزوْجتُه! فالله عز وجل يُنهي الإنسان لِثَواني ولأتْفَه الأسباب، قال تعالى:

 

﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ (81) وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (82)﴾

 

[ سورة القصص ]

 أنت بِعَيْنَيْك أغْنى إنسان، وإذا كان زِراعة الكبد سبْعة ملايين !
 الخِتام، قال تعالى:

 

﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (83)﴾

 

[ سورة القصص ]

 المُتَّقي هو الفائِز والذَّكي والعاقل وهو الذي عرف ربَّهُ فاسْتقام على أمْره.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018